فصل
في تعريف الدلالات
قوله: ((وأحكامِها)) وهي لزوم المطابقية للتضمنية والالتزامية من غير عكس وعدم استلزام التضمنية للالتزامية والعكس فالأحكام ثلاثة.
قوله: ((وهو)) أي: هذا الفصل حقيق.
قوله: ((في مفهوم الموصل)) الإضافة بيانية أي: إلى مجهول تصوري أو تصديقي كان ذلك الموصلُ تصوريا أو تصديقيا.
قوله: ((وتَوَقـُّفِ إفادةِ المعاني)) أي: التي من جملتها المفهوم الموصل أي: إفادتها للغير.
وقوله: «واستفادتها» أي: من الغير.
وقوله: «وتوقف ...إلخ» عطف على «انحصار»، وكذا قوله: «وكون الألفاظ»، ومجموعُ المعطوفين والمعطوفِ عليه علة واحدة لا عللٌ متعددة؛ إذ كل واحد من المعطوفين والمعطوف عليه لا ينتج المدعى كما يظهر بالتأمل، وحينئذ فالمعنى على المعية أي: للانحصار المذكور مع التوقف والكونية المذكورتين.
والمراد بالمعاني الصور الذهنية سواء كانت مفاهيم موصلة أم لا، فالمنطقي مثلا إذا أراد أن يُعْلِمَ غيرَهُ مجهولا تصوريا أو تصديقيا بالقول الشارح أو بالقياس فلابد له في التعليم من الألفاظ لأجل أن يمكنه التعليم.
وإنما قال: «وتوقفِ إفادة المعاني ... إلخ» ولم يقل: وتوقف فهم المعاني وتحصيلها على الألفاظ؛ لأن الشخص إذا أراد تحصيلها في نفسه لا يتوقف تحصيلها على الألفاظ، فالمنطقي إذا أراد أن يُحَصِّلَ لنفسه أحد المجهولين بأحد الطريقين لم تكن الألفاظ في هذا التحصيل أمرا ضروريا؛ إذ يمكنه تعقل المعاني مجردة عن الألفاظ لكنه عسير جدا، وذلك لأن النفس تعودت ملاحظة المعاني من الألفاظ بحيث إذا أرادت أن تتعقل المعاني وتلاحظها تتخيل الألفاظ وتنتقل منها للمعاني ولو أرادت أن تتعقل المعاني خالصة من الألفاظ المخيلة والمحققة صعب عليها صعوبة تامة كما يشهد به الرجوع للوجدان.
قوله: ((على الألفاظ)) أي: فاحتيج لمبحث الألفاظ.
قوله: ((وكَوْنِ الألفاظ)) أي: المتوقف عليها إفادة المعاني واستفادتها «منظورا فيها من حيث إنها دلائل المعاني» أي: لا من حيث إنها مفردة أو مركبة ولا من حيث إنها عرض ولا من حيث إنها موجودة خارجا أو ذهنا.
وبهذه الحيثية اندفع ما يقال إن الدلالة وصف للألفاظ ومَرْتَبَةٌ الموصوفِ مُقدَّمةٌ على مرتبة الوصف فكان اللائق ذكر مباحث اللفظ قبل مباحث الدلالة.
وحاصل الدفع أن اللفظ منظور له من حيث إنه يدل على المعنى فالملتفت إليه في الحقيقة إنما هو دلالته على المعنى لا غيرها فكان تقديم الدلالة هو اللائق.
قوله: ((دلائل المعاني)) أي: أمور دالة على المعاني.
قوله: ((فلذا)) أي: فلأجل أن هذا الفصل حقيق بالتقدم لأجل ما ذكر قدم الكلام..إلخ، أي: قدمه بالفعل، فلا يقال: إنه كالتَّكْرَار مع قوله: «وهو حقيق..إلخ».
قوله: ((دلالةُ اللفظِ)) أي: الوضعية، فخرج بإضافةِ «دلالةُ» لـ«اللفظِ» دلالةُ غيرِ اللفظِ بأقسامِها الثلاثةِ، وبتقديرِ «الوضعيةُ» دلالةُ اللفظِ العقليةُ والطبيعيةُ.
واعلم أن الدال إما لفظ أو غيره ودلالة كل منهما إما وضعية أو عقلية أو طبيعية ويقال لها أيضا عادية، فالمجموع ستة.
فدلالة اللفظ الوضعية كدلالة لفظ رجل على الذَّكَرِ الإنساني.
ودلالته العقلية كدلالة اللفظ على لافظه؛ لأن اللفظ عرض لابد له عقلا من جرم يقوم به وهو المتلَفِّظُ به.
ودلالته الطبيعية كدلالة «أَخ» على الوجع فإن الطبع عند عروض الوجع يلجأ إلى النطق بذلك.
وأما دلالة غير اللفظ الوضعية كدلالة الإشارة المخصوصة كالإشارة بالرأس مثلا على معنى «نَعَمْ» وهو الإجابة أو على معنى «لا» وهو عدم الإجابة.
والعقلية كدلالة ملازمة الأعراض الحادثة للجرم على حدوثه؛ لأن العقل يُحِيلُ قدم ملازم الحادث.
والطبيعية كدلالة صفرة الوجه على الوجل أي: الخوف ودلالة حمرته على الخجل أي: الحياء فإن من طبع الشخص أن تحدث له صفرة في وجهه عند الوجل وحمرة في وجهه عند الخجل.
ووجه انقسام الدلالة لما ذكر أن الدلالة إما أن يكون للوضع مدخل فيها أو لا، فإن كان له مدخل فيها فهي الوضعية في اللفظ وغيره، وإن لم يكن للوضع مدخل فيها فإن أمكن تغيرها في نفس الأمر فهي الطبيعية في اللفظ وغيره، وإن لم يمكن تغيرها فهي العقلية في اللفظ وغيره، فهذه ستة أقسام.
والمعتبرُ منها عند المناطقة قسمٌ واحدٌ وهو الدلالةُ اللفظيةُ الوضعيةُ فقَسَّمُوهَا ثلاثةَ أقسامٍ مطابقيةٍ وتضمنيةٍ والتزاميةٍ.
وإنما اعتبروها دون غيرها لعمومها وانضباطها وسهولة تناولها بخلاف الطبيعية فإنها مخصوصة ببعض الأمور مع عدم الوثوق بانضباطها لإمكان اختلاف الطبائع وتناولـُها يتوقف على البحث عن مقتضى الطبع وقد يصعب.
وكذا العقلية فإنها تختص بما بينهما لزوم عقلي والعقول تتناقض ولا تنضبط أفهامها باعتبار الفاهمين وهي متوقفة على إدراك اللزوم وقد يكون صعب التناول بخلاف اللفظية الوضعية فإنها إنما تتوقف على الاطلاع على الوضع وهو سهل فكلما عُرِفَ الوضع انضبط في إفهام الموضوع له.
قوله: ((تمام)) ذَكَرَهُ لرعاية مقابله وهو قوله: «على جزئه» وزيادةُ هذه اللفظة تـُخْرِجُ من التعريف دلالةَ اللفظ على المعنى البسيط كدلالة لفظ «نقطة» على نهاية الخط فيكون التعريف غير جامع.
وأجيب بأن «تمام» لا تشعر بالتركيب كـ«جميع» حتى يخرج دلالة اللفظ على المعنى البسيط؛ لأنه في مقابلة النقص، بخلاف «جميع» فإنه في مقابلة البعض، وفيه أنه ذكرها في مقابلة الجزء وحينئذ فيكون دالا على التركيب، فالأَوْلَى حذفه أو إبداله بـ«عين».
قوله: ((اللفظ)) الأَوْلَى أن يأتي بأداة التفسير؛ لأنه تفسير لنائب الفاعل لا أنه نائب فاعل كما هو ظاهره.
وفيه إشارة إلى أن الصفة أو الصلة جرت على غير من هي له فكان الواجب إبراز الضمير إلا أن يقال إنه مشى على طريقة من يقول إنه لا يجب الإبراز إذا كان الجاري على غير من هو له فعلا وإنما يجب في الوصف.
قوله: ((على تمامِ ما وُضِعَ له)) أي: على المعنى الذي وضع له بتمامه وعينه بحيث لا يخرج شيء مما اعتبره الواضع في مقابلته وسواء كان اللفظ مشتركا أو لا كان حقيقةً أو مجازًا.
فدلالةُ المشتَرَكِ على كل من معانيه مطابقةٌ.
وكذا دلالةُ اللفظِ على معناه المجازيِّ كدلالة «أسد» على الرجل الشجاع.
قوله: ((مطابقة)) أي: تسمى مطابقة أي: دلالة مطابقة، وقوله: «لتطابق» أي: توافق وهو علة التسمية بـ«المطابقة».
قوله: ((كدلالة الإنسان)) أي: لفظ الإنسان أي: وكدلالة «أسد» على الرجل الشجاع وكدلالة «عين» على الباصرة مثلا وكدلالة «النقطة» على نهاية الخط.
قوله: ((فالدلالة كون الشيء ... إلخ)) أي: فإذا خطر ببالك «إنسان» يلزم منه العلم بمدلوله الذي هو الحيوان الناطق أي: فمطلق الدلالة سواء كانت لفظية أو غير لفظية كانت عقلية أو طبيعية أو وضعية مطابقية أو تضمنية أو التزامية فالتعريف لمطلق الدلالة لا لخصوص المطابقية التي هي قسم من اللفظية الوضعية كما يوهمه التفريع بالفاء فكان المناسب أن يقول «والدلالة» بالواو.
وقوله: «كونُ الشيءِ» أي: الدال لفظا كان أو غيره «يلزم من العلم ... إلخ» تفسير للحالة، وهذا التعريف للمتأخرين.
وعرفها المتقدمون بـ«فَهْمِ أمرٍ من أمرٍ».
وينبني على التعريفين أن الدال قبل حصول الفهم منه بالفعل لا يسمى دالا على تعريف المتقدمين ويسمى دالا على تعريف المتأخرين.
واعْتُرِضَ مذهبُ المتقدمين بأن الدلالة وصف للدال والفهم وصف للفاهم وحينئذ فيلزم على تفسيرهم تفسير ما هو وصف لأمر بما هو وصف لغيره ولذا فسرها المتأخرون بما علمت.
وأجيب بأن هذا الاعتراض غلط نشأ من الاقتصار على جزء المركب حيث اقْتُصِرَ على «فَهْم» وتُرِكَ الجزءُ الآخَرُ وهو «مِنْ أَمْرٍ» فإن الفهم الذي فسرت به الدلالة فهم مقيد بالمجرور بـ«مِنْ» الذي هو الأمر الدال بمعنى أن الدلالة هي كون أمر يفهم منه بالفعل أمر آخَر ولا شك أن الذي فهم منه أمر هو الأمر الدال لا غيره والذي اتصف به غيره إنما هو الفهم لأمر أي: كونه فاهما له لا الفهم منه أي: كونه مفهوما منه فالشخص فاهمٌ لا مفهومٌ منه.
قوله: ((بحالة)) الباء للملابسة أي: كون الشيء ملتبسا بحالة وهي العلاقة التي بين الدال والمدلول بحيث ينتقل منه إليه بسببها كالوضع في الوضعية واقتضاء الطبع في الطبيعية والعلة في العقلية.
وقوله: «يلزم ... إلخ» خبرُ «كون».
وإنما اشترط في دلالة شيء على آخر أن يكون بينهما علاقة تقتضي أن ينتقل منه إليه؛ لأنه لولا ذلك لدل على جميع ما عداه؛ لأن الانتقال إلى شيء دون آخر ترجيحٌ من غير مرجِّح.
قوله: ((يلزم)) أي: بعد العلم بتلك الحالة وبعد العلم بالقرينة ليشمل دلالة الألفاظ على معانيها المجازية.
والمراد اللزوم الكلي أي: يلزم من العلم به في جميع أوقات ذلك العلمِ العلمُ بشيء آخر فلا ينفك عنه في وقت من أوقاته، والمراد بالعلم الأول والثاني الإدراك أعم من أن يكون تصوريا أو تصديقيا يقينيا أو غيره، لكن إن كان العلم بالشيء يفيد العلم التصوري سمي ذلك الشيء دالا وإن كان مفيدا للعلم اليقيني سمي ذلك الشيء دليلا وإن كان مفيدا للظنِّيِّ سمي ذلك الشيء دليلا إقناعيا وأمارة.
واعلم أن العلمَ غيرَ اليقينيِّ لا يفيد علما يقينيا.
قوله: ((من العلم به)) أي: بذلك الشيء، وقوله: «بشيء آخَرَ» هو المدلول.
قوله: ((والوضع)) أي: ومطلق الوضع كان وضعَ لفظٍ أو وضعَ غيرِهِ فهو تعريف لمطلق الوضع لا لوضع اللفظ؛ إذ هو جعل اللفظ بإزاء المعنى.
فقوله: «جعل الشيء» أي: لفظا كان أو غيره، وقوله: «بإزاء» أي: بمقابلة آخر وهو الموضوع له، وقوله: «بحيث إذا فهم الأول» أي: بحيث إذا أدرك الأول وهو الموضوع أي: وعلم وضعه للشيء الذي جعل بإزائه، وقوله: «فهم الثاني» أي: وهو الموضوع له.
واعْتُرِضَ بأن «إذا» للإهمال فتكون القضية معها في حكم الجزئية فتقتضي أنه إذا فهم الأول يفهم الثاني تارةً وتارةً لا يفهم مع أنه لابد في الوضع من فهم الثاني عند فهم الأول في جميع الأحوال والأوقات فكان المناسبُ إبدالَ «إذا» بـ«كُلـَّما» التي هي من سور الإيجاب الكلي فتأمَّل.
قوله: ((إذا فهم الأول فهم الثاني)) أي: مع العلم بالوضع.
قوله: ((ودلالته على جزئه)) أي: في حال دلالته على الكل لا في حالة أخرى فالتضمن فهم الجزء في ضمن الكل ولا شك أنه إذا فهم المعنى فهمت أجزاؤه معه فليس في دلالة التضمن انتقال من اللفظ إلى المعنى ومن المعنى إلى الجزء بل هو فهم واحد يسمى بالقياس إلى تمام المعنى مطابقة وبالقياس إلى جزئه تضمنًا، بخلاف دلالة الالتزام فإنه لابد فيها من الانتقال من اللفظ للمعنى ومن المعنى إلى اللازم ضرورةَ أن اللازم لا دخل له في الوضع أصلا.
وهذا وجه من يقول إن التضمنية وضعية والالتزامية عقلية وذهب بعضهم إلى أن في دلالة التضمن انتقالا من اللفظ إلى المعنى إجمالا ثم إلى أجزائه تفصيلا.
وبُحِثَ فيه بأنه يستلزم تقدم وجود الكل على وجود الجزء في الذهن مع اتفاقهم على تقدم الجزء على الكل في الوجودين الذهني والخارجي.
وبأنه يستلزم فهم الجزء مرتين مرة في ضمن المركب وأخرى منفردا والوجدان يُكَذِّبُهُ.
فالأقيس ما ذهب إليه بعضهم من أن التضمن فهم الجزء في ضمن الكل لا بعد فهمه.
وقد يجاب عن البحث الأول بأن تقدم الجزء على الكل في الوجودين محلـُّهُ إذا
اعتبر فهم الكل بوجه لا من اللفظ وأما إذا اعتبر فهمه من اللفظ الذي وضع للكل ولم يوضع للجزء، فلا نسلم تقدم الجزء، كيف وهو مخالف لوضع اللفظ للكل.
وأيضا فهم الكل من اللفظ إنما هو فهم إجمالي والجزء لا يتقدم إلا على الفهم التفصيلي، ولذا قالوا إن النوع قد يحضر في الذهن ولا يحضر الجنسُ يَعْنُونَ بحضور النوع الحضورَ الإجماليَّ لا التفصيليَّ.
قوله: ((ودلالته على جزئه تضمن ... إلخ)) حاصله أنك إذا قلت إنسان فدلالته على الحيوان الناطق مطابقة ودلالته على أحدهما تضمن.
قوله: ((أي: جزء المعنى الموضوع له)) أي: حيث كان المعنى الموضوع له مركبا كحيوان ناطق الذي وضع له إنسان فدلالة التضمن إنما تكون فيما له جزء وهو المعنى المركب بخلاف الدلالة المطابقية فإنها تكون في ذلك وفيما لا جزء له كالنقطة والجوهر الفرد فتكون المطابقية أعم من التضمنية عموما مطلقا.
وقوله: «تضمن» أي: تسمى تضمنًا أي: دلالةَ تضمنٍ.
قوله: ((لكون الجزء ... إلخ)) علة لتسميتها تضمنية، وقوله: «كدلالة الإنسان» أي: كدلالة لفظ الإنسان الموضوع للحيوان الناطق في حال إطلاقه على ذلك.
قوله: ((ودلالته على الخارج)) أي: على الخارج عن الموضوع له اللازم له؛ لأن اللزوم شرط في تحقق الالتزامية، وقوله: «التزام» أي: تسمى التزامًا أي: دلالةَ التزامٍ.
قوله: ((لكون الخارج ... إلخ)) على لتسميتها دلالة التزامية.
قوله: ((فإن القابلية المذكورة)) أي: القابلية لصفة العلمِ والكتابةِ أي: الكون قابلا لهما، وقوله: «خارجة عن المعنى الموضوع له» أي: خارجة عن المعنى الذي وضع له لفظ إنسان وهو حيوان ناطق.
قوله: ((هكذا وقع ... إلخ)) أي: وقع التمثيل للدلالة الالتزامية في كتب القوم كهذا أي: كهذا التمثيل الصادر منه وهو التمثيل بدلالة الإنسان على قابل العلم وصنعة الكتابة.
قوله: ((وفيه بحث)) أي: فيما وقع في كتب القوم من التمثيل لدلالة الالتزام بقابلية العلم وصنعة الكتابة.
قوله: ((إذ لا يلزم ... إلخ)) أي: وذلك لأنه قد يتصور معنى الإنسان وهو حيوان ناطق ويغفل عن كونه قابلا للعلم وصنعة الكتابة مع أنه لابد في دلالة الالتزام من لزوم تصور المدلول الالتزامي لتصور المدلول المطابقي وحينئذ فلا ملازمة بينهما فلا يصح التمثيل بما ذكر.
قوله: ((ويمكن أن يجاب عنه)) أي: عن هذا البحث بأن اللزوم ... إلخ.
وحاصل هذا الجواب أنا لا نسلم أنه لا ملازمةَ بينهما بل القابلية المذكورة لازمة لمعنى الإنسان لزوما بَيِّنًا بالمعنى الأعم، وحينئذ فيصلح أن يكون مثالا للمدلول الالتزامي بهذا الاعتبار.
وقَضِيَّةُ كلامِ الشارحِ أن بَيْنَ اللزومِ البَيِّنِ بالمعنى الأعمِّ واللزوم البَيِّنِ بالمعنى الأخصِّ تباينًا وهو طريقةٌ.
وهناك طريقة أخرى وهي أن اللزوم البَيِّنَ بالمعنى الأعم هو الذي إذا تُصُوِّرَ الملزومُ واللازمُ جَزَمَ العقلُ باللزومِ أعمَّ من كون الجزم باللزوم متوقفا على تَصَوُّرِ اللازم أم لا وأن اللزوم البَيِّنَ بالمعنى الأخص كما ذكره الشارح، وعلى هذا فبينهما عموم وخصوص مطلق.
وعلى الطريقة الأولى التي مَشَى عليها الشارحُ مَشَى صاحبُ الشمسيةِ وعليها فالتسمية باللزوم البين بالمعنى الأعم وباللزوم البين بالمعنى الأخص تسمية اصطلاحية وليس المراد بالأعم وبالأخص الأعم والأخص بالمعنى المصطلح عليه عند الأصوليين.
والحاصل أن اللزوم إما غيرُ بَيِّنٍ وإما بَيِّنٌ واللزوم البَيِّنُ تحته فردان لزوم بَيِّنٌ بالمعنى الأعم ولزوم بَيِّنٌ بالمعنى الأخص.
قوله: ((بأن اللزوم بين الإنسان)) أي: بين معنى الإنسان.
قوله: ((وهو)) أي: اللزوم البين بالمعنى الأعم أن لا يكون ... إلخ أي: وهو ذو أن لا يكون ... إلخ أي: اللزوم المذكور هو الموصوف بعدم كون تصور الملزوم فقط كافيا في جزم العقل به لا نفسُ عدمِ الكَوْنِيَّةِ المذكورةِ كما هو ظاهره، ولو قال: «ما لا يكون تصور الملزوم كافيا في جزم العقل به بل لابد إلخ» كان أظهر وأخصر.
قوله: ((بَيْنَ)) ظرفٌ لقوله: «اللزوم».
قوله: ((بل لابد ... إلخ)) وذلك كلزوم مغايرة الإنسان للفرس فإذا تصور الإنسان والمغايرة المذكورة جزم العقل بلزومها له ولا يكفي في جزم العقل بلزومها تصور الإنسان فقط لجواز الغفلة عن الفرس وعن مغايرة الإنسان لها فلا يحصل الجزم باللزوم.
قوله: ((بهذا المعنى)) أي: الملتبس بهذا المعنى وهو البين بالمعنى الأعم.
قوله: ((المعنى الموضوع له)) أي: الذي وضع له لفظ إنسان وهو الحيوان الناطق.
قوله: ((القابلية المذكورة)) أي: قابلية الإنسان للكتابة والعلم،
وقوله: «لا سُتْرَةَ فيه» أي: لا خفاء فيه تأكيدٌ لقوله: «ظاهر».
قوله: ((ظاهر)) خبر عن قوله: «واللزوم» وحيث كان ظاهرًا لا خفاءَ فيه فيكون قوله: «فإن العقل...إلخ» تنبيهًا لا دليلاً.
فإن قلت: إنه لا يُنَبَّهُ إلا على ما كان فيه نوعُ خفاءٍ وقد نَفَاهُ بقوله: «ظاهر».
والجواب أن المراد بقوله: «ظاهر» يعني ظهورًا غيرَ تام فلذا نَبَّهَ عليه.
قوله: ((لا يَتَوَقـَّفُ في اللزوم بينهما)) أي: بل يجزم العقل باللزوم بينهما هذا،
وما اقتضاه كلامه من أن اللزوم الكائنَ بَيْنَ كلٍّ من قبول العلم والكتابة وبَيْنَ الإنسان ليس بَيِّناً بالمعنى الأخص بل بالمعنى الأعم فهو مُسَلـَّمٌ بالنسبة لقبول الكتابة لا بالنسبة لقبول العلم؛ إذ هو لازم بين بالمعنى الأخص، وذلك لأن الإنسان معناه حيوان ناطق والناطق معناه المتفكر بالقوة فإذا لاحظت الإنسان بهذا المعنى جزم العقل بلزوم قبوله للعلم لزوما بينا بالمعنى الأخص وإذا لاحظت الإنسان بهذا المعنى فلا يجزم العقل بلزوم قبول الكتابة له بل لابد من تَصَوُّرِكَ زيادةً على ذلك الكتابةَ بأنها الحركةُ المخصوصةُ المَبْنِيَّةُ على التأمُّل والرَّوِيَّةِ.
قوله: ((حَسَنٌ)) أي: لأنه يدفع البحث المذكور.
قوله: ((إلا أنه يوجِب اعتبار اللزوم إلخ)) أي: بحيث يكون كافيا فيها، وقوله «لكنه» أي: اعتبارَ اللزومِ البينِ بالمعنى الأعم في الدلالة الالتزامية مُخْتَلَفٌ فيه فبعضهم قال به وبعضهم قال بعدمه وأن المعتبر فيها إنما هو البَيِّنُ بالمعنى الأخص.
وَدَفَعَ الشارحُ بالاستدراك المذكورِ تَوَهـُّمَ أن ما اقتضـاه الجوابُ المذكورُ من
أن اعتبار اللزوم البين بالمعنى الأعم في الدلالة الالتزامية أمرٌ متفقٌ عليه.
قوله: ((بالمعنى الأعم)) أي: المُلْتَبِسِ بالمعنى الأعم من التِباسِ الكليِّ بِجُزْئِيِّهِ.
قوله: ((بل المحققون)) إضراب انتقالي.
قوله: ((بالمعنى الأخص)) أي: كلزوم البصر للعمى فإنه لازم له؛ لأنه متى تُصُوِّرَ العمى الذي هو الملزوم تُصُوِّرَ اللازمُ الذي هو البصر؛ لأنه مأخوذ في تعريفه ولابد من معرفة كل جزء من أجزاء التعريف حتى يعلم المُعَرَّفِ.
قوله: ((يكفي فيه)) أي: في جزم العقل باللزوم وهذا الجارُّ متعلق بقوله: «يكفي»، وكذلك قوله: «في جزم .. إلخ» لكنَّ الثانيَ تعلق به بعد التقييد والأول تعلق به مطلقا فلا يَرِدْ أن فيه تعلقَ حَرْفَيْ جرٍّ متحدين معنىً بعامل واحد.
واعلم أنه على ما ذكره في تعريف الأخص والأعم لا يَتَأَتَّى خصوصٌ ولا عمومٌ بل عليه يكونان متباينين.
وأما ما ذكرناه فالخصوص والعموم عليه ظاهرٌ كما عُلِمَ فالأعميةُ في الأفراد لا في المفهوم فإذا كان تَصَوُّرُ الاثْنَيْنِيَّةِ كافياً في جزمِ العقل باللزوم بين الاثنين والزوجية على ما قَالَهُ فمِنْ بابٍ أَوْلَى في الكفاية إذا تَصَوَّرَهُمَا لَكِنْ حينئذ يكون اللزومُ أعمَّ.
وأما في القابلية فلابد في جزم العقل باللزوم من تصور الأمرين ولا يكفي تصور الملزوم في اللزوم فقد وجد الأعم بدون الأخص.
قوله: ((فالصَّوابُ ... إلخ)) تفريع على قوله: «بل المحققون».
قوله: ((بزوجية الاثنين)) أي: لأنا إذا تصورنا الاثنين نتصور الزوجية، ولَكِنْ قد يقال: لا يلزم من تصور الاثنين تصور الزوجية فضلا عن جزم العقل بلزومها لها؛ لأنه قد يَغْفُـلُ البَالُ عن تصور الزوجية كذا أَوْرَدَهُ (عج).
وحينئذ فالأَوْلَى التمثيلُ بدلالةِ العمى على البصرِ؛ لأنه يلزمُ من تصورِ العمى
تصورُ البصرِ، وإتيانُهُ بدلَ التفريعِ بالعطفِ.
قوله: ((وهذا البحث وإن ... إلخ)) جواب عما يقال إن هذا البحثَ بَحْثٌ في المثال وهو ليس من دأب المحصلين، وقوله: «وإن كان» الواو للحال.
قوله: ((بِدَأْبِ)) أي: بعادة «الطلاب» جمع طالب.
قوله: ((إذ يكفي في التمثيل ... إلخ)) علة لقوله: «وهو ليس ... إلخ».
قوله: ((الفَرْضُ)) أي: التقدير أي: تقدير الصحة.
قوله: ((لَكِنَّ غرضَنا ... إلخ)) هو واقع موقع خبر المبتدأ الذي هو قوله: «وهذا البحث»، وَأَصْلُ الكلامِ: «وهذا البحثُ وإن كان مناقشةً في المثال لا بأسَ به وإنما يكون به بأسٌ إذا لم يكن غرضنا به شيئا لَكِنَّ غرضَنا به التنبيه ... إلخ» ونظيرُ هذا قولك: «زيدٌ وإِنْ كان غنيا لكنَّه بخيلٌ» أي: زيد وإن كان غنيا لا يُعْطِي شيئًا فيُحْسَبَ له وإنما يُعْطِي شيئًا إذا لم يكنْ بخيلاً لكنَّه بخيلٌ.
قوله: ((إيرادِهِ)) أي: البحثِ.
قوله: ((التنبيهُ على أن المعتبرَ)) أي: على جوابِ أَنَّ...إلخ
وجوابُهُ المعتبرُ هو اللزومُ البَيِّنُ بالمعنى الأخصِّ.
قوله: ((أيُّ لزومٍ)) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، وقوله: «المعتبر» خبر مُقَدَّمٌ وهذه الجملةُ خبرُ «أَنَّ» واسمُهَا ضميرٌ محذوفٌ.
﴿تنبيه﴾ أُورِدَ على حَصْرِ الدلالةِ اللفظيةِ الوضعيةِ في الدلالاتِ الثلاثِ التي ذَكَرَها المصنف دلالةُ العامِّ على بعض أفراده كدلالة «عَبِيدِي» من قولك: «جاء عَبِيدِي» على زيدٍ فإنها ليست مطابقية؛ لأن زيدا ليس تمام المعنى الموضوع له اللفظ ولا تضمنية؛ لأن زيدا جزئيٌّ لا جزءٌ، ولا التزامية؛ لأنه ليس خارجا عن الموضوع له.
وأجاب بعضهم بأنها مطابقية؛ لأن «جاء عبيدي» في قوة قضايا بعدد أفراده أي: جاء زيد وجاء عمرو...إلخ.
والحق أنها تضمنية لأن زيدا وإن كان جزئيا باعتبار ذاته إلا أنه جزء من الهيئة المـُجْتَمِعَةِ من الأفراد الدال عليها اللفظ ولا يلزم من كون الشيء في قوة الشيء أنه يدل دلالتَهُ.
قوله: ((لَـمَّا كانتْ دلالةَ اللفظِ على الخارجِ)) أي: على المعنى الخارج عن الموضوع له سواء كان ذلك الخارج وجوديا كالحياة اللازمة للعلم أو عدميا كعدم الفرس اللازم للإنسان أو اعتباريا كالأبوة اللازمة للبنوة.
قوله: ((واللفظُ)) أي: والحالُ أن اللفظَ لا يدل على كل خارج عن المعنى الموضوع له.
قوله: ((وإلا لزم إلخ)) أي: وإلا بأن دل اللفظ الموضوع لمعنى على كل أمر
خارج والحالُ أن الألفاظ الموضوعة متساويةُ في كونها موضوعةً لزم أن يكون كـُّل
لفظٍ موضوعٍ دالا على معانٍ غيرِ متناهية لشمول المعاني للموجودات والمعدومات.
قوله: ((وهو باطل)) أي: إن هذا اللازمَ باطلٌ، وهو دلالةُ اللفظِ على معانٍ غيرِ متناهيةٍ أي: وإذا بطل اللازم بطل المقدم وهو دلالة اللفظ على كل خارج وإذا بطل هذا ثبت نقيضه وهو أنه لا يدل على كل خارج بل لابد من شرط، فقوله:«فلابد ... إلخ» تفريع على بطلان اللازم لِيُرَتِّبَ عليه بطلانَ المقدَّمِ المترتبَ عليه ثبوتُ نقيضِ المقدم أي: لأنه ليس عندنا لفظ يدل على معان غير متناهية أي: لعدم الالتفات عند إطلاق لفظ منها إلى المعاني الغير المتناهية لا إجمالا ولا تفصيلا.
قوله: ((فلابد ... إلخ)) تفريع على قوله: «وهو باطل» أي: فعلم أنه لابد للدلالة على الخارج من شرط أي: من أمر يتعلق به.
ثم إن المناسب لقوله: «ثم الدلالة الالتزامية لما كانت ... إلخ» أن يقول: «فلابد للدلالة الالتزامية من شرط وهو اللزوم الذهني» أي: كون الأمر الخارجي لازما للمعنى الموضوع له اللفظُ في الذهن بحيث يلزم من إدراك المسمى إدراكُهُ.
وإنما اشترط هذا الشرط في دلالة الالتزام؛ لأنه لو لم يوجد هذا الشرط امتنع فهم الأمر الخارجي من اللفظ فلم يكن اللفظ دالا عليه؛ إذ لو كان دالا عليه لَفـُهِمَ والفرضُ امتناعُ الفهم.
قوله: ((أشار ... إلخ)) جوابُ «لَـمَّا».
قوله: ((عقلا)) أي: لزومَ عقلٍ فيكون «عقلا» مفعولا مطلقا أو لزومًا عقليًا فيكون حالاً أو من جهة العقل فيكون تمييزًا، وكذا يقال في «عُرْفًا».
واللزوم العقلي هو اللزوم الذهني وهو اللزوم البين بالمعنى الأخص في اصطلاح بعض المناطقة.
وبعضهم يطلق اللزوم الذهني على ما عدا الخارجي فيشمل البَيِّنَ بِقِسْمَيْهِ وغيرَ البَيِّنِ.
قوله: ((بَيْنَ الاثنين والزوجية)) أي: فمتى تَعْقِلْ الاثنين تَعْقِلِ الزوجيةَ كما أشار له بقوله: «فإنه» أي: اللزومَ بَيْنَ الاثنين والزوجيةِ بحسب العقل وفيه ما سبق عن (عج)، فلا تَغْفُـلْ.
قوله: ((ولا يشترط اللزوم الخارجي)) أي: لا يشترط في الدلالة الالتزامية زيادةً على اشتراط اللزوم العقـلي فيها كونُ اللازمِ بحيث يلزم من تحـقق المسمى في
الخـارج تَحَقـُّقُهُ فيـه بل تارةً يوجد كما في اللـزوم بين الاثنـين والزوجية؛ إذ لا تنـفك
الاثنين عن الزوجية لا في الذهن ولا في الخارج وتارةً لا يوجد كما في اللزوم بين العمى والبصر.
والحاصلُ أنه لا يشترط اللزوم الخارجي زيادةً على الذهني.
وأما اللزوم الخارجي فقط فعدم كفايته مستفادٌ من اشتراط اللزوم الذهني وحينئذ فلا يقال إن غرابًا يدل على السواد التزاما؛ لأنه وإن لزم خارجا فلا يلزم عقلا؛ لأن العقل يُجَوِّزُ أن يكون الغرابُ أحمرَ أو أبيضَ مثلا.
قوله: ((وليس كذلك)) أي: وليس عدم تحققها بدونه مماثلا للواقع بل الواقع تحققها بدونه فاسمُ «ليس» ضمير عائد على عدم التحقق المستفاد من قوله:«لم يتحقق» والمشار إليه الواقع وهذا في قوة قوله: «واللازم باطل».
وقوله: «فإن العمى» بيان لبطلان اللازم.
قوله: ((يدل على البصر التزاما)) فيه أن البصر جزء من ماهية العمى فيكون دلالته علىه تضمنا.
وأجيب بأنا لا نسلم أن البصر جزء من ماهية العمى؛ لأن ماهيتَهُ العدمُ المـُقَيَّدُ بالبصر فالبصرُ قَيْدٌ والقيدُ خارجٌ عن المقيد.
قوله: ((لأنـه عـدم البصـر)) أي: العـدمُ المـضـافُ للبـصـر لا مـطلقُ العـدمِ وحينئذ فمفهوم العمى مركب من جزئين جـزء مـادي وهو العدم وجـزء صـوري
وهو الإضافة ويكـون البصـر خارجا عن مفهـوم العمى ؛ لأن المضاف إذا أُخِذَ في
المفهـوم من حيث إِنَّهُ مُضَـافٌ كانتِ الإضافةُ داخلـةً فيه والمضـافُ إليه خارجًا وإذا
أُخِذَ من حيث ذاته كانت الإضافة خـارجة عن المفهـوم كالمضـاف إليه، وقد علمت
أن مفهوم العمى هو العدم المضاف للبصر من حيث إنه مضاف فتكون الإضافة للبصر داخلة في مفهوم العمى والبصرُ خارجًا عنه.
وعلى هذا فدلالة العمى على كل من العدمِ والإضافةِ تضمنيةٌ وعلى البصرِ التزاميةٌ.
قوله: ((عما من شأنه ... إلخ)) أي: شأن شخصه فدخل فيه زيد الأعمى وزيد الأكمه والعقرب فيتصف جميعها بالعمى؛ لأن شأن أشخاصها أن تكون بصيرة وخرج الحائط مثلا فلا يتصف بالعمى؛ لأنه ليس شأن شخصها أن يكون بصيرا.
وبهذا تعلم أنه لا حاجة لِـمَا قيل في قوله: «عما من شأنه» من أن المراد شأن شخصه أو نوعه أو جنسه فيدخل فيه زيد الأعمى باعتبار الشخص وزيد الأَكْمَهَ باعتبار نوعه والعقرب باعتبار جنسه.
قوله: ((المعاندة)) أي: المنافاة بينهما في الخارج وحينئذ فلا ملازمةَ بينهما فيه.
قوله: ((أو عُرْفًا)) أي: بأن يمتنعَ في مَجْرَى العادةِ تصورُ الملزومِ بدون تصورِ اللازمِ.
قوله: ((بين الغيث)) أي: المطر والنبت فالغيث يلزمه النبت عُرْفًا فمتى تصور الغيث تصور النبت ويمتنع بحسب العرف تصور الغيث بدون تصور النبت، وقوله: «فإنه» أي: اللازم بين الغيث والنبت.
قوله: ((لتحقق التخلف)) أي: تخلف النبت عن الغيث وحينئذ فلا يكون اللزوم بينهما عقليًا.
قوله: ((خروج عن الفن)) أي: عن مصطلح الفن، وقوله: «كما ذكرنا» أي: في قوله: «سابقا بل المحققون ... إلخ».
قوله: ((هو اللزوم البين بالمعنى الأخص)) أي: وهو لا يكون إلا عقليا.
قوله: ((فضلا)) هو منصوب على أنه مفعول مطلق من فَضَلَ بمعنى زاد وتستعمل بين كلامين مختلفين بالإيجاب والسلب وتقع بعد انتفاء الأدنى ليلزم انتفاء الأعلى بالطريق الأولى فالمعنى وعدم اعتبار اللزوم بالمعنى الأعم أمر زائد على عدم اعتبار اللزوم العرفي ولا خفاء أنه إذا انتفى اعتبار اللزوم بالمعنى الأعم انتفى اعتبار اللزوم بالمعنى العرفي بطريق الأولى.
قوله: ((اعتبار)) مبتدأٌ خبرُهُ قوله: «عند علماء ... إلخ».
قوله: ((عند علماء المعاني)) أي: فَهُمْ يعتبرونه كما يعتبرون اللزوم العقلي؛ إذ لو لم يعتبر اللزوم العرفي لخرج كثير من المجازات والكنايات المعتبرة في المخاطبات وهو ما كان اللزوم فيه عرفيا كرعينا الغيث أي: النبات في المجاز وزيد كثير الرماد أي: كريم في الكناية.
قوله: ((فكأَنَّ المصنفَ تَبِعَهُمْ)) فيه أن في تَبَعِيَّتِهِ لهم خلطَ اصطلاحٍ باصطلاحٍ فكيف يحمل المصنف على تبعيته لهم.
فالأَوْلَى أَنْ يقال إن هذا الفن في الأصل للفلاسفة واللزوم العرفي عندهم راجع للعقلي؛ لأن الأمور العادية مؤثرة عندهم فيكون المصنف جاريا على هذا.
قوله: ((وإذ قد فرغ)) أي: حين قد فرغ «من تحديد» أي: تعريف الدلالات.
قوله: ((وتلزمهما المطابقة)) أي: تحقيقا؛ إذ متى تحققت التضمنية أو الالتزامية تحققت المطابقية فيكونان مستلزمين لها وهذا ما قَبْلَ المبالغة.
قوله: ((ولو تقديرا)) أي: تلزمهما ولو تقديرا أي: حيث لم يستعمل اللفظ في معناه المطابقي بالفعل وإنما استعمله في جزئه أو لازمه فإنه دال عليه بالمطابقة بتقدير إرادته منه وهذا مبني على أن الدلالة الوضعية تتوقف على الإرادة وهذا مرجوح عند أهل الفن.
والمعتبرُ عندهم أن اللفظَ يدل على معناه الموضوع له سواء حصلت إرادة له أم لا، فقوله: «ولو تقديرًا» القصدُ بهذا الإشارةُ لبيان استلزام التضمنية والالتزامية للمطابقة على مذهب من يشترط الإرادة في الدلالة الوضعية.
وحاصل ما في المقام أنه اختلف في الدلالة الوضعية هل يشترط فيها الإرادة فلا يدل اللفظ على المعنى إلا إذا أريد ذلك المعنى منه.
والحق عدم الاشتراط وحينئذ فيدل اللفظ على ما وضع له وإن لم يرد منه.
ثُمَّ إن كُلاًّ من القائل بالاشتراط والقائل بعدمه يقول باستلزام كل من التضمنية والالتزامية للمطابقية لكن الاستلزام ظاهر على القول بعدم الاشتراط؛ إذ لا يوجد التضمن والالتزام في صورة إلا ويوجد فيها المطابقة وغير ظاهر على القول بالاشتراط لأنه إذا أريد من اللفظ جزء المعنى أو لازمه كما في ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ أي: بعضها بقرينة استحالة دخول كلها «ونَطَقَتْ الحالُ» أي: دلت فقد وجد التضمن والالتزام ولم توجد المطابقة لعدم إرادة الموضوع له فتنفك المطابقة عنهما، وَوَجَّهَ المصنفُ الاستلزامَ على هذا القول بأن الاستلزام تقديري بمعنى أن كل لفظ له دلالة تضمنية والتزامية فهو على تقدير لو أريد منه الموضوع له كان له دلالة مطابقة.
إذا علمت هذا فاعلم أن قول المصنف ويلزمهما المطابقة أي: تحقيقا على القول بعدم الاشتراط.
وقوله: «ولو تقديرا» أي: تقديرَ إرادةِ الموضوع له على القول بالاشتراط فيكون المصنف بَيَّنَ استلزامَهما للمطابقة على القولين وحينئذ فلا يلزم من قوله: «ولو تقديرا» اختيار مذهب القائل بالاشتراط مع أنه أبطله في بعض كتبه.
وبهذا التقرير اندفع ما اعترض به على الغاية من أن الدلالة لا تنفك عن الوضع وحينئذ فلا حاجة للغاية إذ لا توجد صورة يتحقق فيها التضمن والالتزام دون المطابقة حتى تُقَدَّرَ.
قوله: ((لأنهما تابعان ... إلخ)) قياس من الشكل الأول وقوله: «من حيث إنه تابع» تقييد للمحمول لا للموضوع لئلا يَرِدَ عدمُ اتحادِ الوسطِ.
قوله: ((والتابع من حيث ... إلخ)) كالحرارة فإنها لازمة للنار من حيث كونها تابعة وإلا لانتقض الكلام بهذا المثال لأنها قد توجد من غير النار كالشمس.
قوله: ((بدون)) متعلق بـ«يَتَحَقَّقُ».
قوله: ((موضوعا لمعنى بسيط)) كالنقطة وكلفظ بياض الدال على العرض البسيط؛ إذ البياض لا يتجزأ، وقوله: «بدون التضمن» متعلق بـ«تَحَقُّقِهَا».
قوله: ((وفيما إذا ... إلخ)) أي: ولتحققها فيما إذا ... إلخ.
قوله: ((لازم بحيث ... إلخ)) أي: لازم ملتبس بهذه الحالة أي: لازم بين بالمعنى الأخص.
قوله: ((لا يستلزم الالتزام)) أي: في العقل، وأما في الواقع فلابد لكل شيء من لازم؛ لأنه إما أن يكون واجب الوجود ويلزمه صفاته من قدرة ... إلخ.
أما الأول فلجواز أن يكون من المعاني المركبة ما لا يكون له لازم ذهني فهناك تضمن بدون الالتزام.
وأما الثاني فلجواز أن يكون للمعنى البسيط لازم ذهني، فهناك الالتزام بدون التضمن.
أو مخلوق وهو إما عَرَضٌ ويلزمه القيام بالغير وإما جَوْهَرٌ ويلزمه التحيز أو أمر اعتباري ويلزمه أنه مغاير لغيره من الأشياء، وهذا بناء على أن اللزوم الأعم معتبر وإلا فقد لا يكون لشيء لازم أخص.
قوله: ((فلجواز ... إلخ))، عبر بـ«الجواز» إشارة إلى أن هذا أمر ممكن عقلا وإن لم يوجد له مثال؛ لأن مجرد الإمكان لا يستلزم الوجود.
وقولُ الفَخْرِ «لا يتأتى وجود المطابقية بدون الالتزامية؛ لأن معنى كل لفظ يلزمه المغايرةُ لغيره»، ففيه أن المغايرة المذكورة لازم بين بالمعنى الأعم وهو غير معتبر في دلالة الالتزام، نَعَمْ على القول باعتباره يَتِمُّ ما قَالَهُ.