الثَّانِي: الْإِشَـارَةُ الـعَـقْـلِيَّـةُ لَا تُـفِيدُ التَّشَخُّصَ، فَإِنَّ تَقْيِيدَ الْكُـلِّيِّ بِالْـكُلِّيِّ لَا يُفِيدُ الـجُـزْئِـيَّـةَ بِـخِلَافِ قَـرِينَـةِ الـخِطَابِ وَالـْحِسِّ، فَـلِذَلِكَ كَـانَـا جُزْئِيَّيْنِ وَهَذَا كُلِّيًّا.
التَّنْبِيهُ (الثَّانِي الإِشَارَةُ العَقْلِيَّةُ لا تُفِيدُ التَّشَخُّصَ) هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُولِ وبَيْنَ الضَمِيرِ واسْمِ الإِشَارَةِ بِأَنَّ المَوْصُولَ مَعَ القَرِينَةِ التي هِيَ الصِّلَةُ لا يُفِيدُ التَّشَخُّصَ، وعَلَّلَ ذلك بقولِهِ: (فَإِنَّ تَقْيِيدَ الكُلِّيِّ بِالْكُلِّيِّ لا يُفِيدُ الجُزْئِيَّةَ) أَمَّا كَوْنُ القَيْدِ كُلِّيًّا فظاهرٌ نَظَرًا إلى أَنَّ مُجَرَّدَ الصِّلَةِ لا يَدُلُّ إِلَّا على انْتِسَابِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ إِلَى ذَاتٍ مَّا مِنْ غَيْرِ تَعَيُّنٍ.
وأَمَّا اعتبارُ كُلِّيَّةِ المُقَيَّدِ مَعَ أَنَّ مَعْنَى الموصولِ مُشَخَّصٌ على ما قَرَّرَ فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ المفهومَ لِلْعَالِـمِ بالوَضْعِ من الموصولِ وَحْدَهُ حِينَ الإِطْلَاقِ لَيْسَ إِلَّا الأَمْرَ الذِي هُوَ آلَةٌ لمُلَاحَظَةِ المُشَخَّصَاتِ، ولا شَكَّ أَنَّهُ كُلِّيٌّ مُقَيَّدٌ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ الذِي هُوَ كُلِّيٌّ أيضًا، فلا يَفْهَمُ السامِعُ مُشَخَّصًا (بِخِلَافِ قَرِينَةِ الخِطَابِ والحِسِّ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُما يُفِيدُ التَّشَخُّصَ فيَفْهَمُ السَّامِعُ منهما ما يَمْتَنِعُ فيه الشَّرِكَةُ (فلذلك كانا جُزْئِيَّيْنِ وَهَذَا كُلِّيًّا) فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ المفهومَ لِلْعَالِـمِ بالوَضْعِ من الموصولِ وَحْدَهُ حِينَ الإِطْلَاقِ لَيْسَ إِلَّا الأَمْرَ الذِي هُوَ آلَةٌ لمُلَاحَظَةِ المُشَخَّصَاتِ، ولا شَكَّ أَنَّهُ كُلِّيٌّ مُقَيَّدٌ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ الذِي هُوَ كُلِّيٌّ أيضًا، فلا يَفْهَمُ السامِعُ مُشَخَّصًا (بِخِلَافِ قَرِينَةِ الخِطَابِ والحِسِّ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُما يُفِيدُ التَّشَخُّصَ فيَفْهَمُ السَّامِعُ منهما ما يَمْتَنِعُ فيه الشَّرِكَةُ (فلذلك كانا) أَيِ: الضَّمِيرُ واسْمُ الإِشَارَةِ (جُزْئِيَّيْنِ وَهَذَا) أَيِ: الموصُولُ (كُلِّيًّا)
وَفِيهِ بَحْثٌ إِذِ الموصُولُ مَوْضُوعٌ للمُشَخَّصِ على ما حَقَّقَهُ، وعَدَمُ فَهْمِ السَّامِعِ المعنى المعيَّنَ لا يُوجِبُ الكُلِّيَّةَ
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقالَ: المرادُ أَنَّ الموصُولَ عُدَّ كُلِّيًّا نَظَرًا إلى فَهْمِ السامِعِ مِنْ مُجَرَّدِ قرينةِ الصِّلَةِ والإِشَارَةِ العَقْلِيَّةِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الانْحِصَارِ الخارجيِّ، لا إِلى أَنَّ الموصُولَ كُلِّيٌّ حقيقةً، وإِلَّا فلا يَسْتَقِيمُ كلامُهُ، إِذِ القرينةُ المُفِيدَةُ للتَّشَخُّصِ المُحْتَاجُ إِلَيْهَا في الاستعمالِ إِنِ اعتُبِرَتْ فلا فَرْقَ، وَإِنْ لم تُعْتَبَرْ فَلا فَرْقَ أَيْضًا لِعَدَمِ إِفَادَةِ الجُزْئِيَّةِ في الكُلِّ
لَكِنْ لَـمَّا كَانَ المُعْتَبَرُ ظاهِرًا من القَرِينَةِ هو مَضْمُونَ الصِّلَةِ حَكَمُوا بأنَّ قَرِينَةَ الموصُولِ هِيَ الصِّلَةُ والإِشَارَةُ العَقْلِيَّةُ المَفْهُومَةُ منها أَيْ مِنِ انْتِسَابِهَا، والمُصَنِّفُ بَنَى هَذِهِ التَّفْرِقَةَ على ذَلِكَ.
قوله: (التنبيه الثاني: الإشارة العقلية) أي: المعهودة التي هي قرينة الموصول لا مطلق الإشارة العقلية، وإلا لما صح أنها لا تفيد التشخص، ولم ينطبق ما ذكره من الدليل على مدعاه؛ لجواز أن تكون الإشارة العقلية مفيدة للجزئي بأن يراد بها الصلة مع الانحصار، ولو قال القرينة العقلية لكان أظهر في إرادة المعهود وكأنه اختار ما اختار للإشارة إلى أن القرينة العقلية يطلق عليها لفظ الإشارة كالحسية كذا أفاده العصام.
قوله: (أما كون القيد) أي: الصلة، وقوله: «مجرد الصلة» أي: الصلة المجردة عن الانحصار الخارجي.
قوله: (لا يدل إلا على انتساب الخ) أي: فالمفهوم حينئذ من «الذي ضرب» تقييد مفهوم «الذي» بنسبة الحدث الذي هو الضرب إليه وهو كلي فلا يفيد التشخص.
قوله: (فمن حيث إن المفهوم للعالم بالوضع الخ) قال المحشي: "فيه بحث؛ إذ لا نسلم أن المفهوم الأمر الكلي؛ لأن العلم بالوضع يقتضي فهم المعنى الذي وضع له اللفظ" اهـ.
وأقول: الذي يقتضيه العلم بالوضع إنما هو كون المعنى الموضوع له الجزئي ولا كلام فيه، إنما الكلام في المعنى الذي يدرك من اللفظ عند سماعه ويكون اللفظ دالا عليه بالنظر لذاته، ولا ريب في أن المدرك من لفظ «الذي» من غير تقييد بصلة تقتضي تعيين المراد منه إنما هو الكلي وإن علم في تلك الحالة أن الموضوع له الجزئي لكن لم يتعين ذلك الجزئي بعد؛ لعدم لزوم الصلة، تأمل.
قوله: (وحده) أي: حالة كون الموصول منفردا عن الإشارة العقلية التي هي الصلة.
قوله: (ليس إلا الخ) أي: وهو المفهوم الكلي الصادق على الأفراد.
قوله: (بخلاف قرينة الخ) إضافة «قرينة» لما بعدها بيانية.
قوله: (فلذلك الخ) في وصف اللفظ بالجزئية والكلية تجوّزٌ من وصف المدلول بوصف الدال؛ إذ لا يوصف بهما حقيقة إلا المعنى.
قوله: (وفيه) أي: في كون الموصول كليا بحث، حاصله أن المصنف تقدم له في التقسيم أن الموصول موضوع لمشخص فكيف يجعله هنا كليا؟!
قوله: (وعدم فهم) أي إن كانت شبهته عدم فهم السامع المعنى الجزئي دفعت بأن ذلك لا يقتضي الكلية كما في الأعلام المشتركة، فإن السامع للفظ «زيد» مع وجود عشرة أشخاص مثلا هو اسم لكل واحد منهم لا يفهم منه معينا منهم مع أن مدلوله جزئي اتفاقا.
قوله: (لا يوجب الكلية) كان الظاهر لا يسوغ؛ لأن عدم الوجوب يصدق بالجواز مع أن عدم فهم المعنى المعين من الموصول ونحوه لا يجوز الحكم عليه بالكلية، هذا إن خص المعنى بما ذكر، أما إذا أريد العموم فالعبارة على ظاهرها، تأمل.
قوله: (اللهم إلا أن يقال) حاصله أن المصنف إنما جعل الموصول كليا على سبيل المجاز باعتبار بعض ملاحظاته وهو ملاحظة الصلة مع قطع النظر عن الانحصار الخارجي لا أنه جعله كليا حقيقة حتى يقتضي عدم استقامة كلامه، وأفاد العلامة المحشي أن ما ذكر يقتضي ارتفاع الفرق؛ لأن الباب مفتوح في الكل فإنها باعتبار بعض ملاحظاته كلية، على أن قرينة الموصول لو اعتبرت بتمامها وهي مضمون الصلة مع الانحصار الخارجي لم تكن مفيدة للجزئية دائما كما يفيده كلامه، بل تارة تفيد الجزئية، كما إذا استعمل الموصول في جزئي نحو «الذي جاء من بغداد زيد»، وتارة تفيد الكلية، كما إذا استعمل الموصول في كلي هو جزئي إضافي نحو «الذي جاء من بغداد رجل»، وحينئذ فلا مانع من عده جزئيا نظرا للأول وكليا نظرا للثاني وعليه يحمل كلام المصنف في الموضعين، فعلى هذا قوله: «الإشارة العقلية لا تفيد التشخص» قضية مطلقة أي حكم فيها بسلب المحمول عن الموضوع بالفعل لا دائمة أي حكم فيها بدوام السلب.
قوله: (والإشارة العقلية) عطف تفسير.
قوله: (مع قطع النظر) لو أتى بـ«أي» قبل «مع» لكان أوضح؛ لأن ما ذكر بيان لما جردت عنه القرينة.
قوله: (وإلا فلا يستقيم كلامه) أي: إلا ننظر إلى الموصول مع مجرد قرينة الصلة وذلك صادق بصورتين: الأولى أن ينظر إليه مع تمام القرينة، الثانية أن ينظر إليه مجردا عن القرينة أصلا.
قوله: (إذ القرينة الخ) رد للصورة الأولى، وقوله: «وإن لم تعتبر» رد للصورة الثانية.
قوله: (ظاهرا) أي: وأما في نفس الأمر فالمعتبر ما ذكر مع الانحصار الخارجي مثلا.