🏠︎ الرئيسة » كتابات » تدوينات » احزن.. ثم واصِل مسيرك
👤 محمد أحمد البكري | 🗓 15-08-2022
الحزن طبيعة بشرية جبل اللهُ الخلقَ عليها، شأنُها شأنُ الفرح والرضا والغضب وما أودعه الله في كل نفس من مشاعر؛ لكنَّه سبحانه أودع كذلك في هذه النفس مزية أخرى عطَّلها اليوم كثير من الناس؛ هي مزية التجاوُز والتخطِّي.
والعاقل مَن يُوازِن فيُراعي في نفسه لحظات ضعفها ويعطي لما يصيبه أو يصيب غيره من خاصَّةٍ وعامَّةٍ نصيبَه من الحزن، ثم يعود واقفًا مُقدِّرًا للعمر قدره ومُكمِلًا مسيره.
وقد كان نبيُّنا وأسوتنا محمد ﷺ يحزن كما نحزن، ثم لا يلبث أن يتجاوز حزنه مستثمرًا إيَّاه في المضيِّ قدمًا ومستفيدًا منه بالبناء عليه؛ بل كان ﷺ شعلة من تفاؤل في أشدِّ لحظات العتمة وأكثر مواقف غياب الأمل.
انظر إلى ما فعله ﷺ والمسلمون مُحاصَرون في المدينة من أحزاب متفرِّقة جاؤوا من الشرق والغرب على هدف واحد هو استئصال شأفة المسلمين وإبادتهم عن بكرة أبيهم.. انظر إليه ﷺ وقد جاءه الصحابة في هذه الحال ينقلون إليه نبأ خيانة بني قريظة عهدَهم معه بتحالُفهم مع الأحزاب.. لقد حزن ﷺ حزنًا شديدًا حتى تقنَّع بثوبه، نعم حزن.. ثم ماذا؟ ثم رفع رأسه ﷺ وقال: «الله أكبر، أبشِروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره».
واستمِع معي إلى البراء بن عازب –رضي الله عنه– وهو يحكي ما عاناه المسلمون في الواقعة نفسها وهم يحفرون الخندق؛ تلك الواقعة التي سمَّاها الله تعالى في كتابه «الزلزال الشديد»، وكيف كان تعامُل نبيِّنا ﷺ.. يقول رضي الله عنه:
لمَّا كان حين أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ بحَفْرِ الخَنْدَقِ عَرَضَتْ لنا في بعضِ الخَنْدَقِ صخرةٌ لا نأخذُ فيها المَعَاوِلَ، فاشتَكَيْنا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فجاء فأخذ المِعْوَلَ فقال: «باسمِ اللهِ»، فضرب ضربةً فكسر ثُلُثَها، وقال: «اللهُ أكبرُ! أُعْطِيتُ مَفاتيحَ الشامِ! واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصورَها الحُمْرَ الساعةَ»، ثم ضرب الثانيةَ فقطع الثلُثَ الآخَرَ فقال: «اللهُ أكبرُ! أُعْطِيتُ مفاتيحَ فارسٍ! واللهِ إني لَأُبْصِرُ قصرَ المدائنِ أبيضَ»، ثم ضرب الثالثةَ وقال: «باسمِ اللهِ»، فقطع بَقِيَّةَ الحَجَرِ، فقال: «اللهُ أكبرُ! أُعْطِيتُ مَفاتيحَ اليَمَنِ! واللهِ إني لَأُبْصِرُ أبوابَ صنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ» [فتح الباري: ٧/ ٤٥٨]
بأبي هو وأمِّي من بشر رسول وخير أسوة معلِّم!
ومهما بلغ مُصابُك في نفسك أو في خاصَّتك وعامَّتك، فلك فيه ﷺ أسوةٌ حسنةٌ؛ فقد أصابه –لو تأمَّلتَ– ما لا يُطيق مثلي ومثلك تحمُّلَه على مختلف المستويات، وما ذاك إلا ليكون لنا أسوةً ومنهاجًا في التعامل السويِّ مع النفس سماحًا لها بالحزن وما يعتريها من ضعف، وكذلك في الاستبشار وبعث الأمل مع أيِّ بارقة عابرة في ثنايا الابتلاء، ثم في تجاوُز هذا الحزن والخروج منه أقوى لاستكمال رحلة حمل الأمانة وعمران الأرض.