🏠︎ الرئيسة » كتابات » مقالات » رسالة إلى أهل القرآن والقائمين عليه
👤 محمد أحمد البكري | 🗓 23-07-2023
لا ينبغي لمن أتمَّ حفظ كتاب الله ﷻ في هذا الزمان أن يقف عند هذا الحدِّ لا يتجاوزه ظنًّا منه أنَّه بحفظه قد بلغ خطَّ النهاية وحاز قصب السبق وانتهى الأمر؛ وإنَّما يلزمه أن يعي تمام الوعي أنَّ عليه أن يُكمِل سعيه في طريق حمل الأمانة –خاصَّةً المؤتمَن على التلاوة والإمامة والإقراء– فيتعلَّم من علوم العربية ما ينأى به عن اللحن في كلام ﷲ ويعينه على إدراك العلائق في كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فيفهم العلاقة بين الكلمة وأختها، وبين التركيب والآخر، وداخل التركيب الواحد، وأين يبدأ التركيب وأين ينتهي، والعلاقة بين الآية والأخرى، وبين الآية وما سبقها وما تلاها؛ وهذا كله يعين عليه: علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلوم البلاغة.
وعليه أن يتعلَّم من علوم القرآن ما يَحول بينه واللحنِ في المعنى، وما يسمو به عن الخروج بالذكر الحكيم عن مراد الله ﷻ إلى غيره من معانٍ مُحرَّفة قائمة في أساسها على الهوى والاستحسان بل و«الاستعراض» في بعض الأحيان؛ ومن أهمِّ هذه العلوم وأشرفها بعد علم التفسير: علم الوقف والابتداء.
وهذا الذي سبق مُجرَّد قليل يُتبلَّغ به، وأراه أوْلى للحافظ بالعناية والتحصيل من الشروع في تعلُّم القراءات القرآنية الأخرى.
سُئِلَ عليٌّ -رضي الله عنه- عن معنى قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المُزَّمِّل: ٤]، فقال: "الترتيلُ: تجويدُ الحروف، ومعرفةُ الوقوف". [ابن الجزريّ: التمهيد في التجويد، 40؛ النشر في القراءات العشر، 1/ 225]، وقال ابن الأنباري رحمه الله: "ومِن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه وغريبِه: معرفةُ الوقف والابتداء فيه". [ابن الأنباري: إيضاح الوقف والابتداء: 1/ 108]، وقال أبو حاتم السجستاني رحمه الله: "مَن لم يعرف الوقف لم يعرف القرآن". [القشطلاني: لطائف الإشارات: 1/ 249]
ولو كان الأمر بيدي، ما أجزتُ حافظًا لكتاب الله ﷻ ولا بدأتُ معه القراءات قبل أن يُحصِّل –مع حفظه– الحدَّ الأدنى من هذه العلوم التي تُعنى بالجوهر، تمامًا كتحصيله لأحكام التجويد وصفات الحروف ومخارجها.. فلئن كانت الأخيرة تصون اللفظة بأصواتها من اللحن وتأتي بها على الوجه المطلوب، فإنَّ الأولى تصون المعنى من اللحن ومن العبث وتأتي بمراد الله على النحو الذي قصد؛ واللفظ والمعنى لا ينفصلان؛ بل إنَّ اللفظ ما هو إلَّا سبيل إلى المعنى.
وحاصل هذا كله يصبُّ في جعل حاملِ القرآن أقربَ إلى معرفة عظم قدر ما يحمل، وقبل ذلك حفظ الأمانة بين أُمَّة الأمانة.
قد يظهر في كلامي بعض القسوة أو التحامُل؛ لكن الغيرة على كلام الله حفظًا له من أن تُحرَّف تلاوتُه –كما حفظه الله ﷻ بغيرة الأوائل من أن يُحرَّف رسمُه– مسألة في غاية الأهمِّيَّة يجب أن تأخذ النصيب الأكبر في نفوس القائمين على القرآن في بلادنا وكذا في وعي الآباء عند سلوكهم أبناءهم في طريق القرآن حتى تُحفَر في صدر كل حافظ مع حفظه؛ وهي قائمة بفضل الله لكن بشكل محدود في نطاق بعض معاهد القرآن الكريم وكُلِّيَّاته وأقسامه المتخصِّصة.
ومن يُدقِّق النظر ويتأمَّل ما يفعله بعض القرَّاء بالقرآن في بعض المحاريب وفي بعض التلاوات المسجَّلة من لحون –بجهل منهم أو بـ«استعراض»– سواء أكانت في الإعراب، أم في تغيير بنية بعض الكلمات، أم في الوقوفات المُخِلَّة بتمام المعنى، أم في الابتداءات الباترة لأوَّل المعنى، أم في وصل متبدَع منشئ معنًى جديدًا ما أنزل الله به من سلطان= مَن يتأمَّل هذا كله وغيره: سيعلم علم اليقين أنَّ الأمر جلل، وأنَّ ما اقتضته الضرورة قديمًا لحفظ كلام الله كتابةً حتى بلغ يومَنا هذا لا تحريف فيه ولا تبديل تقتضيه كذلك في هذا العصر لحفظه سماعًا بين يدي هذا الجيل والأجيال التالية دون زيغ أو عِوَج.
والله وحده يهدي سواء السبيل