ٌنبيه
على قرينة التشخص
على قرينة التشخص
(تَـنْـبِـيـهٌ)
مَـا هُـوَ مِـنْ هَــذَا الـقَـبِـيـلِ لَا يُفِيدُ الـتَّـشَخُّصَ إِلَّا بِـقَرِيـنَةٍ مُـعَـيِّـنَةٍ، لِاسْـتِـوَاءِ نِسْبَةِ الْـوَضْعِ إِلَى الـمُسَمَّيَاتِ.
((تَـنْـبِـيـهٌ)) لَفْظُ التَّـنْبِـيهِ يُسْتَعْمَلُ في مَـقَـامَـيْـنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُـونَ الحُـكْـمُ المـذْكُـورُ بَـعْـدَهُ بَـدِيـهِـيًّا أَوَّلِـيًّا
والثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا من الكَلَامِ السَّابِقِ.
وَهَـهُنَا الحُكْمُ بَدِيهِيٌّ أَوَّلِىٌّ؛ إِذْ تَصَـوُّرُ طَـرَفَـيْـهِ مَعَ الإِسْـنَادِ يَكْفِـي في الجَزْمِ بِالنِّسْبَةِ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ اسْتِدْلالاً بَلْ تَـنْـبِـيـهٌ يُـذْكَـرُ في صُورَةِ الاسْتِدْلالِ، وَالبَدِيـهِيَّاتُ قَدْ يُنَـبَّـهُ عَلَيْهَا إِزَالَةً لِـمَا قد يَكُونُ في بَعْضِ الأَذْهَانِ القَاصِرَةِ مِـنَ الـخَـفَـاءِ.
((مــا هُـــوَ مِــنْ هَـــذَا الـقَـبِـــيـــلِ)) أَيْ: ما صَـدَقَ عليه اللَّفـظُ الموضُوعُ لِمُشَخَّصاتٍ باعْتِـبَارِ انْدِرَاجِهَا في أَمْرٍ عَامٍّ ((لا يُفِيـدُ التَّـشَخُّصَ إِلَّا بِقَرِينَـةٍ مُعَيِّـنَةٍ)) لأَنَّ وَجْهَ إِفَادَتِهِ الوَاحِدَ مِنْ تِلْكَ الـمُشَخَّصَاتِ بِعَـيْـنِـهِ لَيْـسَ إِلَّا وَضْـعَـهُ لَــهُ، وَهُــوَ لا يَـخْــتَـصُّ بِــهِ ((لاسْـتَــوَاءِ نِـسْــبَــةِ الــوَضْــعِ إِلَـى الـمُسَمَّيَاتِ)) أَيْ لاشْتِرَاكِ الكُـلِّ في تِلْكَ، فلابُدَّ في إِفَادَةِ التَّعْيِـينِ مِنْ أَمْـرٍ يَنْـضَمُّ إِلَيْـهِ بِهِ يـَحْصُلُ ذَلِكَ التَّعْيِـينُ وهـو الـمَعْـنِـيُّ بِالْــ«قَـرِيـنَـةِ».
فَـإِنْ قِيــلَ: مـا هُـوَ مِـنْ هَـذَا الـقَبِـيـلِ والألفـاظُ الـمُشْتَرَكَةُ سِـيَّـانِ في عَدَمِ إِفَادَتِـهِ الـمَعْنَـى الـمَوْضُوعَ لَهُ بِدُونِ القَرِينَةِ وفي تَعَدُّدِ مَعْنَى الموضُوعِ لَـهُ، فَمَـا الـفَـرْقُ بَـيْـنَـهُمَـا ؟
قلنا: الفَـرْقُ بَيْنَهُمَـا لُزُومُ التَّعْيِـينِ فِي الـمَعْنَـى وَعَـدَمُـهُ وَوَحْــدَةِ الـوَضْـعِ وَتَـعَـدُّدِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: اللَّفْظُ بِحَـسَبِ اسْتِعْمَـالِهِ فِـي مَـعْـنَاهُ الـحَقِـيـقِـيِّ لا يـَحْتَاجُ إِلَى قَرِيـنَـةٍ دُونَ الـمَعْـنَـى الـمَجَـازِيِّ علـى ما هو المُقَرَّرُ، فكَيْـفَ حَكَمْـتَ عـليـه بِالاحْـتِـيَـاجِ
قلنا: المرادُ بِمَـا ذَكَـرُوهُ هُوَ أَنَّ اللَّـفْظَ المَوْضُوعَ لمعْـنًـى يَـكْـفِـي فـي صِـحَّـةِ اسْتِعْمَـالِهِ فـي مَعْـنَاهُ كَوْنُهُ موضوعًا لِذَلِكَ المعْنَى ولا يـَحْتَاجُ إلى القَـرِينَـةِ لمُجَرَّدِ الاسْتِعْمالِ بِخِلَافِ المَجَازِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ لمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِتَـصْرِفَ عَنْ إِرَادَةِ الـمَعْنـى الـحَقِـيقِـيِّ الـذِي وُضِــعَ الـلَّـفْــظُ للاسْـتِـعْمَـالِ فِـيـهِ، واحْتِـيَاجُ القَرِينَـةِ فِيمَـا نَحْنُ فِيهِ وَفي المُشْتَرَكِ لِدَفْعِ مُزَاحَمَةِ المَعَانِي الحَقِيقِيَّةِ وَفَـهْمِ الـمُـرَادِ لا لِلاسْـتِعْمَـالِ فِـيـهِ.
قوله: (تنبيه يستعمل في مقامين) أي اصطلاحا، وأما معناه لغة فالدلالة على ما غفل عنه المخاطب.
قوله: (بعده) أي بعد لفظ التنبيه.
قوله: (بديهيا) يطلق على معنين:
أحدهما: ما لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، وهو بهذا المعنى مرادف للضروري بهذا المعنى وحينئذ فيقابلان النظرى، أما إذا فسر الضروري بما لا بد منه، ومنه قولهم هذا ضروري أي لا بد منه، كأن كل من البديهي والنظري أعم منه من وجهه.
ثانيهما: المقدمات الأولية التي يكون تصور طرفيها مع النسبة كافيا في حكم العقل وهو بهذا المعنى خاص بالتصديقات، بخلافه على المعنى الأول فإنه يعمها والتصورات، فقول الشارح: «أوليا» صفة مخصصة على المعنى الأول مؤكدة على الثاني؛ إذ من ماصدقات الأول الحدسيات والوجدابيات والمجربات، تأمل.
قوله: (معلوما من الكلام السابق) أي التزاما لا صريحا بحيث يحتمل أن يغتفل عنه الناظر في ذلك الكلام السابق؛ لعدم كونه صريحا فيه ومسوقا لأجله وإلا فيكون تأكيدا لا تنبيها اهـ محشي.
قوله (وههنا الحكم بديهي) ظاهر كلامه إنه غير معلوم من الكلام السابق إجمالا ويقل البهوتي أنه لا يبعد أن يكون مراده ومعلوم من السابق، فإن بين البداهة والعلم من السابق العموم والخصوص الوجهي، ويؤيده ما نقله العصام عن شيخه مسعود الشيرواني حيث قال: "وأفيد أن لحمل التنبيه على المعنى الثاني مساغا".
قوله: (مع الإسناد يكفي إلخ) العبارة مقبولة أو المراد، كما قال الكردي، بالإسناد النسبة الحكمية وبالنسبة وقوعها، وقوله: (وليس ما ذكره إلخ) جواب سؤال تقديره: كيف يكون الحكم بديهيا مع استدلال المصنف عليه بقوله: ((لاستواء إلخ)) المقتضي أنه نظري؛ إذ هو المحتاج لنصب الدليل بخلاف البديهي.
قوله: (ما هو من هذا القبيل) «ما» واقعة على كل من الجزئيات كـ«هذا» و«الذي» و«أنا» و«من»، والمراد من هذا القبيل اللفظ الموضوع لمشخصات باعتبار أمر عام على تقدير مضاف أي مما صدق المعنى أي الذوات كما سبق إلى بعض الأوهام، تأمل.
قوله: (لا يفيد التشخص) أي التعين عن بقية المشخصات.
قوله: (إلا بقرينة معينة) كالإشارة الحسية والعلم بالصلة والمتعلق والمجرور والتكلم والخطاب وتقدم المرجع.
قوله: (لاستواء نسبة الوضع إلخ) في العبارة قلب والأصل: لاستواء المسميات في نسبة الوضع؛ لأن الاستواء وما شابهه إنما يكون في متعدد، و إلى ذلك أشار الشارح بقوله: «إذ مع اشتراك الكلي أي المسميات في تلك» أي نسبة الوضع.
قوله: (في إفادة التعيين) من إضافة المصدر لمفعوله بعد حذف الفاعل أي إفادة ما هو من هذا القبيل التعين.
قوله: (في عدم إفادة المعنى الموضوع له) فيه أنهما يفيدان المعنى الموضوع له بدونها بالنسبة إلى العالم بالوضع لكن لا يفيدان تعيين المراد إلا بها، اهـ أبو البقاء، و قد يجاب بتقدير المضاف أي إفادة تشخيص المعنى بقرينة ما سبق.
قوله: (لزوم التعيين) بمعنى التعين و التشخيص في المعنى أي فيما هو من هذا القبيل.
قوله: (وعَدَمُه) أي في الألفاظ المشتركة، واعلم إن قوله: «وعَدَمُه» يحتمل عطفه على التعيين أي ولزوم عدم التعيين، وعليه يكون الفرق إضافيا أي بالنسبة لما مدلوله كلي من المشترك لا لما مدلوله جزئي كالأعلام المشتركة كما هو ظاهر، وحينئذ يتجه أولوية تقديم الفرق الثاني على الأول، ويحتمل عطفه على لزوم أي وعدم لزوم التعيين وعليه يكون الفرق حقيقيا بالنسبة للقسمين، وبذلك تعلم أن ما ذكره المحشي من كون الفرق إضافيا مع عدم إفادة عبارته العطف على لزوم غير ظاهر و أن تكلف البهوتي في تصحيحه اهـ، تأمل.
قوله: (ووحدة الوضع) أي و لزوم وحدة الوضع فيما هو من هذا القبيل ولزوم تعدده في الألفاظ المشتركة.
قوله: (اللفظ بحسب إلخ) كبرى قياس من الشكل الأول حذفت صغراه؛ لسهولة حصولها، نظمه أن يقال: كل ما هو من هذا القبيل والألفاظ المشتركة مستعمل في معناه الحقيقي، وكل مستعمل في معناه الحقيقي لا يحتاج إلى قرينة، فكل ما هو من هذا القبيل والالفاظ المشتركة لا يحتاج إلى قرينة.
قوله: (قلت المراد إلخ) حاصله النظرُ في قولهم في الكبرى: «لا يحتاج إلى قرينة» بأنهم إن أرادوا القرينة المصححة لاستعمال ما ذكر فيما وضع له فمسلم، لكن ليست بمرادة هنا، وإن أرادوا القرينة المعينة فممنوع كما هو ظاهر.
قوله: (بما ذكروه) أي من قولهم: «اللفظ بحسب استعماله إلخ».
قوله: (لمجرد الاستعمال) أي الاستعمال المجرد، وأما التعيين المراد فيحتاج إليها.
قوله: (بخلاف المجاز) أي فإنه يحتاج إلى قرينة مانعة من إرادة الموضوع له؛ إذ هي التي يتوقف عليها تحقق المجاز، و إلى ذلك أشار بقوله: «لينصرف إلخ»، وأما القرينة المعينة للمراد من المعاني المجازية فلا يتوقف عليها تحققه، ألا ترى أنه لو قيل لك «رأيت بحرا ماشيا على قدميه» فقد وجدت القرينة المانعة من إرادة البحر الحقيقي ولم توجد المعينة للمراد من «بحر» علم أو كرم.
قال عصام الدين في الرسالة الفارسية: "اعلم أن المجاز يكفي في تحققه القرينة المانعة عن إرادة المعنى الحقيقي، وأما القرينة المعينة للمراد منه فليست شرطا في التحقيق بل في قبوله عند البلغاء، فإن فقدت كان مردودا إلا أن يتعلق بعدم ذكر المعينة غرض، كالتعميم لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فيكون مقبولا حسنا" اهـ.
قوله: (للاستعمال فيه) ظاهره أن الاستعمال موضوع له وليس كذلك، فاللام لام العاقبة وصلة وضع محذوفة أي الذي وضع اللفظ له لأجل الاستعمال فيه.
قوله: (مزاحمة) أي مشاركة.