قوله: ((العلم)) أي: الحادث لأنه المنقسم للأقسام المذكورة.
قوله: ((وهو الإدراك مطلقا)) أي: من غير تقييد له بكونه إدراك مفرد أو إدراك وقوع النسبة أو لاوقوعها، فالمراد مطلق الإدراك.
وإنما قيده بالإطلاق ليصح تقسيمه لِـمَا يأتي؛ إذ لو كان المراد به خصوص إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة كما قاله بعض الأصوليين أو إدراك المفرد كان التقسيم باطلا لأنه تقسيم الشيء لنفسه ولغيره.
واعلم أن العلم يطلق على القواعد والضوابط، وعلى الملكة الحاصلة من مزاولة القواعد، ويطلق على الإدراك.
وهو حقيقة في الثالث؛ لأن العلم مصدر، وإطلاقه على الأولين مجاز ولا يصح إرادة واحد منهما هنا؛ لأن العلم المنقسم للأقسام الآتية إنما هو العلم بمعنى الإدراك.
ثم إن العلم بمعنى الإدراك قيل إنه من مقولة الكَيْفِ وهو عَرَضٌ لا يَتَوَقـَّفُ
تَعَقـُّلُهُ على تعقلِ غيرِهِ ولا يقتضي القسمةَ واللاقسمةَ في محلـِّه كالسواد والبياض،
وعلى هذا فيكون الإدراك عبارة عن صورة الشيء الحاصلة في الذهن.
وقيل: إنه من مقولة الفعل وهو تأثير الشيء في غيره ما دام مُؤَثـِّراً؛ كتسخين النار للماء ما دام مُسَخِّنًا، وعلى هذا فيفسر الإدراك بتحصيل صورة الشيء في الذهن.
وقيل: من مقولـة الانفعال وهو تَأَثـُّرُ الشيءِ من غيره ما دام مُتَأَثِّراً كتَـسَخـُّنِ
الماءِ من النار ما دام الماء مُسَخـَّنًا، وعلى هذا فيفسر الإدراك بقبول النفس لحصول صورة الشيء فيها.
وقيل: من مقولة الإضافة وهي نسبة يتوقف تعقلها على تعقل نسبة أخرى؛ كالأبوة والبنوة فإن كلا منهما نسبة يتوقف تعقلها على تعقل الأخرى.
هذا هو المراد بالإضافة المقابلة للفعل والانفعال والمراد بها هنا في جانب العلم النسبة أي: أنه نسبة بين أمرين يتوقف تعقلها على تعقل كل منهما، وعلى هذا فيفسر الإدراك بأنه حصول صورة شيء في الذهن.
والذي عليه المحققون أنه من قبيل الكيف وعليه فالعلمُ عينُ المعلومِ ذاتًا وإنما يختلفان اعتبارًا فصورة الشيء باعتبار كونها مُرْتَسَمَةً في الذهن عِلْمٌ وباعتبار ارتسامها بالشيء في الخارج معلومٌ.
ولا يقال: إن من أَفْرَادِ العِلْمِ النظريَّ وهو يتوقف تعقله على تعقل الغير؛ كالدليل فلا يصدق عليه تعريف الكيف السابق من أنه عرض لا يتوقف تعقله على تعقل الغير؛
لأنا نقول المنفيُّ لزومُ التوقفِ أي: لا يلزم توقف تعقله على تعقل غيره بل تارة يتوقف تعقله على تعقل الغير وتارة لا يتوقف كما ذكر ذلك السيدُ البُلَيْدِيُّ في شرح المقولات.
قوله: ((إن كان إذعانا للنسبة)) أي: إدراكا على وجه الجزم أو الظن أي: إن كان إدراكا لوقوعها أو لا وقوعها.
واللام في قوله: لـ«النسبة» زائدة للتقوية أي: إن كان إذعانَ نسبةٍ أي: إدراكا لها من حيث إنها واقعة أو ليست بواقعة سواء كان ذلك الإدراك راجحا وهو الظن أو جازما غير مطابق للواقع وهو الجهل أو مطابقا للواقع ولا يقبل التغير وهو اليقين أو يقبل التغير بتشكيك مشكك وهو التقليد فكل من الظن والجهل المركب واليقين والتقليد تصديق عند المناطقة؛ لأنه إدراك وقوع النسبة أو لاوقوعها على وجه الجزم أو الظن وهو شامل لما ذكر.
وأما إدراك وقوعها أو لاوقوعها على وجه الوهم أو الشك فلا يسمى تصديقا؛ لأنه لا جزم ولا ظن عند الشاك والمتوهم.
وأما المتكلمون فلا يجعلون الظن والجهل والتقليد والشك والوهم من العلم بل هي مُقَابِلَةٌ له؛ لأن العلم عندهم «الاعتقادُ الجازمُ المطابقُ للواقعِ عن دليلٍ».
والعلم عندهم غير المعلوم فالتصديق عندهم مقابل للتصديق عند المناطقة؛ لأن التصديق عند المناطقة من قبيل العلم والمعرفة وعند المتكلمين كلام نفساني يرجع لقول نَفْسِ المُصَدِّقِ «آمنتُ وصَدَّقْتُ»، فلهذا يعرفونه بأنه حديثُ النفسِ التابعُ للمعرفةِ.
قوله: ((للنسبة الحـُكْمِيَّةِ)) كثبوت الخبر للمبتدإِ أي: إدراكًا لكون النسبةِ واقعةً أو لا والحكمية نسبة للحكم لكونها متعلقه فهي مورد الإيجاب والسلب المعبر عنهما بالإيقاع وهو إدراك الوقوع والانتزاع وهو إدراك عدم الوقوع.
وبعبارة أخرى قوله لـ«النسبة الحـُكْمِيَّةِ» أي: المنسوبة للحكم لتعلقه بها؛ لأن الحكم إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة ولا تتصف النسبة حقيقة بكونها حكمية إلا بعد تعلق الحكم بها لا قبله.
فلو قال المصنف «للنسبة الخبرية» بدل «الحـُكْمِيَّةِ»كان أَوْلَى والنسبة الحكمية هي ثبوت المحمول للموضوع في كل من القضية الموجبة والسالبة عند المحققين.
وقيل: إنها ثبوت المحمول للموضوع في الموجبة وانتفاء المحمول عن الموضوع في السالبة.
وعليه مشى الشارح فيما يأتي في قوله: «ولا شك أن من أدرك ... إلخ».
وإنما كان التحقيقُ الأَوَّلَ؛ لأن مَوْرِدَ الإيجابِ والسلبِ والإيقاعِ والانتزاعِ هو النسبةُ، والإيجابُ والإيقاعُ عبارة عن إدراك وقوعها أي: مطابقتها للواقع والسلب والانتزاع عبارة عن إدراك عدم وقوعها أي: عدم مطابقتها للواقع ونفس الأمر ولا تكون النسبةُ مَوْرِدًا لما ذُكِرَ إلا إذا كانت بمعنى ثبوت المحمول للموضوع فذلك الثبوت تُدْرَكُ مطابقتُهُ للواقعِ في القضيةِ الموجبةِ ويُدْرَكُ عدمُ مطابقتِهِ للواقعِ في القضية السالبة.
ولذا قال السيد في حواشي التجريد إن النسبة الحكمية في الموجبة والسالبة
على نَهْجٍ واحد فيُلاحَظُ الربطُ فيها لا عدمُ الربطِ ثم تُذْعِنُ في الموجبة أن الربط
ثابت وفي السالبة أنه غير ثابت.
وقد علمت مما ذكرنا أن الإيجابَ والإيقاعَ بمعنىً والسلبَ والانتزاعَ بمعنىً وأن الإذعان أعم منهما.
قوله: ((على وجه ... إلخ)) هو أن يكون الإدراك المتعلق بها متعلقا من حيث إنها واقعة أو ليست بواقعة لا متعلقا بها من حيث ذاتها.
قوله: ((يطلق عليه ... إلخ)) أي: فالإذعان للنسبة وتسليمها وقبولها عندهم إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة، وأما عند المتكلمين فهو قول النفس آمنتُ وصدقتُ.
قوله: ((اسم التسليم)) الإضافة للبيان «والقبول» عطف تفسير.
قوله: ((المذكور)) هو الذي يطلق عليه اسم التسليم، وقوله: «يسمى حكما» أي: كما يسمى تصديقا.
قوله: ((فالتصديق ... إلخ)) تفريع على ما تضمنه الكلام السابق من أن التصديق هو إدراك أن النسبة واقعة ... إلخ.
قوله: ((على تعريفه)) أي: على تعريف المصنف له والمراد تعريفه الضمني؛ لأنه يؤخذ من تقسيمه المذكور تعريف التصديق بأنه الإذعان للنسبة الحكمية أي: إدراك وقوعها أو لا وقوعها.
قوله: ((كما هو مذهب الـحُكَمَاءِ)) أي: وهو الراجح.
قوله: ((لكن يشترط في وجوده ... إلخ)) أي: لأن الحكم على الشيء وكذا الحكم به فرع عن تصوره.
قوله: ((وتصور النسبة الحكمية)) أي: إدراك تعلق الخبر بالمبتدإ.
قوله: ((وإنما قلنا الإدراك على الوجه المذكور)) أي: الذي يطلق عليه اسم التسليم.
قوله: ((واقعة)) أي: مطابقة للواقع ونفس الأمر، وقوله: «أو ليست بواقعة» أي: ليست مطابقة لما في الواقع ونفس الأمر.
قوله: ((الإيجابية)) وهي ثبوت الخبر للمبتدإ والإيجابية نسبة للإيجاب من نسبة المتعلَّق بالفتح للمتعلِّق بالكسر وقد علمت المراد بالإيجاب.
قوله: ((فقد أدرك أنها واقعة)) أي: وإذا كان كذلك فيكون إدراك النسبة على الوجه المذكور هو إدراك أنها واقعة أو غير واقعة، وإدراكُ أنها واقعة هو الحكم فيكون إدراك النسبة على الوجه المذكور هو الحكم وهو المـُدَّعَى وكذا يقال فيما بَعْدُ.
قوله: ((النسبة السلبية)) هي انتفاء القيام عن زيد في «زيد ليس بقائم» والسلبية نسبة للسلب من حيث إنها متعلَّقُهُ فهو من نسبة المتعلَّق بالفتح للمتعلِّق بالكسر، وقد علمت المراد بالسلب فيما مر.
ولا تتصف النسبة بكونها إيجابية أو سلبية إلا بعد تعلق الإيجاب أو السلب بها لا قبل ذلك كما هو ظاهره فلو حذف كلا من «الإيجابية والسلبية» وعبر بَدَلَهُما بالخبرية كان أولى.
قوله: ((ولَـمَّا كان ... إلخ)) جواب عن مخالفةِ المصنفِ القومَ في التعبيرِ حيثُ عَبَّرَ هو بـ«الإذعان» وَهُمْ عَبَّرُوا بـ«إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة».
قوله: ((ما ذكره القوم)) أي: في تعريف الحكم من أنه إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة.
قوله: ((راجعا للإذعان)) أي: لأنه كما سبق إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة على سبيل الجزم أو الظن فقوله «راجعا للإذعان» أي: بطريق اللزوم.
قوله: ((عبر عنه)) أي: عن مُحَصَّلِ ما ذكره القوم أي: عن ملزومه.
قوله: ((بين إدراك النسبة)) أي: الذي هو تصور تعلق المحمول بالموضوع.
قوله: ((إذعان النسبة)) أي: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة.
قوله: ((بأوضح وجه)) يتعلق بالفرق، وقوله: «وأوجزه» أي: أخصره، ومصدوق ذلك الوجه الأوضح أن إدراك النسبة تصور وإذعانها تصديق، وقوله: «بأوضح وجه إلخ» أي: وأيضا يلزم من إذعان النسبة إدراكها ولا عكس؛ لأن متعلق الإذعان كونها واقعة أو ليست بواقعة وهو أخص من متعلق إدراك النسبة وهو ثبوت المحمول للموضوع أي: تعلقه به.
والحاصل أن كل إذعان إدراك وليس كل إدراك إذعانا تأمَّل.
قوله: ((فإن إدراك ... إلخ)) أي: إنما عبر المصنف بالإذعان إثباتا للفرق؛ لأن إدراك النسبة ... إلخ فهو علةٌ لِلْمُعَلَّلِ مع علتِهِ أو إنما أثبت الفرق بينهما؛ لأن...إلخ فيكون علةً للعلةِ، فتَدَبَّرْ.
قوله: ((لا على هذا الوجه)) تفسير لقوله: «فقط».
قوله: ((سِيَّما)) أي: خصوصا التغاير في الجملة الخبرية المشكوكة فـ«سِيَّما» كلمةٌ يؤتى بها للتنبيه على أولوية ما بعده بالحكم.
قوله: ((المشكوكة)) أي: المشكوك في نسبتها هل هي واقعة أم لا.
قوله: ((فإن المغايرة)) أي: بين إدراك النسبة وإذعانها وهو علةٌ لـ«سِيَّما».
قوله: ((هنا)) أي: في الجملة المذكورة وقضيته أن فيها إدراكا وإذعانا وأن التغاير بينهما فيها واضح مع أنه ليس فيها إذعان كما قال الشارح بَعْدَ «لَكِنْ» المرادَ أن الإذعان لم يوجد فيها مع وجود الإدراك فيها فقد بلغ التغايرُ في الوضوح غايته.
قوله: ((بلغت مبلغ)) أي: غاية الوضوح، وقوله: «لوجود» علة لـ«بلغت».
قوله: ((فيها)) أي: في الجملة المذكورة.
قوله: ((لم يحصل له إذعانها)) أي: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة على سبيل الجزم أو الظن؛ إذ الشاك لا جزم ولا ظن عنده.
قوله: ((وعند متأخري ... إلخ)) الحق أن التصديق بسيط، وذلك لأنه مستفاد من الحجة والمستفاد منها إنما هو إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، وأما تصور المحكوم عليه وبه والنسبة فإنما هو مستفاد من القول الشارح.
وأن التحقيق أن الحكم إدراك كما قاله الشيخ ياسين.
وقوله: «وعند متأخري ... إلخ» معطوف على معنى ما تقدم أي: إن ما تقدم من أن التصديق هو الحكم فقط عند الحكماء وعند ... إلخ.
ولا فائدة للخلاف إلا أنه على الأول إذا اختل شرط فإنه يسمى بالتصديق غاية الأمر أنه يقال له تصديق فاسد وعلى الثاني إذا اختل شيء من الشطور فلا يقال له تصديق أصلا نظير الصلاة بغير وضوء فإنه يقال لها صلاة غاية الأمر أنها فاسدة وإذا اختل ركن منها فلا يقال إن هناك صلاة وجدت هكذا ذكر بعض شيوخ شيخنا وهو سيدي محمّد الصغير.
وبعبارةٍ قوله: «وعند متأخري ... إلخ» أي: الإمام الرازي ومن تبعه.
والفرق بين المذهبين من وجوه:
أحدها أن التصديق بسيط عن الحكماء ومركب عند المتأخرين.
ثانيها أن التصورات الثلاثة وهي تصور الطرفين والنسبة شروط في وجوده وصحته خارجة عنه عند الحكماء وشطور داخلة فيه عند المتأخرين.
ثالثها أن الحكم نفس التصديق عند الحكماء وجزؤه على مذهب المتأخرين.
فتحَصَّلَ أن المذهبين يتفقان على أن التصورات الثلاثة محتاج إليها في التصديق لكن الاحتياج إليها على أنها شروط عند الحكماء وشطور عند المتأخرين.
واعلم أن فائدة الخلاف التي تنبني عليه أن التصديق عند المتأخرين لا يكون بديهيا إلا إذا كانت أجزاؤه كلها بديهية وعند الحكماء يكفي في بداهته كون الحكم فقط بديهيا وإن كانت الأطراف نظرية.
وذكر بعض الأشياخ فائدة أخرى وهي أنه على مذهب الحكماء يقال له تصديق وإن اختل بعض الشروط غاية الأمر أنه عند الاختلال يقال له تصديق فاسد وعلى مذهب المتأخرين لا يقال له تصديق إلا إذا وجدت الشطور فإن اختل شيء منها فلا يقال له تصديق نظيرُ ذلك الصلاةُ فإنه يقال لها صلاة عند فقد شرطها كالطهارة غاية الأمر أنه يقال صلاة فاسدة لفقد شرط الصحة ولا يقال لها صلاة عند فقد شطر من شطورها أي: ركن من أركانها لعدم وجودها إذ وجودها لا يتحقق إلا بتحقق جميع أجزائها كذا قيل.
وفيه أنه إنما يصح كونه تصديقا فاسدا عند الحكماء عند فقد الشروط أن لو كانت التصورات شروطا في صحته كما في الصلاة مع أنها شروط لوجوده فلا يتأتى وجوده بدونها حتى يقال إنه تصديق فاسد؛ لأن الحكم بالشيء أو على الشيء فرع عن تصوره فلا يتأتى إدراك أن النسبة التي بين الشيئين واقعة أو غير واقعة إلا بعد تصور الشيئين وملاحظة النسبة بينهما، تأمَّل.
قوله: ((والحكم إما إدراك أو فعل))، اعلم أن المتأخرين قالوا إن الحكم فعل من أفعال النفس الصادرة عنها بالاختيار بدليل أن الألفاظ التي يعبر بها عنه تدل على ذلك كالإيجاب والسلب والإيقاع والانتزاع وعليه فهو تحصيل صورة الشيء في الذهن.
وقال المتقدمون إنه إدراك وما يعبر به من الألفاظ السابقة ليس المراد ظاهره؛ لأنا إذا رجعنا لوجداننا علمنا أنه بعد إدراك النسبة الحكمية لم يحصل لنا سوى إدراك أن تلك النسبة واقعة أو ليست بواقعة.
ثم إن فسر الإدراك بانتقاش صورة الشيء في النفس كان انفعالا، وإن فسر بالصورة الحاصلة كان كيفا وهو الحق كما مر وقد علمت معنى الفعل والانفعال فيما مر.
إذا علمت هذا فقول الشارح «الحكم إما إدراك» أي: وهو ما قاله المتقدمون، وقوله: «أو فعل» أي: وهو قول المتأخرين أي: لأنهم قالوا إن الحكم هو الإيقاع والانتزاع والإيجاب والسلب وهذه أفعال فليس الخلاف في كون الحكم فعلا أو إدراكا بين المتأخرين فقط كما قد يتوهم من عبارة الشارح بل الخلاف فيما بينهم وبين المتقدمين.
وأجيب بأن قول الشارح «والحكم ... إلخ» اسْتِئْنَافٌ فكأنه قال: ثم إن قلنا بقول المتأخرين من أن الحكم فعل فالتصديق مركب من ثلاثِ تصورات وفعلٍ، وإن قلنا بقول المتقدمين من أنه إدراك كان مركبا من أربع إدراكات.
قوله: ((إما إدراك أو فعل)) ينبني على أن الحكم فعل أن الإيمان الذي هو فرد من أفراد الحكم وهو التصديق المخصوص مُكَلـَّفٌ به ومثاب عليه باعتبار ذاته، وعلى أنه إدراك فالإيمان ليس مُكَلـَّفًا به ومثابًا عليه باعتبار ذاته بل باعتبار أسبابه كالأخذ في المقدمات.
قوله: ((من تصورات أربعة)) أراد بالتصور مطلق صورة الشيء الحاصلة في العقل فيشمل الحكم.
ولكـن كان الأَوْلَى أن يقـول: من إدراكـات أربعـة؛ لأن التصـور إذا أطلـق لا
ينصرف إلا لمقابل الحكم بخلاف الإدراك فإنه يتناول الحكم ومقابله من التصورات الثلاثة كذا قيل.
وفيه أن كون التصور إذا أطلق إنما ينصرف لمقابل الحكم إنما هو على قول الحكماء أن التصديق هو الحكم وأن التصورات الثلاثة شروط لوجوده.
أما على القول بأن التصديق مركب من التصورات الثلاثة والحكم وقلنا إن الحكم إدراك فيتعين أن يكون الحكم وهو إدرك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة تصورا كما قال الشارح إذ لا يجوز أن يكون تصديقا لأنه جزؤه، ولا يجوز أن يكون واسطة بين التصور والتصديق إذ لا قائل بها.
قوله: ((تصورِ المحكومِ عليه)) في الحقيقة أجزاء التصديق المتصورات من حيث إنها متصورات، فقولهم «تصورُ المحكومِ عليه» أي: متصورٌ هو المحكومُ عليه فزيد من زيد قائم من أجزاء التصديق من حيث إنه متصور، وكذا يقال في تصور المحكومِ به والنسبةِ كذا قرره شيخنا العدوي نقلا عن شيخه سيدي محمّد الصغير والشيخ عيد وإذا تأملته تجده يرجع لما قلناه من أن المراد بالتصور الصورة الحاصلة في العقل؛ إذ المتصور من حيث إنه متصور هو الصورة المذكورة وحينئذ فقوله: «تصورِ المحكومِ عليه» أي: صورةِ المحكومِ عليه والصورةِ التي هي الحكمُ...إلخ.
قوله: ((موصوفًا بالحكم)) أي: في قوله: «والتصورِ الذي هو الحكمُ» فإن الموصول صفة لـ«التصورِ».
قوله: ((ومضافا ... إلخ)) أي: في قوله: «تصورِ المحكومِ عليه وتصورِ المحكومِ به وتصورِ النسبةِ» فقد وقع التصور مضافا للنسبة وما معها.
قوله: ((هو المحكوم عليه)) أي: لأن المحكومَ عليه المتصورُ أي: الذاتُ التي تُصُوِّرَتْ لا نفسُ التصورِ الذي هو صورتُها الحاصلةُ في العقلِ، وكذا يقال فيما
بَعْدُ أي: ولَـمَّا كان تصـورُ المحكـومِ عليـه غيـرَهُ أُضِيـفَ له لوجوب مغايرة المضاف للمضاف إليه.
قوله: ((فلذا جُعِلَ الحكمُ صفةً له)) أي: لأن الصفة عين الموصوف.
قوله: ((فقيل)) عطف على «جُعِلَ».
قوله: ((ثم إذا حصل هذا الإدراك)) الظاهر أن مراده بالإدراكِ الحاصلِ الإدراكُ الحاصلُ بعد تصور الطرفين والنسبة وهو الإدراك الأخير، وقوله: «ولم يتوقف» أي: التصديق من حيث حصوله على تصور ذلك الإدراك أي: الذي هو الحكم بحيث يصح أن يقال: «تصورُ الحكمِ» بالإضافة.
وقرر شيخنا العدوي أن الظاهر أن مراده بالإدراك ما يشمل التصورات الأربع.
وقوله: «ولم يتوقف ... إلخ» أي: التصديق من حيث حصوله على تصور ذلك الإدراك الشامل للتصورات الأربعة، وذلك لأنه لو توقف على ذلك للزم التسلسل؛ لأن تصور تلك التصورات يحتاج أيضا إلى تصور وتصوره يحتاج إلى تصور آخر وهكذا فلا يحصل التصديق وحينئذ فتكون التصورات الأربعة حاصلة غير متصورة، نعم إِنْ حُكِمَ على تصور من تلك التصورات بأنه موجود مثلا توقف التصديق بأنه موجود على تصور ذلك التصور ولا يحتاج ذلك التصور إلى أن يُتَصَوَّرَ لما يلزم عليه من التسلسل.
قوله: ((وإِنْ كان فعلا)) أي: وإن كان الحكم فعلا، وجوابُ «إِنْ» قولُهُ «فحينئذ» وما بينهما جملةٌ حَالـِّـيَّةٌ أو اعتراضية.
وهذا مقابلٌ لقوله سابقًا: «فإن كان إدراكا ... إلخ».
فإن قلت: على القول بأنه فعل كيف يُتَصَوَّرُ بالبداهة والكسب مع أن الأفعال لا تتحقق بهما.
قلت: أصحاب هذا القول يمنعون كون جميع الأفعال لا توصف بهما ويقولون إن بعض الأفعال يتصف بهما فإن توقف الفعل النفسي على أمور معلومة وترتب عليها فهو كسبي وإلا فبديهي.
قوله: ((إذ الإدراك انفعال)) هذا إنما يصح إذا فسر الإدراك بانتقاش الصورة الحاصلة من الشيء في العقل كما سبق.
وأما إذا فسر بالصورة الحاصلة في العقل كان كَيْفًا لا انفعالا وهذا هو التحقيق وحينئذ فلا يكون الإدراك انفعالا كما لا يكون فعلا.
قوله: ((من التصورات الثلاثة والحكم)) أي: الذي هو فعل على ما قيل.
والحاصل أن التصديق مركب من التصورات الثلاثة والحكم على هذا القول والذي قبله إلا أنه على القولِ المتقدمِ الحكمُ إدراكٌ كيفٌ أو انفعالٌ وعلى هذا القولِ الحكمُ فعلٌ.
قوله: ((وإذا لم يكن الحكم ... إلخ)) هذا بيان لكون التصديق مركبا من تصورات ثلاثة والحكم لا من أربع تصورات.
قوله: ((قسم من الإدراك)) أي: قسم من أقسام مطلق الإدراك فيكون أخص منه، وقوله: «وانتفاءُ المَقْسِمِ» أي: الذي هو مطلق الإدراك الذي هو أعم من التصور.
قوله: ((يُوجِبُ انتفاءَ الأقسامِ)) أي: التي من جملتها التصور، وإنما أوجب ذلك؛ لأن انتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص؛ إذ لو وجد الأخص لوجد الأعم في ضمنه والفرض انتفاؤه.
واعترض بأن قضية هذا البيان أن صاحبَ هذا القولِ القائلَ «أن الحكم فعل وأن التصديق مركب منه ومن التصورات الثلاثة» يقولُ إن الإدراك مَقْسِمٌ للتصديق والتصور مع أن الإدراك ليس مقسما للتصديق عنده؛ إذ لو كان مَقْسِمًا عنده لزم انتفاء كون المركب من الحكم الذي هو فعل عنده ومن التصورات الثلاثة تصديقا؛ لأن المركبَ من الإدراكِ وغيرِهِ ليس إدراكا وإذا كان غيرَ إدراكٍ فلا يكون تصديقا؛ لأن التصديق قِسْمٌ من الإدراك وانتفاءُ المَقْسِمِ يُوجِبُ انتفاءَ الأقسام مع أن الفرض أن ذلك المركب تصديق عنده.
ولك أن تقول إن هذا البيان لا يقتضي ذلك لجواز أن يكون المراد أن الإدراك مَقْسِمٌ لكل واحد من التصورات فقط دون أن يكون مقسما لها وللتصديق وحينئذ فلا يلزم من كون المركبِ المذكورِ غيرَ إدراكٍ أن لا يكون تصديقا.
قوله: ((وإن لم يكن العلم إذعانا للنسبة)) هذا صادق بأن لا يكون العلم إدراكا للنسبة أصلا كتصور الطرفين أو كان إدراكا لها لا على وجه الإذعان إما لكون تلك النسبة لا تقبل تعلق الإذعان بها كالنسبة التقييدية والإنشائية أو كانت قابلة له لكن لم يحصل الإذعان لها لحصول الشك والوهم والتخيل.
قوله: ((ويقال له)) أي: للتصور المقابل للتصديق.
قوله: ((السَاذَجُ)) أي: الخالي عن الحكم.
قوله: ((وكذا إدراكهما معا بلا نسبة)) أي: بأن يُتَصَوَّرَ في ذهنه معنى الموضوعِ بقطع النظر عن كونه محكومًا عليه ومعنى المحمولِ بقطع النظر عن كونه محكومًا به، وحينئذ فلا يلزم من حصول الموضوع والمحمول في الذهن حصول النسبة فيه؛ لأن ذلك اللزوم إنما يكون إذا لوحظ الموضوع بوصف كونه محكوما عليه والمحمول بوصف كونه محكوما به.
وبهذا اندفع ما يقال إن كلامه يقتضي وجود المحكوم عليه وبه من غير نسبة مع أن النسبة التامة لازمة لوجودهما في الذهن.
قوله: ((إما تقييدية)) هي النسبة التي لا يَحْسُنُ السكوتُ عليها ويكون أحد الأمرين فيها وهو الثاني قيدًا للأول، وهي قسمان:
توصيفية وهي التي يكون الثاني فيها وصفا للأول؛ كالنسبة في «الحيوان الناطق»
وهي نسبة تامة يحسن السكوت عليها ولكنها غير خبرية؛ لأن الخبرية تتحقق بدون
اللفظ الدال عليها وهذه لا تتحقق بدون لفظ «اضرب».
قوله: ((مشكوكة)) أي: كما إذا قلت قام زيد وأنت شاك في وقوعِ نسبة القيام لزيد وعدمِهِ ومثل المشكوكة المتوهمة والمتخيلة.
قوله: ((فإن كل ذلك)) أي: المذكور من الإدراكات المتعلقة بتلك الأشياء، وقوله: «السَّاذَجَة» أي: الخالية عن الحكم، وقوله: «لعدم إذعان النسبة» أي: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة.
قوله: ((فيه)) أي: في ذلك المذكور من الإدراكات، و«في» بمعنى «مع» متعلقة بإذعان، وقولُهُ: «لعدم...إلخ» علةٌ لكون كلِّ ذلك من التصورات السَّاذَجَةِ.
والملحوظُ في التعليل ذلك الوصفُ أي: فلو كان معها إذعان لم يكن من التصورات السَّاذَجَةِ بل كانت من التصورات المصحوبة بالحكم، وهذا لا ينافي ما مشى عليه المصنف من أن التصديق هو الحكم فقط.
وليس الملحوظُ في التعليلِ الموصوفَ حتى يتأتى اعتراض الشيخ يس على عبارة الشارح بأن ظاهرها يقتضي أن كلا من هذه الإدراكات لو كان معه إذعان يكون تصديقا وليس كذلك؛ لأنه لا يوافق ما مشى عليه المصنف من أن التصديق بسيط.
وبَعْدَ اعتراضِهِ بذلك أَوَّلَ عبارةَ الشارحِ بقوله: «يعني لعدم كونه إذعانا» لأجل أن يُوَافِقَ كلامَ المصنفِ من أن التصديق بسيط، فتأمَّل.وإضافية وهي التي يكون الثاني فيها مضافا إليه كالنسبة في «غلام زيد».
قوله: ((كالحيوان الناطق)) أي: فإن فيه نسبة تقييدية وهي نسبة النطق للحيوان؛ لأن الثاني وهو الناطق مقيد للأول وهو الحيوان.
ثم إن ظاهر الشارح أن هذا المثال وما بعده فيه موضوع ومحمول ونسبة غير تامة وليس كذلك فلو قال كـ«الحيوانُ الناطقُ حادثٌ» مثلا و«غلامُ زيدٍ فاضلٌ» كان أَوْلَى.
وقد يقال: إن قصد الشارح التمثيل للنسبة التقييدية بقطع النظر عن الطرفين.
قوله: ((وغلام زيد)) أي: فإن فيه نسبة تقييدية وهي نسبة الغلامية لزيد؛ لأن الثاني فيها وهو زيد مقيد للأول وهو غلام.
قوله: ((وإما تامة)) أي: وهي التي يَحْسُنُ السكوتُ عليها.
قوله: ((كاضرب)) أي: ففي «اضرب» نسبةُ طلبِ الضربِ إلى المخاطب،قوله: ((مقدم ... إلخ)) قال الحكماء تَقَدُّمُ الشيءِ على غيره منحصرٌ في خمسة
أقسام:
أحدها التقدم بالعلة كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم.
الثاني بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين.
الثالث بالزمان كتقدم الأب على الابن.
الرابع بالرتبة إما حسا كتقدم الإمام على المأموم أو عقلا كتقدم الجنس على الفصل.
الخامس بالشرف كتقدم العالِم على المتعلم.
ومنع المتكلمون الحصر في الخمسة وزادوا عليها ما يرجع للخمسة عند التحقيق.
قوله: ((طبعا)) أي: بالطبع أي: يتقدم عليه بحسب اقتضاءِ طبيعةِ التصورِ وحقيقتِهِ.
والتقدمُ الطبيعيُّ كونُ المتقدمِ يحتاج إليه المتأخر من غير أن يكون المتقدم علة في المتأخر كتقدم الواحد على الاثنين والجزء على الكل والشرط على المشروط.
والتصورُ كذلك بالنسبة للتصديق؛ لأنه إما شرط فيه أو شطر أي: جزء منه ولا شك أن تقدم الشرط على المشروط والجزء على الكل تقدم طبيعي.
وإنما لم يكن التصور علة في التصديق؛ لأنه لو كان علة فيه للزم من حصول التصور حصول التصديق ضرورة وجوب وجود المعلول عند وجود العلة.
ووجه كونه يحتاج إليه التصديق أن كل تصديق لابد له من ثلاثِ تصوراتٍ تصورِ المحكومِ عليه إما بذاتِهِ أو بأمرٍ صادقٍ عليه وتصورِ المحكومِ به والنسبةِ.
قوله: ((فلم أَخَّرَهُ وَضْعًا)) أي: في الوضع أي: الذكر مع أن المناسب تقديمُه ليوافق الوضعُ الطبعَ.
واعلم أن المرادَ بالوضعِ في قولهم «يُقَدَّمُ التصورُ على التصديقِ في الوضعِ» الذكرُ والكتابةُ والتعلمُ والتعليمُ.
قوله: ((إن عنيت)) أي: قصدت بقولك التصور مقدم على التصديق.
قوله: ((أن ذَاتَهُ)) أي: أن أفراده مُقَدَّمَةٌ على أفراد التصديق.
وقوله: «فمسلم» أي: فمسلم أن التصور بحسب ذاته مقدم على التصديق بحسب ذاته فالمراد بالذات الأفراد.
ويصح أن يراد بـ«ذَاتَهُ» نفسُهُ أي: أن نفسَهُ مقدمة على نفس التصديق في الوجود أي: إن عنيت أن وجوده متقدم على وجود التصديق فمسلم.
قوله: ((لَكِنَّهُ)) أي: التقديمَ المذكورَ وهو تقديم التصور على التصديق بحسب الذات.
قوله: ((غير مفيد)) أي: لا يفيد السائل أي: المعترض بأن الأولى للمصنف أن يقدم التصور على التصديق.
قوله: ((لأن تقديم التصديق ههنا في التعريف)) أي: تعريف التصور والتصديق الضمني الذي تضمنه التقسيم.
قوله: ((والتعريف ليس بحسب الذات بل بحسب المفهوم)) المراد بالمفهوم ما يفهم من اللفظ وهو المعنى الكلي الذي هو إذعانُ النسبة الخبرية بالنسبة للتصديق وعدمُ إذعانها بالنسبة للتصور وحيث كان التعريف بحسب المفهوم فالمناسب ما ارتكبه المصنف من تقديم التصديق على التصور.
قوله: ((القيود)) «أَلْ» للجنس فتُبْطِلُ معنى الجمعية فتَصْدُقُ بالواحدِ المرادِ هنا وهو إذعانُ النسبةِ الحكميةِ على أن هذا لا يُحْتَاجُ إليه؛ لأن عندنا قيودًا: الأول قوله: «إذعان»، الثاني قوله: «النسبة»، الثالث قوله: «الحكمية».
قوله: ((عدمية)) أي: منسوبة للعدم، والمراد العدم المضاف لا المطلق، والقيود العدمية هنا عدم إذعان النسبة الحكمية.
قوله: ((وتصور الوجود)) أي: وجود شيء.
قوله: ((على تصور العدم)) أي: على تصور عدم ذلك الشيء.
قوله: ((وقُدِّمَ)) أي: التصورُ في الأقسام أي: في طلب ذِكْرِهَا حيث قالوا: «تصور الموضوع وتصور المحمول وتصور النسبة ... إلخ»، فالمراد أقسام الإدراك.
قوله: ((والأحكام)) أي: إنا إذا حكمنا على شيء بشيء فإنا نتصوره أَوَّلاً ثم نحكم عليه، هذا حاصل ما ارتضاه شيخنا سيدي محمّد الصغير، اهـ شيخنا.
قوله: ((لأنها)) أي: الأقسام والأحكام، وقوله: «بحسب الذات» أي: الأفراد لا بحسب المفهوم.
قوله: ((الوصفية)) أي: كالنسبة في الحيوان الناطق والإضافية كالنسبة في غلام زيد.
قوله: ((وهي)) أي: الألفاظ المشتركة، وقوله: «لا تستعمل» أي: بدون قرينة معينة للمراد من ذلك اللفظ المشترك.
قوله: ((المشهور .. إلخ)) أي: والشهرة مجوزة لاستعماله فهي قرينة معنوية.
قوله: ((على أن ... إلخ))، هذا إشارة إلى جواب ثان أي: وإن لم تراع الشهرة السابقة فالقرينة موجودة وهي لفظ الإذعان؛ لأن الإذعان لا يتصور إلا في النسبة الحكمية وحينئذ فهنا قرينةٌ لفظيةٌ مُعَيِّنَةٌ للمراد.
قوله: ((فالقرينة ... إلخ)) أي: وحينئذ فهنا قرينة معينة للمراد إما معنوية أو لفظية والقرينة مُجَوِّزَةٌ لاستعمال المشتَرَك في التعريف.
قوله: ((وينقسمان ... إلخ)) شروعٌ فيما هو تمهيدٌ للحاجةِ.
والحاجةُ عِصْمَةُ الذهنِ عن الخطأ في الفكر المشار له بقوله: «فاحتيج إلى قانون...إلخ».
قوله: ((بالضرورة ... إلخ)) الباء للملابسة أي: انقساما ملتبسا بالضرورة ثم يحتمل أن يكون المراد بالضرورة البداهة وأن يكون المراد بها القطع.
والظاهر الأول وحينئذ فقول الشارح «وإنما كان تقسيم إلخ» من باب التنبيه لا من باب الدليل؛ لأن الضروريات قد ينبه عليها لخفائها على بعض الأذهان فلا يرد أن الضروريات لا يبرهن عليها والشارح قد برهن عليها أي: أقام عليها دليلا.
وعلى الاحتمال الثاني فقول الشارح: «لأنهما ... إلخ» من باب البرهان، وهذا بخلاف الضرورة التي هي أحد أقسام العلم فإن المراد بها البداهة لا غيرُ.
قوله: ((أي: بحسب الضرورة)) أي: بوجه وباؤُهُ للملابسة وإضافتُهُ لـ«الضرورة» للبيان.
قوله: ((إلى الضـرورة)) أي: إلى ذي الضرورة وذي الاكتساب؛ لأن الانقسام إنما هو للموصوف بالضرورة والموصوف بالاكتساب لا لنفس الضرورة والاكتساب.
أو أَطْلَقَ الضرورةَ وأراد الضروريَّ وأَطْلَقَ الاكتسابَ وأراد الـمُكْتَسَبَ وإليه يشير الشارح بقوله: «وهي التي لا يتوقف إلخ»، وبقوله: «وهو ما يخالف الضرورة ... إلخ»؛ إذ الـمُتَوَقـِّفُ إنما هو المكتسَبُ لا الاكتسابُ والذي لا يتوقف على شيء إنما هو الضروري لا الضرورة، وبقوله: «وإنما كان تقسيم التصور والتصديق إلى الضروري والنظري».
قوله: ((وهي التي لا يتوقف)) أي: والضرورة بمعنى الضروري العلم الذي لا يتـوقف أي: الصورة الحاصلـة في العقـل التي لا يتـوقف حصولها فيه على
نظر إلخ، وإنما أَنَّثَ الضميرَ وعبر بـ«التي» نظرا للفظ الضرورة لا لمعناها المراد منها
وهو الضروري؛ إذ لو نظر لذلك لَذَكـَّرَ الضميرَ والموصولَ.
إن قلت: الأمور الضرورية لا تُعَرَّفُ فكيف عَرَّفَ الضرورةَ بقوله: «وهي التي ... إلخ».
قلت: معنى قولهم الأمور الضرورية لا تُعَرَّفُ أن الأفراد للضروري لا تُعَرَّفُ، وهذا لا ينافي أن المفهوم الكلي الصادق على تلك الأفراد يُعَرَّفُ، وما هنا تعريف للمفهوم الكلي لا لفرد من أفراده.
وقوله: «ما لا يتوقف حصولها على نظر» هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول، والمراد بالكسب الترتيب المذكور، وحينئذ فالعطفُ مرادفٌ.
ثم إن كلامه صادق بأن لا يتوقف على شيء أصلا كإدراك أن الواحد نصف الاثنين وبما إذا توقف على حَدْسٍ كإدراك أن نور القمر مستفاد من نور الشمس أو تجربة كإدراك أن السَّقَمُونِيا مُسْهِلَةٌ للصفراء.
وحينئذ فيدخل في الضروريات القضايا الأولية والحدسية والتجربية والضروري بهذا المعنى مرادف للبديهي.
وقد يطلق البديهي على ما لا يتوقف على شيء أصلا فيكون أخص من الضروري بالمعنى المذكور لانفراد الضروري حينئذ بالحدسيات والتجربيات.
واعلم أن الضرورة في التصورات ظاهرة وأما التصديق فالمراد بالضروري منه أن يكون الحكم بعد تصور الطرفين غيرَ متوقف على نظر وإن كان تصور كل من الطرفين كسبيا والنظري بخلافه على ما مر.
فالتصديق بأن الممكن يحتاج للمؤثر ضروري؛ لأن من تصور الممكن بأنه ما تساوى وجوده وعدمه بالنظر لذاته والاحتياج بأنه الافتقار إلى من يرجح أحدهما
على الآخر جزم بثبوت الاحتياج إلى الممكن فكلٌّ مِنْ تصورِ الطرفين نظريٌّ والحكمُ
بديهيٌّ.
وهذا على مذهب الحكماء من أن التصديق هو الحكم وأنه بسيط وأما على أنه مركب فهو نظري كما مر.
قوله: ((كتصور الحرارة)) أي: بوجه ما كتصورها بأنها كيفيةٌ تُسَخِّنُ الجسمَ، وتصورِ البرودةِ بأنها كيفيةٌ تُبَرِّدُ الجسمَ لا بالحقيقةِ والكُنْهِ فإنه نظري.
قوله: ((بأن النفي)) أي: بأن انتفاء شيء عن آخر كانتفاء العدم عن زيد، وقوله: «والإثبات» أي: ثبوت ذلك الشيء للآخر أي ثبوت العدم لزيد وقوله: «لايجتمعان ولايرتفعان» أي: لايجتمعان في نفس الأمر موافِقًا للواقع بل الحاصل أحدهما وهو الواقع في نفس الأمر كالقيام أو عدمه.
وليس المراد بالنفي إدراك أن النسبة ليست واقعة على وجه الجزم أو الظن وبالإثبات إدراك أنها واقعة على الوجه المذكور؛ لأن بينهما تضادا باعتبار اتصاف النفس بهما فيرتفعان في صورة الشك.
ومَثَّلَ الشارح بمثالين الأول للتصور الضروري والثاني للتصديق الضروري.
قوله: ((لا يجتمعان)) كالوجود والعدم والمراد بالإثبات في كلامه مطلق الضد لا الإثبات بالعبارة المخصوصة؛ لأن أكثر العوام لا يَعْرِفـُهَا.
قوله: ((وهو)) أي: الاكتسابُ بمعنى الـمُكْتَسَبِ ما يخالف أي: علم يخالف الضرورة أي: الضروري فهو علم يتوقف حصوله على نظر وكسب أي: الصورة التي يتوقف حصولها في العقل على نظر وكسب.
قوله: ((كتصور العقل)) أي: بأنه قوة للنفس تستعد بها لإدراك المعلوم، وقوله: «والإنسان» أي: بأنه حيوان ناطق.
قوله: ((بأن العالَم)) أي: جواهر وأعراض، وقوله: «حادث» أي: موجود بعد عدم فإنه متوقف على إقامة دليل وهو العالم متغير وكل متغير حادث.
ومَثـَّـلَ بثلاثةِ أمثلة؛ الأَوَّلَيْنِ للتصور النظري، والثالثُ للتصديق النظري.
قوله: ((ضروريا)) أي: بديهيا.
قوله: ((لو لم..إلخ)) مُقَدَّمٌ، «لكان الجميع إلخ» تالٍ، وقوله: «لكان الجميع» أي: جميع أفراد التصور وجميع أفراد التصديق، وقوله: «إما بديهيا» أي: فقط «وإما كسبيا» فقط.
قوله: ((والتالي)) أي: وهو كون الجميع إما بديهيًا أو كسبيًا.
قوله: ((فكذلك المقدم)) أي: فالمقدم وهو عدم انقسام كل من التصور والتصديق إلى الضروري والكسبي مثل التالي في البطلان؛ لأن بطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم أي: وإذا بطل المقدم ثبت نقيضه وهو انقسام كل من التصور والتصديق إلى الضروري والكسبي وهو المطلوب.
قوله: ((أما الملازمة)) أي: بين المقدم والتالي فظاهرة أي: لأنه لا واسطة.
قوله: ((القسم الأول)) وهو كون الجميع بديهيا، وقوله: «القسم الثاني» وهو كون الجميع كسبيا.
قوله: ((كما مر)) أي: في قوله: «كتصور العقل والإنسان وكالتصديق بأن العالم ... إلخ».
قوله: ((فلبداهة بعض التصورات والتصديقات كما مر)) أي: في قوله: «كتصور الحرارة والبرودة وكالتصديق بأن النفي والإثبات لايجتمعان ولايرتفعان»، وهذا الدليل الذي ذكره الشارح يسمى بدليل الخلف، وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه، فالمطلوب انقسامهما للقسمين ونقيضه عدم الانقسام، ولا شك أنه هو الذي أبطله.
((وهو)) أي: الاكتسابُ بالنظرِ
قوله: ((وهو)) أي: النظر لا الاكتساب خلافا للشارح؛ إذ المراد بالاكتساب فيما سبق المكتَسَب وهو ليس نفس الملاحظة؛ إذ الملاحظة تَوَجُّهُ النفس والتفاتها إلى المعقول أي: إلى ما حصلت صورته في العقل لتحصيل أي: لأجل تحصيل .. إلخ حصل بالفعل أم لا.
وإنما قيد بذلك؛ لأن النظر ليس إلا الملاحظة لأجل التحصيل.
والحاصل أن الصواب جعل الضمير راجعا للنظر لأمرين:
الأول أن الاكتساب فيما مر المراد به المكتَسَب وهو غير الملاحظة فالإخبار حينئذ لا يصح.
الأمر الثاني أن التعريف المذكور تعريف للنظر لا للاكتساب به.
نعم إن جعلت الباء في قوله: «بالنظر» للتصوير أي: الاكتساب المـُصَوَّرُ بالنظر صح ما قاله الشارح، وعليه فيكون في كلام المصنف استخدام حيث ذكر الاكتساب أوَّلاً بمعنى المكتَسَب ثم أعاد الضمير عليه ثانيا بمعنى آخر وهو النظر.
وإنما عَدَلَ المصنفُ في تعريف النظر بما ذكره عن تعريفه الواقع في عبارة القوم وهو «ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول» ليكون التعريفُ شاملا للتعريف بالمفرد وهو ما عليه المتقدمون وبعض المتأخرين؛ كتعريف الإنسان بناطق
أو ضاحك، وذلك لأن قوله: «ملاحظة المعقول» أي: تَوَجُّهُ النفسِ والتفاتها للأمر
الذي حصلت صورته في العقل سواء كان واحدا كما في الحد بالفصل وحده والرسم بالخاصة وحدها أو كان كثيرا.
وفي الكلام توزيع أي: ملاحظة المعقول التصوري لتحصيل المجهول التصوري وملاحظة المعقول التصديقي لأجل تحصيل المجهول التصديقي.
واعلم أن النظر والفكر عندهم مترادفان فيفسران بما قاله المصنف وبما قاله القوم فيما تقدم.
وقوله: «لتحصيل المجهول» أي: تصوريا أو تصديقيا.
وإنما اعْتُبِرَ المعقوليةُ في الموصل والمجهوليةُ في المطلوب؛ لأنه لو كان الموصل مجهولا استحال تحصيل المطلوب المجهول به؛ إذ يستحيل بالضرورة أن يستلزم مجهول العلم بمجهول آخر ولو كان المطلوب معلوما استحال تحصيله؛ لأنه يستحيل تحصيل الحاصل.
إن قلت: إذا كان المطلوب مجهولا يلزم أن تكون النفس طالبة للمجهول المطلق وهو محال.
والجواب أنه قد تحقق أنه لابد أن لا يكون المطلوب مجهولا من كل الوجوه بل لابد أن يكون معلوما بوجه لئلا يلزم طلب المجهول المطلق ومجهولا بوجه آخر؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل.
قوله: ((المعقول)) عبر به دون المعلوم ليشمل ما كان معلومًا أو مظنونًا أو مجهولاً جهلاً مركبًا وسواءٌ كان المعقولُ تصورًا أو تصديقًا مفردًا أو مركبًا.
قوله: ((والمراد بالمعقول ههنا)) أي: في تعريف النظر، واحترز به عن المعقول بمعنى ما قابل المنقول.
لا يقال: المعقول حينئذ مشتَرَك وهو لا يستعمل في التعريف دون قرينة مُعَيِّنَةٍ للمراد؛ لأنا نقول القرينةُ هنا موجودة وهي مقابلته بالمجهول.
قوله: ((المعلوم)) لما كان يتوهم أن المعقول هنا ما يدركه العقل ابتداءً كالمعـاني الكلية فيخرج ما يدرك بغيره كالصور المحسوسة والمعاني الجزئية المنتـزعة منها فيكون التعريف غير جامع بَيَّنَ أن المراد مطلق ما يُعْلَمُ سواء كان الـمُدْرِكُ له العقلَ ابتداءً أو غيرَهُ.
والحاصل أن المصنف إنما عبر بالمعقول لأجل أن يشمل المظنون والمجهول جهلا مركبا ومع كونه عبر بالمعقول لذلك فالمراد به المعلوم ليشمل ما لا يدركه العقل ابتداء.
قوله: ((فإن العلم)) توجيه لكون المراد بالمعقول ههنا المعلوم.
قوله: ((في هذا الفن)) أي: فن المنطق وأما في غير هذا الفن كعلم الكلام فإن العلمَ فيه «الجزمُ المطابقُ للواقعِ».
قوله: ((مفسر ... إلخ)) أي: وحينئذ فصورة الشيء الحاصلة في العقل معلوم ومعقول.
واعلم أنه إن جعلت إضافة حصول من إضافة الصفة للموصوف أي: صورة الشيء الحاصلة في العقل كانت تلك الصورة مجزوما بها أو مظنونة كانت مطابقة للواقع أو لا، كانت تصورية أو تصديقية كان مَارًّا على القول بأن العلم من قبيل الكيف وهو الراجح.
وإن جعلت الإضافة حقيقية وهو المتبادر من كلامه، فإن فـُسِّرَ حصول الصورة بانتقاشها في العقل كان مَارًّا على القول بأن العلم انفعال، وإن فـُسِّرَ بتحصيل الصورة في العقل كان مَارًّا على القول بأنه من قبيل الفعل، وإن فـُسِّرَ بالنسبة الحاصلة بين الحاصل والمحصول كان مَارًّا على القول بأن العلم من قبيل الإضافة.
قوله: ((الاكتساب)) أي: الاكتساب بالنظر أي: العلم المكتَسَب به.
قوله: ((لأن الفكر)) أي: الذي هو النظر المكتسب به؛ لأنه يكون به اكتساب العلوم النظرية تصورية كانت أو تصديقية.
وقوله: «ليس بصواب» أي: بمصيب «دائما» أي: في كل الأوقات، وهذا قَيْدٌ في المنفي لا في النفي وإلا لاقتضى أن عدم الصواب دائم مع أنه ليس بمراد.
والحاصل أن قوله: «ليس بصواب دائما» من باب سلب العموم وحينئذ فيصدق بصورتين إحداهما أن لا يكون فرد من أفراد الفكر صوابا.
والأُخْرَى أن يكون بعض أفراده ليس بصواب وبعضه الآخر صوابا، وهذه
الصورة هي المرادة؛ لأنها المحققة.
واعلم أن الصواب ضد الخطأ ثم تارة يوصف بهما الحكم وحينئذ يكون المراد بالصواب مطابقة الحكم للواقع وبالخطأ عدم مطابقته للواقع وتارة يوصف بهما الفعل كما هنا، وحينئذ يكون المراد بالصواب موافقة الفعل للغرض وبالخطأ عدم مطابقته للغرض فمعنى كون الفكر صوابا أنه موافق للغرض بأن يكون مستجمعا للشروط كأن يقع الجنس مقدما على الفصل في ترتيب القول الشارح الموصل للتصور وكأن تكون الصغرى موجبة والكبرى كلية في ترتيب قياسٍ من الشكل الأول موصل للتصديق ومعنى كونه ليس بصواب أنه لم يكن موافقا للغرض لكونه لم يَحْتَوِ على الشروط كلها.
قوله: ((كيف ... إلخ)) المقصود من هذا الاستفهامِ التعجبُ من قولهم: «إن الفكر صواب دائما» المنفيِّ بقوله: «لأن الفكر ليس بصواب دائما» وحينئذ فالمـُسْتَفْهَمُ عنه المـُتَعَجَّبُ منه محذوفٌ.
وقوله: «وقد يناقض» جملةٌ حالِيَّةٌ أي: كيف يتوهم أن الفكر صواب دائما والحال أنه قد يناقِضُ أي: أنه يَتَعَجَّبُ من التوهم المذكور مع تلك الحالة؛ إذ لو كان الفكر صوابا ما تناقض العقلاء مع أنهم تناقضوا فتناقضهم يدل على أن الفكر ليس صوابا دائما.
والحاصل أنه يَتَعَجَّبُ من كون الفكر صوابا دائما مع وجود ما يدل على أنه ليس بصواب دائما وهو تناقض العقلاء.
قوله: ((وقد يناقض العقلاء بعضهم بعضا)) أي: في مقتضى أفكارهم فبعضهم كالسُّنِّيِّ أَدَّاهُ فِكْرُهُ إلى التصديق بحدوث العالم، وبعضهم كالفلسفي أَدَّاهُ فِكْرُهُ إلى التصديق بقدم العالم وحينئذ فأَحَدُ الفِكْرَيْنِ غير صواب؛ لأنه لا يمكن أن يكون كِلَا الفكرين صوابا لما يلزم عليه من اجتماع النقيضين ولا خطأً لما يلزم عليه من ارتفاع النقيضين وهو محال فتعين أن يكون أحدهما صوابا والآخر خطأ وحينئذ فلا يكون الفكر صوابا دائما.
قوله: ((بل الإنسان الواحد ... إلخ)) إضراب انتقالي أَتَى به؛ لأنه أظهر مما قبله في إفادة أن الفكر ليس بصواب دائما؛ لأن مناقضة العقلاء بعضهم بعضا إنما تفيد الظن بأن الفكر ليس بصواب دائما بخلاف مناقضة العاقل نفسَهُ فإنها تفيد الجزم بذلك فتكون دلالتها أقوى وأظهر من دلالة مناقضة العقلاء، وذلك لأن مناقضة بعض العقلاء بعضا إنما تعلم من عباراتهم الدالة على أن مقتضيات أفكارهم متناقضة وحينئذ فيحتمل أنهم لم يعتقدوا ما تدل عليه عباراتهم فلا يكون في أفكارهم خطأٌ وإن كان ذلك الاحتمال بعيدا، بخلاف ما إذا رجع العاقل المـُفَكِّرُ إلى أحوالِهِ وفَتَّشَ فيها وجد أنه يعتقد أمورا متناقضة في أوقات مختلفة ولا يرتاب في ذلك كأن يفكر في وقت فيؤديه فكره إلى التصديق بحدوث العالم ثم يفكر في وقت آخر فيؤديه فكره إلى التصديق بقدم العالم وحينئذ فأحد الفكرين ليس بصواب لما سبق فلا يكون الفكر صوابا دائما.
قوله: ((فاحتجنا إلى قانون ... إلخ)) هذا هو معنى قول المصنف الآتي «فاحتيج ... إلخ»، وإنما أتى به هنا لأجل قوله: «والحاصل ... إلخ»، وإنما أتى بهذا الحاصل إشارة لربط كلام المتن بعضه ببعض.
قوله: ((إلى قانون)) أي: ذي قانون أو المرادُ به العلمُ نفسُهُ.
قوله: ((مفيد لطرق)) وهي الحجج وشرائطها والقول الشارح وشرائطه أي: طرق التصديقات والتصورات النظرية.
قوله: ((من الضروريات)) متعلق باكتساب بمعنى تحصيل، وقوله: «الضروريات» أي: ولو بحسب آلاتها وحينئذ فيصدق باكتساب النظري من نظري آخر والنظري الآخر من نظري ثالث وهكذا إلى أن ينتهي إلى ضروري فلابد من الانتهاء للضروري دفعًا للدور أو التسلسل.
قوله: ((من هذا)) أي: من هذا التقرير وهو قوله: «لأن الفكر ليس بصواب دائما فاحتيج ... إلخ» كذا قرر بعضهم ولكن الأوفق بقول الشارح سابقا: «ولـمَّا كان بيانُ الحاجةِ المنساقُ لتعريفِ المنطق ... إلخ» أن يقال فعلم من هذا أي: مجموع قول المصنف «العلم إن كان إذعانا للنسبة» إلى قوله: «وقد يقع فيه الخطأ» مع قول الشارح: «فاحتجنا لقانون ... إلخ».
قوله: ((أن الناس)) أي: جوابُ «أن ... إلخ» وهو عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر أي: عُلِمَ مما سبق جوابُ هذا السؤال المُصَوَّرِ بقولنا في أيِّ شيءٍ يحتاج الناس إلى المنطق، وجوابُهُ يحتاجون إليه في العصمة المذكورة.
وقوله: «في أَيِّ شيءٍ» متعلق بـ«يحتاجون» وقُدِّمَ عليه؛ لأن «أَيـًّا» استفهاميةٌ فلها
الصَّدَارَةُ.
قوله: ((وذلك)) أي: ما علم منه الجواب وهو قول المصنف: «العلم إن كان إذعانا للنسبة» إلى نهاية قوله: «وقد يقع فيه الخطأ» مع قول الشارح: «فاحتجنا...إلخ».
قوله: ((وذلك بيان الحاجة)) أي: وذِكْرُ ذلك تَبْيِينٌ، أو وذلك ذو بيانٍ للحاجةِ وهي العصمة المذكورة أي: التصديق بأنها غاية هذا العلم وفائدته.
قوله: ((إذ يعلم)) علةٌ لقوله: «المستلزم».
قوله: ((غايةُ العلم)) إنما كانت غاية العلم معلومة من بيان الحاجة؛ لأن الغاية والحاجة متحدان ذاتا وإنما يختلفان اعتبارا، فالعصمة المذكورة من حيث كونها نهايةَ هذا العلمِ يقال لها غايةٌ ومن حيث إنها مُحْتَاجٌ إليها يقال لها حاجةٌ.
قوله: ((رسم)) أي: لأن غاية الشيء خارجة عنه والتعريف بالخارج رسم.
قوله: ((فلذا)) أي: فلأجل أن بيان الحاجة مستلزم للتعريف.
قوله: ((كما سيجيء)) أي: التنبيه على الإدراج المذكور حيث قال الشارح فيما سيأتي: «هذا تعريفٌ للمنطقِ المندرجُ في بيانِ الحاجةِ».
قوله: ((والحاصل)) أي: حاصل بيان الحاجة الذي أشار له المصنف بقوله: «العلم إن كان إذعانا ... إلخ».
قوله: ((والكسبي)) أي: سواء كان تصورًا أو تصديقًا، وقوله: «مستفاد من الضروري» أي: تصورًا أو تصديقًا.
وهذه المقدمة لم يذكرها المصنف وإنما هي معلومة من خارج.
وقوله: «بطريق الاكتساب» الإضافة بيانية أي: بطريقٍ هي الاكتسابُ وهو الفكر والنظر وهو القول الشارح بالنسبة للتصور والقياس بالنسبة للتصديق.
وقوله: «وقد يقع في الاكتساب» يعني المكتَسَبَ من التصور والتصديق.
وقوله: «لأن الفكر» أي: المـُؤَدِّي إليه.
قوله: ((فاحتيج إلى قانون)) القانون لفظ يُونَانِيٌّ معناه في الأصل القاعدة وهي قضية كلية يُتَعَرَّفُ منها أحكامُ جزئياتِ موضوعِها، والمرادُ بالقانون هنا مجموع قواعد هذا الفن وتسميةُ هذا المجموع قانونا من باب تسمية الشيء باسم بعض أجزائه.
وإنما قيل لهذا الفن قانون مع أنه قوانين متعددة لكونها كالواحد من حيث إنها مُشتَرِكَةٌ في جهة واحدة تجمعها وهي كونها تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر.
لا يقال: يمكن التباعد عن الخطأ في الفكر وحينئذ فلا يُحْتَاجُ للقانون المذكور؛ لأنا نقول: إن ذلك الخطأ غيرُ مُعَيَّنٍ حتى يُتَبَاعَدَ عنه وحينئذ فَيُحْتَاجُ للقانون المذكور.
قوله: ((يعصم عنه)) أي: يعصم الذهن عن الخطأ.
قوله: ((وهو)) أي: القانون الذي يعصم عن الخطأ المنطقُ.
وإنما سمي ذلك القانون بالمنطق؛ لأنه يطلق في الأصل:
على الإدراكات الكلية وهي نطق باطني.
وعلى التلفظ بدالِّ متعلـَّق تلك الإدراكات وهو نطق ظاهري.
وعلى القوة العاقلة التي هي محل صدور تلك الإدراكات.
والقانونُ المذكورُ:
به تُصِيبُ الإدراكاتُ الكليةُ.
وبه تكون القدرة على التلفظ بدالِّ متعلـَّق الإدراكات الكلية.
وبه تَتَقَوَّى القوةُ العاقلةُ وتَكْمُلُ.
قوله: ((وهو المنطق)) وحينئذ فقوله: «تعريف» أي: دال تعريف المنطق فهو قانون كلي تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر.
وقوله: «في بيان الحاجة» أي: في تبيين ما يفيد التصديق بالحاجة.
قوله: ((المندرج)) صفة لـ«تعريف».
قوله: ((في بيان الحاجة)) أي: بقوله: «العلم إن كان إذعانا» إلى قوله: «وقد يقع...إلخ» ولاندراجه لم يأت به المصنف استقلالا بل اكتفى باندراجه في بيان الحاجة.
قوله: ((لأن مسائله)) أي: قضاياه، والإضافة من إضافة الأجزاء لِكُلِّهَا.
قوله: ((قوانين)) أي: قواعد، وقوله: «كلية» وصف كاشف وهذا الوصف باعتبار كلية موضوعها.
قوله: ((منطبقة)) أي: مشتملة اشتمالا بالقوة القريبة من الفعل لا اشتمالا بالفعل؛ لأن الحاصلَ بالفعل الحكمُ المتعلِّق بالأمر الكلي الذي هو موضوع القانون لا الأحكام المتعلقة بجزئيات الموضوع.
قوله: ((على جزئيات)) أي: على جزئيات موضوعها؛ لأن القانون نفسه لا جزئيات له؛ لأن الجزئيات أفراد المفهوم الكلي.
وفي الكلام حذف مضاف أي: على أحكام الجزئيات.
قوله: ((كما إذا علم)) أي: لأنه إذا علم..إلخ فالكاف للتعليل و«ما» زائدة وهو علة لقوله: «منطبقة».
قوله: ((أن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية)) هذا هو القانون أي: القاعدة الكلية.
قوله: ((عُلِمَ أَنَّ كـُّل إنسانٍ حيوانٌ)) أي: الذي هو جزئي من جزئيات موضوع القانون، وقوله: «ينعكسُ...إلخ» هكذا حكم ذلك الجزئي.
وطريق العلم بذلك أنك تَأْخُذُ جزئيًا من جزئيات موضوع القانون كالجزئي المذكور وتَحْمِلُ عليه موضوع القانون وتَجْعَلُ المحمول مقدمة صغرى وتَجْعَلُ القانون مقدمة كبرى فَيَحْصُلُ قياسٌ من الشكل الأول منتجٌ لثبوتِهِ حُكْمَ موضوعِ القانونِ لذلك الجزئي فيَحْصُلُ العلمُ المذكورُ كَأَنْ يقال كل إنسان حيوان موجبة كلية والموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية ينتج كـُّل إنسانٍ حيوانٌ تنعكسُ موجبة جزئية وهي بعضُ الحيوانِ إنسانٌ.
فقول الشارح: «عُلِمَ أن كل إنسان حيوان ... إلخ» أي: بعد إقامة القياس المذكور؛ إذ بمجرد العلم بالقاعدة المذكورة لا يحصل العلم المذكور وإنما يحصل التمكن منه لكن لَـمَّا كان هذا التمكن قويا عبر عنه بالعلم أي: وحيث كان العلم بالقاعدة يستلزم ما ذكر كانت القوانين منطبقة على أحكام الجزئيات؛ إذ لولا الانطباق المذكور ما حصل هذا العلم عند العلم بالقاعدة.
قوله: ((وكذا نظائره)) يحتمل أن المراد نظائر الجزئي المذكور من نحو كل فرس حيوان ويحتمل أن المراد نظائر القاعدة المذكورة من أن الموجبة الجزئية تنعكس كنفسها والسالبة الجزئية تنعكس كنفسها فإذا علم أن السالبة الكلية تنعكس كنفسها علم أن لا شيء من الإنسان بحجر ينعكس إلى لا شيء من الحجر بإنسان.
قوله: ((المنطق نفسه)) أي: القواعد المخصوصة.
قوله: ((بل العاصم مراعاته)) أي: بل العاصم بحسب الظاهر مراعاته أي: ملاحظته فلا ينافي أن العاصم في نفس الأمر المولى جل وعز.
قوله: ((فكيف يُطْلِقُ...إلخ)) المناسب فكيف يُسْنِدُ العصمةَ إليه.
قوله: ((قلت هذا الإطلاق مجازي)) ظاهره أنه مجاز لغوي مع أنه مجاز عقلي وهو إسناد الفعل أو ما في معناه لغير من هو له فحق العصمة أن تُسْنَدَ للمراعاة لا للمنطق فالمناسب كذلك أن يقول: «قلت هذا الإسناد مجازي».
قوله: ((وفيه)) أي: في هذا الإطلاق المجازي.
قوله: ((من التأكيد)) أي: لأن إسناد العصمة للمنطق فيه إشارة إلى الحث على تعلمه وتعليمه وملاحظته.
قوله: ((والمبالغة)) أي: من حيث إنه أسند العصمة إليه مع أن حقها أن تسند لمراعاته.
قوله: ((لو لم يعلم)) أي: لو لم يصدق، وهذا إشارة إلى قياس الخلف وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه فالمطلوبُ علمُ كل شارع الغرضَ من العلم ونقيضُهُ عدمُ علمه لكن الشارح حذف الاستثنائية منه فالأصل لكان عبثا أي: واللازم باطل فكذا الملزوم.
قوله: ((الغرض)) أي: الحاجة.
قوله: ((عبثا)) من حيث إنه يحتمل أن ذلك الفن لا فائدة له أو له فائدة مضرة أو له فائدة لا تفي بتعبه في ذلك العلم.
وقوله: «لكان طلبه عبثا» أي: لكن التالي باطل؛ لأن العبث لا يليق بالعاقل فبطل المقدم فثبت أن الشارح لا يحصل منه الشروع في العلم إلا إذا علم الغرض من العلم فيكون الشروع فيه متوقفا على العلم بالغرض.
والحاصل أن الشروع في العلم فعل اختياري والفعل الاختياري لا يصدر من الفاعل المختار إلا بعد أن يصدق بأن فائدته كذا فالنجار لا يفعل سريرا إلا بعد علمه أنه يجلس عليه وحينئذ فلابد أن يعتقد الشارع في العلم قبل شروعه أن لذلك العلم فائدة وإلا كان شروعه عبثا ولابد أن تكون تلك الفائدة معتدا بها عنده بالنظر للمشقة الحاصلة للمشتغل بذلك العلم كان معتدا بها في الواقع أو لا وإلا كان شروعه فيه يعد عبثا.
قوله: ((فلأنه لو لم يتصور ذلك)) أي: فلأن الشارع لو لم يتصور ذلك العلم برسمه أَيِّ رَسْمٍ كَانَ، وقوله: «أَوَّلاً» أي: قبل الشروع فيه، وقوله: «لَـمَا كان على بصيرة» أي: تبصر ومعرفة في طلبه وحينئذ فيكون شروعه على وجه البصيرة متوقفا على تصوره برسمه، وأما أصل الشروع فلا يتوقف على ذلك بل على تصوره بوجه ما ككونه علما من العلوم.
قوله: ((وإذا تصوره ... إلخ)) هذا زيادة فائدة لا بيان لوجه التوجه.
قوله: ((حصل له العلم الإجمالي)) أي: وذلك لأن مَنْ تَصَوَّرَ المنطقَ بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، وعَرَفَ أن هذا تعريفه حَصَلَ عنده مقدمة كلية وهي أن كل مسئلة من مسائل المنطق لها مدخل في العصمة المذكورة وهذه المقدمة يلزمها مقدمة أخرى وهي أن كل مسألة لها مدخل في العصمة المذكورة فهي من المنطق وبذلك يتمكن من أن يعلم كل مسئلة وردت عليه أنها من المنطق أو ليست منه تمكنا تاما؛ لأنه إذا كان لتلك المسئلة الواردة عليه مدخل في تلك العصمة قال هذه المسئلة لها مدخل في العصمة المذكورة ثم تأخذ المقدمة اللازمة للمقدمة الحاصلة عنده من تصور المنطق برسمه ومعرفة أن هذا الرسم تعريفه فتجعلها كبرى بأن تقول هذه المسئلة لها دخل في تلك العصمة وكل مسئلة لها مدخل في العصمة المذكورة فهي من المنطق ينتج أن هذه المسئلة من المنطق.
وإن لم تكن المسئلة الواردة عليك لها مدخل في العصمة المذكورة.
قلت هذه المسئلة ليس لها مدخل في العصمة المذكورة وكل مسئلة كذلك فليست من المنطق ينتج هذه المسئلة ليست من المنطق.
إذا علمت هذا فقول الشارح: «وإذا تصوره برسمه» أي: بأن تصوره بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ والحال أنه عارف أن ذلك تعريف للمنطق.
وقوله: «حصل له العلم ... إلخ» هو العلم بالمقدمة الحاصلة من تصور العلم برسمه ومعرفة أنه تعريفه وهي القائلة كل مسئلة من مسائل المنطق لها دخل في العصمة المذكورة.
وقوله: «حتى إن ... إلخ» غاية لقوله: «حصل له العلم...إلخ»، وقوله: «عَلِمَ أنها» أي: تلك المسئلة الواردة عليه منه أي: من ذلك العلم.
والمراد بقوله: «عَلِمَ أنها منه» تَمَكَّنَ من عِلْمِ أنها منه تَمَكـُّـنًا تامًّا بأن يأتي بالقياس السابق المنتجِ لِأَنَّها منه وحينئذ يعلم أنها منه ولَـمَّا كان هذا التمكن تاما قويا عبر عنه بالعلم وليس المراد أنه بمجرد ورود تلك المسئلة عليه يعلم بالفعل أنها منه بدون تأمل وقياس؛ لأن هذا خلاف الواقع.
قوله: ((ولما فرغ من بيانِ الحاجةِ)) أي: من تبيين ما يفيد التصديق بالحاجة أي: التصديق بأنها كذا، وقوله: «المنساقِ» صفة لبيان، وقوله: «لتعريف العلم» أي: المفيد لتصوره، وقوله: «برسمه» متعلق بتعريف، وقوله: «شرع في بيان موضوع العلم» أي: في تبيين ما يفيد التصديق بموضوعية العلم أي: التصديق بأن المعلوم التصوري والتصديقي موضوع هذا العلم.
قوله: ((وموضوعه ... إلخ)) اعلم أن موضوع العلم هو ما يُبْحَثُ فيه عن عوارضه الذاتية وذلك بأن تَجْعَلَ موضوعَ العلم موضوعًا لمسائله وتَحْمِلَ عليه عوارضَهُ الذاتيةَ فإذا أَخَذْتَ موضوعَ العلمِ وحَمَلْتَ عليه عارضًا من عوارضه الذاتية حَصَلَتْ مسئلةٌ من مسائل ذلك العلم.
فالمراد بالبحث في ذلك العلم عن العوارض إثباتُها لموضوعات المسائل
مثلا: علمُ الفقهِ موضوعُهُ فعلُ المكلفِ، فكل مسئلة من مسائله موضوعُها فعلُ المكلفِ ومحمولـُها عارضٌ ذاتيٌّ من عوارضه؛ كالصحة والفساد والوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة كما في قولك صلاة الظهر واجبة وصلاة النفل عن طلوع الشمس حرام وقبل العصر مندوبة وبعده مكروهة والبيع لأَجَلٍ مجهولٍ فاسدٌ وهكذا.
قوله: ((المعلوم التصوري)) أي: مطلقُ المعلومِ التصوريِّ ومطلقُ المعلومِ التصديقيِّ لكن بقيد الحيثية الآتية؛ لأن موضوع الفن أمرٌ كليٌّ لا جزئياتُ ذلك الأمرِ الكليِّ، وقول الشارح: «كالحيوان وكقولنا العالم متغير ... إلخ» تمثيلٌ للأمر الكلي بجزئيٍّ من جزئياته لتحقق الأمر الكلي فيه.
واعلم أن المعلوم التصوري الموصل للمطلوب التصوري قريب وهو القول الشارح وبعيد وهو الكليات الخمس، وذلك لأن القول الشارح يوصل للمطلوب التصوري مباشرة والكليات الخمس توصل إليه بواسطة تركب القول الشارح منها، وأن المعلوم التصديقي الموصل للمطلوب التصديقي قريب كالقياس وبعيد كالقضية؛ لأن القياس موصل للمطلوب مباشرة والقضية موصلة إليه بواسطة تركب القياس منها.
وقد يوصل المعلوم التصوري إلى التصديقي لكن إيصالا أبعد ككونه موضوعا أو محمولا فإن كلا منهما يوصل للمطلوب التصديقي بواسطة تركب القضية منهما الموصلة بواسطة تركب القياس منها الموصل للمطلوب مباشرة.
فَتَحَصَّلَ أن الموصلَ للمطلوب التصوري إما قريبٌ أو بعيدٌ والموصلَ للمطلوب التصديقي إما قريبٌ أو بعيدٌ أو أبعدُ.
إذا علمت هذا فقول المصنف: «المعلوم التصوري» أي: مطلق المعلوم التصوري الموصل للمطلوب تصوريا كان المطلوب أو تصديقيا، فيصدق بالموصل القريب للمطلوب التصوري؛ كالحد، وبالموصل البعيد له؛ كالكليات الخمس وبالموصل الأبعد للمطلوب التصديقي ككون ذلك الموصل موضوعا أو محمولا؛ لأنه يبحث في هذا الفن عن الأول بأنه حد مثلا وعن الثاني بأنه جنس أو فصل وعن الثالث بأنه موضوع أو محمول وحينئذ فيكون قول المصنف: «من حيث إنه يوصل إلى مطلوب تصوري» أي: أو تصديقي ويكون قول الشارح: «كالحيوان» أي: ومثله غيره من الأجناس، وقوله: «والناطق» أي: ومثله غيره من الفصول، وقوله: «مثلا» أي: ومثل ذلك الموصل القريب كالحد للمطلوب التصوري والموصل الأبعد للمطلوب التصديقي ككونه موضوعا أو محمولا.
وبهذا تعلم أن المناسبَ الإتيانُ بالواو الداخلةِ على الناطقِ لا حَذْفـُهَا كما قيل، وأن قوله: «مثلا» له فائدة فلا يُسْتَغْنَى عنه بالكاف كما قيل.
قوله: ((والمعلوم التصديقي)) أي: ومطلقُ المعلومِ التصديقيِّ الموصلِ للمطلوب التصديقي فيصدق بالموصل القريب كالقياس وبالموصل البعيد كالقضية وقول الشارح: «كقولنا العالمُ متغيرٌ» أي: ومثله غيره من الأقيسة، وقوله: «مثلا» أي: ومثله الموصل البعيد كالقضية.
وبهذا ظهر لك أن الشارح صرح في جانب المعلوم التصوري بالموصل البعيد وأدخل بـ«مثلا» الموصل القريب وصرح في جانب المعلوم التصديقي بالموصل القريب وأدخل بـ«مثلا» الموصل البعيد.
قوله: ((لا مطلقا)) أي: لا من حيث ذاتهما كانت موصلة لما ذكر أم لا، وإلا لزم كون جميع مسائل العلوم من المنطق؛ لأنه يُبْحَثُ في كل علم عن حال أحد المعلومين المذكورين.
وأشار الشارح بقوله: «لا مطلقا» إلى أن الحيثية في كلام المصنف للتقييد فكأنه قال بقيد أن يوصل المعلوم التصوري إلى مطلوب تصوري أو تصديقي، وبقيد أن يوصل المعلوم التصديقي إلى مطلوب تصديقي فهي كالحيثية في قولهم الإنسان من حيث إنه يصح ويمرض موضوع علم الطب لا للتعليل كالحيثية في قولهم النار من حيث إنها حارة تُسَخِّنُ ولا للإطلاق كالحيثية في قولهم الإنسان من حيث إنه إنسان جسم.
قوله: ((من حيث يوصل)) أي: بطريق النظر السابق، وضميرُ «يوصل» عائد إلى «المعلوم التصوري» كما قال الشارح، وقوله: «إلى مطلوب تصوري» أي: أو تصديقي كما علمت مما مر ففي الكلام حذفُ «أو» مع ما عَطَفَتْ .
قوله: ((مثلا)) لا حاجة له مع الكاف إلا أن تكون إحداهما لإدخال الأفراد الخارجية والأخرى لإدخال الأفراد الذهنية.
قوله: ((فيسمى مُعرِّفا)) ضميرُ «يسمى» عائد على «المعلوم التصوري الموصل» لكن لا بالمعنى السابق وهو مطلق الموصل الصادق بالقريب والبعيد والأبعد بل بمعنى الموصل القريب كالحد فيكون في كلامه استخدامٌ لا شِبْهُهُ كما قيل.
قوله: ((معرفا)) إنما سمي معرفا لتعريفه المخاطب الماهية.
قوله: ((وقولا شارحا)) إنما سمي قولا؛ لأنه في الغالب مركب فالقول يرادفه، وأما تسميته شارحا فلشرحه الماهية إما بالكُنْهِ أو بالوجه.
قيل: إن تسميته قولا شارحا من تسمية الشيء باسم بعض أفراده؛ لأنه لا يشرح الماهية إلا ذاتياتها فلا يكون القول الشارح إلا حدا باعتبار الأصل، لكن أطلقوا على جميع التعاريف أنها قول شارح لهذه العلاقة، وهذا إن أريد بشرح الماهية بيان أجزائها الخاصة بها.
وأما إن أريد بها ما يشمل تمييزها عن غيرها لم يكن هذا من باب تسمية الشيء باسم بعض أفراده.
قوله: ((أو من حيث ... إلخ))، «أو» بمعنى الواو.
قوله: ((مثلا)) فيه ما مر.
قوله: ((فيسمى حجة)) ضميرُ «يسمى» عائد على «المعلوم التصديقي الموصل» لكن لا بالمعنى السابق وهو مطلق الموصل الصادق بالقريب والبعيد بل بمعنى الموصل القريب ففي كلامه استخدام أيضا.
قوله: ((حجة)) إنما سمي حجة؛ لأن من تمسك به في الاستدلال على مطلوبه حَجَّ خصمه أي: غَلَبَهُ.
قوله: ((ودليلا)) إنما سمي بذلك؛ لأنه يستدل به على المطلوب.
قوله: ((فانحصر ... إلخ)) تفريع على ما سبق من أن موضوعه المعلوم التصوري والتصديقي من حيث ... إلخ.
قوله: ((المقصود الأصلي)) احترز به عن المقصود التبعي كمبحث الألفاظ والدلالات فإنهما ليسا مقصودين بالذات من فن المنطق وإنما هما مقصودان بالتبع لتركب المعرِّف والقياس منهما.
قوله: ((في الموصل)) أي: في شأنه من كونه حدا أو رسما أو تعريفا أو دليلا وفي بيان كيفية تركيبه.
وقوله: «في الموصل إلى التصور» أي: كان ذلك الموصل قريبا أو بعيدا.
وقوله: «والتصديق» أي: والموصل إلى التصديق كان ذلك الموصل قريبا أو بعيدا أو أبعد.
وإنما انحصر المقصود الأصلي فيما ذكر؛ لأن الغرض من المنطق تحصيل المجهولات والمجهول إما تصوري أو تصديقي فنظر المننطقي إما في الموصل إلى التصور وإما في الموصل إلى التصديق.
قوله: ((لأنه يُبْحَثُ ... إلخ)) حاصله قياس من الشكل الأول نَظْمُهُ أن يقال المعلوم التصوري والتصديقي يبحث في فن المنطق عن أعراضها الذاتية وما يبحث في الفن عن أعراضه الذاتية فهو موضوع الفن ينتج أن المعلوم التصوري والتصديقي موضوع الفن وهو المـُدَّعَى.
وكان الأولى للشارح أن يقول «في المنطق» بدل قوله: «في العلم» لأجل أن يكون الحد الوسط مكررا فينتج القياس؛ إذ ما ذكره غير منتج لعدم تكرر الحد الوسط إلا أن تـُجْعَلَ «أَلْ» في العلم للعهد الذِّكْرِيِّ، فتأمَّل.
قوله: ((عن أعراضهما)) أي: أحوالهما ومعنى البحث فيه عن أحوالهما أن موضوعه يجعل موضوعا لمسائله ويحمل عليه تلك العوارض كأن يقال الحيوان الناطق تعريف أو الحيوان جنس أو الناطق فصل أو الإنسان نوع وعليه فالمراد بالأعراض الذاتية الجنسية والنوعية والفصلية وهكذا، فتأمل.
قوله: ((عن أعراضه الذاتية)) الحاصل أن العرض إما ذاتي وإما غريب فالعرض الذاتي ما يلحق الشيء لذاته أي: بلا واسطة وذلك كالتعجب أي: إدراك الأمور الغريبة التي خفي سببها اللاحق لذات الإنسان أو يلحقه بواسطة جزئه المساوي له كالتكلم اللاحق للإنسان بواسطة أنه ناطق أو يلحقه بواسطة أمر خارج عنه مساو له وذلك كالضحك اللاحق للإنسان بواسطة التعجب والتعجب مساو للإنسان.
وإنما سُمِّيَتْ هذه الأعراضُ ذاتيةً لاستنادها للذات وإن تفاوت الاستناد للذات في القوة.
أما الاستناد للذات في القسم الأول فظاهر.
وأما في الثاني فلأن العارض مستنِدٌ للجزء والجزء داخل في الذات فيكون مستنِدًا إلى ما في الذات والمستنِدُ لما في الذات مستنِدٌ للذات.
وأما في الثالث فلأن العارض اللاحق بواسطة أمر مساو مستنِدٌ لذلك الأمر المساوي والمساوي مستند للذات والمستند إلى المستند إلى شيء مستند لذلك الشيء.
والعَرَضُ الغريب ما يكون لحوقه للمعروض بواسطة أمر أخص كالضحك اللاحق للحيوان بواسطة كونه إنسانا وهو أخص أو أعم كالتحرك اللاحق للإنسان بواسطة كونه حيوانا أو مباين له كاللون العارض للجسم بواسطة السطح وكالحرارة اللاحقة للماء بواسطة النار وبين الماء والنار تباين.
وإنما سميت غريبة؛ لأنها وإن كانت عارضة للمعروض ليست مستندة لذاته فهي غريبة وبعيدة عن ذاته.
وإنما كان يُبْحَثُ في الفن عن الأعراضِ الذاتيةِ للشيء دون أعراضه الغريبة؛ لأن أعراضه الذاتية أحوال له في الحقيقة، فلذا يبحث في الفن المتعلق به عنها.
بخلاف أعراضه الغريبة فإنها في الحقيقة ليست أحوالا له وإنما هي أحوال للغير الذي ثبتت لذلك الشيء بسببه فلا يبحث عنها في الفن المتعلق بذلك الشيء، وإنما يبحث عنها في الفن المتعلق بذلك الغير لأن المقصود في كل علم إنما هو البحث عن أحوال موضوعه الحقيقية.
قوله: ((وإنما قلنا ... إلخ)) قصده بهذا بيان كون المعلومات التصورية والتصديقية يبحث عن عوارضهما الذاتية.
قوله: ((للمعلوم)) متعلق بمحذوف صفة لأعراض أي: عن الأعراض الذاتية الكائنة للمعلوم.
قوله: ((لأن المنطقي يبحث عنهما)) أي: عن المعلومين المذكورين من حيث الإيصال ... إلخ.
قال في شرح المطالع البحث عن التصورات من حيث الإيصال للمجهول إما أن يكون من حيث الإيصال القريب أي: الإيصال بلا واسطة ضميمة كالحد والرسم أو البعيد ككونها كلية وجزئية وذاتية وعرضية وجنسا وفصلا فإن مجرد أمر من هذه الأمور لا يوصل إلى التصور ما لم ينضم إليه أمر آخر يحصل منهما الحد والرسم والبحث عن التصديقات من حيث الإيصال لمجهول إما من حيث يوصل إلى تصديق مجهول إيصالا قريبا كالقياس والاستقراء والتمثيل أو بعيدا ككونها قضية وعكس قضية ونقيض قضية فإنها ما لم ينضم إليها قضية لا توصل إلى تصديق ويبحث عن التصورات من حيث إنها توصل إلى تصديق إيصالا أبعد ككونها موضوعات أو محمولات فإنها إنما توصل إليه إذا انضم إليه أمر آخر يحصل منهما قضية، ثم انضم إليهما ضميمة أخرى حتى يحصل القياس والاستقراء والتمثيل.
ثم لا يخفى أن معنى البحث عن المعلومين من حيث الإيصال المذكور إثبات الإيصال لهما بحمله عليهما فيقتضي أن الإيصال يحمل عليهما كأن يقال الحيوان الناطق موصل لمطلوب تصوري والعالم متغير وكل متغير حادث موصل لمطلوب تصديقي مع أن الذي يقع محمولا في المسائل غير الإيصال المذكور كالمحمول في قولنا الحيوان جنس والناطق فصل والحيوان الناطق حد والحيوان الضاحك رسم والعالم موضوع ومتغير محمول والعالم متغير قضية والعالم متغير وكل متغير حادث قياس وهكذا.
أجيب بأنه إذا حكم على المعلوم التصوري بأنه حد أو رسم كان معناه أنه موصل للمعلوم التصوري بلا واسطة وإذا حكم عليه بأنه كلي أو جنس أو فصل أو خاصة كان معناه أنه موصل للمطلوب التصوري بواسطة وإذا حكم عليه بأنه موضوع أو محمول كان معناه أنه موصل للمطلوب التصديقي بواسطتين.
وهذه الأحوال الثلاثة الثابتة للمعلوم التصوري هي المعبر عنها بأعراضه الذاتية.
وإذا حكم على معلوم تصديقي بأنه قياس أو استقراء أو تمثيل كان معناه أنه موصل للمطلوب التصديقي بلا واسطة وإذا حكم عليه بأنه قضية أو عكس قضية أو نقيض قضية كان معناه أنه موصل للمطلوب التصديقي بواسطة وإذا حكم على المعلوم التصديقي بأنه مقدم أو تالي كان معناه أنه موصل للمطلوب التصديقي بواسطتين.
وهذه الأحوال الثلاثة الثابتة للمعلوم التصديقي هي المعبر عنها بأعراضه الذاتية.
فقول الشارح: «لأن المنطقي يبحث عنهما من حيث الإيصال» أي: من حيث ما هو بمعنى الإيصال أي: من حيث الشيء الذي معناه الإيصال كالحَدِّيَّةِ والجِنْسِيَّةِ والفَصْلِيَّةِ ... إلخ.
وقد يقال لا داعيَ لذلك السؤالِ والجوابِ عنه بما ذكر إلا جَعْلُ الإضافة في قوله: «من حيث الإيصالُ» بيانيةً وليس بمتعيِّنٍ لجوازِ جعلها حقيقيةً أي: إلا من جهةِ الإيصالِ أي: إلا من الجهة التي يكون بها الإيصال للمطلوب كالجنسية والحدية ... إلخ.
والحاصل أن قوله: «من حيث الإيصالُ» أي: من الجهة التي توصل للمطلوب ككون المعلوم التصوري جنسا أو فصلا أو عرضا عاما أو حدا أو رسما وكون المعلوم التصديقي قضية أو عكس قضية أو نقيض قضية فالعوارض تلك الجهةُ لا نفسُ الإيصالِ.
قوله: ((كما مر)) أي: من أنه يبحث عنهما من حيث الإيصال إلى مجهول تصوري أو تصديقي.
وفيه أن ذلك لم يَمُرَّ في كلامه ولا في كلام المصنف.
لا يقال إنه مر في قول المصنف: «من حيث يوصل إلى مطلوب تصوري أو تصديقي»؛ لأن الإيصال الواقع من المصنف هو الذي جعل قيدًا في الموضوع وهو غير الإيصال الذي الكلام فيه؛ لأن الكلام في الإيصال الذي يجعل محمولا في المسائل وهو غير الذي جعل قيدًا في الموضوع اللهم إلا أن يقال قصده كما مر في قوله: «فانحصر المقصود الأصلي من هذا الفن في الموصل للتصور والتصديق» لكونها يبحث في هذا الفن عن الموصل لما ذكر من حيث الإيصال إليه، فَتَأَمَّلْ.
قوله: ((وتلك الحيثية)) أي: الجهة المذكورة.
قوله: ((على موضوع العلم)) أي: على التصديق بـ«أَنَّ موضوعَ العلمِ الشيءُ الفلانيُّ».
قوله: ((زيادةَ تميزٍ)) أي: وأما أصل التميز فهو حاصل بتصور العلم بالتعريف.
قوله: ((إلا بتمايز الموضوعات)) أي: بأن كانت متغايرة ذاتا واعتبارا كموضوع علم الفقه وموضوع علم النحو أو كانت متحدة ذاتا مختلفة اعتبارا كموضوع النحو والصرف فإنه الكلمات العربية لكنها من حيث الإعراب والبناء موضوع النحو ومن حيث الإعلال والصحة موضوع علم الصرف، وذلك لأن المقصود من العلوم بيان أحوال الأشياء ومعرفة أحكامها.
فإذا كانت طائفة من الأحوال والأحكام متعلقة بشيء واحد أو بأشياء متناسبة وطائفة أخرى منها متعلقة بشيء آخر أو بأشياء متناسبة أخرى كانت كل واحد من الطائفتين علما برأسها ممتازة عن الأخرى ولو كانت الطائفتان متعلقتين بشيء واحد لكانتا علما واحدًا ولم يُسْتَحَقَّ عَدُّ كلِّ واحدةٍ منهما علما على حدة.
قوله: ((فلو لم يَعْلَمْ)) أي: يُصَدِّقْ بجوابِ «أَنَّ موضوعَ العلمِ الشيءُ الفلانيُّ».
قوله: ((الشارعُ)) أي: في علم.
قوله: ((زيادةُ بصيرةٍ)) أي: وأما أصل البصيرة فهو حاصل بتصور العلم من التعريف.