قوله: ((وها أنا ... إلخ)) أدخل هاء التنبيه على الضمير المنفصل الذي خبره ليس اسم إشارة لكن ما سلكه الشارح كثير في عبارة المؤلفين.
قوله: ((في المقصود ... إلخ)) هذا يفيدان المقدمة من المقصود لأنه قال: ((وها أنا أشرع في المقصود)) فيعارض قوله بعد ((قبل الشروع في المقصود)).
قوله: ((بعضا من الكلام ... إلخ)) يفيد أنها ليست من المقصود وجوابه أن قوله في المقصود يراد بالمقصود أعم من المقصود بالذات أولا.
وقوله: ((قبل الشروع في المقصود)) أي: بالذات فتكون المقدمة مقصودة تبعا بالذات.
قوله: ((ويسمّونه مقدمة ... إلخ)) أي: يسمون البعض من الكلام وقوله: ((مقدمة الشروع في العلم)) ويقال لها مقدمة العلم أيضا.
وقوله: ((كتعريف العلم)) وهو آلة قانونية ... إلخ.
وقوله: ((وبيان الحاجة إليه)) أي: لأنه يقع الخطأ في الذهن فاحتيج للمنطق وموضوعه المعلومات التصديقية والتصورية وبعد هذا كله فقول الشارح ((ويسمونه ... إلخ)) يفيدان مقدمة العلم الألفاظ الدالة على هذه الثلاثة ويكون قوله: ((كتعريف)) أي: كلفظ دال على تعريف وكلام المصنف في التلخيص يفيد أنها اسم لمعاني هذه الثلاثة وقال أن بين مقدمة العلم والكتاب التباين لأن الأولى معان والثانية ألفاظ وأن الثانية طائفة من الكلام قدمت أمام المقصود لارتباط لها وانتفاع بها فيه سواء اشتملت على هذه الثلاثة أم لا وأن الأولى عبارة عن معاني هذه الثلاثة فقط وبين مدلول الثانية ونفس الأولى عموم وخصوص مطلق فيجتمعان في ذكر الثلاثة وتنفرد مقدمة الكتاب في قول خليل مشيرا بفيها للمدونة ... إلخ واشتهر بين العلماء مذهب المصنف حتى إن خالفه كالسيّد لا يلتفت له وأجاب بعض عن الشارح بأن قوله: ((يسمّونه)) أي: يسمّون مدلوله موافق كلام المصنف وردّ هذا الجواب بأن مدلوله البعض المتقدم قد يكون غير الثلاثة مع أنه لا يسمى بمقدمة الشروع، وهذا الإيراد وارد على ظاهر الشارح المفيدان بعض الكلام يسمى مقدمة الشروع وإن لم يكن ذلك البعض دالا على الثلاثة وليس كذلك وأجاب بعض بأن هناك تقدير مضاف أيضا أي: يسمون بعضَ مدلوله مقدمة ... إلخ وردّوا أيضا بأن ذلك البعض قد يكون خارجا عن الثلاثة مع أنه لا يسمى؛ فالأولى أن يرادَ بقوله: ((بعضا)) أي: بعضا مخصوصا و((الكاف)) في قوله كتعريف استقصائية.
قوله: ((وبيان الحاجة إليه)) إنما قدر بيان في جانب الحاجة والموضوع لأن معرفتهما تصديق بخلاف التعريف فإنه تصور فلذا لم يقدم عليه بيان المشعر بالتصديق.
قوله: ((فمن أجل ذلك)) أي: من أجل جري عادة المصنفين المتقدمة.
قوله: ((مأخوذة من قدم)) قدر مأخوذة لأن دائرة الأخذ أعمّ من دائرة الاشتقاق وإثبات الأعمّ لا يستلزم الآخر فليس مشتقا من الفعل، وأشار الشارح بذلك إلى أن من قال: ((من قدم)) مراده مأخوذة ممن قدم فلا يرد عليه أن ظاهره أنه مشتق من الفعل مع أنه مذهب ضعيف.
قوله: ((مقدمة الجيش)) أي: مقدمة من الجيش لا أنها قدمت غيرها فقوله كما يقال هذا نظير من كلام العرب.
قوله: ((وفيه تكلف)) أي: لأن المعنى قدمت الشارع أي: القارئ فيها ومن المعلوم أن التقديم إنما هو لمعانيها لا لها إلا أنه لما عرف المعاني فشبه من تقدم على أقرانه حسّا فالتكليف من وجهين: الأول أن المقدم هو المعرفة والثاني إنها لم تقدم حسّا.
قوله: ((وقيل من قدم)) إنما أظهر في محل الإضمار لأنه لو أضمر لتوهم أن الضمير عائد على قدم المقيد بكونه لازمًا وليس مرادا نعم يمكن أن يقال لو أضمر كان في كلامه استخداما.
قوله: ((المشتملة ... إلخ)) من اشتمل الدال على المدلول بناء على أن المقدمة اسم للألفاظ وهو ما مشى عليه الشارح وأما على الجواب المتقدم فأطلق المقدمة وهي المعاني وأراد والهاء وهي الألفاظ فهو مجاز مرسل من إطلاق المدلول وإرادة الدال وبهذا التقدير اندفع ما يقال أن قولكم من اشتمال الدال على المدلول لا يُسلَّم لأنها اسم للمعاني وهذه الأمور معانٍ فيلزم اشتمال الشيء على نفسه.
قوله: ((وفيه إيهام ... إلخ)) أي: وفي فتح الدال أي: في قراءته بفتح الدال إيهام لأنه يحتمل أن تقديم الجاعل لاستحقاقها.
قوله: ((لتأدية)) فتح الدال فيه إظهار في محل الإضمار.
قوله: ((إلى أن تقديم)) أي: إيهام أن تقديم ... إلخ بدليل ما تقدم.
قوله: ((وبالجملة)) أي: وأقول قولا ملتبسا بالجملة أو أقول قولا آتيا على الجملة أي: بقطع النظر عن كونها بكسر الدال وفتحها.
قوله: ((ها هنا)) أي: الشروع في العلم احترازا من مقام القياس فإنها جزء الدليل.
قوله: ((ما يتوقف عليه)) أي: ألفاظ بناء على كلامه أو مدلول ألفاظ على ما تقدم.
قوله: ((في مسائل العلم)) الإضافة للبيان لأن المسائل هي القضايا أو النسب أو عين إضافة المدلول لداله أن أريد بالمسائل المعاني.
قوله: ((وهي مشتملة)) أي: والهاء مشتمل إما التوقف على بيان الحاجة فلأن الشارع لو لم يعلم غايته وفائدته لكان طلبه عبثا ولو بما وقع فيما يريده وإما التوقف على تعريفه فليكن على بصيرة ولئلا يلزم التوجه على المجهول المطلق.
قوله: ((المنساق إلى تعريف)) أي: المتوصل به إلى تعريف المنطقي أي: أنه يعلم من بيان الحاجة وهو أن العقل تارة يصيب وتارة يخطئ فاحتيج إلى قانون وذلك القانون هو المنطق فقد توصل من بيان الحاجة إلى تعريف المنطق فقد لزم من بيان الحاجة وهي الغاية بيان تعريفه بتلك الغاية ولا يلزم من التعريف بيان الحاجة ولعل الشارح إنما ضم التعريف إلى بيان الحاجة حيث قال المنساق ... إلخ تتميما للفائدة وإلا لو قال ولما كان بيان الحاجة موقوفا على ... إلخ لكفى في المراد.
قوله: ((موقوفا على تقسيم ... إلخ)) أي ومعرفة الموقوف لا تعلم إلا بعد معرفة الموقوف عليه وأشار الشارح إلى قياس من الشكل الأول وحاصله بيان الحاجة موقوف على التقسيم وكلما كان موقوفا على شيء فهو سابق فينتج أن التقسيم سابق فلذا قدمه.
قوله: ((إلى قسميه)) أي: التصور والتصديق والتقسيم جعل الشيء أقساما وما نحن فيه من قبيل تقسيم الكلي إلى جزئياته والشيء المجعول أقساما يقال له مقسم لأنه محل القسمة وإنما كان من تقسيم الكلي لأنه يصح الحمل بالمقسم عن كل قسم فيقال التصور والتصديق علم.
قوله: ((وهو الإدراك)) إنما حمله على الإدراك لأنه هو المنقسم إلى تصديق وتصور وأما الملكات والقواعد فلا تنقسم.
قوله: ((مطلقا)) أي: لا بقيد كونه إذعانا ولا بقيد كونه إدراك مفرد وإنما قال مطلقا لأنه في مقام التقسيم ولا ينقسم إلا المطلق وأما الإدراك المقيد فلا ينقسم وإلا لزم انقسام الشيء إلى نفسه وغيره وهو لا يصح.
قوله: ((للنسبة)) أي: ثبوت مفهوم المحمول للموضوع لا الوقوع وإلا وقوع خلافا لبعض ومن المعلوم أنه يمكن إدراك ثبوت المفهوم من غير إدراك وقوع وألا وقوع.
قوله: ((الحكمية)) نسبة للحكم وسميت النسبة بذلك لأنها يتعلق بها الحكم أي: الإيجاب والسلب لأنها موردهما، والإيجاب هو المعبر عنه بالإيقاع والسلب الانتزاع، والتحقيق إنهما إدراك وقوع أو لا وقوع النسبة فهما إدراك لا إنهما فعل من أفعال النفس.
قوله: ((إدراكهما)) أي: إيجابا أو سلبا.
قوله: ((اسم التسليم)) الإضافة بيانية وعطف ((القبول)) على ((التسليم)) تفسير، واعلم أن التصديق عند المناطقة هو الاعتقاد الجازم أو الراجح سواء كان الجزم لموجب وهو العلم أو لغير موجب بل لشبهة وهو الجهل المركب إن لم يطابق الواقع وتقليد إن طابق الواقع وخرج الشك فالحاصل إنه يشمل الظن والعلم والجهل، وأما التصديق عند علماء الكلام فهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع فهو أخصّ مما عند المناطقة إذا علمت ذلك فقول الشارح: ((إدراكها على وجه يطلق عليه اسم التسليم)) أخرج الشك وأخرج الظن مع أن الظن عند المناطقة من جملة التصديق، والجواب أن قوله: ((يطلق عليه اسم التسليم)) ولو في الجملة فيدخل الظن تساوى كلامه للمناطقة وعلى ما حرّرنا من أن الإذعان هو الاعتقاد المطابق للواقع عند علماء الكلام هو مذهب السعد فيكون الإذعان والتصديق والإيمان معناها واحد والتحقيق أن الإذعان هو حديث النفس التابع للمعرفة فهو أخص من التصديق عند المتكلمين وبعد هذا كله فقوله: ((على وجه يطلق ... إلخ)) يقيد أن من عرف النسبة ولم يذعن لها لم يكن مصدقا عند المناطقة كما أنه عند المتكلمين كذلك كالكفار الذين يعلمون حقيقة الرسالة فإن عندهم المعرفة ليس عندهم قبول لكن الذي عند المناطقة أنه تصديق لأنهم قالوا: هو إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها قال: كان المصنف والشارح أطلعا على أنه لا يسمى تصديقا عند المناطقة إلا مع القبول فمسلم وإلا فليس بمسلم.
قوله: ((لأن الحكم على ما ذكر ... إلخ)) حاصله أنه إشارة إلى قياس من الشكل الأول وهو إدراك النسبة على الوجه المذكور أي: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة وكل إدراك إنها واقعة أو ليست واقعة فهو حكم فينتج أن إدراكها على الوجه المذكور حكم وقوله: ((لأن الحكم ... إلخ)) دليل للكبرى __ القياس على قوله: ((ولا شك ... إلخ)).
قوله: ((ولا شك أن من أدرك النسبة الإيجابية ... إلخ)) ظاهرة إنها تسمى إيجابية قبل إدراك الإيجاب وسلبية قبل إدراك السلب وليس كذلك والتحقيق أن النسبة في الإيجاب والسلب واحدة وهي إدراك ثبوت المحمول للموضوع لكن أن حكم بالوقوع فهو إيجاب وبعدمه فهو سلب وعلى كلام الشارح فالنسب في السلب سالبة وليس كذلك.
قوله: ((فقد أدرك أنها واقعة ... إلخ)) اعترض بأنه لا يلزم من إدراكها على وجه التسليم إدراك وقوعها لأن الوقوع يشمل الظن والخبر ولا على وجه الإذعان فهو أعمّ وجوابه أن قوله: ((ولا شك أن من أدرك ... إلخ)) أي: في الجملة.
قوله: ((ولما كان)) بالواو وهي ظاهرة وهي في نسخة بـ ((الفاء)) وهي غير ظاهرة لأنه ليس مفرعا على ما قبله.
قوله: ((محصل ماذكره القوم)) وهو إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها ولا شك أن فيه طولا وفي تعبير المصنف إختصارا وأيضا لا يعلم منه الفرق بخلاف كلام المصنف.
قوله: ((وإدراك النسبة فقط)) وهو إدراك تعلق المحمول بالموضوع أي: إدراك أن الموضوع مما ثبت له المحمول ثم تارة يحكم بالوقوع وهو التصديق وتارة لا.
قوله: ((متغايران سيّما في الجملة ... إلخ)) ظاهرة إنهما وجدا في المشكوك ولكن التغاير واضح وليس كذلك بل هي لم يوجد فيها الإذعان فمراده أن أحدهما وجد فيها ولم يوجد فيها الآخر فقد انفك أحدهما عن الآخر فحصل التغاير الكلي ويدلّ على مراده هو ما ذكره بعد قوله: ((مبلغ الوضوح)) أي: غاية الوضوح. قوله سابقا: ((ولما كان محصل ما ذكره القوم راجعا ... إلخ)) اعترض عليه بأنه إن أراد أن كلام المصنف عين كلام القوم فكان الأولى للشارح أن يفسر المصنف بما فسّر به القوم وإن كان مخالفا فلا وجه لقوله: ((راجعا))، وبالجملة فتقرير الشارح للمصنف يفيد أنه أخص من كلام القوم فالأولى أن يقرر المصنف بما قاله القوم.
قوله: ((وعند متأخري ... إلخ)) مقابل لمذهب الحكماء الذي تقدم أن التصديق والحكم عندهما شيء واحد وأنه بسيط وظاهر كلام الشارح أن المخالف للحكماء هو المتاخرون ويفيد أن الخلاف في الحكم بين كونه فعلا أو إدراكا إنما هو بين المتأخرين واعترض بأن المشهور في كتب المنطق خلاف ما قاله الشارح أن المخالف للحكماء إنما هو الإمام الرازي فقط وأن الحكماء قالوا أن الحكم إدراك وخالفهم متأخرو والمناطقة وقالوا: ((أنه قول)) والجواب أن المراد بمتأخري المناطقة الإمام ومن تبعه كصاحب الشمسية وأن قوله: ((وأن الخلاف إما إدراك ... إلخ)) ليس قصده إن الخلاف قاصر على كلام المتأخرين أي: إن قلنا بمذهب الحكماء وهو أنه بسيط فالحكم إدراك، وإن قلنا أن التصديق مركب فالحكم فعل، أن القائل بأنه مركب هو الإمام ومن قال أن الحكم فعل غير الإمام ومن تبعه والحاصل أن الفرق على مذهب الحكماء والمتأخرين من ثلاثة أوجه: الأول أنه بسيط عند الحكماء مركب عند الإمام، وأن التصورات شروط على الأول شطور على الثاني، وأن نفس التصديق يدل عند الحكماء وجزء من التصديق عند الإمام.
قوله: ((فإن كان إدراكا)) أي: كما هو عند الحكماء.
قوله: ((فالتصديق مركب)) أي: عند المتأخرين الذين هم الإمام ومن تبعه.
قوله: ((ليس بعينه ... إلخ)) أي: لأن الحكم عليه متصور وهو غير التصور وكذا يقال في المحكوم به والنسبة فإنهما متصوران وهما غير التصور.
قوله: ((فقيل التصور الذي هو الحكم)) المراد بالتصور حصول صورة الشيء في الذهن وهو مساو للإدراك وليس المراد بالتصور ما قابل أن إدراك النسبة واقعة وليست واقعة لأن التصور الذي هو الحكم هو عين إدراك أن النسبة واقعة أم لا.
قوله: ((حصل التصديق)) أي: المركب من الأربعة.
قوله: ((وإن كان فعلا)) أي: وإن كان الحكم فعلا. وقوله: ((فحينئذ)) يكون جواب الشرط وما بينهما اعتراض.
قوله: ((لأن التصور قسم ... إلخ)) هذا بيّنا في ما قدمه من قوله: ((أن التصديق مركب من تصورات)) فإن كلامه المتقدم مراده بـ ((التصور)) المساوي للإدراك حتى يكون إدراك وقوع النسبة تصورا، ولو أريد بـ ((التصور)) الأخصّ من الإدراك لم يصح جعله إدراك أن النسبة واقعة أم لا من قبيل التصور، والحاصل أن فيما تقدم المراد بـ ((التصور)) المساوي للإدراك، وهنا جعل ((التصور)) أخصّ من الإدراك فهو مخالف لما قدمه. وأيضا صاحب هذا القول أعنى من جعل الحكم فعلا قائل بأن الإدراك مساو للتصور واعلم أن التحقيق أن التصديق بسيط كما هو مذهب الحكماء لأن هذا العلم حصل معدّا لاستفادة التصديق واستفادة التصور وجعل للأول الأقيسة والحجج وللثاني القول الشارح ولو كان التصديق مركبا من الأربعة لكان التصور مستفادا من الحجة فيكون ما استفيد من الحجة عين ما استفيد من الشارح وكان القول الشارح يغني عن الحجة فلذا كان التحقيق أنه بسيط وبعد هذا كله فالدليل على أن الحكم فعل أنهم يقولون الإيجاب والإيقاع والانتزاع والانتفاء فإن هذا ظاهر في أنه حكم وأجاب من قال أنه إدراك؛ بأننا إذا نظرنا في أنفسنا ورجعنا إلى وجداننا لم نجد إلا وقوع النسبة أو لا وقوعها ولا معنى لوجود أن النسبة الإدراك وقولهم: ((الإيقاع)) وما معه فمرادهم الوقوع وأن لا وقوع، فالتحقيق أن الحكم إدراك.
وبقي شيء آخر وهو أن الشارح قال: ((أن الإدراك انفعال)) أي: انتقاش الصورة في الذهن والتحقيق أنه صفة وكيفية حاصلة في الذهن وعليه فيفسّر بالصورة الحاصلة في الذهن. وقيل: الإدراك فعل نظرا لقولنا: ((إدراك)) فإنه يفيدان هناك مدرك.
قوله: ((الساذَج)) بفتح الذال أي: الخالص الذي ليس صفة حكم.
قوله: ((وكذا إدراكهما معا بلا نسبة)) أي: اجتماعهما في الذهن بقطع النظر عن كونه محكوما به أو عليه كما إذا تصور العالم والحدوث من غير ملاحظة كون الأول محكوما عليه والثاني محكوما به وبهذا التقرير اندفع ما يقال: أنه متى تصور المحكوم عليه وبه تصور النسبة فكيف يقول بلا نسبة.
قوله: ((إما تقييدية ... إلخ)) وهي تشمل الوصفية وهي أن يكون الثاني وصفا للأول والإضافية وهي أن يكون الثاني مضافا إليه كما يؤخذ ذلك من مثاله وإنما لم تكن النسبة فيهما تامة لأنه نسبة الناطق للحيوان وهي غير تامة لأن مجموعها إنسان وهو لا نسبة فيه تامة لأنه لا يحسن السكوت عليه بل لابد أن يزيد شيأ بأن يقال: ((الحيوان الناطق قائم)) وكذا ((غلام)) شامل لـ ((غلام زيد)) فيتقيّد بـ ((زيد)) أي: أنه منسوب لـ ((زيد)) وهذا ليس بتام لأنه بمنزلة ((هذا الغلام)) وقوله: ((غير خبرية)) بأن كانت إنشائية كـ ((اضرب)) و((ليت لي مالا أحج منه)) و((لعلي أراجع الشيخ فيفهمني)) ففيها نسبة تامة إلا أنها ليس فيها إذعان وإنما فيها طلب الضرب وطلب المال وطلب المراجعة للشيخ.
قوله: ((أو خبرية مشكوكة)) أي: وإما تامة خبرية مشكوكة كـ ((زيد قائم)) إذا كان المتكلم شاكا فإنه ليس هنا إذعان لوجود الشك فليس إدراك الوقوع وعدم الوقوع.
قوله: ((لعدم إذعان إلخ)) علة لقوله: ((الساذجة)) أي: إنما قلنا إنها ساذجة لعدم إذعان النسبة معه، فقوله: ((فيه)) أي: معه أي: لو كان معها إذعان لم تكن تصورات ساذجة بل مصاحِبة للتصديق وبهذا التقرير اندفع المحشي أن ظاهره أنه لم وجد إذعان إنها لا يقال لها تصورات بل إنما يقال لها تصديق فيفيد أن التصديق مركب مع أنه بسيط والمحشي اعتراضه مبني على أن قوله: ((لعدم إذعان)) علة لقوله: ((تصورات)) وقد علمت أنه ليس علة له.
قوله: ((فإن قلت التصوّر ... إلخ)) حاصله أن كل متقدم طبعا يجب أن يقدم وضعا والتصور متقدم في الطبع والمصنف لم يقدمه وضعا فخالف القاعدة. والتقديم الطبيعي أن يحتاج الثاني للأول من غير أن يكون الأول علة في الثاني كتقديم الشرط على المشروط والجزء على الكل وتقديم العلة على المعلول أن يكون الأول علة في الثاني كتقديم البخار على السرير وحركة الأصبع على الخاتم والتقديم بالرتبة أن يكون مرتبة هذا متقدمة على مرتبة ذاك وهو حسّي وهو تقديم الرأس على الجثة ومعنوي وهو تقديم الجنس على الفصل وتقديم الزمان كتقديم الأب على ابنه وتقديم الشرف كتقديم العالم على الجاهل فهذه خمسة ومن المعلوم أن آلة التصور إما شرط أو شطر من التصديق وتقديم كل منهما طبيعيّ لما علمت أن الشرط والجزء تقديمهما طبيعي.
قوله: ((قلت أن عنيت ... إلخ)) حاصل هذا الجواب بالاستفصال والترديد بين أمرين وكل منهما لا ينتج التقديم الوضعي.
قوله: ((إن ذاته)) أي: أفراده وهي المحكوم عليه أو به أو النسبة فإن هذه أفراد التصور وهي سابقة على أفراد التصديق وهو إدراك وقوع النسبة أو أن لا وقوع ولا يقال أن الذات متضمنة للمفهوم لأنا نقول: المنظور له الذات وإن وجد المفهوم في ضمنه فليس منظورا له.
قوله: ((لكنه غير مفيد)) أي: للتقديم وضعا أي لأن كلامنا ليس فيه حتى ينتج التقديم بل إن كلامنا في المفهوم لا في الذات وقد يقال أنه مفيد لأن المناسب أن يراعي في التقديم التقديم الذات وإن كان الكلام ليس فيه لكن المناسب مراعته، والجواب أن المصنف لاحظ نكتة التقديم الوجودي على العدمي.
قوله: ((في الأقسام ... إلخ)) أي: أقسام التصور على التصديق أي: أن التصور له أقسام ثلاثة المحكوم عليه وبه والنسبة وهذه مقدمة على التصديق، فقوله: ((فقدم في الأقسام)) أي: قدم التصور مع أقسامه أي: أن أقسامه مقدمة على التصديق أي: أنه إذا اجتمعت هذه الأمور يقدم أقسام التصور. وقوله: ((والأحكام)) أي: إذا أردنا أن نحكم فنقدم التصور على التصديق.
قوله: ((المشهور الكثير ... إلخ)) حاصله أن هنا قرينة معنوية وهي الاشتهار ومحل منع المشترك إذا خلا من القرينة هذا حاصل الجواب الأول، وحاصل الجواب الثاني سلّمنا أنه ليس هناك قرينة معنوية ولكن وجدت قرينة لفظية وهي الإذعان فصار حاصل الجواب أن هناك قرينة إما عنوية وإما لفظية.
قوله: ((وينقسمان ... إلخ)) هذا شروع في تمهيد الكلام على بيان الحاجة المتضمن للتعريف.
قوله: ((بالضرورة ... إلخ)) أي: ملتبسا بالضرورة ولا ينافيه قول الشارح بحسب الضرورة أي: باعتبار الضرورة أي: بملاحظتها والمراد بالضرورة البداهية هذا هو الظاهر أي: أن انقسامهما إلى القسمين بديهي يعرفه كل أحد فإن قلت ينافي هذا إقامة الدليل عليه في قول الشارح: ((لأنهما لو لم ينقسما ... إلخ)) قلت أن هذا ليس بدليل حقيقة بل مجرد إيضاح ويحمل أن يراد بالضرورة الجزم والقطع أي: ينقسمان قطعا وحينئذ فيكون ما ذكره الشارح دليلا ولا اعتراض حينئذ.
قوله: ((إلى الضرورة)) أي: إلى ذي الضرورة فهو على حذف مضاف أو يقال أنه أطلق الضرورة على الضروري وكذا يقال في قوله: ((والاكتساب)) وإلى الأخير يشير الشارح بقوله: ((وهي التي ... إلخ)) ولا يقال أن تعريف الضروري نظري والجواب إن تعريفه نظري وأفراده ضرورية وهي التي لم يتوقف أي: علم لم يتوقف وإنما أنت تنظر إلى لفظ ضرورة وكذا قوله: ((إلى الضروري والكسبي)) يشير إلى ذلك وبهذا التقرير اندفع ما يقال أن قوله: ((إلى الضرورة)) فيه تسمح.
قوله: ((نظر وكسب)) عطف مرادف ويحتمل أنه عطف سبب على مسبب لأن الكسب هو مسبب عن تعلق القدرة الحادثة.
قوله: ((كتصور الحرارة ... إلخ)) أي: بوجه ما إما بالحقيقة فهو نظري لأن الحرارة كيفية شأنها تسخين الجسم والبرودة كيفية شأنها تبريد الجسم.
قوله: ((بأن النفي ... إلخ)) أي: عدم الشيء ووجوده لا يجتمعان ولا يرتفعان فالمراد بـ ((النفي ... إلخ)) أي: عدم الشيء ووجوده لا يجتمعان ولا يرتفعان فالمراد بـ ((النفي)) عدم العدم وبـ ((الإثبات)) الوجود.
قوله: ((وإلى الاكتساب بالنظر)) أي: المكتسب بالنظر و((الباء)) للآلة وقيد ((الاكتساب بالنظر)) وإن كان الاكتساب لا يكون إلا نظريا لأجل الكلام إلى تعريف النظر في قوله: ((وهو ملاحظة ... إلخ)) وهذا من غاية الاختصار وهذا بناء على أن الضمير عائد على النظر خلافا للشارح والمآل عدل عن قول صاحب الشمسية بالفكر إشارة إلى أن المراد بالفكر النظر وأنها مترادفان. قلت: إذا كان مترادفين فلم عدل عن تعريف صاحب الشمسية وهو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى أمور مجهولة؟ قلت: إنما عدل عنه لنكتة سيأتي وهي أن التعريف فيه مُسامحة من قوله: ((أمور)) لأنه أراد الأمرين وأيضا لا يشمل التعريف بالخاصة فقط أو الفصل فقط وأوجب بأن الفصل والخاصة مشتقان فهما في قوة المركب أو يقال أن التعريف بالخاصة وحدها أو الفصل وحده نادر ورد بأن الكلام على الماهية الشاملة لجميع الأفراد.
قوله: ((وهو)) أي الاكتساب بالنظر ما يخالف أي: علم يخالف الضرورة وهو ما يتوقف على نظر وكسب.
قوله: ((كتصور العقل ... إلخ)) فيه أنه قوة راسخة في النفس معدة لاكتساب الآراء وقيل أنه نور في القلب متصل به شعاع بالدماغ وقيل غير ذلك فهذا نظري بدليل الاختصاص فيه.
قوله: ((والإنسان)) هو حيوان ناطق. قوله: ((بأن العالم حادث)) فإنه نظري لأنه متغير وكل متغير حادث فدليل الصغرى المشاهدة.
قوله: ((أما الملازمة)) أي: بين المقدم أعني قوله لو لم ينقسما إليهما، وبين التالي وهو قوله: ((لكان الجميع ... إلخ)). قوله: ((والتالي)) وهو قوله: ((لكان الجميع إما بديهيا أو كسبيا)) والقسمان هما بديهي والكسبي.
قوله: ((وأما بطلان القسم الأول)) وهو كون الجميع بديهيا، قوله: ((كما مرّ ... إلخ)) أي: من المثالين في قوله: ((كتصور العقل والإنسان والتصديق بأن العالم حادث)).
قوله: ((وأما بطلان القسم الثاني)) وهو كون الجميع كسبيا، قوله: ((على ما مرّ)) أي: من المثالين في قوله: ((كتصور الحرارة والبرودة وكالتصديق بأن الإثبات ... إلخ)).
وهذا الكلام يدل على أنه نسبية لا استدلال بدليل عدوله عن دليل القوم وهو قولهم لو لم ينقسما إليهما لكان الجميع إما بديهيا أو كسبيا، والثاني باطل أما بطلان كون الكل بديهيا لأنه لو كان الجميع بديهيا لما احتجنا في بعض العلوم إلى نظر ولكنا نعلم جميع العلوم وهذا باطل وأما بطلان كون الكل كسبيا فللزوم الدور أو التسلسل لأنا إذا أردنا أن نحاول علما فيحتاج لعلم وهو يحتاح لنظر فإما أن يصل إلى ما لا نهاية له فهو تسلسل أو يتوقف وهو دور والدور والتسلسل باطل.
قوله: ((وهو)) أي: الاكتساب والملاحظة ليست نفس المكتسب فالصواب أن يرجع الضمير للنظر ويمكن الجواب عنه أنه أطلق الاكتساب فيما تقدم على المكتسب وأعاد عليه الضمير بمعنى آخر وهو الاكتساب بالمعنى المصدري ويراد بـ ((الملاحظة)) توجه النفس إلى المعقولات ففي كلامه استخدام ويكون النظر على هذا حركة النفس وبعد هذا كله فلا وجه لعود الضمير على ((الاكتساب)) لأنه يكون ذكر النظر في المصنف ضايع مع أن المصنف إنما ذكر لأجل التعريف فالحق أن الضمير عائد على ((النظر)) ويراد بـ ((الملاحظة)) حركة النفس أي: انتقالها من المبادئ إلى المطالب سواء كان من ترتيب أمور أو لا فيشمل الفصل وحده والخاصة وحده.
قوله: ((ملاحظة المعقول)) إنما عبّر بالمعقول دون المعلوم لأنه مشترك لأنه يصدق بالحاصل عند العقل فيشمل الجهل هذا عند علماء المنطق ويطلق عند علماء الكلام على الجزم المطابق للواقع على أن بعضهم قال أن إدراك المحسوسات لا يقال له نظر ولو عبّر بمعلوم لتوهّم شموله لها.
قوله: ((والمراد بالمعقول ها هنا)) احترز بقوله: ((ها هنا)) عن المعقول المقابل للمنقول وهذا أحسن من قول بعض احترز بـ ((ها هنا)) عن المحسوس فإن إدراك المحسوس لا يسمى معلوما؛ وإنما كان أحسن لأن المحسوس خرج بالمعقول من غير تأويله بالمعلوم، فإن قلت: كل من المعقول والمعلوم له إطلاقان فقولكم فيما تقدم أن المعقول ليس مشتركا فلذا عبر به المصنف دون أن يعبر بالمعلوم. قلت: إن إطلاق المعقول على مقابل المنقول بعيد جدّا.
قوله: ((فإن العلم ... إلخ)) علة لصحة إطلاق المعقول على المعلوم أي: إنما صح لأن العلم حصول صورة الشيء في العقل فيكون المعلوم معقولا.
قوله: ((في هذا ألقن)) احترز به عن فنّ الكلام فإن العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.
قوله: ((بحوصل صورة ... إلخ)) اعترض بأنه يفيدان العلم هو الحصول والحصول نسبة بين الحاصل والمحصول فيه وهو العقل فيكون العلم من قبيل النسب وهو ليس كذلك وإن فسّر الحصول بالانتقاش كان العلم انفعالا مع أن التحقيق أنه من مقولات الكيف وأجيب بأنه يفسر الحصول بالإدراك والإضافة بيانية أي: بإدراك هو الصورة أو يكون من إضافة الصفة للموصوف أي: الصورة الحاصلة وإنما قدمت الصفة إشارة إلى أنه لا يُعتدّ بالصورة إلا بعد الحصول والمراد بالصورة المعنى وهذا هو المسمى بالإدراك.
قوله: ((لأن الفكر)) أي: الذي هو سبب في الاكتساب أي: أنه الفكر الذي هو سبب تارة يكون خطأ وتارة يكون صوابا فيكون الاكتساب أي: العلم المكتسب الذي هو مسبب كذلك إذا عَلِمتَ هذا عَلِمتَ أن المراد بالاكتساب العلم المكتسب وليس المراد به توجه النفس لأنه ليس مسببا عن الفكر فيكون الشارح أطلق الاكتساب في قوله: ((وهو ملاحظة ... إلخ)) توجه النفس والمراد به هنا المكتسب والحاصل على هذا التكلف إنما هو ترجيعه للاكتساب ولو رجعه للنظر لسلم من ذلك كله وأشار بقوله: ((لأن الفكر)) إلى أن مراد المصنف بالنظر الفكر وعدل عن تعريف غيره إلى ما عرفه لما علمتَ أن تعريف الغير معترض كما تقدم إيضاحه.
قوله: ((ليس بصواب الصواب)) هو المطابقة للواقع والخطأ عدم المطابقة وكل من الخطأ والصواب وصف للحكم فقد يكونان وصفين للفعل فيقال: فعل صواب وفعل خطأ، ومعنى كون الفعل صوابا أنه وافق الغرض المقصود ومعنى كونه غير صواب أنه لم يوافق الفرض المقصود. ومن المعلوم أن الفكر من جملة الفعل فمعنى كون الفرض صوابا أنه موافق للفرض المقصود منه بأن استجمع الشروط، ومعنى كونه خطأ أنه لم يوافق الفرض المقصود بأن انجزمت الشروط فالحدود يشترط فيها أن تكون جامعة مانعة ويشترط في الحجج كلية الكبرى وإيجاب الصغرى في الشكل الأول وكل من الحدود والحجج هو المسمى بالحجج.
قوله: ((وقد يناقض العقلاء ... إلخ)) ألا ترى أنّ بعضهم ذهب إلى قدم العالم وبعض إلى حدوثه.
قوله: ((بل الإنسان ... إلخ)) إن قلت أن شرط التناقض اتحاد الزمان وهنا اختلف الزمان، قلت: أن المراد اتحاد زمن النتيجة ولا شك أن زمن النتيجة اتحد وإنما اختلف زمن الزمان المقدمات فإذا قلت العالم قديم في وقت الظهر فالمراد قدمه دائما فإذا طرأ لكان العالم حادث عند الغروب فالمراد حدوثه دائما ولا شك أن الحدوث الدائم يناقض القدم الدائم فالزمن اتحد من حيث الدوام، والمراد بالتناقض ما يشمل التخالف.
قوله: ((يناقض نفسه)) وذا بأن يظهر له قيام زيد ثم يظهر له عدمه فقوله: ((كيف)) استفهام على معنى التعجب أي: أن القول بعدم كونه ليست بصواب دائما مما يتعجب منه بل يقال أنه ليس بصواب دائما.
قوله: ((فاحتجنا ... إلخ)) أن قلت أن المدعى أنه ليس بصواب دائما بل تارة يكون صوابا وتارة لا يكون صوابا وإذا كان كذلك فكان ينبغي أن يجتنب الخطأ ويركب الصواب، قلت: أن الخطأ ليس بمعين حتى يجتنب.
قوله: ((إلى قانون)) أي: ذي قانون أي: إلى علم ذي قانون والإضافة للجنس أو أن المراد بالقانون نفس العلم كما سيأتي إيضاحه في الشرح قوله مفيد صفة للقانون.
قوله: ((لطرق اكتساب ... إلخ)) المراد بالطرق القول الشارح وشرائطه والحجج وشرائطها فالمراد ذات الطرق وشرائطها وإلا فالطرق حقيقة هو القول الشارح والحجج.
قوله: ((من الضروريات ... إلخ)) أي: ولو انتهاء فاندفع ما يقال أنه لا يشمل النظريات مع أنه قد يكتسب النظري من نظري، كقولك: العالم حادث وكل حادث لابد له من صانع فينتج العالم لابدّ له من صانع فهذا النظري استفيد من المقدمتين النظريتين لكن المقدمات ينتهيان للضرورة لأنه يستدل على الحدوث بالتغير المشاهد الذي هو ضروري فقد انتهى إلى الضرورة.
قوله: ((فعلم من هذا ... إلخ)) نائب فاعل ((عُلم)) هو الاحتياج المأخوذ من خبر ((أن)) وفيه حذف أي: علم جواب السؤال المشار إليه بقوله الناس يحتاجون في أي شيء إلى المنطق. والجواب هو دفع الخطأ والعصمة عن الخطأ فـ ((أي)) استفهامية وهي والجار لها متعلق يحتاجون بعده وقدم لأن له الصدارة.
قوله: ((وذلك بيان ... إلخ)) أي: ما علم وهو الجواب عن السؤال أي أن الجواب وهو العصمة أو دفع الخطأ هو بيان الحاجة أي: تبيين الحاجة أي: تبيين الغرض ويحتمل أن اسم الإشارة عائد على ما قبل قوله: ((فعلم)) وهو قول المصنف وقد يقع الخطأ أو قول الشارح: ((لأن الفكر ... إلخ)) لأن معناهما واحد والمراد بالحاجة الاحتياج.
قوله: ((إذ يعلم ... إلخ)) علة لقوله: ((المستلزم ... إلخ)) وإنما كان يعلم من بيان الحاجة غاية العلم لأنهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فمن حيث أنه محتاج إليه فهو بيان الحاجة ومن حيث أنه ثمرة الفعل فهو غاية.
قوله: ((والتعريف بالغاية ... إلخ)) أي: لأن الغاية أثر من آثار الشيء والحاصل أنه يلزم من بيان الحاجة بيان الغرض الذي هو الغاية لأنهما متحدان في تعريف الغاية رسم.
قوله: ((فلذا أدرج)) أي: فلأجل استلزام الحاجة للتعريف وهو جواب عما يقال أنه لم يذكر تعريف المنطق مع أن المقدمة معقودة للتعريف أيضا.
قوله: ((في بيان الحاجة)) وهو قوله: ((وقد يقع الخطأ)) إلى قوله: ((يعصم عنه)) ومن المعلوم أن هذا متضمن لتعريف المنطق بإنه قانون يعصم عنه أي: عن الخطأ.
قوله: ((والحاصل أن ... إلخ)) أي: حاصل قول المصنف: ((والعلم إن كان)) إلى حد قوله: ((فضل)) وهذا الحاصل هو الموجب لذكر الشارح شرح قول المصنف: ((فاحتيج ... إلخ)) عند قوله: ((وقد يقع ... إلخ)).
قوله: ((بطريق الاكتساب)) الإضافة بيانية والمراد بـ ((الاكتساب)) هو الترتيب أي: أن النتيجة تستفاد من المقدمات الضرورية لكن بطريق الترتيب. قوله: ((في الاكتساب)) هو الترتيب.
قوله: ((فاحتيج إلى قانون ... إلخ)) تسمية المنطق بالقانون من تسمية الكل باسم الجزء لأن الجهة الموصلة إليه متحدة واعلم أن القانون لفظة يونانية معناها القاعدة، وقيل: معناها الأصلي الحكيم الذي وضع الفن ثم نقل للقاعدة مجازا من تسمية الشيء باسم واضعه.
قوله: ((هذا تعريف ... إلخ)) اسم الإشارة عائد على قول المصنف وهو ((قانون يعصم ... إلخ)) عنه ويحتمل أن اسم الإشارة عائد على قوله وهو المنطق باعتبار مرجع الضمير.
قوله: ((قوانين كلية ... إلخ)) أي: قواعد كلية وإنما كانت كلية لأنها حكم على كل فرد من أفراد موضوعها كما سيأتي إن الكلية معناها ما ذكر مثلا كل موجبة كلية تنعكس موجبة جزئية هذه قاعدة كلية لأنه حكم على كل فرد.
قوله: ((منطبقة على ... إلخ)) أي: مشتملة على الجزئيات ووجه الاشتمال أن يأتي بقضية سهلة الحصول تجعل صغرى للقاعدة الكلية ومعى كونها سهلة الحصول أن يكون موضوعها فردا من أفراد موضوع القضية الكلية مثلا ))كل إنسان حيوان(( موجبة كلية هذه صغرى تضم لقولنا وكل موجبة كلية تنعكس موجبة فيصح كل إنسان حيوان ينعكس موجبة جزئية والموجبة الجزئية بعض الحيوان إنسان فالشارح اقتصر على معنى النتيجة فموضوع الصغرى و((كل إنسان حيوان)) من أفراد موضوع القضية الكلية وهي موجبة كلية ومحمول القضية الصغرى وهو موجبة كلية عين موضوع القضية الكلية وهو كل موجبة كلية.
قوله: ((على الجزئيات)) الفروع والنتيجة فشبّه الفروع بالجزئيات المندرجة تحت الكلي بجامع الاندراج واستعار الجزئيات للفروع ويحتمل أن يكون من باب الحذف أي: منطبقة على جزئيات موضوعها وعلى هذا فالمراد بالاشتمال الحكم أي: محكوم فيها على جزئيات موضوعها.
قوله: ((وكذا نظائره)) قولنا ((كل إنسان حيوان)) من قولنا ((كل فرس حيوان)) أو ((كل جمل حيوان)) ويحتمل أن المراد نظائر هذه القاعدة ونظيرها هو أن كل سالبة كلية تنعكس مثل نفسها والموجبة الجزئية تنعكس موجبة كلية.
قوله: ((فإن قلت ... إلخ)) هذا وارد على قول المصنف يعصم أي: القانون فأسند العصمة للقانون الذي هو المنطق.
قوله: ((ليس عاصما ... إلخ)) أي: لأنا نجد المنطقي يضل فلو كان هو العاصم لما ضل المنطقي.
قوله: ((بل العاصم)) أي: الحقيقة بالنظر الظاهر فالعاصم حقيقة بحسب الظاهر هو المراعاة وإنما قلنا بحسب الظاهر لأن العاصم في تفس الأمر هو الله.
قوله: ((هذا الإطلاق)) أي: الاستعمال مجازي أي: مجاز عقلي فأسند الشيء إلى سببه لأن المنطق سبب في العصمة والعاصم هو المراعاة ويحتمل أنه من مجاز الحذف أي: يعصم مراعاته ويحتمل أنه شبه الفاعل السببي بالفاعل حقيقة ظاهرا وهو المراعاة واستعارة بالكناية فهي استعارة في الضمير في يعصم.
قوله: ((من التأكيد)) وجه ذلك أن إسناد العصمة للمنطق يدل على الحث على تعلمه فالمراد بالتأكيد التقرير فهو مغاير للمبالغة، وقوله: ((والمبالغة)) أي: حيث أسند العصمة التي حقها أن تسند للمراعاة إلى المنطق على سبيل المبالغة فهو إشارة للمبالغة.
قوله: ((وإنما كان الشروع)) هذا هو ما وعد به في قوله عند شرح المقدمة وستعرف وجه توقف الشروع على كل واحد من الثلاثة في موضعه.
قوله: ((لو لم يعلم ... إلخ)) هذا دليل استثنائي أقامه على توقف الشروع على بيان الحاجة وحاصله لو لم يعلم الفرض من العلم لكان طلبه عبثا ووجه الملازمة أنه لو لم يعلم الغرض لاحتمل أن لا يكون له فائدة أصلا أو فائدة لا تعني بالتعجب أو فيه ضرر وعلى كل حال فيعدّ عبثا بحسب العرف فسقط ما قيل أن الملازمة ليست مسلمة لأنه لا يلزم من عدم معرفة الغرض العبث لأنه لا يحتمل أنه لا يعلم الفقه فإذا عرفه كان طلبه في غاية الحسن، وحاصل الجواب أنه عبث عرفا من حيث الاحتمال السابق وقوله: ((لو لم يعلم ... إلخ)) حذف الإنشائية القائلة لكن العبث باطل فيبطل اللازم وهو عدم معرفة الغرض والغرض هو بيان الحاجة والعبث هو الذي لا فائدة فيه.
قوله: ((وعلى تعريف العلم)) أي: المفيد لتصوّره.
قوله: ((لأنه لو لم يتصوّر ... إلخ)) هذا دليل استثنائي وحذف الاستثنائية القائلة لكن كونه على بصيرة باطل لأنه يؤدّي إلى توجه النفس إلى المجهول المطلق ولذا وجب أن يتصوّر بأي تصوّر ما إما بيان معرفة الحاجة فهو شرط الكمال لأنه أنيط بالعبث.
قوله: ((وإذا تصوّره ... إلخ)) هذا فائدة زائدة على الدليل المرتبة على المعرفة قوله: ((برسمه)) أي: بسبب رسمه.
قوله: ((حتى إن ... إلخ)) غاية لقوله حصل له.
قوله: ((المنساق إلى تعريف ... إلخ)) هذا يفيد أن بيان الحاجة وسيلة للتعريف فيكون الشروع ليس متوقفا على بيان الحاجة فينا فيما تقدم، والجواب أن المراد بقوله: ((المنساق)) أي: المستلزم كما عبّر به سابقا ويحتمل أن فيه حذفا أي: المنساق إلى استلزام التعريف ومعنى ذلك أنه ذكر على وجه يتضمن الحاجة وهذا لا ينافي أنه مقصود وهذا فيه تكلف.
قوله: ((المعلوم التصوري ... إلخ)) اعلم أن المعلوم التصوري قريب وهو القول الشارح وبعيد وهو الكليات الخمس وأن المعلوم التصديقي قريب وهو الحجج وبعيد وهو القضايا ومراد المصنف القريب ولذا قصره الشارح في الأصل على القريب فيهما أخذا من قول المصنف بعد فيسمى معرفا، وقوله: ((أو تصديقي فيسمى حجة ... إلخ)).
قوله: ((كالحيوان والناطق)) أي: كمعلوم هو ((الحيوان الناطق)) فالأولى حذف ((الواو)) من قوله: ((والناطق)) لأن المعلوم مجموعهما لا أحدهما.
قوله: ((فانحصر المقصود الأصلي)) وهو الموصل القريب احترازا من التبعي وهو الموصل البعيد وقد علمته في قوله: ((فانحصر ... إلخ)) جواب عن سؤال حاصلة إن أراد المصنف الموصل سواء كان قريبا أو لا فلا يصح قوله معرفا وحجة لأنه قاصر على القريب وإن أراد بالموصّل القريب أفاد أن القضايا والكليات ليست من الموضوع مع أنها من موضوعه وحاصل الجواب أن مراده الموصّل القريب وحصره في ذلك لأنه المقصود الأصلي وقوله حفيده بأن قوله المعلوم التصوري أعمّ من أن يكون قريبا أو بعيدا وكذا يقال في قوله: ((المعلوم التصديقي)) وقوله: ((فيسمّى)) أي: المعلوم لا بالمعنى المتقدم بل بالمعنى القريب.
قوله: ((عن أعراضهما ... إلخ)) أي: أحوالهما وهي الإيصال إلى مجهول تصوري أو تصديقي ومعنى البحث أن يجعل الموضوع موضوعا لمسائل العلم ويجعل العوارض محمولا عليها بأن يقول هذا جنس وهذا معرّف وهذا قياس وهذه قضية واعلم أن الأعراض إما ذاتية وهي التي تلحق الشيء لذاته أو لجزئه أو لخارج مساو له، مثال الأول: ((التعجب اللاحق للإنسان)) فإنه يلحق الذي لذاته أي: من غير واسطة شيء، ومثال الثاني: ((المشي للإنسان)) فإنه لاحق للإنسان بواسطة جزئه وهو الحيوان وكـ ((التكلم اللاحق للإنسان)) بواسطة الناطقية، ومثال الثالث: ((الضحك بالقوة للإنسان)) فإنه لاحق للإنسان بواسطة التعجب المساوي للإنسان وإنما نسبت الثلاثة للذات، وقيل: الذاتية، أما الأول فظاهر وأما الثاني لأنه لاحق للجزء وما لحق الجزء كأنه لاحق للكل وكذا اللاحق بواسطة الخارج المساوي وإما عرضية وهي اللاحقة للشيء بواسطة أمر خارج أعمّ كـ ((الحركة العارضة للأبيض بواسطة الحيوانية)) أو أخصّ كـ ((الضحك اللاحق للحيوان بواسطة الإنسان)) وجملة الأقسام خمسة وبعضهم زاد سادسا وهو ما يلحق التي بواسطة مباين كـ ((الحرارة اللاحقة للماء بواسطة النار)) والمراد هنا الذاتية لأنها هي التي تقع محمولا لموضوعات مسائل العلم وقول الشارح عنهما: ((من حيث الإيصال ... إلخ)) لأن ظاهره أن العوارض الذاتية هي الإيصال وليس كذلك إذ لو كان هو العرض الذاتي لكان محمولا لمسائل هذا الفن مع أنه لا يقال الجنس موصل. والجواب أن قوله: ((يبحث عنهما من حيث ... إلخ)) أي: يبحث عنهما من حيث صحّة الإيصال فيبحث عن الكلي من حيث كونه جنسا أو فصلا والخاصة والعرض لأجل صحة الإيصال وعن الحد من حيث كونه تاما أو ناقصا لأجل صحة الإيصال، هذا في التصور، وأما بالنسبة للتصديق فيبحث عن القضية من حيث تناقضهما وعكسها لأجل صحة الإيصال فالحواصل أن العوارض هي كونه جنسا أو فصلا وكونه حدّا أو رسما وكيفية تركيبهما وعوارض القضية تناقضها وعكسها وهذا العوارض تلحق المعلوم التصوري لا التصديقي بالنظر لذاته فما نحن فيه من القسم الأول من الذاتية.
وبعد هذا كله فقول الشارح: ((وتلك الحيثية ... إلخ)) لا يظهر لأن الحيثية ليست عارضة والأحسن في التقرير أن قوله: ((من حيث الإيصال)) أي: من جهة مؤدية إلى صحة الإيصال وتلك جهة هي كونه جنسا أو كونه حدا وهكذا فساوى ما قررنا في العوارض وحينئذ فصحّ قول الشارح أن تلك الحيثية عارضة وما قررناه أولا فهو مبني على أن إضافة ((حيث)) لما بعدها بيانية.