قوله: (ويجب) الواو للاستئناف لا للعطف على جملة اعلم إذ الأولى إنشائية والثانية خبرية ولا يصح عطف الخبر على الإنشاء كعكسه. وعبر بالمضارع الدال على الاستمرار التجدّدي دون الماضي إشارة إلى أن هذا الوجوب يتجدد بتجدد افراد المكلفين. واعلم أن المضارع يدل بالوضع على الحدوث بعد عدم وبالقرينة كالعدول عن الماضي على الاستمرار التجدّدي. والمراد بالوجوب هنا الوجوب الشرعي كما سيقول المصنف.
قوله: (على كل مكلف) إنما أتى بـ«كل» للدلالة على أن المعرفة واجبة على كل مكلف ولو بالدليل الجملي إذ كل للعموم والاستغراق ومن المستحيل عادة أن يقدر كل أحد على الدليل التفصيلي ودخل في كل مكاف الإنس والجن وكذا الملائكة.
إن قلنا: إنهم مكلفون بالإيمان وقيل إنهم غير مكلفون به لأنه ضروري لهم أي جبلي فيهم فتكليفهم به من باب طلب تحصيل الحاصل وهو عبث. وعلى هذا القول فلا يدخلون في قوله «كل مكلف». وعلم من هذا أن المعرفة ولو بالدليل الجملي وهو المعجوز عن تقريره وردّ شبهه فرض عين وأما المعرفة بخصوص الدليل التفصيلي وهو المقدور على تقريره وردّ الشبه عنه فهو فرض كفاية.
قوله: (شرعا) منصوب إما على الحالية أو حالة كون ذلك الوجوب شرعيا لا عقليا وأما على التمييز أي من جهة الشرع لا من جهة العقل. وأما على أنه مفعول مطلق أي وجوب شرع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه. وأما بإسقاط الخافض أي بالشرع والمراد بالشرع هنا بعثة أحد من الرسل لا الأحكام الشرعية لأنه يصير المعنى عليه ويجب على كل مكلف بالأحكام. ومن جملة الأحكام الوجوب على كل مكلف ولا معنى له.
والقصد بقوله «شرعا» الردّ على المعتزلة حيث قالوا أن وجوب المعرفة على كل مكلف بالعقل. وقضية التقييد بـ«شرعا» أن هذا القيد خاص بوجوب المعرفة وأن خلاف المعتزلة فيه فقط مع أن جميع الأحكام لم تثبت عند أهل السنة إلا بالشرع ولم تستفد إلا منه فلا حكم لله في شيء قبل الشرع عندهم. والحسن عندهم ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع.
وخالفت المعتزلة في ذلك فقالوا أن الأحكام كلها مستفادة بالعقل وثابتة به والشرع مؤكد للعقل وذلك لأنهم يقولون الحسن والقبح عقليان فالحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل. فما أدرك العقل حسنه فهو إما واجب أو مندوب وما أدرك قبحه فهو إما حرام أو مكروه. وإذا علمت أن الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في جميع الأحكام لا في خصوص المعرفة فكان الأولى للمصنف حذف هذا القيد وهو قوله «شرعا» ولذلك أسقطه في الكبرى.
قوله: (أن يعرف) أي: أن يعتقد اعتقادا جازما مطابقا للواقع عن دليل.
قوله: (ما يجب) ما من صيغ العموم والمراد المعرفة بحسب الطاقة البشرية. فما قام عليه الدليل وجب علينا معرفته تفصيلا وما لم يقم عليه دليل وجبت معرفته إجمالا فندفع ما يقال أن ما يجب لمولانا من الكمالات أي الصفات الوجودية لا يتناهى ويستحيل عليه أضدادها وما لا يتناهى لا تتأتى معرفته لأن معرفة الشيء بعينه تقتضي تناهيه وبهذا سقط قول بعضهم «لابد في الكلام من حذف مضاف» تقديره بعض ما يجب وبعض ما يستحيل وبعض ما يجوز، والمراد بالوجوب هنا الوجوب العقلي وهو عدم قبول الانتفاء بين قوله «يجب» مع قوله «أوّلا» ويجب الجناس التام.
قوله: (في حق مولانا) أي: لذات هي مولانا. فـ«حق» بمعنى الذات و«في» بمعنى اللام والإضافة للبيان. وقيل: أن المراد بالحق ما يجب له من الكمالات، فالظرفية من ظرفية الخاص في العام. وقيل: إن «حق» مقحمة و«في» بمعنى اللام، ويرشد لذلك قول المصنف فيما يأتي فما يجب لمولانا ولم يقل فما يجب في حق مولانا.
قوله: (وما يستحيل وما يجوز) أي: ما يستحيل في حق مولانا وما يجوز في حق مولانا. فحذف متعلقهما للعلم به مما قبله هذا على القول بعدم صحة التنازع في المتوسط وأما عليه فيكون في قوله في حق مولانا تنازعه ما قبله وما بعده.
قوله: (وكذا يجب عليه أن يعرف ... الخ) أي: ويجب عليه أن يعرف مثل ذلك في حق الرسل وجوبا كالوجوب السابق في كونه بالشرع لا بالعقل.
قوله: (مثل ذلك) أي: مثل المذكور من الواجب والمستحيل والجائز في حقه تعالى إلا أن الواجب في حق الله تعالى الغالب فيه وهو ما عدا السمع والبصر والكلام ولوازمها دليله عقلي والنادر فيه هو والسمع والبصر والكلام ولوازمها دليله الشرعي. والواجب في حق الرسل الغالب فيه وهو ما عدا الصدق دليله الشرعي. والنادر فيه وهو الصدق دليله قيل عقلي وقيل وضعي وقيل عاديّ وهو المعتمد لما يأتي من أن دلالة المعجزة على صدق الرسل المعتمد أنها عادية وقيل أنها عقلية وقيل أنها وضعية.
وأقحم لفظ مثل لأنه لو أسقطها لتوهم أن عين الواجب والمستحيل والجائز في حق الله هي عين الواجب والجائز والمستحيل في حق الرسل مع أنها غيرها.
قوله: (في حق الرسل) يقال في حق هنا ما تقدم وسكت عن الأنبياء مراعاة للقول بترادفهما أو نظرا لجميع الأحكام الآتية فإنها خاصة بالرسل. والقول بأنه سكت عنهم مراعاة لكون الرسل أخص ومعرفة الأخص تستلزم معرفة الأعم سهو، لأنه بعد تسليم الاستلزام على الإطلاق لا يفيد أن ما ثبت للأخص يثبت للأعم والكلام فيه ألا ترى أن الرسل يثبت لهم بالشرع التبليغ الذي أوحى إليهم ولم يثبت ذلك للأنبياء.
قوله: (يجب شرعا) فيه إشارة إلى أن قول المتن شرعا من متعلقات قوله «يجب» لا قوله «مكلف».
قوله: (وهو البالغ العاقل) هذا ظاهر في النوع الإنساني دون الجن والملائكة لأن الجن مكلفون بالإجماع من أصل الخلقة وأولهم على المشهور إبليس وهو مكلف بسماع كلام الله تعالى ومن بعده إما بسماع كلام الله أو بخلق علم ضروري فيه أو بوصول دعوة رسول الإنس إليه. وأما الملائكة فنفي تكليفهم خلاف مشهور فعلى القول بتكليفهم فهم مكلفون من أصل الخلقة بسماع كلام من الله أو بخلق علم ضروري فيهم أو بإرسال بعضهم إلى بعض وتوقف التكليف على إرسال الرسل إنما هو بالنسبة لتكليف الإنس. فقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ عام مخصوص. وظهر من هذا أن المراد بالشرع في قول الأصوليين لا حكم قبل الشرع بلوغ الدعوة بأحد الطرق المذكورة كذا ذكره العلامة يس ولم يزد الشارح شرط بلوغ الدعوة مع أنه شرط في التكليف لابد منه نظرا إلى أن دعوته عليه الصلاة والسلام عمت كل أحد حتى من كان وراء السيد أو أنه مشى على قول من يرى أن الدعوة لا تشترط في التكليف بالعقائد بعد أول رسول لأن العقائد يجمع عليها بين الرسل.
ومن هذا يعلم أنه لا يصح القول بنجاة أحد من لجاهلية الذين لا معرفة عندهم بالعقائد لكونه من أهل الفترة وإنما تنتفع الفترة في عدم الأحكام الفرعية.
وحاصل ما في المسألة أنه وقع خلاف هل يكفي في التكليف بالعقائد بلوغ دعوة أي نبي كان أو لا بد من بلوغ دعوة نبي زمانه قولان: فقيل بالأول نظرا إلى أنه لا فترة في العقائد بخلاف الفروع وقيل بالثاني نظرا إلى أن فيها الفترة كالفروع وسكت المصنف أيضا عن شرط أهلية النظر مع أن المعرفة إنما تجب على البالغ العاقل المتأهل للنظر نظرا إلى أن كل أحد فيه أهلية للنظر لأن الواجب هو الدليل الجملي وهو متيسر لكل أحد.
قوله: (ما ذكر) أي: من الواجب والمستحيل والجائز في حق الله وفي حق الرسل.
قوله: (لأنه) أي: المكلف. وقوله «بمعرفة ذلك» أي: بمعرفة ما ذكر من الواجب والمستحيل والجائز في حق الله تعالى وفي حق رسله والجار والمجرور متعلق بما بعده وهو قوله «يكون مؤمنا» والمعنى لأن المكلف يكون مؤمنا محققا لإيمانه بمعرفة ذلك. واعلم أن الإيمان قيل هو المعرفة أي الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل بأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وأن ما جاء به حق. وقيل أنه حديث النفس التابع للمعرفة وهذا هو التحقيق.
والمراد بحديث النفس قولها آمنت بسيدنا محمد ورضيت بما جاء به الواقع، ذلك منها بعد المعرفة إذا علمت ذلك فاعلم أنه إن حملنا الإيمان في كلام الشارح على المعرفة كانت الباء في قوله «بمعرفة ذلك» للتصوير أو للسببية والمعنى لأن المكلف يكون مؤمنا محققا لإيمانه المصوّر بمعرفة ذلك أو بسبب معرفته ذلك. فالمعرفة سبب في كونه مؤمنا للإيمان حتى يشكل بأنه يلزم اتحاد السبب والمسبب فهو على نمط أن بالقدرة يكون قادرا.
وإن حملنا الإيمان في كلامه على حديث النفس التابع للمعرفة كانت الباء ظاهرة في أنها للسببية والمعنى لأن المكلف يكون مؤمنا أي محدثا لنفسه بما عرفه بسبب معرفته. فالمعرفة سبب في الإيمان أي سبب عاديّ لأن الشأن أن من عرف شيئا وجزم به يحدّث به نفسه لا عقليّ إذ لا يلزم من المعرفة الإيمان أي حديث النفس. ألا ترى أن الكفار الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام كانوا يعرفونه صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ويعتقدون اعتقادا جازما أنه رسول الله ومع ذلك لم يحصل منهم إيمان بالمعنى المذكور أي حديث النفس. وقولها رضيت بما جاء به لما عندهم من العناد والأنفة وتفسير الإيمان بحديث النفس التابع للمعرفة تفسير للإيمان الكامل.
إن قلنا: أن المقلد مؤمن وعليه فيكون أصل الإيمان حديث النفس التابع للاعتقاد وتفسير لأصله. إن قلنا: أن المقلد غير مؤمن فتدبّر.
قوله: (على بصيرة في دينه) البصيرة في الأصل معرفة الحق بالدليل والمراد منها هنا مجرّد المعرفة وهو حال من قوله «مؤمنا» أي: حالة كونه كائنا على معرفة أي ملتبسا بالمعرفة في دينه. وحاصله أن المكلف يكون مؤمنا محققا لإيمانه وملتبسا بالمعرفة في دينه أي لأصل دينه بسبب معرفته لما ذكر من الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى وفي حق رسله.
قوله: (إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة ولا يكفي فيها التقليد) بيان أخذ ذلك منه أنه لما حكم على معرفة عقائد الإيمان بالوجوب علم أن ما عدا المعرفة من التقليد في العقائد وأخرى الظن والشك والوهم لا يكفي في الخروج من عهدة الطلب ويكون الشخص بذلك آثما.
قوله: (الجزم) خرج عنه الشك والظن والوهم.
قوله: (المطابق) أي المطابق متعلّقه وهو النسبة المعتقدة المطابقة إنما تعتبر بين النسبة المعتقدة وبين النسبة التي في نفس الأمر وهو علم الله وقيل اللوح المحفوظ وخرج بهذا الجهل المركب كاعتقاد الفلسفي قدم العالم فإن نسبته المعتقدة غير مطابقة لما في الواقع.
قوله: (عن دليل) أي: الناشئ ذلك الجازم عن دليل أي أو ضرورة كالجزم بأن الواحد نصف الإثنين وكالجزم بأن هذا جدار أو حجر الناشئ ذلك ممن وقع بصره عليه من غير قصد. ففي كلام الشارح حذف أو مع ما عطفت أو يراد بالدليل مطلق السبب والمرشد فيتناول الضرورة والبرهان. ووقع البصر وإلا لزم أن يكون الحد الأول غير جامع والحد الثاني هو حد التقليد غير مانع كذا قيل ولا حاجة لهذا لأن ما ذكر من التعريف إنما هو تعريف للمعرفة المطلوبة في هذا المقام وهي معرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق الله وفي حق رسله وهي لا تحصل إلا عن دليل وليس ناشئا منها ضروريا وهذا لا ينافي أن المعرفة مرادفة للعلم وأن منها ما يكون ناشئا عن دليل ومنها ما يكون ضرورة لكن المعرف ليس مطلق المعرفة بل معرفة مخصوصة كما علمت.
قوله: (ولا يكفي فيها التقليد) أي: ولا يكون التقليد في عقائد الإيمان كافيا في الخروج من الإثم بحيث أن المقلد فيها لا يعاقب وجزمه هنا بأن التقليد في العقائد غير كاف في الخروج عن الإثم لا ينافي ما سيذكره من الخلاف لأن عدم الاكتفاء في الخروج عن الإثم أعم من كونه مؤمنا عاصيا أو غير مؤمن لأن الإثم هنا صادق بأن يكون كفرا أو غير كفر.
وحاصل ما ذكره من الخلاف أقوال ثلاثة:
قيل: أن المعرفة في العقائد واجبة على كل أحد وجوب الفروع سواء كان فيه أهلية للنظر أم لا، فإن قلد فيها كان مؤمنا عاصيا.
وقيل: أن محل وجوبها وجوب الفروع إن كان فيه أهلية للنظر وإلا فلا تجب، وعلى هذا فالمقلد إن كان فيه أهلية للنظر يكون مؤمنا عاصيا وإن لم يكن فيه أهلية كان مؤمنا غير عاص.
وقيل: أن المعرفة في العقائد واجبة وجوب الأصول وحينئذ فالمقلد كافر لأنه متى قبل هذا الشيء واجب وجوب الأصول فمعناه أن من ترك ذلك يكون كافرا.
والمصنف اعتمد القول الأخير في الكبرى ولكنه غير مسلم. والحق القول الثاني وهو القول بوجوب المعرفة وجوب الفروع إن كان فيه أهلية وأما القول الأول المفيد أن المقلد عاص مطلقا فهو مبني على القول بجواز التكليف بما لا يطاق أو أنه مبني على أن كل مكلف فيه أهلية للدليل الجملي. قوله: (ولا يكفي فيها) أي: في عقائد الإيمان التقليد أي وأما الفروع فيكفي فيها التقليد بل يجب على من ليس أهلا للاجتهاد تقليدا لمجتهد فيها. والفرق بين العقائد والفروع أن العقائد مطابقة لما في نفس الأمر بخلاف الفروع فإنه لا يشترط فيها المطابقة لما في نفس الأمر لأن الذي أفاده المجتهد المقلد بالفتح إنما هو حكم ظني يحتمل أن يكون مطابقا لما في نفس الأمر ويحتمل أن يكون غير مطابق فأولى من قلده فيه ولا يلزم من كون المقلد في الفروع جازما أن يكون أرقى حالا من المجتهد الذي قلده لأن ذهن المقلد خال عن المزاحمة فلذا جزم بالحكم الذي قلد فيه وإن لم يكن مطابقا لما في نفس الأمر بخلاف المجتهد فإن ذهنه لازدحام الأدلة فيه لا يجزم بالحكم بل يظنه.
إن قلت: إذا كان الحكم الذي استفاده المجتهد يحتمل أن يكون صوابا ويحتمل أن يكون خطأ كيف يصح اتباعه فيه والحال أن الخطأ لا يتبع.
قلت: محل كون الخطأ لا يتبع إذا قطع بأنه خطأ وما استفاده المجتهد لم يقطع بخطئه بل هو محتمل.
قوله: (في عقائد الإيمان) لا حاجة له مع قوله فيها.
قوله: (بلا دليل) متعلق بالجزم أي الجزم الملتبس بعدم الدليل.
قوله: (وإلى وجوب المعرفة ... الخ) أنت خبير بأن المعرفة ليست فعلا على الصحيح بل كيف لأنها من قبيل المعارف والعلوم وحينئذ فلا يتعلق بها الإيجاب، نعم يتعلق بتحصيلها بمباشرة الأسباب ورفع الموانع.
قوله: (وعدم الاكتفاء بالتقليد) أي: في الخروج من الإثم كان إثم كفر أو عصيان والمراد الاثم ولو في الجملة أي في بعض الأحوال وحينئذ فقوله وعدم الاكتفاء بالتقليد صادق بالأقوال الثلاثة الآتية. وبهذا التقرير اندفع ما يقال إن أريد عدم الاكتفاء بالتقليد في الخروج من اثم العصيان الحاصل للمقلد مطلقا ناسب القول الأول دون الثالث. وإن أريد عدم الاكتفاء بالتقليد في الخروج من اثم الكفر واثم العصيان الحاصل للمقلد كان في أهلية للنظر أم لا نابس القول الأول والثالث دون الثاني المفصل فتأمّل.
قوله: (جمهور أهل العلم) ظاهره من المتكلمين لأن المراد بهم العلماء الذين اعتنوا بتقرير أدلة العقائد ودفع الشبه الواردة عليها والشبه التي أوردها المبتدعة إنما صدرت منهم بعد الأئمة الأربعة كذا قيل. وقد يقال بل الظاهر أنه أراد جمهور أهل العلم من المتكلمين وليس في كلامه ما يقتضي أن مالكا من المتكلمين بل بعد ما عزاه لهم عزاه مالك أيضا تقوية لأنه إمام جليل.
قوله: (كالشيخ الأشعري) اسمه عليّ وكنيته أبو الحسن وهو مالكي المذهب كالباقلاني وأما إمام الحرمين فهو شافعي.
قوله: (المقلد مؤمن إلا أنه عاص) أي: فتكون المعرفة واجبة وجوب الفروع كالصلاة فمن لم يحصلها أثم وظاهر هذا القول كان المقلد فيه أهلية للنظر أولا فيلزم عليه التكليف بما لا يطاق وهو غير جائز.
وردّ بأنا لا نسلم عدم جوازه بل هو جائز بل واقع في أصول الدين على أنه لا يلزم عليه التكليف بما لا يطاق لأن صاحب هذا القول يرى أن الأهلية حاصلة لكل أحد لأن المطلوب الدليل الجملي الذي تحصل معه الطمأنينة يحث لا يقول العارف له سمعت الناس يقولون شيئا فقلته والدليل الجملي متيسر لكل أحد وهذا القول مبني على أن أصل الإيمان حديث النفس التابع للاعتقاد كما سبق وبهذا يندفع ما أورده يس هنا.
قوله: (التي ينتجها ... الخ) وصف كاشف.
قوله: (النظر الصحيح) هو ما كان صحيح المادّة والصورة محتويا على شروط الإنتاج.
قوله: (وقال بعضهم إنه مؤمن ولا يعصي ... الخ) وعلى هذا القول تكون المعرفة واجبة وجوب الفروع على من فيه أهلية للنظر الصحيح وهذا القول هو المعتمد.
قوله: (المقلد ليس بمؤمن أصلا) أي: بل هو كافر وليس المراد أنه منزلة بين منزلتين كما تقول المعتزلة في المؤمن العاصي إنه مخلد في عذاب غير عذاب الكفر إذ لا قائل بذلك في المقلد كما قاله ابن عرفة وناهيك بتحصيله بخلاف القول بكفره فإنه موجود فيحمل كلام الشارح عليه وعلى هذا القول تكون المعرفة واجبة وجوب الأصول فمن لم يحصلها يكون كافرا. وهذا القول مبني على أن النظر شرط في الإيمان وأن الإيمان المعرفة أو حديث النفس التابع للمعرفة على ما سبق ومهما انتفى الشرط انتفى المشروط.
قوله: (وقد أنكره بعضهم) وقد أنكر القول بعدم إيمان المقلد بعضهم وهذا خلاف ما صححه شرح الكبرى من كفره وداعي الإجماع عليه وقد علمت ما هو المعتمد من تلك الأقوال. واعلم أن الخلاف في المقلد في كفره وعدم كفره إنما هو بالنسبة اتجاهه وعدمها في الآخرة لأنه في الدنيا لا قائل بأنه يعامل معاملة الكفر بل يعامل معاملة المسلمين فيها اتفاقا.
قال الشاوي وهذا الخلاف الذي في المقلد بعكس الخلاف الذي في المعتزلة في أنهم كفار أو مؤمنون عصاة فإنه بالنظر لحال الدنيا أي هل تجري عليهم أحكام الكفار في الدنيا أم لا وأما في الآخرة فلا خلاف أنهم يخلدون في النار وتأمله.
قوله: (ولإمام الحرمين ... الخ) لما كان كلام الإمام الحرمين المذكور يتوهم مخالفته لما نقله المصنف عن الجمهور من الخلاف في إيمان المقلد أتى به ثم اعتذر عنه بما يزيل المخالفة حيث قال «قلت الخ».
قوله: (يسعه للنظر فيه) الضمير المستتر في «يسعه» للزمان والبارز لمن عاش والجملة صفة لزمان والرابط الضمير المستتر وفي بعض النسخ «يسعه النظر» من غير لام جر وهي مشكلة إلا أن يقرأ النظر بالنصب ينزع الخافض أي يسعه للنظر.
قوله: (ونظر) أي: وعرف.
قوله: (وإن لم ينظر لم يختلف في عدم صحة إيمانه) ظاهره ولو كان عنده اعتقاد لكونه مقلدا وهذا صريح في أن المقلد كافر اتفاقا فيخالف ما تقدم له من الجزم بالخلاف في كفره وعدم كفره ثم إن ما ذكره من عدم صحة الإيمان في هذا القسم مقيد بما إذا كان تركه لنظر اختيارا ولم تحصل له المعرفة بإلهام من الله.
قوله: (ففي صحة إيمانه قولان) إنما لم يحكم بكفره قطعا للشبهة القائمة فإنه قد يقال إنه لما لم يعش زمانا يسع النظر واحترمته المنية تبين عدم الوجوب عليه.
قوله: (والأصح عدم الصحة) أي: نظرا لتقصيره بالتأخير وإن تبين عدم اتساع الزمان لتحصيل الواجب ونظير ذلك في الجملة المرأة في نهار رمضان تصبح مفطرة وهي طاهر في تحيض في يومها ذلك فإنها عاصية وإن ظهر أنه لم يمكنها إتمام الصيام.
قوله: (ولعلّ هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلا) أي: والذي جار فيه الخلاف فيمن عنده جزم. فقوله «ولعل... الخ» جمع بين كلام إمام الحرمين وما قبله وإنما ترجى الشارح ولم يجزم بذلك لاحتمال كلام الشامل أن يخص بمن لا جزم عنده كما قال الشارح وأن يعمم فيه بحيث يشمله ويشمل المقلد الجازم هذا وفي كلام الشارح شيء وذلك لأن من لا جزم عنده صادق بالظّانّ والشاك في العقائد والمتوهم لها والمعتقد لضدّها وخالي الذهن عنها لكونه نشأ بعيدا عن أهل الإسلام بالمرة.
وهذا وإن ظهر في القسم الثاني وهو من عاش بعد البلوغ زمنا طويلا يسعه فيه النظر وترك لا يظهر بالنسبة للقسم الأول وهو من عاش بعد البلوغ زمنا طويلا يسعه فيه النظر. ونظر لأن هذا عنده جزم فلا يصح أن يحمل على من لا جزم عنده الصادق بالخمسة المتقدمة ولا يظهر أيضا بالنسبة للقسم الثالث وكذا الرابع بالنظر للقول فيه بالإيمان وذلك لأن من عاش بعد البلوغ زمنا لا يسعه فيه النظر وشغل ذلك الزمان ببعض النظر أو أعرض عن النظر فيه بالمرة ولم يحصل عنده جزم بالعقائد بل ظنها أو شك فيها أو توهمها أو جزم بضدّها أو كان خالي الذهن عنها. كيف يقال بصحة إيمانه بل هذا لم كافر قطعا.
وأجيب: بأن المراد بقوله «ولعل هذا التقسيم» أي: ولعل بعض هذا التقسيم وهو القسم الثاني والثالث والرابع فيمن لا جزم عنده بدليل أن الأول عنده جزم. ويراد بالإيمان في الثالث والرابع على أحد القولين لازمه وهو عدم مؤاخذة من اعتقد الضدّ والشك ونحوه لأنه لما ضاق الزمان عليه ولم يتسع للنظر غاية أمره أن يكون كأهل الفترة.
وهذا الجواب الذي ذكره الشارح بعيد فالأحسن أن يحمل كلام الإمام الحرمين على المقلد الجازم كما في الذي قبله ويكون ما ذكره إمام الحرمين من عدم الخلاف في كفر المقلد طريقة والذي قبله من جريان الخلاف فيه طريقة أخرى فلأهل هذا الفن طريقتان: طريقة تحكي خلاف في إيمانه وكفره وطريقة تحكي الاتفاق على كفره، كذا قرر شيخنا العلامة العدوي.
وذكر الشيخ الملوي ما حاصله أن تقسيم إمام الحرمين يحتمل أن يكون في المقلد والغافل والساهي والذاهل ليخرج معتقد الضدّ والشاك أي: أنهم إما أن ينتظروا نظرا كاملا زال به التقليد والغفلة والسهو والذهول وإما أنهم لم ينظروا مع سعة الزمان إلى آخر ما ذكره إمام الحرمين وتكون حكاية الإجماع على كفر المقلد طريقة لإمام الحرمين.
قوله: (ولو بالتقليد) هذا من مدخول النفي أي: فيمن كان جزمه ولو بالتقليد منتفيا.
قوله: (وذهب غير الجمهور) هذا مقابل لقوله «وإلى وجوب المعرفة وعدم الاكتفاء بالتقليد ذهب جمهور أهل العلم» ثم أن المراد غير الجمهور من المتكلمين ولا يعترض بجعله ابن أبي جمرة ومن بعده من المتكلمين مع أنهم ليسوا منهم لأنه ليس في كلامه ما يقتضي أنهم منهم بل بعد ما ذكر غير الجمهور وذكر بعض الصوفية والفقهاء تقوية لأصحاب هذا القول.
قوله: (إلى أن النظر) أي: ومثله المعرفة التابعة له.
قوله: (ليس بشرط في صحة الإيمان) هذا ردّ للقول الثالث من أقوال المهور المتقدمة. وقوله «بل وليس بواجب أصلا» ردّ للقول الأول والثاني من أقوالهم.
قوله: (وإنما هو) أي: النظر من شروط الكمال فقط أي ومثله المعرفة التابعة له فتكون المعرفة على هذا مندوبة. وقوله «فقط» اسم فعل معناه انته عن ذكر غيره فلا تقل إنه شرط في صحة الإيمان ولا في الخروج عن الإثم مطلقا ولا بالتفصيل بين من فيه أهلية ومن لا أهلية فيه بل قل إنه غير واجب أصلا بل شرط كمال.
قوله: (وإنما هو من شرط الكمال) أي: أنه مندوب وقضية مقابلة هذا القول لما تقدم تدلّ على أن المندوب هو الدليل الإجمالي فإن أتى بالتفصيلي فهو في ضمنه وزاد خيرا. وأما الدليل التفصيلي فهو فرض كفاية على الأمة يجب أن يقوم به البعض حتى عند من قال بالندب. ولا ينبغي أن يقال على القول بالندب أن الدليل الإجمالي مندوب على العين والتفصيلي مندوب على الكفاية بقي شيء وهو أن ظاهر هذا القول أن النظر لا يتصف بالوجوب في حال فيقتضي أن التقليد هو الواجب ابتداء وحينئذ فلو تركه ابتداء ونظر حرم عليه النظر ولا يكون آتيا بمندوب إلا أن يقال إنه من شروط الكمال عند وجود التقليد وأما عند عدمه فله جهتان فهو حرام من جهة أن فيه تركا للتقليد الواجب أولا وواجب من جهة أنه تأدّى به ما هو أولى مما يتأدّى بالتقليد انتهى يس.
قوله: (يدلّ عليه الكتاب والسنة) أي: فقد ورد فيهما الأمر بالنظر في مواضع كثيرة والأمر إذا أطلق يتصرف للوجوب وكثرته تفيد القطع بالوجوب والوجوب محتمل للشرطية وغيرها إذ لوجوب أعم منها والأعم لا إشعار له بأخص معين ولذا قال مع التردّد الخ.
قوله: (وجوب النظر) أي: الموصل لمعرفة العقائد ومثله المعرفة بها لأنها تابعة له والتابع يعطي حكم المتبوع.
قوله: (في كونه شرطا في صحة الإيمان) أي: فيكون واجبا وجوب الأصول. وقوله أولا فيكون واجبا وجوب الفروع وهذا الحق الذي ذكره هنا هو عين ما ذهب إليه جمهور أهل العلم سابقا. واعلم أن الحق هو الحكم المطابق للواقع ويوصف به الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابله الباطل. وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب. وقد يفرق بين الصدق والحق بأن المطابقة معتبرة في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الخبر مطابقة حكمه للواقع ومعنى حقية مطابقة الواقع لحكمه.
قوله: (والراجح أنه شرط) يعنى في صحة الإيمان بمعنى أنه لا يوجد الإيمان ولا يتحقق إلا إذا نشأ عن نظر وأما إذا نشأ عن تقليد فلا يحصل الإيمان ويحصل الخلود في النار. وقد علمت سابقا أن هذا خلاف الراجح وأن الراجح أن النظر واجب وجوب الفروع في حق من فيه أهلية للنظر وحينئذ فالمقلد الذي فيه أهلية النظر مؤمن عاص فقط وإيمانه منج له من الخلود في النار وأما إن كان ليس فيه أهلية للنظر فهو مؤمن غير عاص.
قوله: (وقد عزا ... الخ) أشار بذلك إلى ضعف القول بأن النظر ليس شرطا في صحة إيمان بل شرط كمال وأن التقليد كاف في عقائد إيمان حيث نسبه ابن العربي للمبتدعة ولا يخفى مناسبة هذه الجملة للجملة التي قبلها وهي قوله «والراجح أنه شرط» فهي كالتأكيد في المعنى لأرجحية كون النظر شرطا في صحة الإيمان.
قوله: (ابن العربي) اعلم أن ابن العربي اثنان وكل منهما أندلسيّ، الأول الذي قيل فيه خزانة العلم وقطب الدين بن العربي الصوفي صاحب الفتوحات المكية وقد يفرق بينهما فيقال الأول ابن العربي بـ«أل» وفي الثاني ابن عربي بدون «أل» وكان الأول معاصرا لأبن رشد.
اتفق أن ابن رشد عرض عليه كتابا له شرحا على العتيبة في الفقه فقال له ابن العربي «بم سميت كتابك؟» فقال له ابن رشد «سميته بالبيان والتحصيل» فقال له «ما بينت وما حصلت يا ابن الأمة» وطرحه له. فاتفق بعد ذلك أن ابن العربي ركب البحر في سفينة فهاجت الريح عليه وكادت السفينة أن تغرق فصار ابن العربي يقول «يدك يا ابن رشد» ويكرر ذلك فرفعت تلك السفينة ولم تغرق وهو المراد هنا في كلام الشارح.
قوله: (في كتاب المتوسط) لابن العربي الفقيه ثلاثة كتب في فنّ الكلام كتاب كبير وكتاب صغير وكتاب متوسط. وقوله في الاعتقاد بدل من قوله في كتابه المتوسط أي في مبحث الاعتقاد.
قوله: (علمكم الله) جملة دعائية.
قوله: (أن هذا العلم) أي: العلم بعقائد التوحيد.
قوله: (لا يحصل ضرورة) أي: لا يحصل بالضرورة أي: لا تكون الضرورة طريقا موصلة غليه في حق كل المكلفين وهذا لا ينافي أن العلم بالعقائد قد يكون ضروريا بالنسبة لبعض الخواص. واعلم أن العلم الضروري يطلق على ما حصل بغير نظر واستدلال، وإن حصل بطريق الكسب كعلمك بأن السقف مركب من خشب ومسامير الحاصل ذلك العلم من رفع بصرك للسقف اختيارا.
ويطلق على ما حصل بغير اختيار في طريقه كعلمك بأن هذا الشيء حجر أو جدار حيث وقع بصرك عليه بلا قصد وهذا هو المراد هنا. فقوله «لا يحصل ضرورة» أي: اضطرارا من غير قدرة على رفعه.
قوله: (ولا إلهاما) الإلهام إلقاء شيء من الخير في القلب بطريق الفيض ولكن يتركب فيه التجريد هنا بأن يراد منه مجرد الإلقاء أي ولا يحصل هذا العلم بألقاء لله له في القلب أي ليس إلقاء الله طريقا موصلا لحصوله.
واعلم أن المنفي كون الإلهام طريقا موصلة لحصوله بالنسبة لكل الناس فلا ينافي أن بعض الخواص يلقي الله تعالى معرفة العقائد في قلبه بدون نظر واستدلال.
قوله: (ولا يصح التقليد فيه) أي: لا يصح أن يكون التقليد طريقا فيه أي موصلة له.
قوله: (ولا يجوز أن يكون الخبر) أي: الكتاب والسنة طريقا موصلة إليه هذا فيما عدا السمع والبصر والكلام ولوازمها من كل ما يتوقف عليه المعجزة الدالة على صدق الرسل وأما هذه الستة فإن طريق العلم بها الخبر كما سيأتي.
قوله: (ورسمه) أي: النظر أي تعريفه بالرسم.
قوله: (الفكر) هو حركة النفس في المعقولات كحركتها في حدوث العالم أو في وجود الإله وأما حركتها في المحسوسات كحركاتها في سقف البيت مثلا فيقال له تخييل. وقوله «المرتب في النفس» أي: المرتب أثره ومتعلقه وهو المقدمات والجنس والفصل ويحتمل أن يراد بالفكر المفكر فيه بدليل الوصف بالترتيب في النفس.
قوله: (على طريق) متعلق بقوله المرتب وتلك الطريق هي تقديم الصغرى على الكبرى والجنس على الفصل أو على الخاصة. وكون القياس محتويا على شروط الإنتاج المذكورة في فن المنطق واحترز بقوله «المرتب عن القضية الواحدة» لانتفاء الترتيب فيها فلا تسمى نظرا. واحترز بقوله «على وجه يفضي الخ» عما لو كان الترتيب خارجا عن الأشكال الأربعة أو خاليا عن الشروط المعتبرة فيه كأن يكون من جزئيتين وسالبين فإنه لا يسمى نظرا.
قوله: (يفضي إلى العلم) أي: يؤدي إلى العلم أي إن كانت المقدمات كلها يقينية كما في قولك «العالم حادث وكل حادث لا بد له من محدث» أو إلى الظنّ إن كانت المقدمات كلها ظنية أو بعضها ظنيا وبعضها يقينيا كما في قولك «هذا يدور في الليل بالسلاح وكل من يدور في الليل بالسلاح سارق».
وإذا علمت أن الفكر تارة يفضي إلى علم وتارة إلى ظنّ تعلم أن في التعريف حذف أو مع ما عطفت أو أن المراد بالعلم مطلق الإدراك أعم من كونه علما أو ظنا بدليل قوله بعد أو غلبة ظن في المظنونات وما ذكرنا من أن الفكر تارة يفضي ‘لى علم وتارة إلى ظن ظاهر إذا كان المترتب قياسا وإن كان المترتب تعريفا أدى إلى العلم فقط كما في قولك في تعريف الإنسان حيوان ناطق فإنه يؤدي إلى العلم بحقيقة الإنسان وهو مجهول تصوّري.
قوله: (يطلب به) أي: يحصل بذلك الفكر.
قوله: (من قام به) من فاعل يطلب والذي قام به الفكر الذي هو فاعل الطلب النفس أو الهيكل الإنساني الذي هو النفس والجسدي. وفي قوله «من قام به» إشارة إلى أن المعنى إنما يوجب حكما لمن قام به خلافا للمعتزلة.
قوله: (في العلميات) أي: في المسائل التي لا يكفي فيها إلا العلم كالعقائد.
قوله: (في المظنونات) أي: في المسائل التي يكتفي فيها بالظن كالمسائل الفرعية.
قوله: (ولو كان هذا العلم ... الخ) هذا شروع في بيان المانع من كون كل من الضرورة والإلهام والتقليد والخبر طريقا موصلة للعلم بعقائد التوحيد. فقوله «ولو كان هذا العلم» أي: العلم بعقائد التوحيد يحصل لكل مكلف ضرورة أي قهر بدون اختيار.
قوله: (لأدرك فيها جميع العقلاء) أي: لحصل ذلك العلم لجميع العقلاء لأنه لا سبب له خاص ولأنه لو لم يحصل ذلك العلم في كل أحد مع فرض أنه لا طريق له إلا الضرورة للزم التكليف بما لا يطاق وهو ممنوع لأنه بمثابة أي يقال «افعل يا من هو ملجأ للفعل» أو «يا من لا قدرة له على الفعل» أي: لكن التالي باطل بالمشاهدة فكذا المقدم.
إن قلت: أن الملازمة ممنوعة لن السوفسطائية لم يدركوا الضروريات كما مشى عليه المصنف في شرح مختصر المنطق.
قلت: إنه أراد بجميع العقلاء أكثرهم أو أن ابن العربي يقول أن السوفسطائية عقلاء وإنكارهم للضروريات عناد منهم فلا يلتفت لهم.
قوله: (أو إلهاما) أي: ولو كان ذلك العلم يحصل بالإلهام.
قوله: (لوضع الله ... الخ) أي: لكن التالي باطل بالمشاهدة غذ كثير من الناس مكلفون ولا علم عندهم فالمقدم مثله.
قوله: (كل حيّ) أراد به البالغ العاقل بدليل قوله ليتحقق به التكليف فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص.
قوله: (ليتحقق به التكليف) هذا بيان للملازمة وحاصله أن المعرفة مكلف بها ولو انحصر تحصيلها في الإلهام للزم الوضع المذكور أعني وضع الله العلم بالعقائد في قلب كل مكلف لأجل أن يتحقق ويحصل التكليف أي أثر التكليف وهو الأمر المكلف به كالمعرفة لأن التكليف الإلزام بما فيه كلفة وإلا كان التكليف بالمعرفة تكليفا بما لا يطاق وهو ممنوع وقد سبق منعه.
قوله: (نوع ضرورة) أي: نوع من أنواع ذي الضرورة أي نوع من أنواع العلم الحاصل بالضرورة لأن العلم الضروري بالمعنى الثاني السابق وهو الحاصل قهرا بدون اختيار صادق على العلم الحاصل بالإلهام كما هو صادق على العلم الحاصل بغير الإلهام كالعلم بأن الواحد نصف الإثنين وكالعلم بأن هذا الشيء حجرا لحاصل من وقوع البصر عليه بغير قصد.
قوله: (وقد أبطلنا الضرورة) أي: وقد أبطلنا كون هذا العلم يحصل بالضرورة بقولنا فيما سبق ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لإدراك ذلك جميع العقلاء.
قوله: (ولا يصح أن يقال إنه تعالى يعلم بالتقليد) أي: لا يصح أن يقال ذلك بحيث يكون التقليد طريقا للعلم بمعرفة الله.
قوله: (كما قال جماعة من المبتدعة) راجع للمنفي.
قوله: (لأنه لو عرف بالتقليد) هذا إشارة إلى قياس شرطي حذفت استثنائيته وذكر دليلها وحذف أيضا مقدم الشرطية واصل التركيب هكذا لو كان التقليد طريقا للعلم به لحصل العلم به تعالى بالتقليد لكن التالي باطل فكذلك المقدم.
أما الشرطية فالملازمة فيها ظاهرة ووجه بطلان التالي الذي هو الاستثنائية أن المقلد لا يخلو إما أن يقلد كل واحد من الناس أو بعضهم وكلاهما لا يصح لأنه إن قلد واحدا مثلا دون غيره لزم عليه الترجيح من غير مرجح لاستواء المقلدين بالفتح وعدم كون بعضهم أولى من بعض باتباع قوله، والترجيح من غير مرجح باطل فليكن ما أدّى إليه من تقليد البعض دون البعض الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلا.
وإن قلدا لكل لزم الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد لأن أقوال المقلدين بالفتح متنافية أي: والجمع بين المتنافيات في الاعتقاد باطل فليكن ما أدّى إليه من تقليد الكل الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلا. فالحاصل أن حصول العلم عن التقليد يؤدّي إما إلى الترجيح بلا مرجّح وإما إلى الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد وكلاهما محال فتأدّى لذلك وهو حصول العلم عن التقليد محال، وحينئذ فلا يحصل العلم بالتقليد.
قوله: (لما كان ... الخ) أي: لحصل العلم به لكن التالي باطل لأنه إما أن يقلد الكل أو البعض وكلاهما لا يصح لأنه إن قلد البعض لزم عليه الترجيح بلا مرجح لانتفاء كون قول واحد من المقلدين أولى بالاتباع لتساويهم بحسب الظاهر فما نافية.
وقوله «وأقولهم الخ» أي: وإن قلد الكل لزم عليه اعتقاد المتنافيات لأن أقوالهم متضادّة مختلفة. فقوله «لما كان قول واحد الخ» تعليل لعدم صحة تقليد الكل.
قوله: (وأقوالهم) أي: المقلدين بفتح اللام كأبي الحسن الأشعري وأتباعه القائلين بأ، الله تعالى قادر بقدرة زائدة على ذاته. وأنه يرى في الآخرة وكالجبائي وأتباعه القائلين بأن قادر بذاته لا بقدرة زائدة على الذات وأنه لا يرى في الآخرة. وقوله «ومختلفة» عطف تفسير.
قوله: (كيف يعلم) أي: لا يعلم فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لأن من يعلمه لا يعلم أن الخبر خبره لتوقف العلم بأن الخبر خبره على العلم به ولو كان الخبر طريقا إلى العلم به للزم عليه وتوقف العلم على الخبر فيلزم الدور.
والحاصل أنه لو كان الخبر طريقا للعلم بالله للزم الدور لأن العلم به تعالى يتوقف حينئذ على العلم بأن هذا الخبر خبره تعالى والعلم بأن هذا الخبر خبره يتوقف على العلم به تعالى فكل من العلمين متوقف على الآخر وهذا دور وهو محال فما أدّى إليه من كون الخبر طريقا إلى العلم به محال وحينئذ فلا يكون الخبر طريقا إلى العلم به وهذا في غير السمع والبصر والكلام ولوازمها فإنها تعلم بالخبر كما يأتي.
قوله: (فثبت) أي: إذا بطل كون الضرورة والإلهام والتقليد والخبر طريقا للعلم به تعالى ثبت أن طريقه النظري أي الصحيح المركب من مقدمات يقينية لأن النظر قد يطلب به الظن كما مرّ والمطلوب هنا إنما هو العلم اليقيني.
قوله: (وهو أول واجب على المكلف) أي: أول واجب وسيلة فلا يعارض قوله بعد أن المعرفة أول الواجبات لأن لمراد به أنها أول واجب قصدا بل هو الإيمان فلا يصح الجمع المذكور بين القولين.
قلت: المعرفة مقصد بالنسبة للنظر وإن كانت وسيلة للإيمان الذي هو حديث النفس.
قوله: (إذ المعرفة ... الخ) علة لكون النظر أول واجب.
قوله: (فبضرورة تقديمه ... الخ) فيه أن ضرورة تقديمه عليها إنما تقتضي توقفها عليه فقط لإثبات الوجوب له فضلا عن كون وجوبه قبلها فكان الأولى أن يقول فبضرورة أنها لا تحصل إلا به وأنها متوقفة عليه ثبت له صفة الوجوب قبلها لأن ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب ثم إن ما ذكره الشارح من ثبوت الوجوب للنظر قبل المعرفة مبني على أن ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب بوجوب آخر غير وجوب المقصد فعندنا أمران: أمر تعلق بالنظر وأمر تعلق بالمعرفة والتحقيق عند الأصوليين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بوجوب المقصد لا بوجوب آخر وحينئذ فليس عندنا إلا أمر واحد متعلق بالمعرفة والنظر فلا يتمّ قول الشارح أن النظر أوّل واجب ولا قوله فثبت له صفة الوجوب قبلها.
قوله: (وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة) هذا مرتبط بقوله إذ المعرفة أول الواجبات أي وإنما حكمنا عليها بأنها أول الواجبات لأن إيجابها معلوم من دون الأمة بالضرورة فبعد أن بين وجه كون النظر واجبا شرع في بيان وجوب المعرفة فذكر أنه معلوم من الدين بالضرورة. ومراده بالضرورة الشهرة أي أن وجوبها شائع مشهور بين الناس لكن لم يصل لحدّ الضرورة بحيث يعرفه الخاص والعام وليس المراد بكون ذلك الوجوب ضروريا أنه أمر بديهي يعرفه الخاص والعام حتى يلزم كفر من أنكر وجوب المعرفة وقال إنها شرط كمال والتقليد يكفي في عقائد التوحيد.
قوله: (فصل) هذه الترجمة من جملة كلام ابن العربي وإنما فصل بين الكلام السابق واللاحق بلفظ فصل لأن الكلام السابق يفيد عدم الاكتفاء بالتقليد والكلام اللاحق يفيد الاكتفاء به.
قوله: (ومع أنا نقول) يحتمل أن الواو زائدة ومع متعلّقه بقول الثاني و«أن» وما دخلت عليه مؤولة بالمصدر. والفاء في قوله «فإن» واقعة في جواب شرط مقدّر داخلة على قول محذوف أي: إذا عرفت ما تقدم فنقول أن بعض أصحابنا يقول «أن من اعتقد في ربه الحق فهو مؤمن» مع قولنا «أن المعرفة واجبة الخ» أي: وقوله مخالف لقولنا إذ مقتضى قوله الاكتفاء بالتقليد في عقائد الإيمان ومقتضى قولنا عدم الاكتفاء به فيها فتدبّر.
قوله: (إن المعرفة) أي: في عقائد التوحيد واجبة أي ومقتضى ذلك عدم الاكتفاء بالتقليد فيها.
قوله: (إن من اعتقد في ربه) أي: اعتقادا ناشئا عن التقليد كما هو ظاهر السياق لا عن النظر.
قوله: (الحق) أي: الاعتقاد الحق أي الصحيح أو النسبة الحق أي المطابقة للواقع كاعتقاد ثبوت القدرة لله والثاني وافق بما تقدم من أن الحق هو الحكم المطابق للواقع وأنه يوصف به الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتماله على ذلك.
قوله: (وتعلق به اعتقاده) أي: وتعلق اعتقاده بربه وهذا عطف لازم على ملزوم لأنه يلزم من اعتقاده الحق في ربه تعلق اعتقاده به.
قوله: (على الوجه الصحيح) أي: المطابق للواقع.
قوله: (فإنه مؤمن من موحد) ظاهره من غير اثم يلحقه بناء على أن المعرفة غير واجبة وحينئذ فهذا القائل يقول بعدم وجوب المعرفة وعدم وجوب النظر الموصل إليها وبالاكتفاء بالتقليد.
قوله: (ولكن هذا) أي: ما اقتضاه قوله فإنه مؤمن موحد من ثبوت الإيمان له لا يصح في الأغلب الخ. وهذا الاستدراك من كلام ابن العربي أتى به دفعا لما يتوهم من صحة ما اقتضته عبارة ذلك البعض من ثبوت الإيمان له وفي بعض التقارير ترجيع اسم الإشارة للاعتقاد الصحيح فقوله «لكن الخ» اعترض من ابن العربي على ذلك البعض.
قوله: (لا يصح) أي لا يثبت.
قوله: (في الأغلب) قضيته أنه يصح ذلك في الغالب والمساوة والنادر مع أن القصد أنه لا يصح أصلا فالمناسب حذف قوله في الأغلب.
قوله: (ولو حصل) أي: هذا وهو الاعتقاد الصحيح أي ولو فرض حصوله كما يفرض المحال لغير ناظر... الخ وحينئذ فلا يقال أن قوله ولو حصل ينافي ما سبق من أنه لا يصح الاعتقاد الصحيح إلا لناظر.
قوله: (يتخلخل) أي: يتزلزل اعتقاده بعروض ما ينافيه من شك ونحوه بسبب ورود شبهة عليه.
قوله: (فلابد) أي: فيجب أن يعلم... الخ وهذا مفرّع على ما قبله أي وحيث كان الأمر كما ذكر فلابد... إلخ فتكون المعرفة واجبة والنظر الموصل إليها واجبا وهو ما قلناه. قال الشيخ يحي في قوله فلا بدّ اصله في الإثبات بدّ الأمر فرق وتبدد تفرّق وجاءت الخيل بداد أي متفرّقة فإذا انتفت التفرقة والمفارقة بين شيئين حصل تلازم بينهما دائما فصار أحدهما واجبا للآخر ومن ثم فسروا «لابدّ« بـ«وجب» فاعرف ذلك انتهى.
قوله: (كل مسألة) أي: وجبت علينا معرفتها.
قوله: (بدليل) أي: قطعي وهو البرهان المركب من مقدّمات يقينية والمراد بالدليل ما يشمل الجملي وقوله واحد بيان لأقلّ ما يكفي.
قوله: (ولا ينفعه اعتقاده) أي: وحينئذ فالمقلد كافر عند ابن العربي وقوله ولا ينفعه... الخ لازم لما قبله.
قوله: (علمه) يصح أن يكون مصدرا بالرفع فاعلا ليصدر أو بالجر بإضافة دليل إليه وإضافة الدليل إليه من حيث أن الدليل مفيد له فالإضافة لأدنى ملابسة وفاعل يصدر ضمير يعود على الاعتقاد والمراد بالعلم على كلا الاحتمالين الاعتقاد فيكون إظهارا في محل الإضمار وضمير ينفعه واعتقاده وعلمه للشخص المعتقد واسم الإشارة في قوله «بذلك» عائد على كل مسألة ويصح أن يكون علم فعلا ماضيا وفاعله ضمير مستتر عائد على الشخص المعتقد والجملة صفة لدليل والضمير البارز عائد على كل مسألة واسم الإشارة عائد على الدليل ويكون إظهارا في محل الإضمار ويحتمل أن الضمير البارز عائد على الدليل واسم الإشارة عائد على كل مسألة. والباء بمعنى اللام متعلقة بدليل وفاعل يصدر على كل ضمير يعود على الاعتقاد فتأمل.
قوله: (فلو اخترم) مبني للمجهول أي فلو اخترمته المنية أي عاجلته قبل مضى زمان يسع النظر فيه أي أن ما قلناه من أنه لا ينفعه اعتقاده إلا أن يصدر عن دليل ظاهر إذا لم يخترم، فلو اخترم... الخ فالضمير في اخترم أن يعتقد في ربه الاعتقاد الحق الخ.
قوله: (وعجز عن النظر) يحتمل أن تكون الواو باقية على حالها عاطفة على اخترم من عطف المسبب على السبب أي وعجز عن النظر في ذلك الزمان الذي اخترمته فيه المنية لاخترام المنية له ويحتمل أن تكون بمعنى أو أي فلو اخترم قبل أن ينظر أو لم يخترم ولكنه عجز عن النظر بلادة منه فيكون مقابلا لقوله اخترم.
قوله: (فقال جماعة منهم) أي: من أصحابنا.
قوله: (وإن تمكن من النظر) هذا مفهوم عجز أي: وإن اخترم وقد كان تمكن قبل الاخترام من النظر بتحصيل مقدّمة منه في ذلك الزمان ولم ينظر وهذا على جعل الواو في قوله وعجز باقية على حالها. وأما على جعلها بمعنى «أو» فالمعنى وإن لم يخترم وتمكن من النظر ولم ينظر.
قوله: (مؤمنا عاصيا بترك النظر) أي: فيكون النظر واجبا وجوب الفروع عنده.
قوله: (وبناه) أي: وبنى الأستاذ ما قاله على أصل الشيخ أبي الحسن الأشعري وأصل الشيخ قيل هو أن النظر ليس شرطا في صحة الإيمان وإنما هو شرط في الخروج من الاحتمالين.
قوله: (فظاهر) أي: فظاهر صحته وإنما قيد بالمشيئة مراعة لمن يقول أنه يجوز التكليف في العقائد بما لا يطاق وحينئذ فيجوز أن الله تعالى يكلفه ولو مع الاخترام والعجز أو يقال أتى بالمشيئة لعدم الدليل القاطع على ذلك لأن المسألة ظنية ولهذا لم يقيد أولا.
قوله: (وتركه) عطف على القدرة أي: ومع تركه.
قوله: (فيه نظر عندي) وجهه ما سبق من أنه لا يأمن من أن يتخلخل اعتقاده.
قوله: (ولا أعلم صحته الآن) أي: ولا أعلم صحة هذا القول الآن وأتى بذلك دفعا لما قد يتوهم من أنه قد يتغيّر اجتهاده فيقول أن إيمان المقلد صحيح فيكون الآن عالما بصحة هذا القول كما اتفق للمصنف أنه كان أولا يقول بكفر المقلد ثم تغير اجتهاده ورجع للقول بصحة إيمانه.
والحاصل أن من اخترمته المنية قبل أن ينظر أو عجز عن النظر لبلادة فهو مؤمن وإن تمكن من النظر بأن وسع الزمان النظر ولم ينظر ولم يخترم فهو مؤمن عاص عند الأستاذ وكافر عند ابن العربي.
قوله: (فإن قيل ... الخ) منشأ هذا السؤال قوله فيما سبق فبضرورة تقديمه عليها ثبت له صفة الوجوب قبلها فقوله قد أوجبتم النظر قبل الإيمان أي قبل وجوب الإيمان. وقوله على ما استقرّ من كلامكم أي على ما فهم من كلامكم وهو قوله فيما سبق فبضرورة تقديمه عليها قبت له صفة الوجوب قبلها وفيه أن الذي فهم منه وجوب النظر قبل وجوب المعرفة لا قبل وجوب الإيمان كما قال.
وقد يجاب بأن المراد بالإيمان نفس المعرفة كما هو قول أو المراد به حديث النفس التابع للمعرفة كما هو المعتمد. وإذا كان النظر واجبا قبل المعرفة التي هي متبوعة للإيمان فليكن واجبا قبل الإيمان الذي هو تابع للمعرفة. والمراد به حديث النفس التابع للمعرفة ولكن في كلامه حذف مضاف والأصل قد أوجبتم النظر قبل سبب الإيمان وهو المعرفة وقد تقدم أن المعرفة سبب عادي لحديث النفس لأن الشأن أن الإنسان إذا اعتقد شيئا اعتقادا جازما ناشئا عن دليل يحدّث به نفسه.
قوله: (فإذا دُعِيَ المكلف) ببناء الفعل للمجهول. وقوله «إلى المعرفة» أي: إلى مسببها وهو الإيمان أو إلى المعرفة نفسها بناء على أنها الإيمان أي فإذا طلب المكلف الإيمان أي تحصيله قال الشيخ الملوي والكلام في الكافر الأصلي المعاند المجبور على الإقرار، أما من أراد الدخول في الإسلام فلا نقول له حتى تنظر بل نقول له أسلم ثم انظر لأن ذلك أدعى له إلى النظر.
قوله: (فقال) جواب إذا.
قوله: (حتى أنظر) أي: فقال لا أو «حتى أنظر» فحتى غائية أو المعنى فقال حتى أنظر فأؤمن فحتى ابتدائية وهي وما بعدها في محل نصب مقول القول.
قوله: (فأنا الآن) أي: في هذا الزمان الحاضر.
قوله: (في مهلة النظر) أي: في سعة النظر أي في زمن واسع للنظر لا ضيق.
قوله: (وتحت ترداده) أي: تكراره مرة بعد أخرى أي: وبصدد تكريره مرة بعد أخرى.
قوله: (ماذا تقولون) يحتمل أن ما استفهامية مبتدأ و «ذا» اسم موصول خبر ما الاستفهامية وجملة «تقولون» صلته والعائد محذوف أي: ما الذي تقولونه. ويحتمل أن مجموع ماذا مركب استفهامي مبتدأ وجملة تقولون خبره.
قوله: (أتلزمونه الإقرار بالإيمان) أي: بأ، يقول آمنت وصدقت بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم.
قوله: (فتنقضون أصلكم) أي: فتبطلون قاعدتكم.
قوله: (في أن النظر) «في» بمعنى «من» أي: من أن النظر وهو بيان للأصل. وقوله «قبلها» أي: قبل المعرفة التي هي الإيمان او التابع لها الإيمان لما مرّ.
قوله: (أم تمهلونه ... الخ) أي: كأن تقولوا له انظر حتى يريد الله الفتح عليك أو حتى يهديك الله للأدلة ولوجه الدلالة.
قوله: (إلى حد) أي: إلى أمر محدود كأن يحدد بإرادة الله الفتح عليه أو بهدايته إياه للأدلة ولوجه الدلالة كما مثلنا.
قوله: (يتطاول به المدى فيه) أي: يتطاول بالمكلف الزمان في ذلك أي في انتظار وقت ذلك الحد كإرادة الله الفتح عليه أي تمهلونه إلى حد يطول عليه في انتظار وقت ذلك الحد الزمن للجهل بالوقت الذي يحصل فيه ذلك الحد وكأنه قيل أو تمهلونه إلى حصول أمر مجهول وقت حصوله وقد يكون العمر فلا يحصل الامتثال فلا يتحقق للإهمال فائدة.
قوله: (أم تقدّرونه) أي: النظر وقوله «بمقدار» أي: كثلاثة أيام بأن تقولوا له انظر ثلاثة أيام ثم بعد ذلك قرّ بالإيمان.
قوله: (فتحكمون عليه) أي: على المكلف.
قوله: (بغير نص) لو قال بغير دليل كان أولى، إذ التقدير لا يتعين أن يكون نص من الشارع بل يجوز أن يكون بطريق القياس.
وحاصل السؤال أن المكلف إذا طلب منه الإيمان فقال أمهلوني حتى أنظر، فإما أن تلزموه الإقرار بالإيمان فيلزمكم نقض قاعدتكم المذكورة وإما أن تمهلوه لمدة مجهولة له فيلزم عليه أنه قد لا يحصل الامتثال فلا يتحقق للإمهال فائدة وإما أن تمهلوه مدة معينة فيلزمكم الحكم عليه بغير نص، وهذا تحكم.
قوله: (فالجواب أنا نقول ... الخ) حاصل الجواب أنا لا نقول بواحد من هذه الثلاثة بل الشخص المطلوب بالإيمان إذا دعا الإمهال إلى النظر فيقال له إن كنت تعلم النظر فاسرده، وإن كنت لا تعلمه فسمعه ونسرده عليه في الحال فإن أظهر الإيمان بأن قال اعتقدت ما أنتجه هذا الدليل الذي سرد على حكم عليه بالاسترشاد وإن امتنع من اعتقاد ما أنتجه الدليل بعد معرفته أنه متنج كان قال هذا الدليل منتج إلا أني لا أعتقد ما أنتجه تبين أنه معاند فيجب استخراج العناد منه بقتله بالسيف.
قوله: (أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة) أي: قبل سبب المعرفة وهو النظر فضعيف أي: فباطل بدليل ما ذكره من التعليل بعد أي: وحيث كان باطلا فلا نلزمه بالإقرار بالإيمان إذا طلب النظر، فبطل الشق الأول من الترديد.
وقوله: (أما القول ... إلخ) هذا تمهيد وتوطئة للجواب الذي ذكره في قوله: (وأما إذا دعا المطلوب ... إلخ) فإن هذا هو جواب السؤال في قوله: (ماذا تقولون ... إلخ).
قوله: (لأن إلزام التصديق بما) أي: بنسبة كالنسبة في قولنا: «الله واحد ومحمد رسوله».
وقوله: (لاتعلم صحته) أي: مطابقته لما في نفس الأمر لأن الفرض أنه لادليل عنده.
قوله: (يؤدّي إلى التسوية بين النبي والمتنبي) أي: بين من كان نبيا بحق ومن يدعى النبوة كذبا أي: يؤدي إلى أن يسوّي بين كل منهما في الإيمان به لأنه لا يعرف الحق من الباطل.
والحاصل أن هذا الشخص الذي طلب منه الإيمان به. فقال أمهلوني وطلب النظر لو قلنا له «صدق بكذا وكذا من العقائد التي لا يعلم مطابقتها للواقع وألزمناه بذلك» لأدّى ذلك إلى أن يسوّي بين النبي والمتنبي في الإيمان بكل منهما لعدم معرفة الحق من الباطل والتسوية بينهما باطلة فيكون ما أدّى إليها من إلزام التصديق بما لا نعلم صحته باطلا.
قوله: (وأنه يؤمن أوّلا) عطف على التسوية أي: ويؤدّي إلى أن يصدق أوّلا من غير دليل ثم يشرع في النظر عقب التصديق كما دلت عليه الفاء في قوله: «فينظر».
قوله: (فيتبين له الحق فيتمادى) أي: فإما أن يتبين له أن ما صدق به حق وذلك إذا نظر في الدليل من جهة الدلالة فيستمر على إيمانه السابق الذي حصل.
قوله: (أو يتبين له الباطل ... إلخ) أي: إما أن يتبين له أن ما صدق به باطل لكونه نظر في الدليل من غير جهة الدلالة فيرجع عنه لما كان عليه قبل الإيمان.
الحاصل بالإلزام وهو الكفر كما أشار له بقوله: (وقد اعتقد الكفر) أي: وقد كان معتقدا للكفر قبل الإيمان الحاصل بالإلزام.
فقوله: (وقد اعتقد الكفر) أي: والحال أنه قد اعتقد الكفر بين به ما كان عليه قبل ذلك الإيمان الحاصل بالإلزام.
والحاصل أن إلزامه التصديق بما لا تعلم صحته يؤدّي إلى سلوك طريق مخيفة وهو النظر لأن الشخص تارة ينظر في الدليل من جهة الدلالة فيتبين له الحق، وتارة ينظر في الدليل من غير جهة الدلالة فيتبين له الخطأ، وسلوك طريق مخيفة لا يصح فأدّى إليه لا يصح.
قوله: (وأما إذا دعا ... إلخ) هذا شروع في الجواب، ودعا مبني للفاعل، وفاعله المطلوب وبالإيمان متعلق بالمطلوب.
وقوله: (إلى النظر) متعلق بمحذوف معمول لدعا أي: وإذا دعا أي: طلب من طلبنا منه الإيمان الإمهال للنظر هذا هو المناسب لقوله سابقا، فإذا دعا المكلف إلى المعرفة، فقال: (حتى انظر ... إلخ).
قوله: (فيقال له إن كنت ... إلخ) أي: فيقال لا نمهلك أصلا لا مدة معينة ولا مدة محدودة بشيء مجهول وقت حصوله بل ننظر في حاله فإن كان غير مخالط لأهل الإسلام، يقال له: (إن كنت تعلم النظر) أي: الدليل ووجه الدلالة.
قوله: (فاسرد) أي: في نفسك أي: أجره على قلبك بأن تقول في نفسك: «العالم حادث، وكل حادث له صانع، فينتج لك أن العالم له صانع».
قوله: (ويسرد في ساعة عليه) المراد يسرده عليه ذكره له مبنيا له وجه الدلالة كان يقال له العالم حادث وكل حادث له صانع ويبين له وجه الدلالة حتى يعرف أنه ينتج. وليس المراد بسرده ذكر لفظ الدليل فقط وإلا كان مقلدا في الدليل فيلزم المحذور السابق في إلزام التصديق بما لاتعلم صحته إذ لافرق في التقليد بين الدليل والمدلول.
وقوله: (في ساعة) المراد بها القطعة من الزمان وفيه أنه يلزم عليه تقدير الزمن فيما فرّ منه وقع فيه.
والجواب: أن المراد بالتقدير الذي فرّ منه تقدير ماليس بضروري، وهذا تقدير ضروري لأن من لوازم سرد النظر زمنا يقع فيه.
قوله: (عليه) متعلق بـ«يسرد».
قوله: (فإن آمن) أي: فإن أظهر الإيمان بأن قال: «اعتقدت» ما أنتجه هذا الدليل الذي سردته في نفسي أو سرد على.
قوله: (تحقق استرشاده) أي: حكم له بالاسترشاد أي: بالرشاد والهداية للإيمان وإن كان في الباطن لم يؤمن.
قوله: (وإن أبى) أي: امتنع من اعتقاد ما أنتجه الدليل الذي سرده في نفسه أو سرد عليه بعد معرفة أنه منتج كان قال هذا الدليل منتج إلا أنى لا أعتقد ما أنتجه.
قوله: (تبين) أي: ظهر.
قوله: (استخراجه) أي: العناد أو استخراج الشخص من العناد.
قوله: (أو يموت) أي: إلى أن يموت بالسيف فـ«أو» بمعنى «إلى» والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، ويحتمل أن يموت عطف على قوله: (بالسيف) أي: أنه إذا عاند ثبت إخراج العناد منه إما بالسيف وإما بالموت من الله بدون قتل.
(فوجب) بمعنى الوجوب الشرعي بالنظر للقتل بالسيف، وبمعنى الوجوب اللغوي وهو الثبوت بالنظر لقوله: (أو يموت) ويحتمل أن قوله: (بالسيف) أي: بالتهديد بالقتل بالسيف إلا أن يموت بدون قتل. فإذا مات انقضى أمره وبعد هذا كله فما ذكره ابن العربيّ غير ما هو مذكور في كتب الفقه.
وحاصله أنه إذا قبض عليه وكان من الأسرى خير الإمام بين قتله واسترفاقه لمنّ عليه أو الفداء وإن لم يقبض عليه وهو غير الأسير فإنه يدعي للإسلام أوّلا ثم لأداء الجزية ثم يقاتل.
قوله: (وإن كان ... إلخ) مقابل لمحذوف أي: هذا الذي ذكرناه إذا كان الكافر ممن لم يثافن أهل الإسلام فإن كان ممن يثافن بثاء مثلثة وفاء ونون أي: يخالط المسلمين بأن كان ذميا مخالطا لهم ثم حارب وإن أعطي الجزية، كذا قاله الملوي وحينئذ فلا يخالف ما تقرر في الفقه.
والحاصل أن ما مرّ في كافر لم يخالط أهل الإسلام بأن كان في بلاد الحرب وطلبنا منه الإيمان فقال أمهلوني حتى أنظر، وكلامه الآن في كافر مخالطا للمسلمين عالم بطريق الإيمان وهي النظر أي: الدليل الموصل للمعرفة.
قوله: (لم يمهل ساعة) أي: لا وجوبا ولا ندبا بل يقال له إما أن تؤمن أي: تصدّق بأن جاء به الرسول من عند الله حق أو تقتل ولا يقال له إن كنت تعلم النظر فأسرده في نفسك وإلا فاسمعه. ولا يقال ذلك أيضا للمرتد لأن الأول علم طريق الإسلام وعائد والمرتد حصل له العلم بالنظر الصحيح أولا.
والفرق بين الأصليّ المخالط والأصليّ غير المخالط ظاهر، وعلم من عبارته أنه إنما يقال له: «إن كنت تعلم النظر ... إلخ» إذا سأل الإمهال للنظر أما إذا لم يسأل حمل على أنه معاند فيلجأ على الإيمان بالسيف.
قوله: (ألا ترى ... إلخ) تنظير فيما نحن بصدده من جهة أن كلا لا يمهل وجوبا وإن كان ما نحن فيه لا يمهل أصلا والمرتد يمهل ندبا فهو تنظير في الجملة.
فإن قيل: لم أمهل المرتد ندبا على كلامه دون الآبي فإنه لا يمهل أصلا. قلت جوابه أن المرتد عمل بمقتضى المخالطة من الدخول في الإيمان قبل الردة فإذا خرج احتمل أن يكون لشبهة قامت عنده فهو معذور في الجملة فاستحب إمهاله لعله إن يزيلها ويبدل الشك باليقين والجهل بالعلم، بخلاف الآبي فإن الإيمان لم يخالج قلبه. وقد تمكن من البرهان القاطع وقد قصر في دخوله في الإيمان فهو معاند ولو حكما فلذا كان له السيف من غير إمهال.
والحاصل أن الكافر الأصلي محمول على المعاند بخلاف المرتد ويحتمل أن قول الشارح لم يمهل ساعة أي: وجوبا وإن أمهل ندبا وحينئذ فيكون قوله: (ألا ترى ... إلخ) تنظيرا تاما.
قوله: (استحب فيه العلماء الإمهال) هذا قول ضعيف في المذهب والمعتمد أنه يجب إمهاله ثلاثة أيام ويستتاب القول بوجوب الإيمان قبل النظر دليلين:
دليلا عقليا، وهو قوله: «ولا يصح في المعقول ... إلخ»
ودليلا نقليا، وهو قوله: «وأيضا ... إلخ»
قوله: (لريب) أي: لشك حصل له من شبهة وردت عليه، وقوله: (فتربص به مدة) أي: فينتظر به مدة.
قوله: (أن يراجع) أي: يبدل.
قوله: (والجهل بالعلم) الجهل معطوف على الشك المعمول ليراجع، وبالعلم معطوف على باليقين المعمول ليراجع أيضا، نفيه العطف على معمول عامل واحد وهو جائز.
والمراد بالجهل الشك، وبالعلم اليقين، فالعطف مرادف.
قوله: (ولا يجب ذلك) أي: إمهال المرتد وقد علمت أن المعتمد أنه واجب.
قوله: (بالنظر) متعلق بحصول و «الباء» مسببية.
قوله: (أولا) أي: قبل الردّة. واعلم أن قوله: (وأما إذا دعا) إلى قوله (ألا ترى) يظهر منه ردّ الشق الثاني والثالث في السؤال كما ظهر ردّ الشق الأول بقوله: (أما القول ... إلخ).
قوله: (وكيف يصح لناظر) أي: لعاقل وهذا استفهام على وجه الاستبعاد مشوب بالتعجب والإنكار على القائل بأن الإيمان يجب قبل النظر وهو مرتبط بقوله أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف فهو بمنزلة تعليل ثان له وكأنه قال أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف لأن إلزام التصديق بما لا تعلم صحته يؤدّي إلخ ولأنه لا يصح لناظر.
قوله: (قبل النظر) أي: قبل النظر فهو تفسير لقوله: (أَوَّلا).
قوله: (ولا يصح) أي: لأنه لا يصح وهذا علة لقوله: (وكيف يصح ... إلخ).
قوله: (في المعقول) أي: في العقل أي: لا يصح بحسب العقل أي: لا يصح عقلا إيمان بغير معلوم الصحة، ويصح أن يراد بالمعقول الأمور المقبولة عقلا أي: لا يصح أن يعد في الأمور المقبولة عقلا إيمان بغير معلوم الصحة.
قوله: (بغير معلوم) أي: بغير معلوم الصحة.
قوله: (وذلك الذي ... إلخ) جواب عن سؤال نشأ من قوله: (ولا يصح في المعقول ... إلخ).
وحاصل الجواب أنه قد صح ذلك ووجد كما في إيمان المقلد فإنه إيمان بغير معلوم صحته.
وحاصل الجواب أنا لا نسلم أن الذي عند المقلد من اعتقاد أن الله واحد إيمان حقيقة بل هو أمر حصل من حسن ظنه بمن قلده يجوز أن يتغير.
قوله: (حسن ظن) من إضافة الصفة للموصوف وفي الكلام حذف مضاف أي: فهو مسبب ظنّ حسن بمخبره أي: أنه أمر حصل من ظنه الحسن بمخبره بكسر الباء أي: بالشخص الذي أخبره بما حصل له الإذعان به في نفسه وهو مقلد بفتح اللام كذا قرره شيخنا وفي «يس».
وحاصل الجواب أنه ليس هناك لذلك المرء علم حصل من مقلده بل الحاصل له إنما هو ظنّ حسن في ذلك الذي قلده وأما الحكم الذي أخذه عنه وقلده فيه فلا يلزم أن يكون جازما فيه، ويصح فتح الباء على أنه من الحذف والإيصال أي: المخبرية.
قوله: (وإلا فإن تطرّق) أي: وإلا يكن ما يجده المرء المقلد بسبب حسن ظنه بل كان إيمانا حقيقة على ما قال شيخنا أوبل كان اعتقادا على ما في يس عن ابن الهمام فلا يصح لأنه على تقدير إن تطرق إليه أي: إلى ما يجده المرء في نفسه من الإذعان بوحدانية الله.
قوله: (التجويز) أي: جواز كونه غير مطابق للواقع بتشكيك مشكك فيه أو غيره أو التكذيب أي: كونه كذبا تطرق أي: إن طرأ له ذلك ثبت ذلك الطارئ وزال ما عنده من الجزم فلا يكون ما عنده من ا لجزم إيمانا حقيقة لأن شأن الإيمان أنه إذا طرأ له ذلك لا يثبت هذا الطارئ. وبهذا ظهر لك عدم اتحاد الشرط والجزاء.
وأن المراد بالتجويز والتكذيب أثره، وقد استفيد من هذا الكلام أن اعتقاد المقلد لا يكفي في حصول الإيمان بل لابد فيه من النظر الموصل للتصديق اليقيني الذي لا يحتمل النقيض.
قوله: (وأيضا ... إلخ) راجع لقوله: (وكيف يصح ... إلخ) فهو دليل على عدم صحة القول بوجوب الإيمان قبل النظر.
والحاصل: أنه أقام على عدم صحة القول بوجوب الإيمان قبل النظر دليلين دليلا عقليا وهو قوله ولا يصح في المعقول الخ ودليلا نقليا وهو قوله «وأيضا الخ».
قوله: (دعا الخلق إلى النظر أولا) أي: في أول الرسالة وهو ظرف لدعا أي ودعاؤه في أول الرسالة الخلق إلى النظر دون الإيمان دليل على أن النظر مطلوب أولا وحينئذ فلا يصح القول بوجوب الإيمان قبل النظر.
قوله: (فلما قامت الحجة به) أي: فحين قامت الحجة على النظر فالباء بمعنى على والمراد بالنظر الدليل وعلى هذا يكون المراد بالحجة التي قامت على النظر تبيين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النظر. والمراد بقيامه عليه تعلقه به وكأنه قال فحين حصل من النبي صلى الله عليه وسلم تبيين للأدلة الدالة على ما يتعلق بالله ورسوله ولا يخفى ما في هذا من التكلف، فالأولى أن تجعل الباء قي به للتصوير ويكون المعنى فحين قامت أي حصلت عند من دعاهم النبي إلى النظر الحجة المصورة بالنظر أي الدليل ويصح أن يراد بالحجة الاحتجاج والباء في به للتعدية ويكون المعنى فحين حصل الاحتجاج على الخلق بالنظر أي بحصوله عندهم.
قوله: (وبلغ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم وهو معطوف على قامت.
قوله: (غاية الإعذار) الإعذار قطع العذر والإضافة يجوز أن تكون من إضافة الصفة للموصوف أي الإعذار الغاية وأن تكون حقيقية أي المرتبة العليا من الإعذار.
قوله: (فيه) أي: في النظر ويصح أن تكون «في» بمعنى الباء التي للتعدية متعلقة بالإعذار أي بلغ غاية قطع حجتهم بالنظر أي بالدليل الذي بينه لهم وفهموه. ويصح أن تكون متعلقة ببلغ و «في» سببية أي وبلغ غاية الإعذار بسبب ما بينه لهم من النظر وفهموه.
قوله: (ألا ترى ... الخ) دليل على كون النبي صلى الله عليه وسلّم دعاهم أولا للنظر قبل دعائه للإيمان.
قوله: (قال له اعرض عليّ آيتك) أي: معجزتك الدالة على صدقك فيما اخبرتنا به التي من جملتها الأدلة الدالة على ما يتعلق بالله ورسوله. ففي قوله «اعرض علي آيتك» دون أن يقول له حتى أنظر دليل على أن النظر حصل له قبل دعائه للإيمان فتدبّر.
قوله: (فيعرضها) بفتح الياء وكسر الراء من عرض.
قوله: (الحق) أي: فيظهر له أن ما بينه النبي من الأدلة الدالة على ما يتعلق بالله ورسوله مطابق للواقع.
قوله: (فيؤمن) أي: فيظهر الإيمان كان يقول آمنت بما جاء به رسول الله أو بما أنتجه هذا الدليل.
قوله: (فيأمن) أي: من الهلاك.
قوله: (فيهلك) أي: فيستحق الهلاك بالسيف. وفي قوله «دعا الخلق أولا إلى النظر الخ» مخالفة لما ذكره العلامة ابن حجر في شرح العباب من أنه قد تواترت الأخبار وتواترا معنويا على أنه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعائه المشركين على طلب الإقرار بالشهادتين والتصديق بمدلولهما بل اكتفى بما دون ذلك كما في حديث معاوية بن الحكم في الأمة السوداء التي أراد عتقهما فقال لها النبي صلى الله عليه وسلّم «أين الله» فقالت «في السماء» فقال لها «من أنا» فقالت «رسول الله» قال «اعتقها فإنها مؤمنة» انتهى أفاده بعضهم.
قوله: (انتهى) كلام ابن العربي وقد استفيد منه عدم صحة إيمان المقلد وارتضاه الشارح حيث قال وهو أي كلام ابن العربي حسن.
قوله: (واستشكل القول بأن المقلد ... الخ) حاصل الاستشكال أنه لو صح القول بأن المقلد ليس بمؤمن لزم عليه تكفير أكثر العوام لأن أكثر العوام مقلدون لا عارفون كما هو مشاهد لكن التالي باطل لأن تكفير أكثر العوام مناف لما علم من أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلّم أكثر الأنبياء اتباعا. ولما ورد من أن أمته ثلثا من أهل الجنة وغذا بطل التالي بطل المقدّم وثبت عدم صحّة القول بأن المقلد ليس بمؤمن.
وقد يقال لا نسلم بطلان التالي بل العوام كفار لإعراضهم عن النظر المطلوب منهم فهم ليسوا من الأمة فضلا عن أن يكونوا معظمها بل هم هوام وليس ذلك منافيا لما علم ولما ورد لجواز أن يكون العلماء والأقل من العوام أكثر من اتباع الأنبياء وإنهم ثلثا أهل الجنة وأي صادّ عقليّ يصد عن ذلك لكنه خلافا المتبادر فلذا أجاب الشارح بغيره.
قوله: (وهم) أي: أكثر العوام معظم هذه الأمة أي: أمة الإجابة.
قوله: (وذلك) أي: تكفير أكثر العوام مما يقدح ... إلخ يعني واللازم باطل لأن ذلك مما يقدح ... إلخ.
قوله: (وورد) عطف على علم وأشار الشارح بهذا لما رواه الترمذي من أن صفوف أهل الجنة تبلغ مائة وعشرين صفا منها ثمانون لهذه الأمة.
قوله: (وأجيب بأن المراد ... إلخ) أي: أجيب بمنع الملازمة لأن المراد.. إلخ.
وحاصل الجواب منع الملازمة وسند المنع أن الدليل الذي يجب معرفته على جميع المكلفين إنما هو الدليل الجمليّ وهو حاصل عند العوام فلا يكونون مقلدين بل هم مستدلّون بدليل جمليّ. ومن ثم قال العلامة السعد محل الخلاف في إيمان المقلد فيمن نشأ بشاهق جبل ولم يخالط أهل الإسلام، أما من خالطهم فليس مقلدا نعم لو كان الدليل الذي تجب معرفته على جميع المكلفين بمعرفته على أنا لو سلمنا الملازمة فلا نسلم بطلان التالي بل نقول بموجبه وقوله: (وذلك مما يقدح ... إلخ) محل منع كما سبق وإن كان يظهر من كلام الشارح تسليمه.
قوله: (هو الدليل الجمليّ) أي: الدليل الإجمالي وهو المعجوز عن تقريره وعن ردّ شبهه ويقابله التفصيلي وهو المقدور عليهما فيه، فالجمليّ بسكون الميم نسبة للجمل بالضم والسكون أي: الإجمال وبفتح الميم أيضا نسبه تشديد الصاد وكسرها.
قوله: (في الجملة) إنما أتى بذلك إشارة إلى أنه ليس كل واحد من المكلفين يحصل له العلم والطمأنينة بالعقائد بالدليل الإجمالي لأن بعضهم قد تقوم عنده شبهة فلا يدفعها عنه إلا الدليل التفصيلي.
قوله: (العلم) المراد به المعرفة الجازمة، والمراد بالطمأنينة الإذعان والقبول.
قوله: (بحيث لا يقول ... إلخ) أي: لما عنده من الجزم والإذعان الذي لا يتحول عنه.
قوله: (من تحرير الأدلة) أي: تخليصها أو تنقيحها وتصحيحها بوجود شروط الإنتاج فيها وهذا بيان لطريق المتكلمين.
قوله: (وترتيبها) أي: ترتيب مقدماتها.
قوله: (ولا القدرة) عطف على معرفة أي: ولا يشترط القدرة على التعبير بل المدار على حصول الدليل الجملي في القلب.
قوله: (من الدليل الجملي) بيان لما.
قوله: (ولا شك أن النظر) أي: الدليل.
قوله: (على هذا الوجه) وهو حصول الدليل الجملي في القلب.
قوله: (لمعظم هذه الأمة) أي: لمعظم عوام هذه الأمة، وقوله: (أو لجميعها) أي: بل لجميعها أي: جميع عوام هذه الأمة، وليس المراد معظم نفس الأمة وهو جميع العوام لأنه لم يبق حينئذ بعد المعظم إلا العلماء العارفون فلا يحتاج لقوله: (أو لجميعها) بل لامعنى له وكان يكفي الشارح أن يقول غير بعيد حصوله لأكثر عوام المؤمنين غير أنه لاحظ تفسير المستشكل لأكثر عوام المؤمنين بقوله: (وهو معظم هذه الأمة) فأورده احتياطا وزاد في الاحتياط قوله: (أو لجميعها) أي: وإذا كان لا يبعد حصوله لمعظم هذه الأمة فلا يلزم من صحة القول بعدم صحة إيمان المقلد تكفير أكثر العوام كما قال المستشكل.
قوله: (فيما قبل آخر ... إلخ) أي: في الزمن الذي قبل آخر الزمان وهو ظرف لحصول).
قوله: (الذي) نعت لآخر.
قوله: (ولا يبقى فيه) أي: في آخر الزمان.
قوله: (فضلا عن المعرفة) أي: أنه لايبقى في آخر الزمان تقليد ولا معرفة، وعدم بقاء المعرفة أولى بالإنتفاء.
قوله: (عند كثير) ظرف ليبقى.
قوله: (ولعلنا أدركنا هذا الزمان) أي: وهو الزمان الذي لا يبقى ... إلخ ولعل هنا للإشفاق وهو توقع المكروه لأن إدراك هذا الزمان من المكروه لا للترجي وهو توقع المحبوب.
قال الشيخ الملويّ وإذا كان هذا زمان المصنف فكيف يكون زماننا الآن الذي يقع فيه ممن هو مشهور بالعلم ما هو شنيع الاعتقاد، فمنهم من يقول أن كلامه تعالى بحروف وأصوات، ومنهم من يقول صفات السلوب وجودية، ومنهم من يصف الأنبياء غير نبينا بأنهم ناقصو الكرم والعلم، ومنهم من ينسب الكذب للأنبياء، ومنهم من ينسب النقص لبعض الملائكة كهاروت وماروت. ومن كان يصدر عنه هذا فيجب أن لا يؤخذ عنه العلم بل تجب مجانبته.
قوله: (بلا ريب) أي: بلا شك.
قوله: (وفي الحديث ... إلخ) دليل لكون آخر الزمان يحصل فيه ما ذكر من رفع العلم وثبوت الجهل.
قوله: (أُمامة) بضم الهمزة.
قوله: (تكون) أي: توجد.
قوله: (مؤمنا) أي: ملتبسا بالإيمان كان يعتقد حرمة شهادة الزور مثلا.
قوله: (كافرا) أي: ملتبسا بالكفر كان يشهد بالزور معتقدا حلية ذلك.
قوله: (أجاره) أي: حماه.
وقوله: (بالعلم) أي: النافع بأن يعمل بمقتضاه.
قوله: (وبالجملة ... إلخ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام يقدر بعد الفاء في قوله: (فالاحتياط) وذلك المحذوف جواب شرط مقدّر.
والمعنى: وإذا عرفت ما تقرّر فنقول بالجملة أي: قولا ملتبسا بالجملة أي: قولا إجماليا الاحتياط.
قوله: (ما يسلكه) أي: ما يرتكبه ويتعاطاه.
قوله: (لاسيما) «لا» نافية للجنس و «سيّ» اسمها بمعنى مثل. و «ما» موصول اسمي بمعنى الذي واقعة على الاحتياط وهي في محل جرّ بإضافة «سيّ» إليها، وخبر «لا» محذوف أي: لا مثل الاحتياط في هذا الأمر موجود أي: فالاحتياط في هذا الأمر أقوى بحيث لا يماثله في القوة احتياط والاحتياط الأخذ بالأحوط.
قوله: (في هذا الأمر) أي: وهو ما يجب لله وما يستحيل وما يجوز وما يجب للرسل وما يستحيل وما يجوز والاحتياط في ذلك يكون باعتقاده اعتقادا جازما ناشئا عن الدليل.
قوله: (الذي هو رأس المال) أي: كرأس المال فشبه الأمر المذكور من حيث اعتقاده على الوجه السابق برأس المال بجامع أن كلا ينشأ عنه خير فالأمر المذكور ينشأ عنه صحة الفروع كالصلاة والصوم إلخ. ورأس المال ينشأ عنه الربح بالتجر فيه.
قوله: (وعليه) أي: على الأمر المذكور من حيث اعتقاده ينبئ أي: يترتب كل خير من صحة العبادة ودخول الجنة والتنعم فيها وهذا في قوة التعليل لما قبله أي: وإنما كان هذا الأمر كرأس المال لأنه يترتب عليه كل خير فهو يشير لوجه النسبة.
قوله: (فكيف يرضى) استفهام إنكاري بمعنى النفي أي: فلا يرضى ذو همة عظيمة، فالتنوين للتعظيم.
قوله: (منه) أي: فيه والضمير لهذا الأمر.
قوله: (ما يكدر) أي: الأمر الذي يكدر مشر به أي: شربه والمراد به اعتقاده.
قوله: (من التقليد) بيان لـ «ما».
قوله: (ويترك) عطف على يتركب.
قوله: (للنظر) أي: للدليل وقوله: (الصحيح) أي: من جهة المادة والصورة.
قوله: (الذي يأمن) صفة لما ذكر من المعرفة والتعلم. فقوله: (معه) أي: مع ما ذكر من الأمرين.
قوله: (من كل مخوف) أي: من كل أمر يخاف منه.
قوله: (ثم يلتحق معه) أي: مع ما ذكر من المعرفة والتعلم أي: ثم يلتحق بدرجة العلماء محالة كونه مصاحبا لما ذكر من مصاحبة المسبب للسبب، والمراد بدرجة العلماء مرتبتهم.
قوله: (في سلك قوله تعالى) الإضافة للبيان. وقوله: «أنه لا إله إلا هو» أي: بأنه لا إله إلا هو لأن مادّة الشهادة تتعدى بالياء.
قوله: (والملائكة) عطف على الله أي: وشهدت الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، نفيه حذف من الثاني لدلالة الأول.
قوله: (قائما) حال من الجلالة حال لازمة واعتذر عن انفراده تعالى بالحال دون المعطوفين عليه وإن كان مثل: «جاء زيد وعمرو راكبا» لا يجوز بأن هذا إنما جاز لعدم الإلباس وأخرت الحال عن المتعاطفين للدلالة على علوّ مرتبتهما.
وقال ابن هشام: التحقيق أن «قائما» نصب على المدح، والمراد بالقسط العدل.
قوله: (عن هذه المرتبة) أي: رتبة المعرفة والتعلم للنظر والصحيح المرتب عليه ما ذكر.
قوله: (ساقطة) أي: دنية.
قوله: (خسيسة) أي: حقيرة دنية.
قوله: (لكن على العاقل ... إلخ) أي: وإذا علمت أن التقليد لا يكفي وأنه لابدّ من المعرفة والتعلم للنظر الصحيح فلا تتعلم العقائد بأدلتها إلا على عارف حق المعرفة لا على كل من يدّعي العلم فدفع بالاستدراك ما يتوهم من أنه يتعلم على كل من تصدى للتعليم وهذا شروع في نصيحة المسلمين من جهة المشايخ الذين يتلقى عنهم هذا العلم ومن جهة الكتب التي ينبغي تعاطيها والاعتناء بها من كتب هذا الفنّ.
قوله: (أن ينظر أولا) أي: أن يبحث ويفتش على من يحقق إلخ. وقوله: (أولا) أي: قبل الشروع في هذا العلم.
قوله: (من الأئمة) بيان لمن يحقق إلخ فـ «من» بيانية مشوبة بتبعيض.
قوله: (بنور البصيرة) البصيرة عين في القلب يدرك بها المعاني كالعين القائمة بالرأس التي يدرك بها المحسوسات. ونور البصيرة هو العلم فكأنه قال المؤيدين من الله بالعلم. والتأييد التقوية.
قوله: (الزاهدين بقلوبهم في هذا العرض) أي: المعرضين بقلوبهم عن هذا العرض وهو الدنيا أعني الذهب والفضة وسميت عرضا لزوالها كالعرض، فإنه لا يبقى زمانين. وأشار بقوله: (بقلوبهم) إلى أن وجود المال في اليد إذا كان مع زهد القلب وعدم تعلقه به لا ينافي التأييد من الله بالعلم وأنه لا تضر صحبته فقد وجد المال الكثير في يد بعض أكابر الصحابة كسيدنا عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم.
واعلم أن الزهد هو الاقتصار في تعاطي الحلال على قدر الحاجة والورع هو ترك المحرّمات والشبهات وتعاطي الحلال ولو فوق الحاجة.
قوله: (المشفقين على المساكين) أي: الذين لا علم عندهم.
قوله: (الرؤفاء) أي: الذين عندهم رأفة وشدة رحمة.
قوله: (على ضعفاء المؤمنين) المراد بهم البلداء الذين لا يفهمون بسهولة.
قوله: (على هذه الصفة) أي: المذكورة في قوله: (المؤيدين ... إلخ) والمراد جنس الصفة الصادق بصفات متعددة فلا ينافي أن المذكور صفات لا صفة واحدة.
قوله: (القليل الخير) أي: القليل خير أهله أي: معرفتهم بالعلوم أي: الذي قل فيه أهل المعرفة بالعلوم.
قوله: (فليشد يده عليه) كناية عن كثرة ملازمته.
قوله: (لا يكون منهم) أي: من فقد راعى معناها فجمع الضمير يعني أنه لا يوجد في آخر الزمان منهم أي: من الذين يكونون على هذه الصفة إلا الواحد يعني مشغولا بتعليم هذا العلم وبنشره، وهذا لا ينافي أن القطب وأصحابه من أهل الدائرة لا ينقطعون حتى تقوم الساعة كما نص أبو نعيم في الحلية لأن الغالب عليهم الخفاء في هذا الزمان فلا يطلع عليهم أحد إلا من قل. أو المراد (لا يكون منهم إلا الواحد ... إلخ) يعني في قطر واحد.
قوله: (أو من يقرب منه) وهو الاثنان. وقوله: (عليه) أي: على الواحد الذي على الصفة المذكورة. وقوله: (ثم الغالب عليه) مبتدأ خبره (الخفاء).
قوله: (على ما نص عليه العلماء) أي: إما بالكشف أو من بعض الأحاديث.
قوله: (بحيث لا يرشد إليه) بالبناء للمفعول أي: لا يدل عليه.
قوله: (وليشكر الله) عطف على قوله: (فليشدّ يده عليه).
قوله: (الذي أطلعه على هذه الغنيمة) أي: وهو الشيخ الذي على هذه الصفة.
قوله: (آناء الليل) أي: في أجزاء الليل وهو ظرف ليشكر والآناء جمع أناء أو أنو وهو الجزء من الزمن.
قوله: (وأطراف النهار) أي: أجزاءه.
قوله: (إذ أظفره) لأنه أظفره وهو علة لقوله «وليشكر الله».
قوله: (بمحض فضله) أي: بفضله المحض من شوائب الجبر.
قوله: (بكنز عظيم) أي: وهو الشيخ الذي على هذه الصفة المتقدّمة فيشبهه بالكنز بجامع الإنفاق من كل فالكنز ينفق منه ومن على هذه الصفة ينفق من علومه ومعارفه التي بعلمها له واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية وشبهه بالكنز وإن كان أعظم من الكنز في المعنى نظرا لكون الكنز أعظم من حيث الحس.
قوله: (ما شاء) أي: متى أراد الإنفاق والمراد بالإنفاق التعلم فشبهه بالإنفاق واستعار اسم المشبه به للمشبه واشتق من الإنفاق ينفق بمعنى يتعلم على طريق الاستعارة التبعية.
قوله: (وكيف شاء) أي: وعلى أيّ وجه أراده.
قوله: (هذا العلم) أي: علم العقائد
قوله: (التعرض له) أي: لهذا العلم
قوله: (صحبة هذا) أي: الذي يتعاطى التعرض له وليس على الصفة التي ذكرناها
قوله: (دنيا وأخرى) مرتبط بقوله: «مفاسد» أي: فصحبة هذا مفاسدها الحاصلة في الدنيا كالمقت الذي يحصل له من الناس بسبب اعتقاده في الله خلاف الواقع والحاصلة في الأخرى من العذاب الأليم.
قوله: (أكثر من مصالحها) أي: أكثر من مصالح صحبته
قوله: (مثل هؤلاء) أي: المتعاطين للتعرض لهذا العلم وليسوا على الصفة المذكورة
قوله: (في زماننا) متعلق بوجود وكذا قوله: «في كل موضع» لكن الأول تعلق به وهو مطلق والثاني تعلق به مقيدا فلم يلزم تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد؛ لأن الشيء المطلق مغاير لنفسه مقيدا
قوله: (بجاه) أي: حال كوننا متوسلين في قبول دعائنا بجاه أي: بمنزلة نبيه عنده.
قوله: (جهده) أي: طاقته
قوله: (أصول دينه) أي: وهي عقائد التوحيد
قوله: (من الكتب) أي: من كتب التوحيد
قوله: (التي حشيت) أي: ملئت
قوله: (بكلام الفلاسفة) أي: كقولهم: إن الحادث قسمان: حادث بالذات ويفسرونه بما يحتاج في وجوده إلى مؤثر سواء سبقه عدم أو لا. فالأول كأفراد الإنسان فإنها تحتاج في وجودها لمؤثر وقد سبقها العدم، والثاني كالأفلاك فإنها محتاجة في وجودها لمؤثر ولم يسبقها عدم، وحادث بالزمان ويفسرونه بما سبق وجوده عدم كأفراد الإنسان.
والقديم قسمان:
- قديم بالذات ويفسرونه بما لا يحتاج في وجوده لمؤثر كذات المولى
- وقديم بالزمان ويفسرونه بما لم يسبقه عدم احتاج في وجوده لمؤثر أَوْ لا.
فالأول كالأفلاك فإنها عندهم لم يسبقها عدم لأنها ناشئة عن العقول بطريق العلة
والثاني كذات المولى.
وظهر من هذا أنَّ كل قديم بالذات قديم بالزمان ولا عكس، وأن كل حادث بالزمان حادث بالذات ولا عكس، فالمولى قديم بالذات والزمان وأفراد الإنسان حادثة بالذات والزمان والأفلاك حادثة بالذات قديمة بالزمان بالمعنى المذكور عند الفلاسفة.
واعلم أنهم يقولون: واجب الوجود سبحانه واحد من كل جهة فلا قدرة له ولا إرادة ولا صفة له زائدة على ذاته. والواحد من كل جهة إنما ينشأ عنه واحد بطريق العلة فالواحد الذي ينشأ عنه بطريق العلة يقال له العقل الأول، ثم إنَّ ذلك العقل متصف بالإمكان من حيث أن الغير أثر فيه وبالوجوب لعلته فهو قديم لعلته حادث باعتبار ذاته، فنشأ عنه باعتبار الجهة الأولى عقل ثان.
ونشأ عنه من الجهة الثانية فلك أول وهو فلك الأفلاك المسمى في لسان الشرع بالعرش وهذا العقل الثاني مدبر لذلك الفلك المذكور ثم إن هذا العقل الثاني متصف بالإمكان من حيث أن الغير وهو العقل الأول أثر فيه بطريق العلة وواجب لعلته فهو حادث لذاته قديم لعلته. فنشأ عنه باعتبار الجهة الأولى فلك ثان وهو المسمى في لسان الشرعي بالكرسي.
ونشأ عنه باعتبار الجهة الثانية عقل ثالث مدبر لذلك الفلك الثاني ثم إن ذلك العقل الثالث اتصف بالإمكان من حيث أن الغير أثر فيه وبالوجوب من حيث علته. فنشأ عنه من الجهة الأولى فلك ثالث وهو السماء السابعة، ونشأ عنه من الجهة الثانية عقل رابع مدبر لذلك الفلك الثالث وهكذا إلى سماء الدينا، فتكاملت الأفلاك بسماء الدنيا تسعة والعقول بالعقل المدبر لذلك الفلك عشرة.
ويسمون ذلك العقل المدبر لفلك القمر وهو سماء الدنيا بالعقل الفياض لإفاضته الكون والفساد على ما تحت فلك القمر من أنواع الحيوانات والنباتات والمعادن. وبهذا ظهر لك وجه قولهم: إن الأفلاك حادثة بالذات قديمة بالزمان، وإنه لا أول لها تبعا لعلتها؛ لأن المعلول يقارن علته، ومثلها في ذلك العقول وسائر الأنواع من الحيوانات والنباتات والمعادن. وأما أفرادها فهي حادثة ذاتا وزمانا. ومن هذا تعلم أن قول الفلاسفة: العالم قديم مرادهم أنه قديم بالزمان وأن المراد بالعالم الأفلاك والعقول وأنواع الحيوانات لا أفردها فتأمل.
قوله: (وأولع) مبني للمجهول أي: تعلق
قوله: (هوسهم) الهوس نوع من الجنون والمراد به هنا كلامهم الفاسد كالذي ذكرناه. فقوله: «وما هو كفر» بيان له، ولا شك أن قولهم: الأفلاك قديمة بالزمان ناشئة عن العقول بطريق العلة وقولهم: إن المولى لا اختيار له كفر.
قوله: (صراح) بضم الصاد أي: خالص
(قول من عقائدهم) بيان لهوسهم الذي هو كفر صراح
قوله: (التي ستروا نجاستها) أي: أخفوا فسادها، فشبه الفساد بالنجاسة واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية.
وقوله: «بما ينبهم» أي: بما يخفى على كثير وقوله: «من اصطلاحاتهم» بيان لما ينبهم على كثير، وذلك كقولهم: إن الأفلاك قديمة بالزمان موجودة بطريق التعليل. فهذا الكلام معناه المعتقد لهم فاسد وأخفوا فساده بقولهم: الأفلاك حادثة بالذات.
وأما أهل السنة والمعتزلة فيقولون: إن الأفلاك خلقها المولى باختياره ومسبوقة بالعدم. والحاصل أن الفلاسفة يقولون بقدم العالم الأفلاك والعقول وأنواع الحيوانات قدما زمانيا وأنها موجودة بطريق العلة، ولا شك أن هذا الكلام معناه المعتقد لهم فاسد فستروا فساده باصطلاحاتهم التي اصطلحوا عليها من تقسيم القديم لقسمين: قديم بالذات وقديم بالزمان وعرفوا كلا بتعريف، وتقسيم الحادث لقسمين: حادث بالذات وحادث بالزمان وعرفوا كلا بتعريف المفيد لكون العالم حادثا بالذات وإن كان قديما بالزمان. وهذه الاصطلاحات تخفى على كثير من أهل العلم. وأما أهل السنة فيقولون: العالم كله حادث بالذات وبالزمان ومسبوق بالعدم.
قوله: (وعبارتهم ... الخ) عطف تفسير. فتقسيم كل من القديم والحادث لقسمين وتعريف كل منهما هو المراد باصطلاحاتهم وعباراتهم وقوله: «التي هي أسماء بلا مسميات» أي: بلا مسميات صحيحة، فقولهم: مثلا العالم قديم بالزمان لأن القديم بالزمان هو ما لا أول له وإن احتاج لمؤثر هذه العبارة اسم مسماها أي: معناها فاسد.
قوله: (وذلك) أي: وما ذكر من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة
قوله: (ككتب الإمام الفخر الرازي في علم الكلام وطوالع البيضاوي ومن حذا حذوهما) أي: ومن سلك مسلكهما كالأرموي والعلامة السعد والعضد وابن عرفة. قال البرهان اللقاني في هداية المريد: إن كلام الأوائل كان مقصور على الذات والصفات والنبوات والسمعيات. فلما حدثت طوائف المبتدعة كثر جدالهم مع علماء الإسلام وأوردوا شبها على ما قرره الأوائل وخلطوا تلك الشبه بكثير من قواعد الفلاسفة ليستروا ضلالهم، فتصدي المتأخرون كالفخر ومن ذكر معه لدفع تلك الشبه وهدم تلك القواعد فاضطروا لإدراجها في كتبهم لأجل أن يتمكنوا من الرد عليهم ببيان المقصود منها وإيضاح مفاسدها. فظهر أنهم معذورون في إدراجها في كتبهم ولا لوم عليهم في ذلك ولا يصح توجيه الذم إليهم، وتحذير بعض المتأخرين عن تعاطي كتبهم إنما هو للقاصرين الذين لا يصلون لفهمها اهـ.
قوله: (وقل أن يفلح ... الخ) لم يقصد بذلك الفخر ومن معه بل العقباني من معاصريه لأن هؤلاء لا اعتراض عليهم لأنهم إنما فعلوا ذلك ليتمكنوا من الرد عليهم فقد فعلوا المناسب في ذلك الزمان قاله شيخنا الملوي
قوله: (أن يفلح) أي: يفوز بالمقصود
قوله: (أو يكون له) أي: لمن أولع وهو معطوف على يفلح.
قوله: (نور إيمان في قلبه أو لسانه) نور الإيمان الذي يكون في القلب يرجع للتجليات والخواطر الرحمانية والكشوفات الربانية، والذي يكون في اللسان يرجع لما يجري على لسانه من الكلمات الطيبة التي ترضي المولى سبحانه.
قوله: (من والى من حاد الله) أي: كيف يفلح شخص والى وصاحَبَ من حاد الله أي: عاداه، والمراد بمن والى وصاحَبَ من حاد الله الشخص المتولع بصحبة كلام الفلاسفة.
قوله: (وخرق حجاب الهيبة) أي: وخرق هيبة الله الشبيهة بالحجاب فإضافة حجاب للهيبة من إضافة المشبه به للمشبه. وخرق الهيبة من حيث أنه أوقع الخدش في الذات العلية باعتقاده الفاسد فيها من أنه لا اختيار لها وإن تأثيرها بطريق العلة. ويحتمل أن يكون في الكلام استعارة بالكناية وتخييل حيث شبه هيبة الله بملك عظيم مستور بحجاب على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الحجاب تخييل وخرق ترشيح.
قوله: (وراء ظهره) أي: خلف ظهره وطرحه للشريعة خلف ظهره كناية عن عدم عمله بها.
قوله: (ما سولت له نفسه) أي: ما زينت له نفسه الحمقاء أي: السالكة غير طريق الصواب من كون الأفلاك ليست مخلوفة لله باختياره ومن كون السبب العادي مؤثرا فيما قارنه ومن إدراك العقل للأحكام الشرعية وعدم الاحتياج للرسل.
قوله: (وهمه) أي: قوته الواهمة.
قوله: (من حماقاتهم) أي: من عقائدهم الفاسدة. وأطلق عليها حماقات لأنها لا تنشأ إلا عن حمق وارتكاب للطريق التي لا تؤدي للصواب.
قوله: (من عبارات) أي: كالعبارات التي ذكرناها من أن القديم قسمان والحادث قسمان، وإنما ذكرناها فيما سبق لأجل فهم المقام لا لحبها وحب الإغراب بها.
قوله: (واصطلاحات) عطف مرادف لأن المراد بها نفس العبارات.
قوله: (والكفر) أي: من حيث بعض الأمور كقولهم: الأفلاك قديمة بالزمان صادرة بدون اختيار المولى.
قوله: (وربما يؤثر) أي: يقدم.
قوله: (هوسهم) أي: الاشتغال بهوسهم أي: بهوس الفلاسفة أي: بكلامهم الفاسد الذي شأنه لا يصدر إلا عمن به الهوس وهو نوع من الجنون.
قوله: (من التفقه) أي: التفهم.
قوله: (على طريق السلف ... الخ) أي: من ذكر دليل على العقيدة واضح خال عن الشبه وعن كلام الفلاسفة. والجار والمجرور متعلق بالاشتغال.
قوله: (والعمل بذلك) أي: بما يعنيه وهو عطف على الاشتغال.
قوله: (لانطماس بصيرته) أي: عينه التي في قلبه.
قوله: (حتى رأى الظلمة) المراد بها علم الفلسفة.
قوله: (النور) وهو التفقه في الدين. وقد جرت عادة الله بمصر أن البهجة والظهور إنما يكون لمن يتعاطى علم الشريعة المطهرة وأما من يتعاطى علوم الفلسفة فلا بهجة له ولا يقرأ في الأزهر.
قوله: (من يرد الله فتنته ... الخ) فيه إشارة إلى أن ذلك الخبيث شبيه بالكفار الذين نزلت في حقهم هذه الآية.
قوله: (موارد الفتن) أي: طرق الضلالات كعلم الفلسفة فإنه طريق للضلالات، فالموارد جمع مورد بمعنى الطريق والفتن جمع فتنة بمعنى الضلالة.
قوله: (بجوده وكرمه) أي: حالة كون ذلك اللطف والإبقاء مما ذكر ملتبسا بجوده من التباس الجزئي بالكلي، وعطف الكرم على الجود مرادف
قوله: (بجاه) أي: حالة كوننا متوسلين في قبول دعائنا المذكور بجاه أي: بمرتبة سيد الخلق عنده تعالى.