🏠︎ الرئيسة » كتابات » تدوينات » أحقًّا عفوتَ عن ظالمك؟!
👤 محمد أحمد البكري | 🗓 24-06-2021
رأيتُ اليوم في منامي أحدَ مَن ظلموني ظلمًا كبيرًا على نفسي وكنتُ أحسب أنَّ ذاكرتي سريعةَ النسيان قد تغلَّبت عليه وأنَّ أمره في نفسي قد صار مَطويًّا مُتجاهَلًا.. رأيتُه وأنا أجزم له أنِّي لم أسامح في حقِّي وأنَّ حقِّي صائرٌ إليَّ لا محالة إنْ في الدنيا وإنْ في الآخرة.
أتعجَّب الآن من نفسي وأنا في صحوي! ففي خلوتي بالله ﷻ داعيًا -خاصَّةً في مواسم العفو- أجاهد بَشَرِيَّتي وأقاوم نفسي لتعفوَ عفوًا عامًّا عمَّن ظلمها؛ عفوًا يُدخِلُ في عباءته الفضفاضة مَن لا تقدر بَشَرِيَّتي على تسميته وتخصيصه بالعفو؛ عسى اللهُ ﷻ أن يعفوَ عن نفسي ويمحوَ ما كان منها.. أفعل هذا وأنا مُوقِنٌ في قرارة نفسي -إيمانًا راسخًا وتجربةً عمليةً- أنَّ الظلم في ذاته لم يكن إلَّا بابًا من الله ﷻ وسببًا أجراه على يد مَن ظلمني ليفتح لي به طريقًا جديدًا هو خيرٌ ممَّا فاتني.
لكن في كل مَرَّةٍ بعد الدعاء يتردَّد في نفسي صوتٌ خفيٌّ؛ صوتُ ذلك الطفل المختبئ داخلي لا تخونه الذاكرةُ أبدًا، ذلك الطفل الذي أحاول إسكاتَه كلَّما همَّ بالانتفاض من مَخبَئه؛ صوتٌ يحاول تعكير صفو العفو هاتِفًا فيَّ: ماذا عن الظالم؟! أحقًّا عفوتَ في لحظةٍ عن ذاك الذي ظلمك ظلمًا بيِّنًا لازمك أيَّامًا وأشهُرًا تتجرَّعُه في كل خطوة؟!
أتجاهل هذا الصوت مُولِّيًا؛ فأنا الآن ذلك الكبيرُ الذي يخشى على طريقه الطويل من الالتفات؛ ذلك المُجهَدُ الذي يخشى على ذاكرته من عبء حملٍ ثقيلٍ لا تنبغي صحبتُه في طريقٍ طويل.. وأحسب مَرَّ الأيام وتتابُعَ المحطَّات كفيلَيْن بالتعامُل مع صوت ذلك الطفل!
تيقَّنتُ اليوم أنَّ بعض المظالم تتأبَّى على العفو وتتأبَّى على الذاكرة فتهزمُهما معًا مُستعلِيةً مُوقِظةً ذاك الصوتَ الخفيَّ اللاجئَ إلى رُكن بعيد في الذاكرة الآويَ إلى رُكن شديد في الدنيا والآخرة.. واللهُ ﷻ وحده يفصل بين عباده يومَ تُجزَى كُلُّ نفسٍ ما كسبت؛ يومَ يُنادَى في الخلائق:
﴿لا ظُلمَ اليومَ إنَّ اللهَ سريعُ الحساب﴾!