🏠︎ الرئيسة » كتابات » مقالات » قراءة نقدية لقصيدة «النهاري»
👤 أ. مصطفى حمدون أمين | 🗓 13-12-2020
ما يزالُ الشعراءُ يتواردون على الليل؛ يَنتزِعون منه الوسيلة لبَثِّ مشاعرهم وإظهار مقاصدهم؛ كالسُّكون والتأمُّل، والحزن والهَمِّ، والجهل، والظُّلم، وكذا تشبيه شَعر الجميلات بسواده.
وفي هذه القصيدة ينتزع شاعرُنا البَكري من الليل الغموضَ والخفاء؛ إذ يُشبِّه نفسَه به بطريق غير مباشر؛ ودليلُ ذلك أنَّه يُصرِّح بعِشقه بالفعل المضارع الذي يَدُلُّ على استمرار الخبر وتجدُّده؛ فإنَّ العشق يكون للمُوافِق للنفس وللذي يَزيدُ في دعمها وإنجاحها.. لكن لا يبرحُ الشطرُ الأوَّلُ إلَّا وقد نسب نفسَه إلى النهار بما يحمله من وضوح ونشاط، وهما مُقوِّمان مُهِمَّان لحُسن التقدير واتخاذ القرار وسلامة الأفعال.
إنَّ الشاعر في هذه القصيدة يَخلَعُ على نفسه من صفات الحكماء والبسطاء في آنٍ واحد: يُحِبُّ ويبلغ منه الحبُّ؛ فيُظهِر الشوق، غير أنَّ مُقتضَى حِكمته أن يتراوح حالُه بين الإعلان تارةً، والإخفاء بل إظهار خلاف ما في نفسه من العشق أحيانًا.
وكأنَّه ينظر إلى قولٍ لأبي فراس ويَزيدُ عليه المُداراةَ؛ يقول أبو فراس على لسان سائلٍ مُنكِرٍ مُشفِق:
أراكَ عصِيَّ الدمعِ شيمتُك الصبرُ .:. أمَا للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟
فيُجيبُه:
بلى؛ أنا مُشتاقٌ، وعنديَ لَوْعَةٌ .:. ولكنَّ مِثلي لا يُذاعُ له سِرُّ
إذا الليلُ أضواني بَسَطتُ يَدَ الهوى .:. وأذلَلْتُ دَمْعًا مِن خلائقه الكِبْرُ
إنَّ أبا فراس مُتجلِّدٌ ليس أكثر، يأبى إظهار الضعف لأعدائه؛ فإنَّه قد قال تلك القصيدة –التي افتتحها بهذه الأبيات– وهو في الأَسْر، وكأنَّه يقول مع أبي ذؤيب:
وتَجَلُّدي للشَّامِتينَ أُريهُمُ .:. أنِّي لرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَضَعْضَعُ
أمَّا البكري؛ فإنَّه يُداري، ويتعمَّد أحيانًا المُجاراة والمُسايَرة استئناسًا ومُخاطَبةً للنفوس على أقدارها.. يرى تقلُّبه الذي يبدو للناس، ويُصيبُهم بحَيْرة في وصفه، فيزعمونه تقلُّبًا دالًّا على اضطرابه الداخليِّ؛ إنَّما يراه هو حِكمةً ووضوحًا يَخفَى على كثيرٍ من النفوس.. لذا فهو يَغمِزُ عادةَ الذين يَسْعَوْنَ للحُكم على البواطن ووضع الإنسان في قوالب، فإن عجزوا حكموا بالغموض والاضطراب ذمًّا منهم، وهم الغافلون عن الحقائق المنشغلون بما لم يُحيطوا به عِلمًا.
البكري –في نظرهم– هو الغامضُ والجَلِيُّ، والسهلُ والعنيدُ، والهادئُ والغاضبُ.. أضدادٌ اجتمعت في شخصيته وبيانه، يراها –كما يقول البلاغيُّون– تَزيدُ المعنى وضوحًا؛ إذ كان المُقتضَى –في نظره– أن يُحكَم عليه بأنَّه يُنزِل كُلَّ شيءٍ منزلتَه..
يقول:
أعشقُ اللَّيْلَ.. غيرَ أنِّي نهاري
أُظهِرُ الشَّوْقَ تارةً.. وأُداري
غامضٌ في عيونهم؟ لستُ أدري!
أم جَلِيٌّ؟ هل جاوزوا أسواري!
«أحمديُّ البِساطِ» سَهْلٌ مِراسـي؟
أم عنيدٌ يَقُودُني استكباري؟
هادئٌ أسلُكُ الرِّضا لا أُبالي؟
غاضبٌ ألعنُ –الحياةَ– إساري؟
أنت أدرىٰ بي منهمُ.. بَيْدَ أنِّي
بيَ أدرىٰ منكمْ! ولكنْ أُجاري..
ثم يأخذ في الأبيات التالية يصف نفسه كما يراها..
ولكن ألم يَلْفِت انتباهَك أنَّ الضمير «أنت» في البيت الأخير من المقطع السابق قد عَرِيَ من ضبط «التاء» التي تكشف عن جنس مُخاطَبه: أمُذكَّرٌ أم مُؤنَّث؟! وكأنَّه يأبى إلَّا أن يَشْغَلَ المُتلقِّيَ [القارئ] كما انشغل الناسُ في شأنه!
يرى البكري نفسَه مُتفائلًا مهما اشتدَّت الأزماتُ وظهرَت الأحزانُ، ليِّنًا سَمْحًا، قويَّ العزم، كريمًا ودودًا؛ غير أنَّه لا يُكرِم ولا يتودَّد إلى ظالمٍ مُتجبِّر.. قلبُه باقٍ على فطرته كالأطفال حين يُفكِّرون ويسألون، ويظهر منهم ما في قلوبهم للمُتعامِل معهم، وكأنَّه بذِكْرِه هذه الصفةَ لا يراها مُعارِضةً لما ذكره قبلُ من مُجاراته للمُخاطَب –ذكرًا كان أم أنثى– في تحمُّل نقده أو فهمه، وكذا مُداراته عمَّا في قلبه من العشق! فأنَّى لطفلٍ أن يُجارِيَ ويُداري!
إنَّه –كما يبدو مِن الأبيات فيما بعدُ– طفلٌ مُبارَكٌ بالإيمان، أسلَم نفسَه لخالقه «عالِم الأسرار»، وملأ قلبَه بالحكمة في القَبْض وفي البَسْط، وباليقين أنَّه مهما تطاول ليلٌ فهو –مِن وجهٍ آخَرَ– صُبْحٌ، وأنَّه لو استشعر الإنسانُ ما وراء الليل [المِحَن] مِن المِنَح؛ لكان يعشقه رغم أنَّه نهاريّ..
أكمل البكري أبياتَه قائلًا عن نفسه:
مُشـرِقٌ رغـمَ كُلِّ حُـزْنٍ تبـدَّىٰ
ليّـِنٌ لا يـَحُـدُّني إصـراري
أَرْيَحِـيٌّ أُبـادِرُ النَّاسَ ودًّا
وبخيلٌ علىٰ ذئابٍ ضَواري
داخلي الطفلُ لا يزالُ طريًّا
قلبُهُ منذُ أوَّلِ استفسارِ
لستُ أُخفي شيئًا! ولكنَّ أمري
بِيَدِ اللهِ عالِمِ الأسرارِ
إن يَشَأْ يَمْدُدِ المَدَارَ مَلِيًّا
أو يَشَأْ يَطْوِ رحلةَ الأسفارِ
كُلُّ لَيْلٍ –مهما تطاوَلَ– صُبْحٌ
فامْنَحِ اللَّيْلَ خَفْقَةَ الأشعارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(●) مصطفى حمدون أمين، باحث مصريّ في اللغة العربية والفكر الإسلامي.