(قوله: اعلم) المخاطب به من يتأتى منه العلم وإن كان أصل الخطاب أن يكون لمعين فاستعمال ضمير الخطاب فيما ذكر مجاز، ولا يشكل بأن ذلك يجعل الضمير الذي هو أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة شائعا لأن ذلك أمر عارض بحسب الاستعمال لا بحسب الوضع.
والعلم والمعرفة مترادفان بمعنى واحد على التحقيق وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، فمعنى «اعلم» اعتقد ما قلته لك من انحصار الحكم العقلي في الأقسام الثلاثة اعتقادا جازما.
فإن قيل: إذا كان العلم والمعرفة مترادفين فلم عبر بالعلم دون المعرفة؟ فالجواب: أنه عبر بالعلم تأسيا بالكتاب العزيز حيث قال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ ولأن العلم يتصف به الخالق والمخلوق بخلاف المعرفة فإنه لا يتصف بها إلا المخلوق. فإن قيل: لم عبر بـ «اعلم» دون افهم أو اجزم أو اعتقد؟ فالجواب: أنه عبر به دون ما ذكر إشارة إلى أنه لا يكفي في هذا الفن إلا العلم دون الفهم والجزم ومطلق الاعتقاد.
فإن قيل: حيث كان المخاطب بـ «اعلم» من يتأتى منه العلم فلم عبر ب«اعلم» دون اعلموا؟
فالجواب: أنه إنما عبر باعلم دون اعلموا لأنه لو عبر باعلموا لربما توهم أن تعلم هذا العلم فرض كفاية متعلق بالهيئة الاجتماعية مع أنه فرض عين فتدبر.
(قوله: أن) أتى بها وإن كان المخاطب ليس مُنْكِرا للانحصار المذكور ولا شاكا فيه اعتناءً بذلك الانحصار، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي شدة الاعتناء بعلمه.
(قوله: الحكم العقلي) سيأتي تعريفه في الشارح، ونسبته للعقل من نسبة الشيء لآلته فالحكم آلته العقل والحاكم هو النفس، وقول الشارح فيما يأتي «والحاكم بذلك إما الشرع أو العادة أو العقل» ففيه تسمح كما يأتي، وتقييد الحكم بـ«العقلي» لإخراج الحكم الشرعي والعادي، فإنهما لا ينحصران في الأمور الثلاثة المذكورة، وفيه إشارة إلى تقسيم الحكم إلى عقلي وشرعي وعادي،
وإنما اقتصر المصنف على التكلم على العقلي لأن غالب الصفات دليلها عقلي، وإنما ذكر الشارح «الشرعي» لأن بعض الصفات وهو السمع والبصر والكلام وكونه سميعا وكونه بصيرا وكونه متكلما ثبت به، وإنما ذكر «العادي» تتميما للأقسام.
واعلم أن المقصود بالذات من هذه العقيدة من قول المصنف «ويجب على كل مكلف إلخ»
وإنما قدم المصنف قوله: «اعلم أن الحكم العقلي إلخ» لأن معرفة تلك الأقسام الثلاثة أعني الوجوب والاستحالة والجواز مما يتوقف عليه الشروع في هذا الفن لاستمداده منها لأن صاحب علم الكلام تارة يثبتها وتارة ينفيها، كقوله: يجب لله عشرون صفة ويستحيل عليه أضدادها ويجوز في حقة فعل كل ممكن أو تركه ولا يجب عليه فعل الصلاح ولا الأصلح ولا يستحيل عليه عذاب المطيع ولا يجوز أن يقع ما لا يريد.
فمن لم يعرف حقائق تلك الأقسام لم يعرف ما أُثْبِتَ ههنا ولا ما يُنْفَى، فتلك الأقسام الثلاثة استمداد لهذا العلم من حيث التصور لا من حيث الإثبات ولا النفي، لأن ذلك فائدة هذا العلم.
(قوله: ينحصر في ثلاثة أقسام) اعلم أن:
الوجوب عدم قبول الانتفاء
والاستحالة عدم قبول الثبوت
والجواز قبول الثبوت والانتفاء.
إذا علمت ذلك تعلم أن تلك الثلاثة ليست أجزاء للحكم بالمعنى الذي ذكره الشارح وهو إثبات أمر أو نفيه حتى يكون الحصر من حصر الكل في أجزائه كحصر السكنجبين المركب من الخل والعسل في الخل والعسل، وليست جزئيات للحكم بالمعنى المذكور حتى يكون من حصر الكلي في جزئياته كحصر الكلمة في اسم وفعل وحرف، وذلك لعدم صحة صدق الحكم على كل واحد من تلك الثلاثة.
وحينئذ فحصر الحكم فيها معناه عدم الخروج عنها في الواقع على حد انحصرت فكرتي في ذنوبي بمعنى أنها لاتخرج عنها، وحصر الحكم في تلك الثلاثة من حصر الشيء في أقسام صفة متعلَّقِهِ وهو المحكوم به وعليه والنسبة، وذلك لأن كلا من المحكوم به والمحكوم عليه والنسبة تارة يتصف بالوجوب كما في قولك: الله قادر وتارة يتصف بالاستحالة كما قولك: شريك الله موجود وتارة يتصف بالجواز كما في قولك: الممكن موجود.
ومعنى عدم خروج الحكم عن تلك الأقسام الثلاثة أن متعلَّقه وهو المحكوم به وعليه والنسبة لابد من اتصافه في الواقع بواحد من تلك الثلاثة، هذا كله إن رجعنا ضمير «ينحصر» للحكم بالمعنى السابق بدون تقدير، فإن رجعناه له وقدرنا في الكلام مضافين بأن قلنا: ينحصر أي: الحكم أي: صفة متعلقه في ثلاثة أقسام كان الانحصار من انحصار الكلي في جزئياته لأن المنحصر حينئذ صفة المتعلَّق وهي أمر كلي تحتها تلك الأقسام الثلاثة.
والحاصل: أن الوجوب والاستحالة والجواز إنما هي أقسام لصفة متعلق الحكم وهو المحكوم به والنسبة والمحكوم عليه لا أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم بالمعنى المذكور لا يتصف إلا بالجواز، وكذا يكون الحصر من انحصار الكلي في جزئياته إذا قدرنا مضافا في محلين أي: وينحصر أي: الحكم أي: متعلقه وهو المحكوم به في ثلاثة أقسام: ذي الوجوب وذي الاستحالة وذي الجواز لأن ما يحكم به العقل إما أن يقبل الثبوت والانتفاء جميعا أو يقبل الثبوت فقط أو الانتفاء فقط، فالأول الجائز والثاني الواجب والثالث المستحيل.
(قوله: الوجوب) قدَّمه لشرفة، وثنَّى بالاستحالة لأنها ضد الوجوب وضد الشيء أقرب خطورا بالبال عند ذكره، وأخَّر الجواز عنهما لتعين تأخيره حيث قدم ما قبله عليه، ولأنه كالمركب وهما كالبسيط والبسيط مقدم على المركب طبعا فكذا ما كان بمنزلته، ففعل ما ترى ليوافق الوضعُ الطبعَ.
(قوله: فالواجب) قال المصنف في بعض كتبه: «إنما تعرضت في أصل العقيدة لشرح الواجب والمستحيل والجائز دون الوجوب والاستحالة والجواز لاستلزام تصورها تصور مصادرها لأن المشتق أخص من مصدره الذي اشتق منه، ومعرفة الأخص تستلزم معرفة الأعم دون العكس»
(قوله: ما إلخ) المناسب لما مر من أن الوجوب وأخويه صفات للمحكوم به والنسبة والمحكوم عليه أن يفسر «ما» بشيء ويجعل مصدوقه هذه الثلاثة
(قوله: لا يتصور) بفتح حرف المضارعة مبنيا للفاعل أي: لا يمكن ولا يتأتى، وبضمها مبنيا للمفعول والمراد بالتصور حينئذ التصور الذي معه حكم وهو التصديق أي: ما لا يصدق العقل بعدمه.
فالتصور كما يطلق على إدراك المفرد يطلق على الإدراك المصاحب للحكم وهو التصديق وهو المراد هنا. والقرينة على أن مراده بالتصور التصديق قوله: «في الجائز ما يصح إلخ» إذ الصحة ترجع إلى التصديق كذا قيل. وفيه أنه يشترط في القرينة اتصالها بالمجاز وهي هنا ليست كذلك إذ كل تعريف منفصل عن الآخر وحينئذ فلا يصح أن يكون ما في واحد منها قرينة على ما في الآخر.
والأحسن أن يقال: إن القرينة معنوية وهي ما علم أن الواجب يتصور عدمه تصورا ساذجا. وحيث كان المراد بالتصور في كلام المصنف التصديق فلا يقال: أن الواجب قد يتصور عدمه تصورا ساذجا.
والحاصل: أن الواجب وإن تصور العقل عدمه لا يحكم ولا يصدق العقل بذلك العدم أي: لا يدركه إدراكا جازما مطابقا للواقع؛ لأن الواقع ونفس الأمر انتفاء عدمه.
(قوله: في العقل) الأولى حذفه لأن الواجب لا يمكن ولا يتأتى عدمه وجد عقل أم لا. وهذا الاعتراض إنما يتوجه على المصنف على قراءة يتصور بالبناء للفاعل.
(قوله: عدمه) أي: خارجا وأما ذهنا فقد يصدق بعدمه. وحينئذ فقوله: «عدمه» أي: عدم أفراده لا الأمر الكلي الذي فسرت «ما» به؛ لأن الأمر الكلي لا وجود له إلا في الذهن وما وجد في الذهن ممكن والممكن قد يصدق العقل بعدمه.
إن قيل: هذا التعريف لا يشمل صفات السلوب لأن العقل يصدق بأنها أمور عدمية مع أنها واجبة. فالجواب: أن المراد بعدمه انتفاؤه بحيث يصدق بنقيضه لا أن المراد بعدمه أنه أمر عدمي. وحينئذ فتدخل صفات السلوب في التعريف لأن العقل وإن صدق بأنها أمور عدمية لا يصدق بانتفائها بحيث يثبت نقيضها.
(قوله: ما لا يتصور في العقل) فيه ما سبق فلا عود ولا إعادة
(قوله: وجوده) أي: خارجا وأما ذهنا فقد يصدق بوجوده. والمراد وجود أفراده لما سبق، وأراد بالوجود الثبوت فيشمل ما إذا كان المستحيل ذاتا أو صفة وجودية أو حالا، وهذا على القول بثبوت الأحوال. والحق أنه لا حال وحينئذ فلا حاجة لتأويل الوجود بالثبوت.
(قوله: ما يصح) تفسر «ما» بمحكوم به كما سبق والصحة إما أن تفسر بالتصديق لرجوعها له أي: ما يصدق العقل بوجوده وعدمه أو بالإمكان أي: ما يمكن وجوده وعدمه. وعلى الثاني فلا حاجة لقوله: «في العقل» لأن الجائز ما يمكن وجوده وعدمه وجد عقل أم لا. وقوله: «وجوده وعدمه» أي: في الخارج، والمراد وجود أفراده وعدمه كما مر.
(قوله: الحكم إلخ) اعلم أن الحكم يطلق عند أهل العرف العام على إسناد أمر لآخر إيجابا أو سلبا، ويطلق عند المناطقة على إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، ويسمى حينئذ تصديقا، ويطلق على النسبة التامة وعلى المحكوم به وعلى المحكوم عليه، ويطلق عند الأصوليين على خطابِ اللهِ المتعلِّقِ بأفعال المكلفين...إلخ.
والظاهر أن الشارح أراد المعنى الأول وحذف متعلق (إثبات، ونفي) اتكالا على ظهور المراد، والمعنى إثبات أمر لأمر أو نفي أمر عن أمر فرجع ما قاله الشارح للمعنى الأول،
فإثبات أمر لآخر كقولك: زيد قائم والقدرة واجبة لله
ونفي أمر عن آخر كقولك: زيد ليس بقائم وشريك الله غير موجود،
فخرج قولك: زيد وقولك: لا زيد فلا يسمى واحد منهما حكما لأن الأول وإن كان إثبات أمر لكن ليس لأمر آخر، والثاني وإن كان نفيا لأمر لكن ليس عن آخر.
وقول الشارح: «أو نفيه» الضمير عائد على الأمر لا بقيد كونه مثبتا بل عائد على مطلق الأمر كان مثبتا أم لا فيصدق التعريف بقولك ابتداء: ليس زيد قائما كما يصدق به بعد قولك: زيد قائم، وهذا ليس من باب (عندي درهم ونصفه) لأن الضمير فيه لا يصح عوده على الدرهم السابق ولا على مطلق الدرهم الصادق بالأول كما هنا وإنما يتعين فيه عود الضمير لدرهم آخر غير السابق.
و«أو» في التعريف ليست للشك لأنها لا تدخل في التعريف رسما كان أو حدا لأن الشك لا يجامع التصور جزما الذي هو المقصود من التعريف وإنما هي للتنويع، و«أو» التي للتنويع تدخل في الرسم دون الحد لأنه يلزم على دخولها في الحد كون الفصل مساويا لماهيته وأخصَّ منها لأن الفصل الواقع في الحد مساو للماهية قطعا، فحيث ذكر فصل آخر يَقُومُ مَقامه توجد معه الماهية لزم أن تكون الماهية أعم منه والفرض مساواته لها.
وقضية قوله: «إثبات أمر أو نفيه» أن الحكم فعل للنفس كما أنه قضية قولهم: أنه الإيقاع والانتزاع أيضا، وكونُه فعلا خلاف التحقيق إذ لا يحسن أن يكون للنفس فعل وحينئذ فيؤول الإثبات بإدراك الثبوت والنفي بإدراك الانتفاء والإيقاع بإدراك الوقوع والانتزاع بإدراك النزع، فرجع الأمر لقول المناطقة: أنه إدراك أن النسبة واقعة أي: مطابقة للواقع أو ليست بواقعة أي: أو ليست مطابقة للواقع.
واختلف في الإدراك فقيل: إنه انفعال لأنه تأثر النفس وقبولها للمعنى، فهو أمر اعتباري لا وجود له إلا في الذهن كالفعل،
وقيل: إنه كيفية أي: صفة وجودية قائمة بالنفس يمكن رؤيتها، وهذا هو التحقيق.
واعلم أن الحكم بالمعنى المذكور حادث على كل حال أي: سواء قلنا إنه فعلٌ أو انفعالٌ أو كيفٌ وإن كان المحكوم به قديما.
قال الشيخ السكتاني: والحكم بالمعنى المذكور لا يختص بالحمليات بل يكون في الشرطيات أيضا سواء كانت متصلة كما في إثباتك طلوع الشمس عند وجود النهار في كلما كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة أو نفيه عند وجود الليل في نحو كلما كان الليل موجودا كانت الشمس غير طالعة.
أو كانت منفصلة كما في إثباتك العناد بين وجود النهار وعدم طلوع الشمس في قولك: إما أن يكون النهار موجودا وإما أن لا تكون الشمس طالعة أو نفيه في قولك: ليس إما أن يكون النهار موجودا وإما أن تكون الشمس طالعة؛ لأن إثبات الأمر للآخر أو نفيه عنه صادق بكونه محمولا عليه أو مصحوبا له أو معاندا له أو نفيه فافهم ذلك، ولا تتوهم اختصاص الحكم بالحمل وإن كانت أمثلة المؤلف مشعرة به أو تعتقد أن الحد غير جامع. اهـ كلامه.
قال شيخنا العلامة العدوى: والمفهوم من كلامهم اختصاص الحكم بالمعنى المذكور بالحمليات ولا يلتفت لما ذكره السكتاني من التعميم وتأمله.
(قوله: والحاكم بذلك) أي: بذلك الحكم لا بالمعنى المذكور كما هو ظاهره بل بمعنى المحكوم به على ما سبق ففيه شبه استخدام.
ويصح أن يكون المشار إليه الأمر أي: والحاكم بذلك الأمر المثبت لغيره وهو المحكوم به
(قوله: إما الشرع) فيه أن الشرع عبارة عن الأحكام التي شرعها وبيَّنها الشارع، وهي ليست حاكمة وإنما الحاكم الشارع.
وأجيب بأنه أطلق الشرع وأراد منه الشارع أو أن فيه حذف مضاف أي: إما صاحب الشرع.
(قوله: أو العقل) قد سبق أن العقل آلة للحكم والحاكم حقيقة إنما هو النفس، وحينئذ فإسناد الحكم للعقل مجاز عقلي من إسناد الشيء لآلته
(قوله: أو العادة) هي ما اعتاده الناس، وفيه مجاز الحذف أي: أو أهل العادة، أو أن إسناد الحكم للعادة مجاز عقلي وإلا فالعادة ليست حاكمة وإنما الحاكم أهلها.
(قوله: فلهذا) أي: فلأجل أن الحاكم إما الشرع إلخ.
(قوله: انقسم الحكم إلخ) قضيته أن الثلاثة أقسام للحكم بالمعنى المذكور مع أن الشرعي ليس فردا من أفراد الحكم بالمعنى المذكور، وذلك لأن الشرعي خطاب الله أي: كلامه الأزلي وهو ليس بفعل ولا انفعال ولا كيفية، والحكم بمعنى إثبات الأمر للأمر أو نفيه عنه فعل من أفعال النفس أو كيفية قائمة بها على ما مر، وحينئذ فلا يكون الشرعي من أقسامه.
وقد يجاب بأنه ليس مراد الشارح أن الحكم ماهية اتحدت حقيقتها وانقسمت لأقسام كما هو ظاهره، بل مراده أن الحكم يطلق على كذا وعلى كذا وعلى كذا.
وأجاب بعضهم بأن الحكم الشرعي كما يطلق على خطاب الله المذكور يطلق أيضا على إثبات الشارع أمرًا لأمر كإثبات الوجوب للصلاة في قولك: الصلاة واجبة أو نفيِه أمرا عن أمر كنفيه الجواز عن الزنا في قوله: الزنا لا يجوز وهكذا، وهذا من جملة أقسام الحكم المعرَّف بما مر.
والحاصل: أن الحكم الشرعي يطلق بإطلاقين:
أحدهما: من أقسام الحكم المعرف بما مر
والثاني: ليس من أقسامه وهو الذي تعرض الشارح لبيانه، ولو اقتصر على بيان الأول كان أولى، كذا ذكره.
(قوله: خطاب الله) الخطاب مصدر خاطبه إذا وَجَّهَ إليه الكلام، فالخطاب في الأصل توجيه الكلام نحو حاضر، والمراد به هنا المخاطب به أي: كلامه الأزلي الذي خاطب به عباده،
وخرج بإضافة «خطاب الله» خطاب النبي ﷺ لأمته والسيد لعبده والوالد لولده فلا يسمى حكما شرعيا.
(قوله: المتعلق) أي: تعلق دلالة لا تعلق تأثير ولا تعلق انكشاف.
والمراد تعلقا تنجزيا حادثا وهو صفة كاشفة للخطاب إذ لا يكون إلا متعلقا،
ثم إن أخذ التعلق جزء في تعريف الحكم الشرعي يقتضي أن الحكم بالمعنى المذكور حادث، لأن المراد بالتعلق التعلق التنجيزي وهو حادث بحدوث الأفعال، وهذا التعلق الحادث صفة للحكم، وموصوفُ الحادث حادث فيكون الحكم حادثا وهذا ما ذهب إليه المحلي وغيره.
وذهب بعضهم إلى أن الحكم قديم قائلا: إن التعلق ليس صفة حقيقية بل هو نسبة واعتبار من الاعتبارات فلا يلزم من حدوثها حدوث موصوفها.
(قوله: بأفعال المكلفين) خرج خطاب الله المتعلق بذواتهم وصفاتهم والمتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله وبالجمادات وبقية الحيوانات، فلا يسمى ذلك الخطاب حكما شرعيا.
والمراد بـ «الأفعال» جنسها الصادق بفعل واحد فيدخل الخطاب المتعلق بخصوص الحج مثلا.
والمراد بـ«المكلفين» جنسهم الصادق بواحد فيدخل الخطاب المتعلق بفعله ﷺ في خاصة نفسه.
وقضية قوله: «المكلفين» أن الصبيان لا يتعلق بأفعالهم حكم مع أن مذهب الشارح أنهم مخاطبون بالمندوبات، فالمناسب لمذهبه إبدال قوله: «المكلفين» بالآدميين.
والمراد بالفعل ما يشمل النية والقول والاعتقاد.
(قوله: بالطلب) حال من ضمير المتعلق، و«الباء» للملابسة من التباس الكلي وهو الخطاب بجزئياته أعني الطلب والإباحة والوضع لهما وسيأتي لك بيانه.
وخرج به الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين من حيث كونها مخلوقة لله أو من حيث كونها قائمة بهم فلا يقال لها حكم شرعي.
واعلم أن كلام الله صفة واحدة لا تعدد فيها. وهذه الأقسام تعرض لها من حيث التعلق والدلالة فهو من حيث تعلقه بكون الفعل مطلوبا طلبا جازما أي: من حيث دلالته على ذلك يقال له إيجاب، ومن حيث تعلقه بكون ترك الفعل مطلوبا طلبا جازما يقال له تحريم، وهكذا.
فظهر لك أن الخطاب كلي والإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة والوضع جزئيات له. ومن هذا تعلم أن المراد بالطلب الكلام الدال على كون الشيء مطلوبا حتى يكون من أقسام الخطاب، وأن المراد بالإباحة الكلام الدال على كون الشيء مخيرا فيه حتى يكون من أقسام الخطاب، وأن المراد بالوضع الكلام الدال على كون الشيء سببا أو شرطا أو مانعا حتى يكون من أقسام الخطاب، وليس المراد بالوضع الجعل خلافا لما يأتي للشارح.
(قوله: لهما) أي: للطلب والإباحة
(قوله: فدخل في قولنا: بالطلب أربعة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة) وذلك لأن الطلب صادق بطلب الفعل طلبا جازما أو غير جازم وبطلب الترك كذلك
(قوله: الإيجاب) المراد به كلام الله المتعلق بكون الفعل مطلوبا طلبا جازما. فقول الشارح: «وهو طلب الفعل طلبا جازما» مراده بـ «الطلب» الكلام المتعلق بكون الفعل مطلوبا طلبا جازما. والمراد بـ «الفعل» الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر وهو الحركات والسكنات؛ إذ هو المكلف به لا الفعل بالمعنى المصدري وهو تعلق القدرة الحادثة بالفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر.
(قوله: طلبا جازما) أي: متحتما. وإسناد الجزم للطلب مجاز عقلي؛ إذ الجزم من أوصاف الطالب
(قوله: كالإيمان بالله) أي: كطلب الإيمان بالله. وقضيته أن الإيمان فعل وهو أحد أقوال، وقيل: أنه انفعال وقيل: أنه كيفية أي: صفة وجودية قائمة بالنفس وهو حديث النفس التابع للمعرفة وهذا هو التحقيق.
والصواب: أن التكليف بتلك الكيفية من حيث نفسها لا من حيث أسبابها كالنظر كما قيل؛ لأن النظر سبب للمعرفة لا لحديث النفس ولا يلزم من المعرفة حديث النفس، ألا ترى أنها موجودة عند الكفار ولم يكن عندهم حديث النفس. وعلى هذا التحقيق يقال: المراد بالفعل في كلام الشارح ما قابل الانفعال فيصدق بالكيفية.
(قوله: بالله) أي: مما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز عليه وكذا يقال في قوله: «برسله»
(قوله: وكقواعد الإسلام الخمس) أي: وكطلب قواعد الإسلام الخمس أعني شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من المستطيع.
إن قيل: الإسلام هو الامتثال الظاهري لتلك الأشياء وإن لم يفعل وحينئذ فلا معنى لكون تلك الأشياء قواعد له. والجواب: أنه لما كان ذلك الامتثال لا يعتد به اعتدادا كاملا إلا بفعلها كانت تلك الأشياء قواعد له بهذا المعنى أو أن المراد بـ «الإسلام» الهيئة الحاصلة من فعل تلك الأمور وحينئذ فكونها قواعد له ظاهر.
(قوله: والندب) عطف على الإيجاب. والمراد بـ «الندب» خطاب الله المتعلق بكون الفعل مطلوبا طلبا غير جازم فقول الشارح: «وهو طلب الفعل إلخ» يقال فيه ما سبق
(قوله: كصلاة الفجر) أي: كطلب صلاة الفجر والمراد بها ما نشاهده من الحركات والسكنات.
(قوله: ونحوها) أي: من المندوبات
(قوله: والتحريم) المراد به كلام الله المتعلق بكون الكف عن الفعل مطلوبا طلبا جازما. فقول الشارح: «وهو طلب الكف» يقال فيه نظير ما سبق
(قوله: كالشرك) أي: كطلب الكف عن الشرك. وقضيته أن الشرك فعل مع أنه اعتقاد الشريك والاعتقاد كيفية. ويجاب بما سبق من أن المراد بـ «الفعل» ما قابل الانفعال فيصدق بالكيفية.
(قوله: والزنا) هو الإيلاج في فرج لا تسلط له عليه شرعا باتفاق وهو فعل
(قوله: ونحوهما) أي: من أي المحرمات
(قوله: الكراهة) المراد بها كلام الله المتعلق بكون الكف عن الفعل مطلوبا طلبا غير جازم. فقول الشارح: «وهو طلب الكف إلخ» يقال فيه نظير ما سبق
(قوله: كقراءة إلخ) أي: كطلب الكف عن القراءة.
(قوله: وأما الإباحة إلخ) المراد بها كلام الله المتعلق بكون الشيء مخيرا في فعله وتركه
(قوله: فهي التخيير) المراد به كلام الله المتعلق بكون الشيء مخيرا فيه بين الفعل والترك. وليس المراد بـ «التخيير» فعل الفاعل كما يتبادر من العبارة، وإنما فصلها عما قبلها لأنه لا طلب فيها ولا فيما بعدها وهو الوضع.
(قوله: بين الفعل والترك) قيل: الأولى أن يقول: «بين الفعل والكف» لأن كلامنا في تعلق خطاب الله بفعل المكلف والترك عدم الفعل. ورد بأن الترك في الحقيقة فعل هو كف النفس
(قوله: كالنكاح) أي: كالتخيير المتعلق بالنكاح. وقضيته أن النكاح الأصل فيه الإباحة مع أن التحقيق في مذهب الشارح أن الأصل فيه الندب.
(قوله: فعبارة) أي: فمعبر به
(قوله: عن نصب الشارع) أي: عن جعله الشيء سببا إلخ. وقضيته أن الوضع ليس نوعا من الخطاب أي: الكلام النفسي وإنما هو صفة فعل وليس كذلك بل هو نوع منه. وحينئذ فكان حق العبارة أن يقول: فهو خطاب الله أي: كلامه الدال على جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا لكنه اتكل على القرينة وهي جعله سابقا الوضع من أنواع الخطاب.
(قوله: لما ذكر من الأحكام الخمسة) أي: وهي الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة
(قوله: فالسبب) إن جعلت «ال» للعهد والمعنى فالسبب المعهود وهو الذي وضعه الشارع لما ذكر من الأحكام. وهو متعلق خطاب الوضع ما يلزم إلخ كان تعريفا بالأعم إن جعلت «ما» واقعة على شيء لصدق التعريف بالسبب العقلي والعادي والشرعي. والتعريف بالأعم جائز عند الاقدمين من المناطقة.
وإن جعلتها واقعة على موضوع شرعي أي: موضوع شرعي يلزم إلخ أي: شيء جعل الشارع وجوده علامة على وجود غيره وجعل عدمه علامة على عدم غيره كان التعريف مساويا للمعرف وهو السبب الشرعي لا أعم منه ولا أخص. وإن جعلت «ال» للحقيقة والمعنى وحقيقة السبب أعم من كونه شرعيا أو غير شرعي تعين جعل «ما» واقعة على شيء.
(قوله: ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود) «ما» جنس في التعريف. وقوله: «يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود» فصل أخرج به الشرط والمانع لأن الشرط وإن كان يلزم من عدمه العدم لكنه لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولأن المانع يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، وأخرج به أيضا الدليل على الحكم من الكتاب والسنة والإجماع.
فإن الدليل وإن لزم من وجوده الوجود لكنه لا يلزم من عدمه العدم. فالدليل يلزم طرده ولا يلزم عكسه بخلاف السبب فإنه يلزم طرده وعكسه فيؤثر بطرف الوجود في الوجود وبطرف العدم في العدم. وهو معنى قولهم: «السبب يؤثر بطرفيه»
(قوله: إلى ذاته) رجعه الشارح لطرف الوجود وغير الشارح رجعه للجملتين أي: ما يلزم من عدمه العدم لذاته ومن وجوده الوجود لذاته. أما رجوعه للجملة الثانية فلإدخال السبب الذي قارنه مانع أو انتفاء شرط كما قال الشارح، فإنه لا يلزم من وجوده الوجود لكن لا لذاته. وأما رجوعه للأولى فلإدخال سبب الشيء الذي له سبب آخر يخلفه عند عدمه.
وذلك كالضوء فإن له سببين: الشمس والسراج كل منهما يخلف الآخر عند عدمه. فكل واحدمنهما يلزم من عدمه عدم الضوء بالنظر لذاته، وأما لو قطع النظر عن ذاته لوجد المسبب وهو الضوء بدون ذلك السبب بل بالسبب الآخر.
وترجيع قوله: «لذاته» للجملة الأولى لإدخال ما ذكر إذا لوحظ فرد من أفراد السبب. أما إذا أريد به جنس السبب المتحقق في كل فرد من أفراده فلا يحتاج لترجيع قوله: «لذاته» للجملة الأولى لإدخال ما ذكر لأنه يلزم من عدمه العدم دائما من غير التفات لشيء.
فإن قلت: أنه لا حاجة لقوله: «لذاته» مع الإتيان بـ «من» المفيدة للتعليل في قوله: «من عدمه ومن وجوده» وإضافة كل من العدم والوجود للضمير. قلت: بل الإتيان به محتاج له دفعا لتوهم أن «من» بمعنى عند.
(قوله: فإن الشارع وضعه سببا لوجوب الظهر إلخ) الأولى أن يقول: سببا لإيجاب الظهر. وقد يجاب: بأن الإيجاب والوجوب والتحريم والحرمة متحدان بالذات وإن اختلفا اعتبارا. فالحكم إذا نسب للحاكم يسمى إيجابا وإذا نسب لما فيه الحكم وهو الفعل يسمى وجوبا، وكذا يقال في الحرمة والتحريم. فلذا تراهم يجعلون الحكم تارة الوجوب والحرمة وتارة الإيجاب والتحريم. وأما الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح فهو متعلق الحكم وهو الفعل.
(قوله: فإن الشارع وضعه سببا) أي: جعله علامة. وليس المراد السبب المؤثر؛ إذ لا يقول به أهل السنة
(قوله: فيلزم من وجوده وجوب الظهر) فيه أن الوجوب حكم شرعي فكيف ينعدم بانعدام الزوال ويوجد بوجوده مع أن الحكم قديم؟
قلت: قد تقدم أن الحكم خطاب الله المتعلق تعلقا تنجيزيا والتعلق التنجيزى ينعدم ويتجدد. وحينئذ فالحكم حادث ولا يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى لأنه من الإضافات على أننا لو قلنا: أن الحكم قديم والتعلق صفة اعتبارية لا يلزم من تجددها حدوث موصوفها. فنقول: أن الأسباب والشروط علامات لا مؤثرات وحينئذ فلا يرد الإشكال.
وذلك لأن اللازم هو أنه يلزم من العلم بالأمارة العلم بالحكم القديم ومن عدم العلم بها عدم العلم بالحكم القديم من حيث الحكم بها. وهذا لا ينافي وجود القديم في نفس الأمر فظهر لك أن الإشكال منتف سواء قلنا أن الحكم حادث أو قلنا أنه قديم.
(قوله: وإنما قلنا إلخ) ظاهره رجوع قوله: «لذاته» للجملة الثانية لإدخال ما يتوهم خروجه من تعريف السبب. وحينئذ فالقيد لتصحيح جمعه، وقد علمت أنه يصح رجوعه للجملة الأولى أيضا. ثم إن قوله: «إنما قلنا إلخ» يقتضى أن قوله: «لذاته» من تتمة التعريف وحينئذ فيجب أن يكون الضمير راجعا لـ «ما» لا للسبب وإلا لزم الدور لتوقف الشيء على نفسه.
(قوله: لأنه قد لا يلزم إلخ) الضمير للحال والشأن
(قوله: وأما الشرط إلخ) ما قيل في «ال» في السبب من كونها للعهد أو للحقيقة يقال هنا
(قوله: ما يلزم من عدمه العدم) «ما» جنس في التعريف. وقوله: «يلزم من عدمه العدم» فصل أخرج به المانع والدليل؛ فإن كلا منهما لا يلزم من عدمه العدم. ودخل السبب فأخرجه بقوله: «ولا يلزم من جوده إلخ» لأن السبب وإن كان يلزم من عدمه العدم إلا أنه يلزم من وجوده الوجود كما أخرج به المانع أيضا؛ لأنه يلزم من وجوده العدم ولا ضرر في خروج الشيء بقيدين.
وحيث كان الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كان مؤثرا بطرف العدم في العدم فقط وليس مؤثرا بطرف الوجود لا في وجود ولا في عدم.
(قوله: لذاته) راجع للجملة الثانية بجزأيها أي: ولا يلزم من وجوده الوجود بالنظر لذاته أي: وأما بالنظر لغيره فقد يلزم عند وجوده الوجود كما لو وجدت الأسباب وانتفت الموانع عند وجود الشرط فإنه يلزم حينئذ وجود المشروط لكن لا بالنظر لوجود الشرط بل بالنظر لغيره وهو وجود الأسباب وانتفاء الموانع.
ولا يلزم من وجوده العدم بالنظر لذاته وأما بالنظر لغيره فقد يلزم عند وجوده العدم كما لو انتفت الأسباب أو وجد المانع عند وجود الشرط فإنه يلزم حينئذ عدم المشروط لكن لا بالنظر لوجود الشرط بل بالنظر لغيره وهو وجود المانع أو انتفاء الأسباب. ولا يرجع قوله: «لذاته» للجملة الأولى أعني قوله: «ما يلزم من عدمه العدم» لأن الشرط يلزم من عدمه العدم دائما من غير التفات لشيء.
بقي شيء آخر: وهو أن تعريف كل من السبب والشرط غير مانع وذلك لأن تعريف السبب صادق بأحد الأمرين المتساويين كالإنسان والناطق وباللازم المساوي لملزومه فإن كلا منهما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود لذاته. وتعريف الشرط صادق بجزء العلة وكذا جزء المركب فإنه يلزم من عدمه عدمه ولا يلزم من وجوده وجوده، وكذا اللازم الأعم من ملزومه كلزوم الضوء للشمس فإنه يلزم من عدمه عدم ملزومه ولا يلزم من وجوده وجود ملزومه ولا عدم وجوده.
وأجيب: بأن هذا تعريف بالأعم وهو جائز عند المتقدمين أو أن «ما» واقعة على موضوع شرعي فخرجت هذه المذكورات.
(قوله: فإنه يلزم من عدم تمام الحول إلخ) زاد لفظ «تمام» وإن كان غير ضروري الذكر لدفع توهم أن الشرط قد يتحقق بغالب الحول إذ أكثر الشيء قد يعطى حكم كله.
(قوله: لتوقف وجوب الزكاة على ملك النصاب) أي: الذي هو سبب في الوجوب أي: ولتوقفه أيضا على عدم الدين الذي هو مانع منه بالنسبة للعين.
والحاصل: أن الحول شرط في وجوب الزكاة وملك النصاب سبب في وجوبها والدين مانع من وجوبها لكن في خصوص العين. فإذا حال الحول وكان مالكا للنصاب وجبت الزكاة لوجود سبب الوجوب، فإن حال الحول ولم يكن مالكا للنصاب فلا تجب الزكاة لعدم السبب. فقوله: «لتوقف إلخ» علة لقوله: «ولا يلزم» بشقيه.
وانظر ما الفرق بين الحول وبين الزوال حيث جعلوا الأول شرطا غير مقتض لوجوب الزكاة، ووجوبها إذا حال الحول إنما هو لوجود السبب وهو الملك وانتفاء المانع وهو الدين، وجعلوا الثاني سببا مقتضيا لوجوب الصلاة فإن تخلف الوجوب كان لمانع كالحيض مع أن الشرع أوجب الصلاة بالزوال والزكاة بالحول، فلم لم يجعل كل منهما سببا مقتضيا للوجوب وعند التخلف يدعى أنه لمانع أو يجعل كل منهما شرطا غير مقتض للوجوب وعند وجود الوجوب يقال: أن الوجوب لوجود السبب وانتفاء المانع، كذا بحث العلامة الشاوي.
(قوله: ما يلزم من وجوده العدم) «ما» جنس في التعريف وما بعده فصل خرج به السبب والشرط فإن كلا منهما لا يلزم من وجوده العدم بل السبب يلزم من وجوده الوجود والشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته كما مر.
(قوله: لذاته) راجع للجملة الثانية بجزأيها أي: ولا يلزم من عدمه الوجود بالنظر لذاته أي: وأما بالنظر لغيره فقد يلزم من عدمه الوجود كأن توجد الأسباب والشروط عند انتفاء المانع، ولا يلزم من عدمه العدم بالنظر لذاته وقد يلزم من عدمه العدم بالنسبة لغيره بأن انتفت الأسباب أو الشروط مع كون المانع منتفيا.
ولا يرجع للجملة الأولى أعني قوله: «ما يلزم من وجوده العدم» لأن المانع يلزم من وجوده العدم دائما من غير التفات لشيء أي: سواء وجد سبب الحكم أو لم يوجد. فإذا وجد سبب الحكم مع المانع كأن قارن الحيض دخول الوقت كان الحكم منفيا لوجود المانع ولا كلام. وإن قارن المانع عدم السبب كأن قارن الحيض عدم دخول الوقت فهل الحكم منتف لوجود المانع ولانتفاء السبب أيضا.
فيصح أن يعلل انتفاء الحكم بكل من الأمرين لأن العلل أمارات على الحكم فيصح تعددها إذ لا مانع من كون الشيء له أمارات متعددة قاله ابن الحاجب. وقال الفخر: الحكم حينئذ منتف لانتفاء السبب إذ لا يكون انتفاء الحكم بوجود المانع إلا إذا وجد السبب المقتضي للحكم؛ إذ المتبادر من معنى المانع أن المقتضي للحكم موجود لكن انتفى الحكم لوجود المانع.
والقول الأول هو المأخوذ من حد المانع لأن قولهم: ما يلزم من وجوده العدم شامل لما إذا وجد السبب المقتضي أو فقد
(قوله: أخر) الأولى حذفها لاقتضائها أن عدم الحيض سبب وليس كذلك. وزاد لفظ «مثلا» لدفع توهم أن المانع إنما يكون مانعا من الوجوب دون غيره.
(قوله: قد تحصل عند عدم الحيض) أي: فيحصل الوجوب حينئذ. وقوله: «وقد لا تحصل» أي: فلا يحصل الوجوب
(قوله: فخرج) أي: أنتج وتحصل من هذا
(قوله: يؤثر بطرفيه إلخ) أي: فيؤثر بطرف وجوده في وجود المسبب ويؤثر بطرف عدمه في عدم المسبب. والمراد بالتأثير الاقتران فقوله: «يؤثر بطرفيه» أي: يقارن المسبب بطرفيه فوجود السبب يقارن وجود المسبب وعدم السبب يقارن عدم المسبب.
وليس المراد بالتأثير الإيجاد والاختراع لأن المصنف من أكابر أهل السنة وكتبه مشحونة بنفي تأثير الأسباب في مسبباتها والشروط في مشروطاتها والموانع فيما منعتها. والمؤثر في المسببات والمشروطات والممنوعات إنما هو الله سبحانه لكن جرت عادته بأن إيجاده للمسبب مصاحب لوجود السبب وإعدامه للمسبب مصاحب لعدم السبب وهكذا يقال في الباقي.
(قوله: يؤثر بطرف عدمه فقط في العدم) أي: في عدم المشروط بمعنى أن عدم الشرط يقارن عدم المشروط. وقد علمت مما تقدم أن الأحكام خمسة: إيجاب وندب وتحريم وكراهة وإباحة وأن كل واحد من الخمسة له أسباب وشروط وموانع. فالوجوب كطلب صلاة الظهر سببه الزوال وشرطه البلوغ ومانعه الحيض والندب كطلب صلاة ركعتين بعد دخول وقت العصر سببه دخول الوقت وشرطه الطهارة ومانعه الحيض أو صلاة العصر بالفعل.
والحرمة كطلب الكف عن أكل الميتة سببها خبث الميتة ولها مانع وهو الاضطرار ولها شرط وهو عدم الاضطرار، والإباحة كالتخيير في البيع لها شرط وهو الانتفاع بالبيع ونحوه وله موانع كفعله وقت نداء الجمعة وكالتخيير في النكاح، وله موانع كأن تكون الزوجة محرما وسببه العقد وشرطه خلوها من العدة.
(قوله: بمباحث) جمع مبحث وهو محل البحث وذلك المحل هو القضايا. وأما البحث فهو إثبات المحمولات للموضوعات. والمراد بالمحل الحلول أي: وحلول استيفاء الكلام المتعلق بالقضايا التي يبحث فيها عن الحكم الشرعي في فن الأصول. وإنما جعلنا محل بمعنى حلول لئلا يلزم ظرفية الشيء في نفسه لأن فن الأصول هو محل الاستيفاء المذكور لا أنه ظرف لمحل الاستيفاء كذا قرر. وقد يقال: أن محل الاستيفاء المذكور بعض فن الأصول فهو من ظرفية الجزء في الكل فلا داعي لتأويل المحل بالحلول.
(قوله: إثبات الربط بين أمر وأمر إلخ) الإثبات في الأصل إدراك الثبوت. والمراد به هنا مجرد الإدراك فيجرد عن بعض معناه. والربط هو التعلق والارتباط والمراد به النسبة الحكمية و «بين» ظرف في محل نصب على الحال والمراد بأمرين الموضوع والمحمول. فمتى أريد بأحدهما أحدهما أريد بالآخر الآخر، وحينئذ فالمعنى فحقيقته إدراك النسبة الحكمية الكائنة بين المحمول والموضوع.
واعلم أن الشارح قد عرف الحكم الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام بأنه إثبات أمر أو نفيه فقد أضاف الإثبات للأمر المحمول المثبت أو المنفي وهو هنا في تعريف الحكم العادي قد أضاف الإثبات للربط أي: النسبة الحكمية. فمتعلق الإثبات فيهما قد اختلف وحينئذ لم يكن الحكم العادي المعرف هنا بما ذكر من أقسام الحكم المعرف فيما مر بأنه إثبات أمر لأمر وهو قد جعله من أقسامه.
فكان المناسب لذلك أن يقول: فحقيقته إثبات أمر أو نفيه بواسطه تكرر القران بينهما على الحس. وأجيب: بأن إثبات الربط بين أمرين مستلزم لإثبات أحدهما للآخر فوافق تعريف العادي ما مر على أن الإثبات فيما مر قد فسر بإدراك الثبوت. والمراد بالثبوت النسبة فيكون متعلق الإثبات فيما مر في المعنى موافقا لمتعلقه هنا تأمل.
(قوله: وجودا أو عدما) تمييز راجع لكل من الأمرين على البدل أي: إثبات الربط بين أمر من جهة وجوده أو عدمه وبين أمر آخر من جهة وجوده أو عدمه. وعليه ففيه حذف من الأول لدلالة الثاني بناء على جواز حذف التمييز لدليل، أو راجع لهما معا لا على البدلية ولا حذف أي: من جهة وجودهما أو عدمهما.
ودخل تحت هذا الكلام أقسام الربط الأربعة وهي: ربط وجود بوجود كربط وجود الشبع بوجود الأكل وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل وربط وجود بعدم كربط وجود الجوع بعدم الأكل وربط عدم بوجود كربط عدم الجوع بوجود الأكل، فإدراك الربط المذكور يسمى حكما عاديا.
(قوله: بواسطة تكرر القران) أي: الاقتران بينهما أي: بين الأمرين. وإضافة «واسطة» لما بعده بيانية. وهذا فصل مخرج لإدراك الربط الواقع بين أمرين شرعا أو عقلا كالربط الذي بين زوال الشمس ووجوب الظهر، وكالربط بين قيام العلم بمحله وكون ذلك المحل عالما. فالأول: ربط شرعي والثاني: عقلي وليس أحدهما عاديا لعدم توقفه على تكرر، فلا يسمى إدراك هذا الربط حكما عاديا.
والحاصل: أن الربط العادي ما توقف على التكرر فإدراكه يسمى حكما عاديا وأما الربط الشرعي والعقلي فلا يتوقفان على تكرر. فإدراك الأول يسمى حكما شرعيا وإدراك الثاني يسمى حكما عقليا. وأقل ما يحصل به التكرار وقوع الشيء مرتين فإذا لم يقع إلا مرة واحدة لم يكن ذلك الشيء عاديا فلا يكون مستندا للحكم العادي.
فلو حكم حاكم بأن هذه النار محرقة لمشاهدة ذلك فيها مرة واحدة ولم يتكرر عليه ذلك كان إثبات الإحراق للنار ليس حكما عاديا بل هو داخل في الحكم العقلي لأن هذا من جائزات الأحكام كما يأتي. واعلم أن كون التكرار مستندا لحكم أعم من أن يكون على الحاكم نفسه أو على غيره ممن يقلده في ذلك الحكم كحكم الواحد منا بأن شراب السكنجبين مسكن للصفراء تقليدا للأطباء في ذلك.
(قوله: على الحس) متعلق بتكرر. والمراد بـ «الحس» ما يشمل الظاهري والباطني. فربط الإحراق بالنار أي: اقترانهما يتكرر على الحس الظاهري وربط الجوع بعدم الأكل يتكرر على الحس الباطني وهو المسمى بالوجدان.
(قوله: الحكم على النار بأنها محرقة) أي: بقولك: النار محرقة
(قوله: فهذا) أي: الحكم على النار بأنها محرقة أي: إدراك ثبوت الإحراق لها مستندا إلى تكرر القران بين النار والإحراق على الحس حكم عادي
(قوله: إذ معناه) أي: معنى الحكم على النار بأنها محرقة بقولنا: النار محرقة أن الإحراق يقترن إلخ. وهذا كلام مبني على المسامحة وذلك لأن قولنا: النار محرقة خبر من الأخبار.
وقد اختلفوا في معنى الخبر ومدلوله فقيل: هو الحكم بالنسبة التي تضمنها وقيل: نفس النسبة. فمعنى زيد قائم الحكم بثبوت قيامه أي: إدراك ثبوت قيامه وقيل: نفس ثبوت قيامه، وحينئذ فمعنى النار محرقة إدراك ثبوت الإحراق للنار أو ثبوت الإحراق لها على معنى أنها سبب في الإحراق لا مؤثرة فيه. وقد قدم المصنف أن حقيقة الحكم العادي إثبات الربط وقياسه أن المعنى هنا إدراك ثبوت الإحراق للنار.
(قوله: بمس النار) أي: بالنار الماسة لما أحرقته فلا يخالف ما مر من أن الأمرين الذين أدرك العقل الربط بينهما النار وإحراق الجسم الممسوس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(قوله: في كثير إلخ) أشار بذلك إلى أن بعضها لا تؤثر فيه كالخليل عليه السلام وكبعض الحيوانات كالسمند وبعض المعادن كالياقوت. فقوله: «في كثير من الأجسام» «في» بمعنى «اللام» متعلق بالإحراق أي: الكثير من الأجسام لا لكلها لتخلفه في بعضها.
(قوله: لمشاهدة تكرر ذلك على الحس) الإشارة راجعة للإحراق أي: لمشاهدة تكرر الإحراق عند الاقتران. وقوله: «على الحس» متعلق بتكرر أي: لمشاهدة تكرر الإحراق عند المقارنة على الحس، لكن قد تقدم للشارح إضافة «تكرر» لـ «القران» فمقتضاه أن الإشارة ترجع للقران. وفيه أن المشاهد الإحراق المتكرر لا الاقتران وأراد بـ «الحس» نفس الحاسة لا الإدراك بها.
(قوله: وليس معنى هذا الحكم إلخ) مقتضاه أن الأمرين الذين أدرك العقل بينهما الربط هما: النار وإحراق الجسم الممسوس، وهو خلاف قوله: «إذ معناه أن الإحراق يقترن بمس النار» فإن الطرفين على هذا الإحراق والمس وقد تقدم الجواب عنه بأن معنى قوله: «بمس النار» أي: بالنار الماسة، وحينئذ فلا مخالفة.
والمأخوذ من كلامه في شرح المقدمات أن الأمرين الذين أدرك العقل الربط بينهما النار وإحراق الجسم لأنه قال في قوله: «وعدم تأثير أحدهما في الآخر البتة» هذا رد على من زعم تأثير أحدهما في الآخر. والقائل بالتأثير إنما قال: النار تؤثر في إحراق الممسوس لا أن المس هو الذي أثر في الإحراق.
(قوله: وليس معنى هذا الحكم أن النار إلخ) أي: ليس معنى الحكم بأن النار محرقة إدراك ثبوت الإحراق لها على أنها هي التي أثرت الإحراق لما مسته
(قوله: وإنما غاية ما دلت عليه العادة إلخ) أي: إن غاية ما تفيده العادة الاقتران بين النار والإحراق أي: حصولهما معا على سبيل الاقتران ولم تفد تأثيرها هي أو غيرها فيه، فتعيين المؤثر في الإحراق لم يستفد من العادة هذا كلامه.
وبحث فيه بعضهم بأن الذي يستفاد من العادة هو ثبوت الإحراق للنار وكون ذلك من حيث أن النار سبب فيه أو مؤثرة فيه شيء آخر. فأهل السنة يقولون بثبوت الإحراق لها من حيث أنها سبب وغيرهم يقول من حيث أنها مؤثرة.
(قوله: الاقتران فقط بين الأمرين) أي: الثبوت للأمرين على سبيل الاقتران كما سبق
(قوله: ولا منها يتلقى إلخ) أي: أنه لا يتلقى ولا يستفاد علم الفاعل حقيقة من العادة بل غاية ما يتلقى منها هو ما قدمناه من الاقتران بين الأمرين على ما ذكره
(قوله: ككون الطعام مشبعا) فيه تسمح لأن الكونية المذكورة ليست حكما. فالأولى كإدراك ثبوت الشبع للأكل والري للماء والإضاءة للشمس والقطع للسكين. فهذه أحكام عادية لأن غاية ما تفيده العادة مقارنة الشبع للأكل والري للماء والإضاءة للشمس ولا تفيد تعيين المؤثر في الشبع هل هو الأكل أو غيره وكذا يقال فيما بعد، هذا كلامه.
(قوله: من دليلي العقل والنقل) أي: من الدليل العقلي والنقلي الدال. كل منهما على ثبوت الوحدانية له تعالى في الأفعال. فالنقلي كقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ ﴾ والعقلي هو أن تقول: لو كان لغيره تعالى تأثير في شيء من الكائنات لكان تعالى عاجزا عن ذلك الممكن لكن التلي باطل؛ إذ لو كان عاجزا عن ممكن لكان تعالى عاجزا عن غيره أيضا للتماثل لكن التالي باطل إذ لو كان عاجزا لما وجد شيء من الكائنات لكن التالي باطل.
واعلم أن الدليل العقلي مستقل بإثبات الوحدانية وأما الدليل النقلي فقيل: أنه مستقل أيضا بإثباتها وهو رأي الفخر ومن وافقه، وقيل: أنه لا يستقل وهو مذهب المحققين. قال المصنف في الكبرى: وهو رأي لما يلزم عليه من الدور كما سيأتي بيانه من توقف الوحدانية حينئذ على السمع والحال أن السمع متوقف ثبوته على المعجزة وتوقفها على الوحدانية.
فقول الشارح: «وإنما يتلقى العلم بفاعل هذه الآثار المقارنة لهذه الأشياء من دليلي العقل والنقل» يحتمل أن مراده استقلال كل من الأمرين بالدلالة كما هو رأي الفخر. ويحتمل أن مراده تقوية الدليلين ببعضهما مع منع استقلال دليل النقل.
(قوله: وقد أطبق العقل) أي: الدليل العقلي والشرعي
(قوله: عموما) حال من الكائنات أي: حالة كونها معمما فيها أي: سواء كانت تلك الكائنات ذوات أو صفات أو أفعالا كانت الأفعال اختيارية أو اضطرارية كانت خيرا أو شرا.
(قوله: وأنه لا أثر) أي: لا تأثير. وقوله: «لكل ما سواه» الأولى حذف «كل» لئلا يتوهم أنه من سلب العموم وأن المنفي تأثير كل ما سواه. وأما تأثير بعض ما سواه فغير منفي مع أن القصد عموم السلب فالمنفي تأثير ما سواه كلا أو بعضا، وهذه الجملة كالتأكيد لما قبلها.
(قوله: جملة وتفصيلا) أي: حالة كون ذلك الأثر مجملا أو مفصلا أي مبينا خلافا لما نقل عن الأستاذ أبى إسحق الإسفرايني وهو بريء منه من أن المؤثر في الفعل مجموع القدرتين: قدرة الله وقدرة العبد، وأنه جوز اجتماع مؤثرين على أثر واحد على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل وقدرة العبد بوصفه، بأن تجعله موصوفا بكونه طاعة أو معصية.
فالصلاة لها حيثيتان: حيثية كونها فعلا وحيثية كونها طاعة. فهي من حيث كونها فعلا مخلوقة لله ومن حيث كونها صلاة وطاعة مخلوقة للعبد. وكذا لطم اليتيم من حيث كونه فعلا مخلوق لله ومن حيث كونه إيذاء أو تأديبا مخلوق للعبد، فقد أثبت للعبد تأثيرا على طريق التفصيل.
فإن قلت: يشكل على قوله: «ولا أثر لما سواه» أن القدرة تؤثر في المقدور والإرادة تخصصه. قلت: هذا كلام مبني على المساهلة إذ المؤثر والمخصص هو الذات العلية لكن لما كان للقدرة والإرادة دخل في التأثير والتخصيص نسبا إليهما على أنا لا نسلم أن القدرة والإرادة من «السوى» لأن المراد بما سواه ما كان مغايرا له منفصلا عنه والصفات ليست عينا ولا غيرا أي: ليست عين الذات بحسب المفهوم ولا مغايرة لها مغايرة انفكاك وانفصال بحيث تكون غيرا لها منفصلا عنها.
(قوله: وقد غلط قوم إلخ) اعلم أن العقلاء على أربعة أقسام: فمنهم من اعتقد أن الأسباب العادية تؤثر في مسبباتها بطبعها وذاتها والتلازم بينهما عقلي وهذا كافر إجماعا. ومنهم من اعتقد أن الأسباب العادية تؤثر في مسبباتها بقوة أودعها الله فيها والتلازم بينهما عادي وهذا في كفره قولان والصحيح عدم كفره. ومن هذا يعلم أن الصحيح عدم كفر المعتزلة لأنهم يقولون: أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقوة أودعها الله فيه وهي القدرة الحادثة التي خلقها فيه.
ومنهم من يعتقد أن المؤثر في المسببات العادية كالإحراق والري والشبع هو الله وحده إلا أنه يعتقد أن الملازمة بين الأسباب والمسببات عقلية لا يمكن تخلفها. فمتى وجدت النار وجد الإحراق ومتى وجد الأكل وجد الشبع. وهذا غير كافر إجماعا إلا أن هذا الاعتقاد جهل وربما جره ذلك الجهل إلى الكفر لأنه يلزمه إنكار ما خالف العادة فربما أنكر البعث وإحياء الموتى فيكفر. وذلك لأن العادة أن الميت إذا مات يوضع في القبر ولا يحيا بعد ذلك، فربما اعتقد أنه لا يمكن تخلف ذلك فينكر البعث وإحياء الموتى فيكفر.
ومنهم من يعتقد أن المؤثر في المسببات العادية هو الله وحده وأن الملازمة والمقارنة بين الأسباب والمسببات عادي يمكن تخلفه بأن يوجد السبب دون المسبب وهذا الاعتقاد هو المنجي عند الله وهو اعتقاد أهل السنة.
إذا علمت هذا فنقول لك: أن ظاهر الشارح يقتضي أن الفرق التي وقع منها الغلط فرقتان فقط: من قال: أن الأسباب تؤثر بطبعها ومن قال: أنها تؤثر بقوة أودعت فيها مع أنهم ثلاثة. فسكت عن الفرقة الثالثة وهي التي تسند إيجاد المسببات لله حقيقة ولكن تقول: أن الربط بين الأسباب والمسببات عقلي لا يمكن تخلفه. وظاهر الشارح أيضا يقتضي أن من قال: أن الأسباب تؤثر بقوة يقول: أن الربط بين الأسباب والمسببات عقلي مع أن القائل بالتأثير بقوة لا يقول بالربط العقلي كما ذكره في شرح المقدمات.
(قوله: فجعلوها) أي: فجعلوا متعلقها وهي الأسباب والمسببات عقلية أي: جعلوا التلازم بين متعلقها عقليا
(قوله: كل أثر منها) أي: من متعلقها وهي المسببات. وقوله: «لما» أي: لسبب جرت العادة أنه أي: الأثر يوجد معه أي: مع السبب كالشبع الذي يوجد مع الأكل.
(قوله: فأصبحوا) أي: فصاروا
(قوله: وقد باؤا) أي: في حال كونهم قد انقلبوا
(قوله: بهوس) خبر «أصبح» أي: ملتبسين بهوس أي: بطرف من الجنون. والهوس في الأصل دوران في الرأس يعتري الإنسان فيصير يتكلم بما لا معنى له. ولا شك أن هذا نوع من الجنون أطلقه الشارح وأراد به العقيدة الفاسدة لأن شأنها أن لا تصدر إلا ممن عنده نوع من الجنون.
(قوله: ذميم) بالذال المعجمة من الذم ضد المدح أي: مذموم غير ممدوح وبالدال المهملة معناه القبيح ضد الحسن. وقوله: «بهوس» ذميم راجع لقول من قال: أن الأسباب العادية تؤثر بطبعها
(وقوله: بدعة شنيعة) أي: قبيحة راجع لقول من قال: أن الأسباب العادية تؤثر بقوة أودعت فيها.
وقوله: «وشرك عظيم» يصلح رجوعه لكل من القولين لأن الشرك منه ما يكفر كالأول ومنه ما لا يكفر وإنما يفسق كالثاني
(قوله: في أصول الدين) الإضافة للبيان
(قوله: من مضلات الفتن) أي: من الفتن المضلة. والفتن جمع فتنة وهي الأمر الذي يمتحن الله به عبده كما إذا كان الشخص عالما يحقق العلوم وليس عنده ما يأكله ويجد الجهلة متنعمين بالمآكل والملابس الفاخرة، فإن هذه فتنة مضلة لأنها ربما أوقعت غير الموفق في الضلال. وأما الموفق فلا يضل بل يقول: إن نعم الله قسمان: معنوية وهي العلم لأن اللذة به معنوية وحسية. فالمولى أعطى النعم المعنوية للعلماء وأعطى النعم الحسية لغيرهم فالمعنوية أعظم من الحسية، وأنشد بعضهم في هذا المعنى:
كم عالم يسكن بيتا بالكرا
وجاهل يملك قصورا وقرى
لما قرأت قوله سبحانه
نحن قسمنا بينهم زال المرا
(قوله: والمرور) عطف على النجاة أي: نسأله أن يمر ظاهرنا من جهة اللسان وباطننا من جهة الباطن على أهدى طريق أي: على طريق هاد ومستقيم. ومراده بظاهره لسانه وبباطنه قلبه. وكأنه قال: نسأله أن يجعل لساننا وقلبنا مارين على الطريق المستقيم بأن لا ينطق لسانه إلا بما في النطق به ثواب ويعتقد قلبه كل ما هو صواب.
(قوله: بجاه إلخ) أي: حالة كوننا متوسلين في قبول دعائنا بجاه سيدنا محمد أي: بمنزلته عندك يا الله
(قوله: عما يدرك العقل ثبوته أو نفيه) أي: عن محكوم به يدرك العقل ثبوته كوجوب الوجود في قولك: الله واجب الوجود أو نفيه أي: انتفاءه بقرينة مقابلته بالثبوت وذلك كوجود الشريك في قولك: شريك الباري ليس موجودا. ويحتمل وقوع «ما» على نسبة أي: عبارة عن نسبة يدرك العقل ثبوتها أي: مطابقتها للواقع.
وعلى كلا الاحتمالين فليس الحكم العقلي من أفراد مطلق الحكم الذي عرفه سابقا بأنه إثبات أمر أو نفيه لأن الحكم العقلي إما المحكوم به الذي يدرك العقل ثبوته أو نفيه أو النسبة التي يدرك العقل ثبوتها بمعنى مطابقتها، والحكم المطلق إدراك ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه. فلو قال: «فهو عبارة عن إثبات أمر أو نفيه من غير توقف على تكرر ولا وضع واضع» لكان ظاهرا.
ولك أن تجعل «ما» واقعة على حكم بالمعنى السابق وهو الإثبات والنفي أي: إدراك الثبوت والانتفاء وتجعل الضمير في قوله: «يدرك العقل ثبوته» راجعا للحكم بمعنى النسبة الحكمية على طريق الاستخدام. ويراد بثبوتها وقوعها ومطابقتها لما في الخارج ويراد بنفيها عدم وقوعها ومطابقتا لما في الخارج. وكأنه قال: الحكم العقلي عبارة عن حكم يدرك العقل وقوع نسبته أو عدم وقوعها. والأول في القضية الموجبة والثاني في القضية السالبة، وعلى هذا الاحتمال يكون العقلي من أفراد الحكم المطلق المعرف بما مر فتأمل.
وقوله: «يدرك العقل» نسبة الإدراك فيه للعقل مجاز عقلي من نسبة الشيء لآلته لأن المدرك حقيقة النفس لكن بواسطة العقل
(قوله: من غير توقف على تكرر) أي: فإذا حكم بأن شرب القهوة أو أكل الضأن يذكي الفهم حين استعماله لذلك أول مرة كان ذلك الحكم عقليا. وأما إذا حكم بذلك بعد استعماله مرتين فأكثر كان الحكم عاديا. فقوله: «من غير توقف على تكرر» مخرج للحكم العادي وهو متعلق بـ «يدرك.»
(قوله: ولا وضع واضع) خرج الحكم الشرعي فإنه متوقف على وضع الواضع وهو التعلق التنجيزي. والحاصل أن الحكم الشرعي هو كلام الله الأزلي المتعلق بأفعال الكلفين تعلقا تنجيزيا، فالشرعي متوقف على التعلق التنجيزي لأخذه في مفهومه وهو وضع منسوب لواضع أي: لجاعل وهو المولى.
والمراد بكون المولى واضعا للتعلق وجاعلا له أنه حاصل بإرادته. والإتيان بهذا القيد لإخراج الحكم الشرعي فيه نظر لأن الحكم الشرعي وهو خطاب الله إلخ لم يكن داخلا في «ما» الا لواقعة على النسبة أو المحكوم به أو على الحكم بالمعنى السابق حتى يحتاج لإخراجه بهذا القيد.
(قوله: وهذا الحكم الثالث هو الذي تعرضنا له إلخ) إنما تعرض له دون غيره لانقسام العقائد الدينية لأقسامه ولأن العقائد أحكام عقلية ولهذا كانت على نحو أقسامه
(قوله: في أصل العقيدة) الإضافه للبيان
(قوله: فقولنا) أي: في العقيدة
(قوله: يعنى أن كل ما يتصور في العقل) أي: كل ما يصدق به العقل من النسب الحكمية وكل ما يدركه في الأمور التي يحكم بها على غيرها أو يحكم عليها بغيرها.
(قوله: أي: يدركه) قد علمت فيما سبق أن الإسناد في ذلك مجاز عقلي، وكذا يقال في جميع ما يأتي من إسناد الإدراك للعقل فلا تغفل
(قوله: لا يخلو عن هذه الثلاثة أقسام) أي: لا يخلو عن الاتصاف بواحد من هذه الثلاثة أقسام كما أشار له بقوله: «أي: لا بد له إلخ» وهذا يشير لما قلناه سابقا من أن المراد بانحصار الحكم العقلي في الأقسام الثلاثة عدم خروجه عنها بمعنى أن متعلقه وهو كل من المحكوم به وعليه والنسبة لا بد من اتصافه بواحد من هذه الأمور الثلاثة.
(قوله: فالواجب) أي: فالأمر الواجب أي: المتصف بالوجوب وهو عدم قبول الانتفاء
(قوله: يعني أن الواجب العقلي) احترز بذلك عن الشرعي فإنه الأمر الذي طلب الشرع فعله طلبا أكيدا
(قوله: هو الأمر الذي لا يدرك في العقل إلخ) فيه إشارة إلى أن «ما» موصولة وأن «يتصور» بمعنى يدرك إدراكا تصديقيا كما سبق ومصدوق الأمر النسبة الحكمية وكذا المحكوم به وعليه. وقوله: «عدمه» أي: عدم أفراده في الخارج.
(قوله: إما ابتداء) أي: وعدم إدراك عدمه إما ابتداء
(قوله: بلا احتياج) الأولى أي: بلا احتياج إلى سبق نظر لأنه تفسير لقوله: «ابتداء» فإن قيل: حيث كان تفسيرا له فما وجه زيادة قوله: «ابتداء»؟ وهلا قال: هو الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه إما بلا احتياج إلى سبق نظر وإما بعد سبق النظر.
والجواب: أنه زاد قوله: «ابتداء» لأنه الواقع في عبارتهم ثم فسره بقوله: «بلا احتياج إلخ». وقوله: «بلا احتياج إلخ» أي: وإن توقف على حدس أي: تخمين أو تجربة فالحدسيات والتجر بيات من جملة الضروري.
والحاصل: أن الضروري يقال في مقابلة النظري فيفسر بما لا يحتاج لنظر فيكون شاملا للتجربيات والحدسيات. وقد يقال: الضروري في مقابلة الاكتسابي فيفسر بما لا يتوقف على شيء فيكون قاصرا على الأوليات ولا يشمل التجريبيات والحدسيات.
(قوله: إلى سبق نظر) من إضافة الصفة للموصوف أي: إلى نظر سابق على التصور. والنظر ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى أمر مجهول
(قوله: ويسمى الضروري) ضمير «يسمى» عائد على الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه من غير احتياج لسبق نظر. وقوله: «الضروري» أي: الواجب الضروري فهو على حذف الموصوف.
فالتسمية بمجموع الصفة والموصوف لا بالصفة فقط لأن المسمى بها ما لا يحتاج إلى نظر أعم من أن يكون واجبا أو مستحيلا أو جائزا لا الواجب الذي لا يحتاج إلى نظر. ويحتمل أن يكون ضمير «يسمى» راجعا لما يفهم من قوله: «بلا احتياج إلى سبق نظر» أي: ويسمى ما لا يحتاج لسبق نظر مطلقا واجبا كان أو غيره بالضروري، وعلى هذا فلا يحتاج لتقدير الموصوف.
واعلم أن الضرورية من صفات العلم أي: الإدراك فتسمية الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه من غير احتياج لنظر بالضروري وهو النسبة أو المحكوم عليه أو به من تسمية الشيء باسم متعلقه بكسر اللام وهو العلم. ويمكن أن يقدر مضاف في العبارة عند قوله: «ويسمى» أي: ويسمى تصوره أي: الأمر المذكور ضروريا أو يجعل الضمير في «يسمى» راجعا للأمر لكن من حيث قيام ذلك الأمر بالقوة العاقلة وإدراكها له، فإنه من تلك الحيثية علم ومعلوم من حيث هو في نفسه، فالعلم والمعلوم متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار على ما حرر في محله.
وأما ارتكاب تقدير مضاف قبل «ما» التي هي بمعنى الأمر أي: فالواجب تصور ما لا يتصور في العقل عدمه وضمير «يسمى» راجع لذلك المحذوف فهو فاسد لأن التصور ليس واجبا ولا مستحيلا بل هو جائز دائما.
(قوله: كالتحيز مثلا للجرم) أي: وكذلك ثبوت التحيز له. وأما إدراك وقوع هذا الثبوت فليس بواجب بل هو جائز لما علمت أن الحكم دائما متصف بالجواز. لا يقال: أن التحيز للجرم لا يجب وجوده لكونه مسبوقا بعدم طارئ ويطرأ بطرو الجرم، وحينئذ فالتمثيل بالتحيز للجرم غير صحيح لأنا نقول: إنما مثل به المصنف للمحكوم به الواجب النسبة في نفس الأمر، ولا يخفى أنه كذلك.
وفرق بين الأمر الواجب الموصوف نسبته بالوجوب وبين الشيء الواجب الوجود فالثابت للتحيز الوجوب أي: عدم قبول الانتفاء عن الجرم لا وجوب الوجود المتضمن عدم سبقية العدم وطروه فافهم.
وقوله: «مثلا» أي: وكأحد الأمرين من الحركة والسكون للجرم وكثبوت أحدهما لا بعينه للجرم.
ومراده بـ «الجرم» ما حل في فراغ سواء كان جسما وهو ما تركب من جوهرين فردين فأكثر أو كان جوهرا فردا وهو الجزء الذي لا يتجزأ. فالتحيز أي: الحلول في حيز لا يختص بالجسم بل يكون للجوهر الفرد أيضا، وذلك لأن الحيز عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء سواء كان ممتدا كالجسم أو غير ممتد كالجزء الذي لا يتجزأ، وهو عدم محض يخطر بالبال وليس شيئا موجودا عندهم. فالجوهر الفرد متحيز وإن كان غير ممكن إذ يعتبر في الممكن الامتداد.
فالمكان أخص من الحيز عند المتكلمين لأن المكان عندهم هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد وليس المراد به ما استقر عليه الجسم من الأرض وأما الحيز فهو الفراغ الذي يشغله شيء سواء كان ممتدا أو غير ممتد، ومترادفان عند الحكماء لأنهم نفوا وجود الجوهر الفرد فالشاغل للفراغ عندهم لا يكون إلا ممتدا.
واعلم أن الواجب إما عرضي وإما ذاتي والذاتي إما مطلق أو مقيد. فالواجب العرضي كوجود الممكن الذي تعلق علم الله بوقوعه فهو بالنظر لذاته جائز لاستواء وجوده وعدمه ولكن عرض له الوجوب من تعلق علم الله بوقوعه. والواجب الذاتي المطلق كذات الله وصفاته، والواجب الذاتي المقيد كالتحيز للجرم فإنه واجب له ما دام باقيا. وكلام الشارح في الواجب الذاتي بقسميه، ولذا مثل بالتحيز والقدم وأما الواجب العرضي فهو من قبيل الجائز.
(قوله: فإن العقل ابتداء لا يدرك انفكاك الجرم إلخ) فيه أن هذا مخالف لقولهم: ما يمتنع انفكاكه عن الماهية الموجودة إما أن يمتنع انفكاكه عنها مطلقا أي: في الوجود الذهني والخارجي وهو لازم الماهية كالز وجية للأربعة، أو يمتنع انفكاكه عنها في الوجود الخارجي فقط كالتحيز للجرم فإنه إنما يلزم الجرم في الوجود الخارجي، ويمتنع انفكاكه عنها في الوجود الذهني فقط كالكلية للإنسان. فإن هذا يقتضي تعقل الجرم بدون حيز وهو خلاف مقتضى كلام الشارح تأمل.
وقد يجاب: بأن مراد المصنف أن العقل لا يدرك انفكاك الجرم عن التحيز يعني بعد وجوده في خارج الأعيان.
(قوله: أي: أخذه قدر ذاته من الفراغ) تفسير للتحيز ويفهم منه تفسير الحيز بأنه الفراغ الذي يشغله شاغل. بقي شيء آخر: وهو أن التحيز ممانعة الغير عن الفراغ أي: مدافعته عنه لا نفس الأخذ المذكور كما هو قضية كلامه. ويمكن الجواب بأن المراد أخذه ما ذكر على وجه الممانعة كذا قيل. وفيه أن التحيز في الحقيقة نفس الممانعة وأخذه قدر ذاته من الفراغ لازم لها. وضمير «أخذه» و«ذاته» عائد على جرم. وقوله: «من الفراغ» متعلق بأخذه.
(قوله: وإما بعد سبق النظر) كان المناسب لأجل المقابلة أن يقول: وإما غير ابتداء واحتياج إلى سبق نظر. وقوله: «وإما بعد سبق النظر» أي: المحتاج له وإلا فكلامه صادق بالضروري الذي سبقه نظر لا يحتاج له مع أنه لا يقال له نظري بل ضروري أخذا من تعريفه السابق. وإضافة «سبق» لما بعده من إضافة الصفة للموصوف أي: وإما بعد نظر سابق.
(قوله: ويسمى) أي: الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه مع سبق النظر. وقوله: «نظريا» أي: واجبا نظريا ففيه حذف الموصوف لأن الأمر المذكور يسمى بمجموع الصفة والموصوف. ويحتمل أن الضمير عائد على ما يحتاج لسبق النظر المفهوم من قوله: «وإما بعد سبق النظر» أي: ويسمى ما يحتاج لسبق النظر سواء كان واجبا أو جائزا أو مستحيلا نظريا، وعلى هذا فلا يحتاج لتقدير موصوف.
واعلم أن النظري من صفات العلم بمعنى الإدراك وحينئذ فتسمية الأمر المذكور نظريا من تسمية الشيء باسم متعلقه بكسر اللام وهو العلم إلا أن يقدر مضاف في العبارة أي: ويسمى تصوره أي: الأمر المذكور نظريا أو الضمير راجع للأمر المذكور من حيث تصوره وإدراك العقل له على ما مر. وقوله: «ويسمى نظريا» كان المناسب لأجل المقابلة أن يقول: النظري.
(قوله: كالقدم) أي: وكثبوت القدم أيضا
(قوله: إنما يدرك وجوبه) أي: عدم قبوله للانتفاء
(قوله: إذا فكر العقل) إظهار في محل الإضمار أي: إذا نظر في الدليل وهو لو لم يكن المولى سبحانه قديما لكان حادثا ولو كان حادثا لاحتاج لمحدث ومحدثه لمحدث وهكذا لكن التالي باطل للزوم الدور أو التسلسل. وقوله: «إذا فكر» ظرف لقوله: «إنما يدرك وجوبه» وهو يفيد أن إدراك وجوبه أي: عدم قبوله الانتفاء متوقف على الفكر.
(قوله: من الدور) أي: إن توقف آخر السلسلة على أولها كأن يكون محدث زيد عمرا ومحدث عمر بكرا ومحدث بكر خالدا ومحدث خالد زيدا وهذا محال لأنه يلزم عليه أن يكون زيد سابقا على الجميع من حيث أنه أحدث خالدا أو مسبوقا بالجميع من حيث أنه أحدثه عمرو.
(قوله: أو التسلسل) إن لم يتوقف آخر السلسة على أولها كأن يكون محدث خالد في المثال المذكور شخصا آخر غير زيد وهكذا إلى ما لا نهاية له وهذا باطل لأدلة ذكروها: منها أنه يلزم عليه وجود حوادث لا أول لها وذلك تناف لأن كل حادث لابد له من أول وذلك مناف للأول لها.
(قوله: بهذا) أي بقولنا: إما ابتداء وإما بعد سبق النظر
(قوله: انقسام الواجب إلخ) أي: من انقسام الكلي إلى جزئياته
(قوله: ما لا يتصور في العقل وجوده) أي: الأمر الذي لا يمكن وجوده بناء على أن «يتصور» مبني للفاعل. وأما على بنائه للمفعول فالمعنى الأمر الذي لا يصدق العقل بوجوده أي: بوجود أفراده في الخارج ونفس الأمر وليس المراد ما لا يصدق العقل بوجوده في الذهن لأن المستحيل يصدق العقل بوجوده في الذهن لأجل أن يحكم عليه حكما مطابقا.
والمراد بـ «الوجود» الثبوت والتحقق في نفس الأمر فيشمل المستحيل ذاتا كشريك الباري وصفة وجودية كالعجز وصفة حال ككون الباري جرما بناء على ثبوت الأحوال، ولكن الحق أنه لا حال وحينئذ فلا يحتاج لتأويل الوجود بالثبوت.
إن قلت: التعريف المذكور غير مانع لصدقه بالسلوب وبعدم العوالم في الأزل إذ كل منهما لا يقبل الوجود لأن كلا منهما عدم، والشيء لا يقبل الاتصاف بضده وحينئذ فكل منهما لا يصدق العقل بوجوده أن كلا من صفات السلوب وعدم العوالم في الأزل أمر واجب.
أجيب: بأن المراد بقوله: «ما لا يتصور في العقل وجوده» أي: في نفس الأمر، والسلوب كالقدم والبقاء وعدم العوالم في الأزل وإن كان مفهومهما عدميا لكن لهما وجود أي: تحقق في نفس الأمر. وذلك لأن كلا منهما واجب وكل واجب يصدق العقل بوجوده في نفس الأمر. فقول المعترض: إذ كل منهما لا يقبل الوجود إن أراد الوجود في خارج الأعيان فمسلم لكنه ليس بمراد، وإن أراد بحسب نفس الأمر فممنوع.
واعلم أن الوجود بحسب نفس الأمر أعم من الوجود خارج الأعيان. وقد يطلق على الوجود بحسب نفس الأمر أنه وجود خارجي وهذا الإطلاق شائع كما ذكره الشيخ الصغير في حواشيه. فعلم مما قررنا أن أفراد المستحيل لا تحقق لشيء منها في نفس الأمر ولا في خارج الأعيان إذ ليس شيء فيهما يقال له اجتماع النقيضين أو شريك الباري مثلا بخلاف صفات السلوب وعدم العوالم في الأزل فإن لهما تحققا في نفس الأمر وإن لم يكن لهما تحقق خارج الأعيان وبينهما بون.
(قوله: يعنى أيضا إما ابتداء) أي: وعدم إدراك العقل بوجوده إما ابتداء أي: من غير احتياج لسبق نظر
(قوله: بعد سبق النظر) أي: المحتاج له. وأما ما أدرك العقل عدم وجوده بعد نظر غير محتاج له فهو من الضروري وإضافة «سبق» للنظر من إضافة الصفة للموصوف أي: أو بعد نظر سابق.
(قوله: عروّ الجرم عن الحركة والسكون) أي: بعد تقرر وجوده. وأما في آن حدوثه واستقراره في الأرض فهو عار عنهما، هذا إن قلنا: أن الحركة كونان أي: استقراران في آنين في مكانين والسكون كونان في آنين في مكان واحد، أو قلنا: أن الحركة الكون الأول في المكان الثاني والسكون الكون الثاني في المكان الأول. فالجرم في زمن حدوثه واستقراره في الأرض لا متحرك ولا ساكن، فقسمة الجرم إلى متحرك وساكن مانعة جمع وبين الحركة والكون على هذين القولين التباين.
وأما إن قلنا: أن السكون الكون أي: الحصول الأول أو الثاني في المكان الأول أو الثاني والحركة هي الكون الأول في المكان الثاني، وأما الكون الثاني وما بعده في المكان الثاني أو الأول فهو سكون، فالجرم في زمن حدوثه وأول استقراره على الأرض ساكن. وحينئذ فالجرم لا يخلو عن الحركة والسكون أبدا على هذا القول وقسمته إلى متحرك وساكن حقيقية وبين الحركة والسكون على هذا القول العموم والخصوض المطلق.
فالكون الأول في المكان الثاني حركة باعتبار أنه انتقال من مكان إلى مكان وسكون نظرا لكونه سكونا في مكان، والأكوان الحاصلة بعد الكون الأول في المكان الأول سكون فقط وكذا الأكوان الحاصلة بعد الكون الأول في المكان الثاني. وحينئذ فكل متحرك ساكن وليس كل ساكن متحركا فتأمل.
(قوله: أي: تجرده عنهما معا) يعنى في آن واحد كما هو مقتضى «مع»
(قوله: لا يتصور ثبوت هذا المعنى) أي: وهو العرو عما ذكر. فالعرو عما ذكر ممتنع الوجود لموضوعه كامتناع الفردية للأربعة
(قوله: كون الذات إلخ) أي: وكذلك ثبوت الجرمية للذات العلية، وهذا مثال للممتنع لذاته كشريك الباري، والمثال الأول وهو تعري الجرم عن الحركة والسكون فهو مثال للمستحيل لموضوعه لأنه محال ما دام موضوعه وهو الجرم باقيا.
(قوله: عن ذلك) أي: عما ذكر من الكونية
(قوله: فإن استحالة هذا المعنى) أي: وهو الكونية المذكورة أي: فإن عدم قبولها الثبوت لله تعالى
(قوله: فيما يترتب على ذلك) أي: فيما يترتب على ثبوت تلك الكونية له
(قوله: من المستحيل) بيان ل«ما»
(قوله: وهو الجمع بين النقيضين) الضمير راجع للمستحيل أي: وذلك المستحيل المترتب على ثبوت الجرمية له تعالى الجمع بين النقيضين. والمناسب لما يأتي أن يقول: وهو الجمع بين الشيء والأخص من نقيضه.
(قوله: وذلك) أي: بيان ذلك أي: الجمع بين النقيضين أنه قد وجب إلخ. وحاصله: إثبات القدم والبقاء بإبطال مقابلهما وهو الحدوث
(قوله: لئلا يلزم إلخ) علة لقوله: «وجب لمولانا إلخ»
(قوله: فلو كان تعالى جرما إلخ) هذا قياس استثنائي متعلق من حيث المعنى بقوله أولا: «فإن استحالة هذا المعنى عليه.»
إن قلت: شرط إنتاج القياس الشرطي أن تكون الشرطية فيه كلية وهي هنا مهملة لأن «لو» للإهمال والمهملة في قوة الجزئية. فالجواب: أن المراد هنا الكلية إذ المراد أنه كلما كان المولى جرما وجب له الحدوث.
(قوله: لما تقرر) أي: في كلامهم وهذا بيان لوجه الملازمة في الشرطية وهي قوله: «لو كان جرما لوجب له الحدوث»
(قوله: فيلزم إذن) أي: وقت أن نظرنا في الدليل وهو مجموع ما سبق من قوله: «وذلك إلخ»
(قوله: أن يكون إلخ) فاعل لزم أي: لزم أن يكون واجب القدم لما تقدم من إثبات القدم بإبطال مقابله وهو الحدوث.
(قوله: لألوهيته) أي: لأجل كونه إلها أي: معبودا بحق
(قوله: وواجب الحدوث) أي: ولزم أن يكون واجب الحدوث لجرميته أي: لكونه جرما يعني لما تقرر في كلامهم من وجوب الحدوث لكل جرم
(قوله: وذلك) أي: لزوم وجوب القدم ووجوب الحدوث لشيء واحد أو كونه واجب القدم واجب الحدوث والمعنى ظاهر.
(قوله: جمع بين النقيضين) فيه أن الحدوث ليس نقيضا للقدم وإنما نقيضه لا قدم لما اشتهر أن نقيض كل شيء رفعه. وفي بعض الحواشي هما نقيضان لغة وأما في الاصطلاح فكل منهما مساو لنقيض الآخر لأن نقيض القدم لا قدم وهو مساو للحدوث ونقيض الحدوث لا حدوث وهو مساو للقدم اهـ.
وفيه نظر لأن المساواة ممنوعة فإن لا قديم أعم من حادث لصدقه بالأعدام الأزلية وكذلك لا حادث أعم من قديم لصدقه عليها دونه لأن القديم هو الموجود الذي لا أول له والأزلي هو ما لا أول له وإن لم يكن موجودا. وهذا بناء على القول بأن الأزلي أعم من القديم فإن مررنا على القول بترادف الأزلي والقديم وأنهما عبارة عما لا أول له كان موجودا أم لا كانت المساواة ظاهرة.
(قوله: فقد عرفت أيضا) أي: كما عرفت انقسام الواجب إلى ضروري ونظري
(وقوله: بهذا) أي: بقولنا: إما ابتداء أو بعد سبق نظر
(قوله: والجائز إلخ) هو مرادف للممكن عند المتكلمين، وأما عند أهل المنطق فالممكن قسمان: خاص وهو المرادف للجائز وعام وهو ما لا يمتنع وقوعه فيدخل فيه الواجب والجائز العقليان ولا يخرج عنه إلا المستحيل العقلي.
(قوله: ما يصح في العقل وجوده وعدمه) أي: ما يجوز العقل وجوده بدلا عن عدمه أي: ما يجوز العقل وجود أفراده في نفس الأمر بدلا عن عدمها ويجوز عدمه بدلا عن وجوده لكونه لا يترتب على واحد منهما محال. والظاهر أن «ما» واقعة على معلوم أو مفهوم أو حكم الصادق بالمحكوم به وعليه والنسبة لا على شيء لأنه اصطلاحا الموجود، فيقتضي أن المعدوم لا يتصف بالإمكان الذي هو الجواز.
نعم، «الشيء» لغة يطلق على الموجود والمعدوم فيجوز جعل «ما» واقعة على شيء باعتبار معناه اللغوي لا الاصطلاحي وهو بمنزلة الجنس. وقوله: «في العقل» متعلق بـ «يصح» وهو بمنزلة الفصل خرج به المحال لأن العقل لا يجوز وجود أفراده. وخرج الواجب أيضا لأن العقل لا يجوز عدم أفراده في نفس الأمر لأنها واجبة الوجود فيه.
بقي شيء آخر: وهو أن قياس تعريفي الواجب والمستحيل أن يقال: والجائز ما يتصور في العقل وجوده وعدمه. والظاهر أن النكتة في التعبير بالصحة الإشارة إلى أن المراد ما هو المتبادر إلى الفهم منها وهو مجرد إمكان تصور وجوده وعدمه في العقل وإن لم يوجد ذلك التصور فيه بالفعل، بل ولو لم يوجد عقل بالكلية بخلاف ما لو قال ما تقدم فإنه يتبارد منه أن المراد ما يتصور في العقل بالفعل. وذكر بعضهم أنه للتفنن.
وأورد على التعريف أنه غير جامع لخروج الأحوال في حق الحادث منه لأنه قال: ما يصح وجوده وعدمه والأحوال لا تقبل الوجود والعدم فهي خارجة من الحد والمطلوب دخولها. فإما أن يقال: المراد بالوجود التحقق في نفس الأمر والأحوال متحققة في نفس الأمر وإن لم تكن موجودة في خارج الأعيان. أو أنه مر على طريقة الأشعري من نفي الأحوال.
ويرد عليه أيضا عدم العوالم فيما لا يزال فإنه جائز ومع كونه جائزا لا يقبل الوجود ولا العدم. أما عدم قبوله الوجود فلأن الشيء لا يقبل ضده وأما عدم قبوله العدم فلأن الشيء لا يقبل نفسه فهو أيضا خارج عن الحد والمطلوب دخوله فيه.
وأجيب بأن الأعدام فيما لا يزال موجودة في نفس الأمر ومتحققة فيه. وقول المعترض: أنها لا تقبل الوجود ولا العدم إن أراد أنها لا تقبل الوجود في خارج الأعيان فمسلم لكن ليس كلامنا فيه، وإن أراد أنها لا تقبل الوجود والتحقق في نقس الأمر فممنوع.
(قوله: يعنى أيضا إما ضرورة إلخ) أي: وتجويز العقل لوجوده ولعدمه إما ضرورة وإما بعد سبق نظر أي: بعد نظر سابق محتاج له. وعدوله عن قوله في المستحيل يعنى ابتداء أو بعد سبق نظر وجمعه في الواجب بين قوله: «ابتداء» و«بلا سبق نظر» تفنن.
(قوله: بخصوص الحركة مثلا) أي: أو بخصوص السكون أو بالاجتماع أو بالافتراق
(قوله: صحة وجودها للجزم) أي: جواز وجودها للجرم. ويدرك جواز عدمها له لكونه لا يلزم على وجودها له محال ولا يلزم على عدم وجودها له محال
(قوله: تعذيب المطيع) أي: ولو ملكا أو ما هو أفضل منه. ولا ينافي هذا ما ورد من القطع بعدم ذلك بمقتضى الوعد الكريم لأن الكلام في الجواز العقلي لا الوقوعي. ولهذا قالوا: إن الله لا يغفر أن يشرك به بإجماع المسلمين.
ثم اختلفوا في أنه هل يجوز عقلا الغفران له أم لا؟ فذهب أهل السنة إلى الجواز عقلا وإنما علم عدمه من السمع، وذهبت المعتزلة إلى أنه ممتنع عقلا إذ لا حسن فيه حتى يدرك العقل جوازه وتبعهم بعض الحنفية.
(قوله: لم يعص الله قط طرفة عين) أي: لم يعص الله أبدا في زمان قدر طرفة عين وطرفة العين غلق الجفن على العين ثم فتحه. والمراد أنه لم يقع منه عصيان أصلا
(قوله: في حقه) أي: المطيع
(قوله: عقلا) أي: فإن العقل إنما يحكم بالجواز من جهة العقل لا من جهة الشرع لأن العقل إنما يحكم من جهته بإثابة الطائع المذكور لا بتعذيبه.
والحاصل: أن الطائع الذي لم يصدر منه عصيان يحكم العقل بجواز تعذيبه من جهة العقل أي: من جهة استناده للدليل العقلي ويحكم بإثابته من جهة الشرع أي: من جهة استناده للدليل الشرعي.
(قوله: في برهان الوحدانية) أي: وهو أن يقال: لو وجد إلهان لزم إما أن يتفقا وإما أن يختلفا لكن اللازم باطل بقسميه فبطل الملزوم وهو تعدد الإله وثبت نقيضه وهو وحدته. وبيان بطلان اللازم أنهما لو اختلفا فإن نفذ مرادهما وحصل الممكن بقدرتيهما لزم اجتماع النقيضين أو الضدين. وإن نفذ مراد أحدهما دون الآخر كان من لم ينفذ مراده عاجزا لعدم تعلق قدرته وإرادته وما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر.
وإن اتفقا فإن نفذ مرادهما وحصل الممكن بقدرتهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن حصل بقدرة أحدهما كان من لم تتعلق قدرته بذلك الممكن عاجزا لعدم تمام تعلق قدرته وما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر وعجز الإله محال.
(قوله: ويعرف أن الأفعال كلها) أي: سواء كانت اضطرارية أو اختيارية مخلوقة لمولانا. وإنما خص الأفعال بالذكر وإن كانت الذوات والصفات مخلوقة لله أيضا لأنها في الجملة محل الخلاف بيننا وبين المعتزلة أو لأن الكلام فيها، ولهذا أتى بالتعميم بعد ذلك.
(قوله: لا أثر) أي: لا تأثير إلخ. وهذا لازم لقوله: «إن الأفعال كلها مخلوقة لله»
(قوله: فيلزم من ذلك) أي: من كون العقل إنما يحكم بجواز التعذيب بعد النظر في برهان الوحدانية. ويحتمل أن اسم الإشارة راجع لقوله: «لا أثر لما سواه.»
(قوله: والطاعة والمعصية) الظاهر أنه أراد بالطاعة الواجبات والمندوبات ومثلها المباحات. وأراد بالمعصية المحرمات ومثلها المكروهات وحينئذ فيكون عطف الطاعة والمعصية على الإيمان والكفر من عطف العام على الخاص
(قوله: وأن كل واحد إلخ) عطف على استواء وهو بيان للمستوى فيه المشار له بقوله: «استواء الإيمان إلخ» أي: استواء هذه الأمور مع أن كل واحد يصلح أن يكون إلخ.
وقوله: «من هذه» أي: الأمور الأربعة المذكورة وسكت عن المباح والمكروه للعلم بهما بطريق المقايسة
(قوله: يصلح أن يجعل) أي: يجعله الله
(قوله: على ما جعل الآخر علامة عليه) أي: من الإثابة والتعذيب كأن يجعل الطاعة والإيمان علامة على التعذيب والكفر والمعصية علامة على الإثابة.
والحاصل: أن المولى جعل الإيمان والطاعة علامة على دخول الجنة وجعل الكفر والمعصية علامة على دخول النار. ولو جعل المعصية علامة على دخول الجنة والطاعة علامة على دخول النار لصح ذلك عقلا إذ لا يترتب على ذلك محال. ويؤخذ من هذا أنه يجوز عقلا إثابة العاصي لأجل عصيانه وتعذيب الطائع لأجل طاعته.
(قوله: والظلم على مولانا إلخ) هذا علة لمحذوف أي: وليس في جعل أحدهما علامة على ما جعل الآخر علامة عليه ظلم لأن الظلم على مولانا محال، فلا تتعلق به قدرته، لأنها إنما تتعلق بالممكنات.
قوله: (كيفما فعل أو حكم) «ما» زائدة أي: الظلم عليه مستحيل في أي فعل فعله سواء كان حسنا بالنسبة لما عندنا أو كان قبيحا كأن أنزل علينا نارا أحرقتنا، وكجعل الدنيء منزلة مرتفعا على غيره وجعل العلي منزلة منخفضا عن غيره، وفي أي حكم حكم به كأن يحكم بوجوب مائة صلاة في اليوم والليلة، وبهذا التقرير ظهر لك مغايرة قوله «فعل» لقوله «حكم» فتدبر.
قوله: (إذ الظلم ... إلخ) علة لقوله «والظلم على مولانا مستحيل» قال السيوطي: الظالم هو من يتصرف في ملك غيره بما لم يأذن له فيه، والله سبحانه وتعالى هو المالك المطلق يتصرف في ملكه كيف يشاء ويؤخذ منه تعريف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير بما لم يؤذن له فيه.
قوله: (على خلاف الأمر) أي: والنهي والإباحة بأن يترك الشخص الصلاة التي أمر الله أو يرتكب الزنا الذي نهى الله عنه.
قوله: (هو الآمر) أي: أمر إيجاب أو ندب.
قوله: (الناهي) أي: نهي تحريم أو كراهة.
قوله: (فلا أمر ولا نهي) أي ولا إباحة.
قوله: (ممن سواه) غلب العاقل على غيره فعبر بـ«من» ويؤيده قوله «بعد إذ كل من سواه» إلخ لأن المتوهم فيه ذلك هو العاقل.
قوله: (ملْك له) بكسر الميم أي: مملوك له فلم يكن هناك من هو أعلى من الله حتى يأمره أو ينهاه.
قوله: (لا يبدئ شيئا) أي: لا يوجد شيئا ابتداء.
قوله: (ولا يعيده) أي: لا يوجده بعد العدم.
قوله: (ولا أثر له في شيء) أي: ولا تأثير لمن سواه في شيء لا بطريق الإيجاب ولا بطريق التولد ولا بغير ذلك من الطبيعة ونحوها.
قوله: (البتة) همزته همزة قطع ومعناه قطعا.
قوله: (ولا شريك له) عطف على قوله «إذ كل من سواه» إلخ فهو عطف علة على علة.
قوله: (في مُلكه) بضم الميم يطلق على المخلوقات ويطلق على التصرف فيها، وكل منهما يصح إرادته هنا.
قوله: (لا يسئل عما يفعل) اعلم أنه وقع خلاف في فعل الله فقيل: أنه لابد له في كل فعل من حكمة وتلك الحكمة تارة نطلع عليها، وقيل: ليس ذلك بلازم ولا يسئل عما يفعل أي: لا ينبغي السؤال عن حكمة فعله، وعلى ذلك القول جرى الشارح حيث قال «ولا يسئل عما يفعل». والمراد بالسؤال المنفي السؤال الذي فيه شائبة اعتراض أما السؤال على سبيل الاسترشاد فقد وقع كثيرا.
قوله: (فصح إذن) أي: فإذا نظر في برهان الوحدانية وعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لله صح إذن أي: وقت أن نظر في برهان الوحدانية وعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لله فالتوين عوض عن الجملة.
قوله: (أن يدرك العقل) أي: إدارك العقل وهو فاعل صح.
وقوله: (لكل من المؤمن ... إلخ) متعلق بصحة من قوله «صحة وجود الثواب» التي هي مفعول يدرك أي: فصح إدراك العقل وقت إذ نظر في برهان الوحدانية فعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لله صحة وجود الثواب إلخ لكل مؤمن أي: جواز وجوده عقلا لكل مؤمن إلخ، فالمراد بالصحة الجواز عقلا والمراد بالثواب مقدار من الجزاء تفضل المولى به على من يشاء من عبيده في نظير أعمالهم الحسنة.
قوله: (أو عدمهما) عطف على وجود.
قوله: (واختصاص ... إلخ) اختصاص مبتدأ خبره قوله «إنما هو بمحض اختيار مولانا» وقوله «كل واحد» أي: من المؤمن والكافر والمطيع والعاصي.
قوله: (بما اختص به من ذلك) أي: مما اختص به من المذكور وهو الثواب والعقاب أو عدمهما.
قوله: (بمحض اختيار مولانا) أي: باختياره المحض أي: الخالص من شوائب الجبر والأغراض.
قوله: (اقتضى ذلك) أي: الاختصاص المذكور.
قوله: (لجواز هذا المعنى) أي: لجواز وجود الثواب أو العقاب أو عدمهما، وعبر هنا بالجواز وفيما سبق بالصحة تفننا.
قوله: (على تحقيق النظر الذي قدمنا) أي: الذي قدمناه وهو النظر في برهان الوحدانية ومعرفة أن الأفعال كلها مخلوقة لله إلخ.
قوله: (فبان لك) أي: فظهر لك بهذا التقرير السابق.
قوله: (كما انقسم القسمان اللذان قبله) وهما الواجب والمستحيل، وهذا تأكيد لما استفيد من قوله أيضا.
قوله: (واتضح بهذا) أي: بانقسام كل من الواجب والمستحيل والجائز إلى ضروري ونظري.
قوله: (أن الأقسام الثلاثة) أي: وهي الواجب والمستحيل والجائز.
قوله: (قد تفرعت) ضمنه معنى انتهت فلذا عداه بـ«إلى».
قوله: (من ضرب ... إلخ) أي: حاصلة تلك الأقسام الستة من ضرب ثلاثة الواجب والمستحيل والجائز في اثنين وهما الضروري والنظري.
قوله: (وإنما قيدنا الصحة بالعقل) أي: ولم نطلقها بأن نقول ما يصح وجوده وعدمه، والمناسب لقوله في التعريف ما يصح في العقل أن يقول وإنما قيدنا الصحة بقولنا في العقل لأن التقييد وقع بمجموع الجار والمجرور لا بالمجرور وحده.
قوله: (في حق) أي: في جانب الجائز.
قوله: (ليدخل فيه) أي: في الجائز نحو «جواز» إلخ أي: ولو أطلقناها لم يدخل لأنه لا يجوز العذاب في حقه شرعا مع أنه ممكن والظاهر أن هذا التقييد ضروري مع التعبير بالصحة لأنها كما قال القرافي ثلاثة أقسام عقلية وعادية وشرعية فيجب في مقام التعريف التقييد لدفع مزاحمة الغير. وقوله «نحو جواز العذاب في حق المطيع فيه» أن المراد: دخول عذاب المطيع لأنه هو الذي من أفراد الجائز لا جواز عذابه فالأولى حذف «جواز» إلا أن يقال: إنه من إضافة الصفة إلى الموصوف والمعنى: ليدخل فيه العذاب الجائز في حق المطيع ونحوه من إثابة العاصي والكافر.
قوله: (فإن العقل ... إلخ) هذا علة للمعلل مع علته أي: وتقييدنا الصحة بكونها في العقل لدخول عذاب المطيع لأن العقل إلخ.
قوله: (بصحة) أي بجواز. وقوله: وجوب العذاب أي: عذاب المطيع فـ«أل» للعهد أو إنها عوض عن المضاف إليه.
قوله: (في حقه) أي: في حق الله تعالى.
قوله: (بمعنى ... إلخ) أي: وصحة وجود العذاب عدمه من الله بمعنى إلخ لا بمعنى رفع الحرج عن الله في ذلك وكونه مخيرا فيه لأنه ليس هناك من هو أعلى من الله حتى إنه يرفع عنه الحرج في ذلك ويخيره فيه.
قوله: (أنه) أي: الحال والشأن.
قوله: (كل منهما) أي: العذاب وعدمه.
قوله: (لم يلزم من وقوعه نقص) أي: لأنه مالك لجميع الأشياء والمالك لا يلحقه نقص فيما يصنعه في ملكه.
قوله: (بمحض فضله) أي: بفضله المحض أي: الخالي عن شائبة الجبر.
قوله: (وهو) أي: أحد الأمرين.
قوله: (الثواب والنعيم المقيم) قد علمت أن الثواب مقدار من الجزاء تفضل الله به على من يشاء من عباده في مقابلة أعمالهم الحسنة، وأما النعيم فهو ما أعطاه الله لعباده من النعم كان في مقابلة عمل أو لا بأن كان تفضلا منه سبحانه وتعالى، وحينئذ فعطف النعيم على الثواب من عطف العام على الخاص.
وقوله: (المقيم) أي: الدائم.
قوله: (كما اختار تعالى بعدله للكافر ... إلخ) انظر ما أحسن صنيع الشارح حيث ترك العاصي في هذه الجملة ولم يتعرض له إشارة إلى أنه محل للترك والعفو كرما فيجوز شرعا أن يعفو عنه، وبه يعلم أن محل الخلاف في إثابة العاصي هل هي جائزة شرعا أو عقلا غير العفو، وأما العفو فهو جائز واقع.
قوله: (الجائز الآخر) مفعول اختار.
قوله: (الأليم) أليم فعيل إما بمعنى مُفْعِل بكسر العين أي: المؤلـِم بكسر اللام وإما بمعنى مُفْعَل بفتح العين أي: المؤلَـم بفتح اللام، ويكون كناية عن شدة الألم حتى كأن العذاب هو المؤلَـم بفتح اللام.
قوله: (للجرم) أي: الكائنين للجرم.
قوله: (لأقسام الحكم العقلي) أي: للضروري من أقسام الحكم العقلي لا للنظري منها لأن كل ما ذكره من ثبوت أحدهما لا بعينه أو ثبوت أحدهما بعينه أو نفيهما فهو ضروري. وقوله «لأقسام الحكم العقلي» على حذف مضاف أي: لأقسام متعلق الحكم العقلي وهو النسبة التامة.
وقوله: (أن يمثل بهما) أي: بنسبتهما للجرم، وبهذا اندفع ما يقال إن في كلامه تدافعا لأن قوله أولا.
واعلم أن الحركة والسكون يصح أن يمثل بهما لأقسام الحكم العقلي يقتضي أنهما من أقسام الحكم العقلي وأن نفس الحركة مثلا هو الواجب مثلاً، وقضية قوله «فإن الواجب ثبوت أحدهما» إلخ أن الواجب مثلا نفس ثبوت الحركة لا نفس الحركة وهذا تدافع وتناف.
قوله: (فالواجب العقلي ثبوت ... إلخ) كان المناسب للشارح أن يفرض الأقسام الثلاثة إما في جانب الثبوت بأن يقول: فالواجب ثبوت أحدهما لا بعينه، والمستحيل ثبوتهما معا، والجائز ثبوت أحدهما بعينه، أو في جانب النفي بأن يقول: فالواجب نفي أحدهما لا بعينه، والمستحيل نفيهما معا، والجائز نفي أحدهما بالخصوص.
والشرح قد لفق بين جانب الثبوت والنفي فاعتبر النفي في جانب المستحيل واعتبر الثبوت في جانب الواجب والجائز، وإنما كان ثبوت أحدهما بعينه أو نفيه جائزا لأن العقل يجوز وجود ذلك الأحد المعين ويجوز عدمه، وإنما كان ثبوتهما أو نفيهما محالا لأن ثبوتهما يؤدي لاجتماع الضدين، المؤدي لاجتماع النقيضين وهو محال بالبداهة، ولأن نفيهما يؤدي لعرو الجرم عن الحركة والسكون وهو محال، فتعين أن يكون ثبوت أحدهما لا بعينه واجبا.
قوله: (أحدهما لا بعينه) يعنى أن المراد به القدر المشترك بينهما وهو مفهوم أحدهما المتحقق في هذا، وهذا ويحتمل أن المرد به ما صدق عليه ذلك المفهوم أي: الفرد الخارجي غير المعين.
قوله: (واعلم أن معرفة ... إلخ) معرفة اسم أن وخبرها قوله مما هو ضروري.
وقوله: (وتكريرَها) إما بالرفع مبتدأ خبره قوله «تأنيس»، أو على حذف مضاف أي: ذو تأنيس، أو أن تأنيس مبتدأ خبره محذوف أي: فيه تأنيس والجملة خبر تكرير والجملة على كل حال معترضة بين المبتدأ والخبر.
وإما بالنصب عطفا على «معرفة» وقوله «تأنيسا» بالنصب مفعول لأجله أي: تكريرها لأجل التأنيس، وهذا إنما يصح على نسخة «تأنيسًا للقلب» بالنصب والتنوين وكذا على نسخة «تأنيسَ القلب» بالإضافة لا على نسخة «تأنيٌ للقلب» بالرفع مع التنوين ولام الجر.
وقوله: (بأمثلتها) متعلق بتكرير، والباء للملابسة أي: تكريرها ملتبسا بأمثلتها من إلتباس المتعلِق بالكسر بجزئي المتعلَق بالفتح كما يظهر لك.
وقوله: (حتى لا يحتاج ... إلخ) يصح في «حتى» أن تكون تعليلية للتكرير أو للحكم عليه بأن فيه تأنيسا أو بأنه ذو تأنيس على ما سبق، ويصح أن تكون غائية للتكرير، وأن تكون بمعنى فاء التفريع هذا ما يتعلق بهذه العبارة من حيث الإعراب.
وأما من حيث المعنى فنقول: المراد بالمعرفة التصورية والمراد بالأقسام الثلاثة الواجب والمستحيل والجائز التي هي أقسام لمتعلق الحكم العقلي الذي هو النسبة التامة أو المحكوم به أو عليه على ما سبق.
والمراد تصور مفاهيم هذه الأقسام الثلاثة لا تصور ماصدقاتها التي بعضها ضروري وبعضها نظري، والمراد بتكريرها إجراؤها على القلب وملاحظتها كثيرا لا إجراؤها على اللسان، والمراد بأمثلتها جزئياتها، والمراد بالفكر الذهن، والمراد بمعانيها مفاهيمها.
والمرد بقوله «ضروري» أنه واجب متعين على كل مكلف والمعنى: أن تصور مفاهيم تلك الأقسام الثلاثة مما هو واجب على كل مكلف يريد الظفر بمعرفة الله، وتكريرها أي: وإجراؤها على القلب كثيرا إجراء ملتبسا بأمثلتها لأجل أن لا يحتاج الذهنُ في استحضار معانيها إلى كلفة أصلا فيه تأنيس للقلب أو ذو تأنيس للقلب.
وفائدة تأنيس القلب بتكريرها بأمثلتها رسوخ ذلك التصور واستحضاره بأدنى التفات إليه عند الحاجة له، وهذا على جعل «حتى» تعليلية،
وأما على جعلها غائية فالمعنى وتكريرها بأمثلتها تكريرا مستمرا حتى لا يحتاج الخ فيه تأنيس للقلب.
وأما على جعلها بمعنى فاء التفريع فالمعنى: وتكريرها بأمثلتها تكريرا مستمرا حتى لا يحتاج إلخ فيه تأنيس للقلب وأما على جعلها بمعنى فاء التفريع فالمعنى وتكريرها بأمثلتها فيه تأنيس للقلب ويتفرع على ذلك أنه لا يحتاج الفكر إلخ،
كأن تلاحظ:
أن الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه كالواحد نصف الاثنين،
وأن المستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده ككون الجزء أعظم من الكل،
وأن الجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه ككون الجرم متحركا.
وإنما كانت معرفة هذه الأقسام الثلاثة وتصور مفاهيمها واجبة على كل مكلف أراد الفوز بمعرفة الله لأن تصور مفاهيم هذه الأقسام الثلاثة من مبادئ علم الكلام، فالشروع فيه يتوقف على تصورها؛ لأن صاحب علم الكلام تارة يثبت هذه الثلاثة وتارة ينفيها، فإذا كان الشارع في هذا الفن غير متصور لها لم يعلم ما أثبت ولا ما نفى.
وبهذا تعلم أن قول المصنف «اعلم أن الحكم العقلي» إلخ مقدمة كتاب لأنها ألفاظ قُدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه، لا مقدمة علم.
قوله: (ضروري ... إلخ) اعلم أن الضرورة إن عديت باللام كان معناها اللزوم وعدم الانفكاك كقولك: الناطق ضروري للإنسان أي: لازم له لا ينفك عنه، وإن عديت بـ«على» كما هنا كان معناها الوجوب والتأكد، وسيأتي أن تلك المعرفة نفس العقل وحينئذ فلا معنى لقوله «إنها واجب على كل مكلف» ولا لقوله «يريد الفوز» إلخ لأن تلك المعرفة ثابتة لكل عاقل أراد الفوز أم لا.
وأجيب بأن المرادَ بمعرفة الأقسام الواجبة معرفتها من حيث إنها مدلولات للفظ الواجب ولفظ المستحيل ولفظ الجائز وحينئذ صح تعلق الوجوب بها والتقييدُ بقوله «يريد الفوز» إلخ والمرادَ بالمعرفة الآتية التي هي نفس العقل معرفة تلك الأقسام لا من حيث إنها مدلولة لتلك الألفاظ، والمراد بالوجوب التأكد لا الوجوب بمعنى ترتب العقاب على الترك.
قوله: (عاقل) أي: متصف بشروط التكليف.
قوله: (يريد أن يفوز) أي: يظفر.
(قوله: بل قد قال إمام الحرمين وجماعة إن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل) قيل المراد بالمعرفة في كلامه التي هي نفس العقل المعرفة التصورية، أي: تصور مفاهيم تلك الأقسام الثلاثة.
والمراد بالعقل أصل العقل لا العقل الكامل وذلك لأن من عنده أصل العقل يعرف أن هناك:
- أمورا لا تقبل العدم ككون الواحد نصف الاثنين،
- وأمورا لا تقبل الثبوت ككون الجرم ليس بمتحرك ولا ساكن،
- وأمورا تقبل الثبوت والانتفاء ككون الجرم متحركا فقط،
ومن لم يعرف تلك الأمور الثلاثة فليس بعاقل أصلا، وهذا القيل هو المتبادر من كلام الشارح وارتضاه جماعة من الأشياخ.
ولا يقال: إنه يلزم عليه أن أكثر العوام ليسوا بعقلاء لأنهم لا يعرفون مفاهيم تلك الأقسام لأن المراد بمعرفتها في كلامه معرفتها لا من حيث إنها مدلولات للفظ الواجب ولفظ المستحيل ولفظ الجائز، والمعرفة بهذا المعنى مركوزة في ذهن العوام قصروا عن التعبير عنها بتلك الألفاظ، وعن معرفة كون تلك المفاهيم مدلولات لتلك الألفاظ.
وعلى هذا التقرير يتجه الإضراب في قوله «بل قال إمام الحرمين» إلخ وذلك لأنه لما ذكر أولا أن معرفة تلك الأقسام الثلاثة وتصور مفاهيمها مما هو ضروري على كل عاقل يفهم منه أن تلك المعرفة ليست نفس العقل، فأضرب عن ذلك ونقل عن إمام الحرمين أنها نفس العقل.
وقيل: إن المراد بالمعرفة المعرفة التصديقية وأن المراد بقول إمام الحرمين «إن معرفة تلك الأقسام الثلاثة» هي نفس العقل أن التصديق ببعض الضروري من تلك الأقسام الثلاثة هو نفس العقل لا أنه تصور مفاهيم تلك الأقسام الثلاثة ولا التصديق بالنظري منها ولا بكل الضروريات منها، بل هو التصديق ببعض الضروري منها كالتصديق بوجوب افتقار الأثر إلى مؤثر، وكالتصديق بامتناع اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين، وبأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، وبأن الموجود لا يخرج عن كونه قديما أو حادثا، وكالتصديق بجواز تحرك الجرم تارة وسكونه أخرى، وبأن النار محرقة وأن الشمس تطلع كل يوم من المشرق ونحو ذلك، والحاصل أن العقل عند إمام الحرمين على هذا القول بعض علوم ضرورية وهو التصديق ببعض الضروريات من الواجب والجائز والمستحيل، واستدل لذلك بدليل السَّبْر المذكور في المطولات،
ولكن الحق أن العقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية وليس من قبيل العلوم.
قوله: (فمن لم يعرف معانيها) أي: فمن لم يتصور مفاهيمها.
قوله: (فليس بعاقل) أي: بل هو مجنون، وليس المراد فليس بعاقل عقلا تاما لما سبق.