التنبيه الثاني عشر
الألفاظ تتعاور
والمعتبر الوضع
الألفاظ تتعاور
والمعتبر الوضع
الثـانـِي عَـشَرَ: لا يُـرِيـبُـكَ تَـعَـاوُرُ الألـفـاظِ بـعـضِـها مكانَ بعضٍ، إِذِ الـمعتبرُ الوضعُ.
التَّنْبِيهُ (الثَّانِيَ عَشَرَ الثانِي عشر لا يُرِيبُكَ) أَيْ لا يُوقِعُكَ في رِيبَةٍ وَشَكٍّ (تَعَاوُرُ الأَلْفَاظِ بَعْضِهَا مَكَانَ بَعْضٍ) أَيْ تَنَاوُبُ بعضِها مكانَ بعضِ، وإِنْ قُرِيءَ بالضَّمِّ فالمعنَى تَنَاوُبُهَا واقِعًا بعضُها مكانَ بعضٍ على أَنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
(إِذِ المُعْتَبَرُ الوَضْعُ) خَتَمَ الرسالةَ بِدَفْعِ ما عَسَى أَنْ يَخْطُرَ ببعضِ الأَوْهَامِ وهو أَنَّ الحُكْمَ بالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والعَلَمِيَّةِ والمَوْصُولِيَّةِ وأَمْثَالِهَا للأَلْفَاظِ إِنَّما هو باعتبارِ ما استُعْمِلَتْ فيها من المعاني، فإذا قُلْتَ مَثَلاً «جاءني ذُو مالٍ» وَأَرَدتَّ به زَيْدًا فيُحْتَمَلُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ جُزْئِيٌّ لاستعمالِهِ في الجُزْئِيِّ، وكذا إِذَا انْحَصَرَ في بَلْدَةٍ حِفْظُ التَّوْرَاةِ في زيدٍ، فقُلْتَ «الذي حَفِظَ التَّوْرَاةَ في هذه البلدةِ حاضِرٌ» فرُبَّما يُتَوَهَّمُ أَنَّ هذه الأَلْفَاظَ أَعْلامٌ شَخْصِيَّةٌ لاتِّحادِ المُرَادِ من كلٍّ منها ومِنَ العَلَمِ الشَّخْصِيِّ.
وَوَجْهُ الدَّفْعِ ما ذَكَرَ أَنَّ المعتَبَرَ في الأَلْفَاظِ هو حالُ الوَضْعِ، والموضوعُ له في «ذُو» أَمْرٌ كُلِّيٌّ وَإِنِ استُعْمِلَ هَهُنَا في مُشَخَّصٍ فلا يَكُونُ جُزْئِيًّا بخلاف «زَيْدٍ» فإنَّهُ جزئيٌّ لِوَضْعِهِ لذلك المُشَخَّصِ، وكذا الحالُ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ.
واللهُ أَعْلَمُ بالصَّوَابِ وإِلَيْهِ المَرْجِعُ والمآبُ
والصلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ الأَنَامِ وعلى آلِهِ وأَصْحَابِهِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ.
{التنبيه الثاني عشر}
قوله: (أي تناوب بعضها) أشار به إلى أن لفظ «بعض» في كلام المصنف يجوز قراءته بالجر وإلى أنه بدل من «الألفاظ» بدل بعض من كل.
قوله: (على أن الجملة حال مؤكدة) أي لما فهم من تعاور الألفاظ؛ لأنه بمعنى تناوب بعضها مكان بعض أي وقوعه موقعه.
قوله: (المعتبر الوضع) أي المنظور إليه في الحكم بالكلية والجزئية وغيرهما مما تقدم الحال الوضعي لا الاستعمال، تأمل.
قال العلامة العصام: "وهذا التنبيه كالدليل للتنبيه السابق"، فاغن أيها الناظر بما ذكرناه من غير طلب مزيد، فإن فيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وجد في رياض مبانيه واقتطف أزهار معانيها اجتل عرائس أبكار نكاته إن كنث من إكفائها وإلا فخل بينها وبين أهلها العارفين بطرق أنبائها، واسلك في مطالعتها سبيل الإنصاف ولا تبادر إن توهمت خللا بالإتلاف، بل أصلح بعد التأمل إن لم يسعف التأويل وأجمل إن اعترضت، ففي هذا المقام لا يجمل التفصيل.
والحمد لله الموفق للصواب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، والآل والأصحاب دائمين متلازمين إلى يوم المآب.