قوله: (وبعد) الواو للاستئناف والظرف معمول لمحذوف أي: وأقول بعد ما تقدم، والفاء زائدة لتزيين اللفظ أو تنزيلا للظرف منزلة الشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ﴾ إلخ.
ويحتمل أن الواو نائبة عن «أما» النائبة مناب «مهما» وحينئذ فالظرف معمول للجزاء والفاء واقعة في جواب «أما» التي نابت عنها الواو.
قوله: (اللبيب) أي: ذو اللب وهو العقل الكامل، وكأنه قال: العاقل الكامل العقل.
قوله: (في هذا الزمان) أي: الزمان الحاضر وهو زمان المصنف وما قرب منه. إن قلت: كما أن اشتغال العاقل بإتقان عقائد التوحيد في هذا الزمان أهم كذلك اشتغاله بإتقانها في غير هذا الزمان أهم.
قلت: الأهمية وإن كانت موجودة في غيره إلا أن زمنه أهم الأهم لكثرة أهل البدع فيه وقلة من يتصدى للرد عليهم.
واختلف في الزمان، فقيل: إنه حركة الفلك، وقيل: نفس الفلك، وقيل: متجدد موهوم قارنه متجدد معلوم إزالة للإبهام، وقيل: نفس المقارنة المذكورة أي: أنه مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم كمقارنة إتيانك لطلوع الشمس.
قوله: (الصعب) أي: الصعب أهله لعدم انقيادهم للحق، أو الصعب بسبب ما يقع فيه من المصائب والمحرمات لا أن الزمان نفسه صعب.
قوله: (فيمـا يُـنْـقِـذُ) أي: يخلص.
قوله: (مهجته) أي: نفسه، والمراد بها هنا: روحه وجسده وإن كانت النفس في الأصل خصوص الروح.
قوله: (من الخلود) المراد به هنا طول المكث لا الإقامة على طريق التأبيد، أوفي الكلام حذف مضاف أي: من توقع الخلود، فاندفع ما يقال: إن كلامه يقتضي أن المقلد يخلد في النار لعدم إتقانه لعقائد التوحيد، مع أن التحقيق أنه مؤمن عاص ولا يخلد في النار.
قوله: (وليس ذلك) أي: إنقاذ المهجة من الخلود فالمشار إليه الإنقاذ المفهوم من ينقذ.
قوله: (إلا بإتقان عقائد التوحيد) المراد بإتقانها: معرفتها بالدليل ولو إجماليا. والمراد بمعرفتها: اعتقادها اعتقادا جازما. والعقائد جمع عقيدة بمعنى معتقدة، وهي النسبة التامة كثبوت القدرة لله. والمراد بالتوحيد هذا الفن. وإضافة إتقان للعقائد من إضافة المتعلِّق بكسر اللام للمتعلَّق بفتح اللام. وإضافة العقائد للتوحيد لأدنى ملابسة لأن العقائد تُذكر فيه وكأنه قال: إلا باعتقاد العقائد التي تكلم عليها أهل هذا الفن اعتقادا جازما مطابقا للواقع ناشئا عن دليل.
قوله: (العارفون) أي: بالعلوم فلم يقعوا في الزلات أي: لا على الوجه الذي قرره بعض أهل السنة الذين وقعوا في بعض الأحيان في الزلة لعدم معرفتهم بالعلوم كالمعتزلة القائلين بأن أفعال العبد مشتركة بين قدرته وقدرة ربه.
قوله: (الأخيار) لازم لما قبله.
قوله: (وما أندر ... إلخ) «ما» تعجبية مبتدأ. و«أندر» فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا عائد على «ما» و«من» مفعوله. وجملة «يتقن» صفة لـ«من». وجملة «أندر» خبر «ما» أي: وما أشد ندرة من يتقن ذلك أي: من يعتقد عقائد التوحيد اعتقاد جازما على الوجه الحق.
قوله: (في هذا الزمان) أي: زمنه لأنه كان فيه من يدعي المعرفة وهو يعتقد اعتقادا فاسدا، وأما في زماننا فالمتقنون لتلك العقائد كثير.
قوله: (الذي فاض فيه بحر الجهالة) الفيض سيلان الماء بجانب الوادي لكثرته، والبحر هو الماء الكثير الأمواج لا مجرى الماء، وإضافة بحر للجهالة من إضافة المشبه به للمشبه أي: الذي فاض أي: كثر فيه الجهالة أي: الجهل الشبيه بالبحر. و«فاض» ترشيح للتشبيه لملاءمته للمشبه به مستعار لكثر استعارة تبعية.
قوله: (وانتشر) أي: تفرق.
قوله: (أيَّ انتشار) مفعول مطلق عامله انتشر أي: انتشر فيه الباطل انتشارا أيَّ انتشار أي: انتشارا كثيرا.
قوله: (ورمى) عطف على فاض، وفاعله ضمير مستتر عائد على بحر الجهالة، لا على الباطل لمناسبة قوله «بأمواج» والمفعول محذوف أي: الناس.
وقوله: (في كل ناحية) ظرف لغو متعلق بـ«رمى» أو مستقر في محل نصبٍ على الحال. وقوله «بأمواج» متعلق بـ«رمى» والباء فيه للملابسة. والأمواج جمع موج وهو ما يرتفع من الماء عند هبوب الريح.
وإضاقة أمواج لما بعده من إضافة المشبه به للمشبه أي: ورمى بحر الجهالة الناس أي: تركهم في كل ناحية من الأرض أو رماهم حالة كونهم كائنين في كل ناحية من الأرض ملتبسين بإنكار الحق الشبيه بالأمواج في الكثرة.
ويحتمل أن تكون الباء في «بأمواج» زائدة في المفعول، والإضافة فيه كما سبق ويكون المعنى ورمى أي: طرح بحر الجهالة إنكار الحق الشبيه بالأمواج في كل ناحية من الأرض، وعليه فلا حذف في الكلام وهذا الاحتمال أحسن مما قبله.
قوله: (وبغض أهله) أي: أهل الحق، وهو عطف على أمواج وكذا تزيين.
وقوله: (بالزخرف) متعلق بتزيين. والغار بالغين المعجمة اسم فاعل من الغرور أي: وبالزخرف الذي يغر الناس، والزخرف: كلام ظاهره حق وباطنه باطل كقول المعتزلة: العبد لو لم يخلق أفعال نفسه الاختيارية لما عذب على القبيح منها، لكن التالي باطل فبطل المقدم وهو عدم خلقه لأفعاله الاختيارية، فثبت نقيضه وهو خلقه لها.
قوله: (اليوم) أي: زمن المصنف وهو ظرف لوفق أي: وما أسعد من وفق في هذا الزمان لتحقيق عقائد إيمانه. ويصح أن يكون ظرفا لأسعد والمعنى: أن الموفق لتحقيق عقائد إيمانه ما أشد سعادته في هذا الزمان. ولا يقال: إن السعادة دائمة لا مقيدة بذلك الزمان؛ لأنا نقول: لما كان سببها التوفيق في ذلك الزمان صار الملتفت له حصولها في ذلك الزمان وإن استمرت بعد ذلك.
قوله: (من وفق) التوفيق خلق قدرة في العبد على الطاعة، وحينئذ فيرتكب فيه التجريد بأن يراد به هنا خلق القدرة فقط لأجل قوله «لتحقيق عقائد» إلخ.
قوله: (لتحقيق) أي: لإثبات تلك العقائد في قلبه بالدليل هذا مراده.
قوله: (عقائد إيمانه) الإيمان هو التصديق بما جاء به النبي ﷺ من العقائد والأحكام، وإضافة عقائد إليه من إضافة المتعلَّق بالفتح للمتعلِّق بالكسر.
قوله: (ثم عرف بعد ذلك) أي: بعد تحقيق عقائد إيمانه، وثم هنا لمجرد الترتيب لا له وللتراخي.
قوله: (ما يضطر) أي: ما يحتاج.
قوله: (من فروع دينه) الفروع: الأحكام مطلقا سواء كانت يتدين بها أم لا. والدين مجموع الأحكام التي يتدين بها ويتعبد بها، فالإضافة من إضافة العام للخاص فهي للبيان.
قوله: (في ظاهره) متعلق بيضطر أي: في الأفعال المتعلقة بظاهره كالصلاة.
قوله: (وباطنه) أي: والأفعال المتعلقة بباطنه كالنية.
قوله: (حتى ابتهج) غاية لقوله ثم عرف أي: ثم عرف ما يضطر إليه في أفعاله الظاهرية والباطنية من فروع دينه إلى أن ابتهج إلخ. والابتهاج: السرور.
وقوله: (سره) أي: قلبه والمراد به نفسه أي: إلى أن حصل الابتهاج والسرور لنفسه.
قوله: (بنور الحق) المراد بالحق ما قابل الباطل أعني: الأحكام المطابقة للواقع، وإضافة النور إليه من إضافة المشبه به للمشبه أي: بالحق الشبيه بالنور أو أنه شبه الحق بالشمس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات النور تخييل.
قوله: (واستنار) أي: أنار إنارة تامة كما يؤخذ من السين والتاء. هذا وقد وقع خلاف في النور والضوء فقيل مترادفان، وقيل: النور أعظم بدليل ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾، وقيل: الضوء أعظم من النور بدليل إضافة النور للقمر والضياء للشمس في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾.
قوله: (طرا) أي: جميعا.
قوله: (طاويا) أي: قاطعا يقال طوى الأرض إذا قطعها، وأشار بهذا إلى أنه لا ينوي اكتفاء شر الناس لأن ذلك سوء ظن بهم.
قوله: (إلى أن ينتقل) غاية للاعتزال.
قوله: (بالموت) أي: بسببه وهو أمر وجودي يقتضى عدم الحياة على التحقيق، وقيل هو عدم الحياة.
قوله: (عن فساد هذه الدار) أي: عن هذه الدار أي: الدنيا الفاسدة لما يقع فيها من المفاسد أو الفاسد أهلها فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف.
قوله: (فهنيئا) مفعول لفعل محذوف أي: فهنأه الله هنيئا. وقوله «له» ليس متعلقا بهنيئا ولا بهنأ المحذوف ولا بأعنى محذوفا لأن كلا منها يتعدى بنفسه، وإنما هو متعلق بمحذوف غير ذلك بأن يقال: وإرادتي ذلك الدعاء ثابتة ومتوجهة له.
قوله: (إثر الموت) بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي: عقبه.
قوله: (من نعيم) أي: لجسمه وروحه.
قوله: (سرور) أي: لقلبه وهو من عطف المسبب على السبب.
قوله: (لا يكيف) أي: لا يحاط به ولا يحد بحد.
قوله: (ميزان الأنظار) الأنظار جمع نظر وهو يطلق على ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى أمر مجهول، ويطلق على الفكر وهو حركة النفس في المعقولات وهو المراد هنا. والإضافة من إضافة المشبه به للمشبه أي: ولا يدخل تحت الأنظار الشبيهة بالميزان في أن كلا يعلم به مقدار الشيء أي: ولا يدخل تحت الأفكار أي: لا يدخل تحت الأفكار حتى يعلم قدره ويحاط به.
قوله: (لقد صبر قليلا) أي :صبرا قليلا أو زمانا قليلا فهو نصب على المفعولية المطلقة أو الظرفية وكذا يقال في قوله كثيرا.
قوله: (فسبحان) اسم مصدر وضع موضع المصدر وهو التسبيح بمعنى التنزيه والعامل فيه محذوف أي: فأنزه تنزيها من يخص إلخ.
قوله: (بفضله) يصح أن يراد به الإنعام وأن يراد به المنعم به، والباء داخلة على المقصور، أي أنزه تنزيها من جعل فضله مقصورا على من أراده من عباده أي: على من أراد قصره عليه من عباده.
وقد اشتهر أن العلامة السعد والسيد جوزا دخول الباء على كل من المقصور والمقصور عليه فيقال: أخص الجود بزيد وأخص زيدا بالجود لكن اختلفا في الأكثر منهما، فقال السعد: الأكثر دخولها على المقصور، وقال السيد: الأكثر دخولها على المقصور عليه، وهذا خلاف الصواب. والصواب أنهما متفقان في أن «الأكثر» دخولها على المقصور و«أنَّ» دخولها على المقصور عليه وإن كان عربيا جيدا إلا أنه خلاف الأكثر في الاستعمال.
قوله: (من يشاء) حذف مفعول المشيئة للعلم به أي: من يشاء تخصيصه به من عباده، وأتى بذلك إشارة إلى أن تخصيص بعض العباد بالفضل مربوط بالمشيئة فلا ينال بطاعة ولا بغيرها، ولا يناله إلا من أراده الله له سواء كان طائعا أو غير طائع.
قوله: (ويقرب من يشاء) عطف على يخص أي: وسبحان من يقرب من يشاء تقريبه منه قربا معنويا لا قرب مسافة، والتقريب منه من أفراد الفضل فهو أخص منه نص عليه اعتناء بذلك الخاص لقوته وعظمته.
قوله: (ويبعد من يشاء) أي: إبعاده منه إبعادا معنويا.
قوله: (بمحض الاختيار) أي: باختياره المحض الخالص الخالي عن شوائب الجبر.
قوله: (وقد ألهم ... إلخ) هذا شروع في تعداد نعم ثلاثة أنعم الله عليه بها ذكرها تحدثا بنعمة الله. والإلهام إلقاء الخير في القلب بطريق الفيض لا الاكتساب، قال في القاموس: ألهمه الله خيرا لقنه إياه أي: ألقاه في قلبه، ومفعول ألهم محذوف، ومولانا فاعل أي: وقد ألهمني مولانا أي: ألقى في قلبي.
قوله: (الكثير الشر) أي: الكثير شر أهله.
قوله: (لما لا نطيق) اللام زائدة في المفعول الثاني وليست أصليه متعلقة بألهم لأنه يتعدى للمفعول الثاني بنفسه، قال تعالى: ﴿فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ أي: وقد ألهمني مولانا ما لا نطيق أي: شيئا لا نقدر أن نشكره عليه شكرا يقاومه ويوفي به.
قوله: (من معرفة عقائد الإيمان) بيان لـ«ما» وقد تقدم أن المعرفة هي الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، والعقائد جمع عقيدة بمعنى معتقدة، والإيمان هو التصديق التابع للمعرفة. والإضافة من إضافة المتعلَّق بالفتح للمتعلِّق بالكسر وكأنه قال من الجزم بالعقائد التي تعلق بها الإيمان أي: التصديق.
قوله: (وأنزلها) أي: معرفة عقائد الإيمان وهو عطف على ألهم كالتفسير له.
وقوله: (في صميم القلب) أي: في وسطه وهذا كناية عن تمكن القلب من معرفتها.
وقوله: (بما تحتاج إليه) الباء للملابسة أو المصاحبة وهو متعلق بأنزلها وفاعل تحتاج ضمير عائد على المعرفة.
قوله: (من قواطع البرهان) بيان لما تحتاج إليه، والبرهان: هو الدليل المركب من مقدمات يقينية عقلية، والقواطع: جمع قاطع بمعنى مقطوع به أي مجزوم به.
وإضافة القواطع للبرهان من إضافة الصفة للموصوف أي: من البرهان القواطع. و«أل» في البرهان للاستغراق أي: البراهين القواطع فطابقت الصفة موصوفها في الجمعية، ووصف البراهين بكونها قاطعة وصف كاشف.
ثم إن ما ذكره من احتياج معرفة العقائد للبراهين منظور فيه لغالبها وإلا فثبوت السمع له تعالى والبصر والكلام وكونه سميعا وبصيرا متكلما لا يحتاج لبراهين قطعية بل العمدة في هذه العقائد الستة الدليل السمعي كما يأتي.
قوله: (وَعَلَّمَ) عطف على ألهم وهو يتعدى لاثنين الأول محذوف والثاني قوله جزئيات. وقوله: (قل من يعرفها) صفة لجزئيات، وجملة «سبحانه» اعتراضية للتنزيه أي: وعلمني سبحانه جزئيات موصوفة بقلة من يعرفها إلخ.
قوله: (وإحسانه) عطف تفسير.
قوله: (جزئيات) أي: مسائل جزئية لا كلية.
قوله: (قل من يعرفها) أي: في نفسه وأراد باليوم زمن المصنف.
قوله: (ومن ينبه عليها) أي: وقل من يفيدها لغيره.
قوله: (بالخصوص) أي: بالتعيين والتشخيص أي: تعيينها وتشخيصها وذلك كقول المصنف فيما يأتي إن السمع والبصر يتعلقان بكل موجود فقد عين ما يتعلقان به وشخصه.
وقال السعد في المقاصد: السمع يتعلق بالمسموع والبصر يتعلق بالمبصر وهو محتمل لأن يراد المسموع لله والمبصر لله وهو كل موجود فيكون كلامه مساويا لكلام المصنف، ومحتمل لأن يراد المسموع لنا وهو الأصوات والمبصر لنا كالاجسام والألوان فيكون مخالفا لكلام المصنف. وحينئذ فكلام السعد ليس فيه تعيين وتشخيص للمسموع والمبصر بخلاف كلام المصنف كما علمت.
قوله: (من الأئمة الأعيان) أي: المعتبرين في العلم كالسعد.
قوله: (وأرشد) معطوف على ألهم أيضا وفاعله ضمير يعود على المولى، ومفعوله محذوف أي: وأرشدني المولى لتحقيق.
قوله: (بمحض كرمه) أي: بكرمه المحض أي: الخالص من شوائب الجبر.
قوله: (لتحقيق أمور) أي: لذكرها على الوجه الحق، أو لذكرها ملتبسة بالدليل.
قوله: (من لا يظن به ذلك) «مَن» نائب فاعلِ ابتلى، والمشار إليه بذلك الغلط.
وقوله: (ممن عرف) بيان لـ «من». وقوله «ممن عرف» أي: عند الناس.
(بكثرة الحفظ والإتقان) أي: وعرف بإتقان العلوم وأحكامها، وذلك كالعقباني فإنه كان من المعاصرين للمصنف وكان يعتقد اعتقادات فاسدة كاعتقاده أن كلام الله مركب من الحروف والأصوات وأن صفات الله ممكنة بذاتها واجبة بغيرها، لأن الذات أثرت فيها بطريق العلة.
وكان كثيرا ما تقع المنازعة بينه وبين المصنف، وكابن ذكري كان من المعاصرين للمصنف وكان كثيرا ما يقع بينهما النزاع والجدال، لكن ابن ذكري كان غرضه من المناظرة مع المصنف إظهار الحق والوقوف عليه فكان سنيا، وأما العقباني فكان من المعتزلة.
قوله: (اللهم كما أنعمت فزدنا ... إلخ) أي: اللهم زدنا من فضلك زيادة مشابهة لإنعامك علينا فيما سبق، فالكاف في «كما أنعمت» للتشبيه، و«ما» مصدرية، والفاء في قوله «فزدنا» زائدة، والقصد من ذلك الكلام طلب استمرار النعم عليه.
قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) أي: يا صاحب الجلال إلخ. قيل: المراد بالجلال العظمة والبطش والقهر، والإكرام اللطف والإحسان. وقال بعضهم: المراد بالجلال الصفات السلبية، والمراد بالإ كرام الصفات الثبوتية.
قوله: (من فضلك) الفضل الإنعام أي: بعض فضلك أو زيادة ناشئة من فضلك، فـ«من» للتبعيض أو ابتدائية لكن على جعلها ابتدائية يكون في قوله كما أنعمت حذف أي: كأثر إنعامك فيما سبق.
قوله: (وتمم لنا ذلك) أي: ما أنعمت به علينا.
قوله: (بحسن الخاتمة) أي: بالخاتمة الحسنى وهو مجرد الموت على الإسلام وإن عذب بعد ذلك، ويحتمل أن المراد بها الموت على الإسلام على وجه أكمل بحيث لا يعذب بعد ذلك، ولكن شأن الأكابر الالتفات للأول.
قوله: (والحلول إثر الموت) أي: عقبه، وقضيته أن الميت يدخل الجنة عقب موته مع أنه لا يدخلها إلا بعد مروره على الصراط. وأجيب: بأن المراد دخول الأرواح إذ أرواح المؤمنين تدخل الجنة بعد الموت، ولا ينافي ذلك ما قيل: إن أرواح أموات المؤمنين في البرزخ تتردد فيه لأن البرزخ من القبر للعرش فتدخل فيه الجنة.
قوله: (في دار الأمان) هي الجنة.
قوله: (من المستدرجين) الاستدراج استرسال النعم على العبد عند استرساله على المعاصي حتى يؤخذ بغتة أي: لا تجعلنا من الذين استرسلت عليهم النعم لاسترسالهم على المعاصي حتى تهلكهم.
قوله: (يا ذا الفضل) أي: الإحسان.
قوله: (والامتنان) أي: الإنعام فهو من عطف المرادف، ويطلق الامتنان على تعداد الـمُنعِم النعم على الـمُنعَم عليه، وهو مذموم إلا من الله والشيخ والوالد.
قوله: (فبكرم جلالك ... إلخ) الفاء زائدة لتزيين اللفظ، والجار والمجرور متعلق بمحذوفٍ حالٌ من ضميرِ نعوذ أي: نعوذ بك من السلب إلخ حالة كوننا متوسلين إليك في قبول دعائنا بكرم جلالك، وإضافة كرم إلى الجلال من إضافة الصفة للموصوف. والجلال العظمة أي: بعظمتك الكريمة الشريفة العلية الرتبة.
قوله: (وعلو ذاتك) من إضافة الصفة للموصوف أي: وذاتك العلية المرتفعة ارتفاعا معنويا.
قوله: (ثم برحمتك) المراد بالرحمة هنا المنعم به على العباد المبين بما أبدل منها بقوله سيدنا ومولانا محمد إلخ، وليس المراد بها صفة الذات التي هي الإرادة القديمة لوصفها بالمهداة أي: المعطاة، وتصحيح الوصف باعتبار المتعلق تعسف، وفي إرادة صفة الفعل التي هي الإحسان بُعْدٌ.
وأتى بـ«ثم» التي للتراخي للتفاوت بين المتوسل به أولا وثانيا إذ المتوسل به أولا ذاته القديمة وعظمته، والمتوسل به ثانيا النبي ﷺ وهو حادث.
قوله: (المهداة) أي: التي أهديتها إلينا.
قوله: (نعوذ بك) أي: نتحصن بك، والباء فيه للتعدية.
قوله: (من السلب) أي: سلب ما أعطيته لنا من معرفة عقائد الإيمان وغيرها.
قوله: (بعد العطاء) أي: الإعطاء.
قوله: (ومن غضبك) الغضب غليان الدم الموجب لإرادة الانتقام، وأطلقه وأراد به لازمه القريب وهو إرادة الانتقام أو البعيد وهو الانتقام لاستحالة المعنى الحقيقي عليه تعالى، فالغضب صفة ذات على الأول وصفة فعل على الثاني.
قوله: (الذي لا يطاق) أي: لا يقدر عليه أحد.
قوله: (تُلحِقنا) بضم أوله وكسر ثالثه من ألحق.
قوله: (الخيبة) هي والحرمان بمعنى، وهو عدم بلوغ المقصود، فالمعنى: ونعوذ بك من أن تلحقنا بالذين خابوا وحرموا ومنعوا من نيل مقصودهم، وظهر لك أن عطف الحرمان على الخيبة مرادف.
قوله: (ومن جملة ... إلخ) هذا كلام مستأنف قصد به التحدث بالنعمة، والجار والمجرور خبر مقدم.
وقوله: (أن وفقنا) مؤول بمصدر مبتدأ مؤخر أي: وتوفيق الله لنا في هذا الزمان لوضع عقيدة من جملة نعمه العظيمة أي: من جملة إنعاماته العظيمة، فالنعم جمع نعمة بمعنى الإنعام.
قوله: (ومنَحه) عطف على نعمه، والمنح جمع منحة بمعنى الإعطاء أي: ومن جملة إعطاآته.
قوله: (الفائقة) أي: المرتفعية على غيرها.
قوله: (الكريمة) أي: العظيمة أي: التي لا نظير لها من منح غيرها.
قوله: (بفضله) أي: توفيقا ناشئا من فضله وإحسانه لا بطريق الجبر والقهر.
قوله: (لوضع عقيدة) أي: لتأليف كتاب يسمى بعقيدة لاحتوائه على العقائد من حيث إنه يدل على الألفاظ الدالة على النسب التامة التي هي العقائد. وقولنا: «من حيث إنه» يدل على الألفاظ ولم نقل من حيث إنه ألفاظ دالة على النسب بناء على ما يفهم من كلامه من أن العقيدة اسم للنقوش.
قوله: (صغيرة الـجرم) أي: باعتبار ما حلت فيه من الأوراق إذ هي المتصفة بصغر الجرم حقيقة، وقضيته أن العقيدة اسم للنقوش وهو خلاف التحقيق من أنها اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة. ويمكن تمشيته على التحقيق بأن يقال: قوله «صغيرة الجرم» أي: باعتبار محل دالها، وقوله «كثيرة العلم» أي: باعتبار دلالتها على النسب التامة.
وقوله: (محتوية على جميع عقائد) من احتواء الدال على المدلول، فتأمل.
قوله: (كثيرة العلم) أراد بالعلم النسب التامة، ووصف العقيدة بكثرة النسب باعتبار أنها دالة على الألفاظ الدالة على النسب التامة لأن الموصوف بكثرة العلم بالمعنى المذكور حقيقة الألفاظ والمفهوم من كلامه أنها اسم للنقوش، وبقولنا: أراد بالعلم النسب اندفع ما يقال: العلم إما الإدراك أو الملكة وكل منهما وصف يقوم بالشخص لا بالعقيدة، وحينئذ فلا يصح وصفها بكثرة العلم.
قوله: (محتوية) من احتواء الدال على مدلول مدلوله لأن العقائد هي النسب التامة الجزئية، وهي مدلولة للألفاظ وهي مدلولة للنقوش التي هي مسمى العقيدة على كلامه.
والمراد بالتوحيد علم التوحيد وحينئذ فإضافة عقائد للتوحيد لأدنى ملابسة أي: محتوية على جميع العقائد التي تذكر في ذلك العلم أو من إضافة الشيء إلى كليه، لأن العقائد اسم للنسب التامة الجزئية كثبوت القدرة لله تعالى والإرادة وعدم الوالدية والمولودية.
والتوحيد اسم للقضايا الكلية كقولك كل كمال واجب لله تعالى وكل نقص محال على الله، وقوله «محتوية على جميع عقائد التوحيد» أي: الواجب معرفتها على المكلف تفصيلا وإجمالا، أما احتواؤها على العقائد الواجب معرفتها تفصيلا فظاهر لأنه ذكر فيها العشرين صفة وأضدادها، وأما احتواؤها على العقائد الواجب معرفتها إجمالا فلأن فيها لا إله إلا الله وهي محتوية على جميع العقائد مطلقا.
قوله: (ثم تأييدها) أي: تقوية تلك العقائد، و«ثم» للترتيب المجرد عن التراخي، «وتأييد» عطف على جميع أي: محتوية على جميع العقائد ومحتوية على تأييد العقائد بالبراهين. وقضيته أن العقيدة محتوية على التأييد الذي هو وصف للمؤيد مع أنها إنما هي محتوية على ما به التأييد من البراهين، فكان الأولى أن يقول: ثم على ما به تأييدها من البراهين إلا أن يقال إنه أطلق التأييد وأراد منه التأيد أي: كونها مؤيدة بالبراهين، ويلزم من احتوائها على ما ذكر احتواؤها على البراهين، فتأمل.
ويمكن جعل قوله: «ثم تأييدها» عطفا على قوله «وضع عقيدة» أي: أن وفقنا لوضع عقيدة محتوية على العقائد وأن وفقنا لتأييدها بالبراهين التي ذكرناها فيها وحينئذ فلا يرد الإشكال المتقدم.
قوله: (القريبة) أي: القريبة الإدراك.
قوله: (نظر) أي: فهم.
وقوله: (سديد) أي: صواب أي: القريبة الإدراك لمن له فهم صواب وإن لم يكن ذلك الفهم تاما، فالمحترز عنه بمن له فهم صواب البليد جدا فإنه لا يفهم تلك البراهين لا ذو الفهم غير التام.
قوله: (سمِح) بكسر الميم أي: جاد وفي التعبير بذلك إشارة إلى عزة ذلك الشيء ونفاسته، وأن شأن النفوس أن تشح به، وإنما نفى رؤية سماحة غيره بذلك ولم ينف نفس السماحة به تحريا للصدق لإمكان أن يكون غيره سمح به ولم يره وقد ذكر الشيخ الملوي نقلا عن بعض أشياخه أنه قال قد رأينا من الأقدمين من فعل كما فعل المصنف في هذه العقيدة وكأنه من توارد الخواطر.
قوله: (وهو) أي: ذلك الشيء.
قوله: (أنا شرحنا كلمتي الشهادة) أي: كشفنا وبينا معناهما. وقوله «كلمتى الشهادة» بالتثنية في نسخة وفي نسخة كلمة الشهادة بالإفراد ويناسبها إفراد الضمائر فيما يأتي. وأطلق الكلمة على الجملة المفيدة وهو شائع لغة، وإضافة كلمة للشهادة من إضافة الأعم للأخص.
قوله: (عن معرفتها) أي: معرفة كلمة الشهادة أي: معرفة معناها.
قوله: (وإلى عذب مواردها يشتد عطش المتعطشين ... إلخ) الجار والمجرور أعني قوله «إلى عذب» متعلق بقوله «يشتد» أي: ويشتد عطش المتعطشين إلى عذب مواردها. والجملة عطف على الصلة وهي قوله لاغنى للمكلف عن معرفتها.
ثم أن العذب معناه الحلو، والموارد جمع مورد يطلق على محل ورود الماء ويطلق على الماء المورود وهو المراد هنا، والمعنى ويشتد عطش المتعطشين إلى حلو مائها، وهو مستعار لمعاني كلمة الشهادة، فشبهت تلك المعاني بالماء المورود بجامع حياة النفس بكل، واستعير لها اسمها على طريق الاستعارة المصرحة.
وقوله: (يشتد عطش ... إلخ) ترشيح للاستعارة، وإضافة عذب لما بعده من إضافة الصفة للموصوف، وضمير مواردها لكلمة الشهادة. وقوله «عطش» المراد به لازمه وهو الاشتياق فيكون مجازا مرسلا، وكذا قوله «المتعطشين» المراد لازمه وهو المشتاقون، والمعنى: ويشتد اشتياق المشتاقين إلى معنى كلمة الشهادة العذبة الحلوة.
قوله: (إذ بها) أي: بكلمة الشهادة أي: بذكرها والمداومة عليها وهذا علة لما قبله، والجار والمجرور متعلق بما بعده قدم عليه لإفادة الحصر.
قوله: (تقرع أبواب فضل الله) شبه فضل الله أي: إحسانه بخزائن فيها تحف على طريق الاستعارة بالكناية والأبواب تخييل، وتقرع ترشيح. إن قلت: إنه لا يلزم من قرع الأبواب الدخول مع أنه المقصود. قلت: لما كان شأن القرع الدخول بحسب العادة أطلق وأريد لازمه العادي اذ لا يشترط اللزوم العقلى في المجاز.
قوله: (الدخول) عطف على معنى تقرع أي: إذ بها القرع والدخول.
قوله: (في زمرة المتقين) الزمرة الجماعة، والإضافة للبيان، والدخول فيهم بأن يكون من جملتهم بحيث يعد منهم.
واعلم أن معرفة الله إما أن تكون بالمعاينة القلبية كان هناك قرب أو لا، وإما أن تكون بالأدلة القطعية، وإما أن تكون بالأدلة الظنية الإقناعية، فأشار الشارح بقوله: «مع النبيين إلى من عرف الله بالمعاينة القلبية مع القرب» وبقوله: «والصديقين إلى من عرف الله بالمعاينة لكن لا مع القرب» وبقوله: «والشهداء بمعنى العلماء إلى من عرف الله بالأدلة القطعية» وبقوله: «والصالحين إلى من عرف الله بالأدلة الظنية الإقناعية» كالاستدلال على وحدة الله بقولك لو كان هناك إله ثان لوقعت السموات على الأرض لكن التالي باطل فكذا المقدم، فهذا دليل إقناعي غير قطعي لكون الشرطية ممنوعة.
قوله: (بإتقان معرفتها) الإتقان هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، وكذلك المعرفة، وحينئذ فالإضافة للبيان. والجار والمجرور متعلق بما بعده وهو «يسلم» قدم عليه لإفادة الحصر. وجملة «ويسلم بإتقان معرفتها من آفات الخلود» عطف على «تقرع أبواب فضل الله بها» والمعنى: إذ تقرع أبواب فضل الله بذكرها ويسلم العبد من آفات الخلود بإتقان معرفتها أي: معرفة معناها وظاهره المرور على القول بأن المقلد كافر إلا أن يراد بالخلود طول المكث أو يقدر مضاف أي: توقع الخلود.
قوله: (من آفات الخلود) يحتمل أن يراد بالآفات أنواع العقاب التي تتوارد على أهل جهنم فتكون الإضافة حقيقية، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة المشبه به للمشبه أي: ويسلم العبد من الخلود الشبيه بالآفات بمعرفتها.
قوله: (في غضب الله) المراد بغضبه انتقامه، وفي الكلام حذف مضاف أي: في محل غضب الله وهو جهنم.
قوله: (إلى أعلى عليين) عليين اسم لموضع في الجنة تحت العرش تسكن فيه أرواح كمل المؤمنين على ما قيل.
قوله: (فذكرنا معناها) عطف على قوله «شرحنا كلمتي الشهادة» عطف مفصل على مجمل، وضمير معناها لكلمة الشهادة.
قوله: (عقائد الإيمان) أي: العقائد المنسوبة للإيمان من نسبة المتعلق بالفتح للمتعلق بالكسر لأن الإيمان متعلق بتلك العقائد إذ هو التصديق بها وبغيرها من الأحكام التي جاء النبي ﷺ بها.
قوله: (بحيث تبتهج) أي: فصارت كلمة الشهادة ملتبسة بحالة هي أن تبتهج أي: تسر قلوب المتقين بسبب ذكرها عند ذلك الدخول.
قوله: (وينبسط) أي: ينتشر.
قوله: (على بواطنهم) أي: على قلوبهم بمعنى نفوسهم.
قوله: (وظواهرهم) أي: جوارحهم.
قوله: (ما انطوى من محاسنها) فاعل ينبسط أي: ما انطوت عليه من المعاني الحسنة. فقوله «من محاسنها» بيان لـ«ما»، وانبساط المعاني على القلوب ظاهر وأما انبساطها على الظواهر فباعتبار آثارها التي تظهر على البدن من التواضع والخضوع والنورانية واصفرار اللون.
قوله: (فأصبحوا) هذا مفرع على قوله «وينبسط» إلخ وأصبح فعل ماض بمعنى المضارع أي: فيصبحون في يوم القيامة أي: يصيرون فيه، وعبر عن ذلك المعنى الاستقبالي بالفعل الماضي لتحقق وقوعه فكأنه قد حصل وضميره للمتقين.
وقوله: (يتبخترون) أي: يمشون المشية الدالة على الكمال والشرف.
وقوله: (في حلل معارفها) في سببية، والحلل جمع حلة وهي ما يلبس للزينة، ومعارفها أي كلمة الشهادة معانيها الحسنة، وإضافة حلل إليها من إضافة المشبه به للمشبه.
وقوله: (بين رياض الجنة) ظرف لقوله «يتبخترون»، والرياض: جمع روضة وهي البستان: وأصل رياض: رواض قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة.
وقوله: (مترددين) حال من ضمير «يتبخترون» ومتعلقه محذوف أي: من بستان لبستان آخر، ومعنى الكلام: أنهم يصيرون يوم القيامة يمشون مشية دالة على الشرف والكمال بين بساتين الجنة حال كونهم مترددين من بستان لبستان آخر بسبب معارف كلمة الشهادة القائمة بهم الشبيهة بالحلل.
ويصح أن يكون في قوله «في حلل معارفها» استعارة بالكناية وتخييل بأن تشبه المعارف بعروس تشبيها مضمرا في النفس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الحلل للمعارف تخييل.
ويصح أن يكون «حلل معارفها» مستعارا لآثار معارفها استعارة مصرحة.
قوله: (فدونك) قيل: أنه اسم فعل أمر بمعنى خذوا الكاف اللاحقة له حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وعقيدة مفعوله أي: خذ عقيدة. والمراد بأخذها تعاطيها حفظا أو إدراكا أو تدريسا أو غير ذلك. وقيل: إنه اسم فعل أمر بمعنى الزم، فالكاف اللاحقة له ضمير مفعول أول لاسم الفعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، وعقيدة مفعول ثان، والتقدير: الزم نفسك عقيدة.
وقيل: إنه اسم فعل ماض بمعنى لزم والكاف اللاحقة له ضمير فاعل باسم الفعل، ووضع ضمير غير الرفع موضع ضمير الرفع والمعنى لزمت عقيدة.
وقيل: إنه اسم فعل وضع موضع المصدر، والكاف اللاحقة له في محل جر بالإضافة أي: إلزامك عقيدة أي: ألزمك عقيدة إلزاما منسوبا لك من حيث تعلقه بك.
قوله: (أيها) منادى حذف منه حرف النداء أي: يا أيها.
قوله: (المتعطش) أي: المشتاق.
قوله: (في زمرة أولياء الله) الزمرة: الجماعة، والإضافة للبيان. والأولياء جمع ولي وهو من تولى طاعة ربه وتباعد عن الانهماك في اللذات والشهوات، ففعيل بمعنى فاعل، وعلم منه أنَّ تعاطي أصل اللذات والشهوات لا ينافي الولاية، أو من تولي الله أمره فلم يكله لنفسه فعيل بمعنى مفعول.
قوله: (عقيدة) أي: كتابا مسمى بعقيدة.
قوله: (إلا من هو من المحرومين) أي: من الذين حرمهم الله ومنعهم من نيل مرادهم، والاستثناء مفرغ. فـ«من» في محل رفع على الفاعلية بيعدل أي: لا يعدل عنها أحد بعد الاطلاع عليها والاحتياج إليها إلا من كان من المحرومين، فالمحكوم عليه بالحرمان من اطلع عليها واحتاج إليها لا مطلقا، فلا يرد أنه لا يصح الحكم لوجود غيرها من كتب أهل السنة.
قوله: (إذ لا نظير لها) تعليل لقوله «فدونك» أي: الزم هذه العقيدة المتصفة بما ذكر لأنها لا نظير لها، وجملة «لا يعدل» معترضة لتأكيد المدح. ويصح أن يكون تعليلا لقوله «لا يعدل عنها» أي: علة للنفي لا للمنفي، والمعنى: انتفى العدول عنها إلا لمن كان من المحرومين لأجل عدم النظير لها، والنظير هو المشارك ولو في وصف، والشبيه هو المشارك في أكثر الأوصاف، والمثيل هو المشارك في جميعها.
قوله: (فيما علمت) قيد بذلك لأجل تحرّي الصدق إذ يمكن وجود نظير لها لم يطلع عليه، و «ما» يصح أن تكون موصولا حرفيا أي: في علمي أي: في متعلق علمي أو في معلومي، وأن تكون موصولا اسميا أي: في الذي علمته من المؤلفات، وعلى كل فقد حذف مفعولي علم اختصارا أو اقتصارا. ويصح أن يقدرا مفردين أي: في علمي النظير ثابتا أو في الذي علمته من المؤلفات ثابتا وأن يقدر ما يسد مسدهما أي: فيما علمت أن يكون لها نظير، هذا كله إذا جعل العلم باقيا على حقيقته.
ويحتمل أن علم بمعنى عرف فتتعدى لواحد فقط أي: فيما علمته، وهذا إذا جعلت «ما» موصولة وأما إن جُعلت مصدرية فلا يقدر ضمير بل ينزل المتعدي منزلة اللازم لأن المصدرية لا يعود الضمير عليها.
قوله: (وهي بفضل الله ... إلخ) هي مبتدأ وجملة تزهو خبر. وقوله «بفضل الله» حال أي: وهي تزهو بمحاسنها على كبار الدواوين حالة كون ذلك الزهو والإعجاب ناشئا من فضل الله وإحسانه لا بقدرتي وهذه الجملة كالعلة لنفي النظير قبلها إلا أنها زيادة في المدح.
قوله: (تزهو) أي: تتكبر وتفتخر وتتعاجب، وإسناد الزهو بالمعنى المذكور إليها مجاز عقلي، وفيه إشارة إلى أنها عظيمة بحيث لو كانت عاقلا لتكبرت على غيرها. ويحتمل أن المراد بالزهو لازمه وهو الزيادة أي: وهي تزيد.
قوله: (بمحاسنها) أي: بسبب معانيها الحسان.
قوله: (على كبار الدواوين) جمع ديوان وهو في الأصل دفتر الحساب، والمراد بالدواوين هنا كتب العلم الكبيرة من هذا الفن، وإضافة كبار للدواوين من إضافة الصفة للموصوف أي: وهي تزيد بمحاسنها على كتب العلم الكبيرة من هذا الفن، والإضافة للاستغراق أو للجنس، والمبالغة حاصلة على كل تقدير، أما على الاستغراق فظاهرة، وأما على الجنس فلأنه لو خرج فرد عن زهوها عليه لم تزه على الجنس لوجوده في ضمن ذلك الفرد والفرض زهوها على الجنس.
قوله: (فثق) أي: اجزم.
قوله: (أيها الحافظ لها) أي: لمدلولها وهو الألفاظ.
وقوله: (إن فهمتها) أي: إن أدركت معاني مدلولها وهذا كله بناء على ما تقدم من أن العقيدة اسم للمنقوش، أما على أنها اسم للالفاظ فلا حاجة لتقدير، وفي كلام الشارح إشارة إلى أنه ينبغي للطالب الحفظ أولا والفهم ثانيا.
قوله: (بغاية الأمنية) الأمنية هي ما يتمنى من الأمور أي: بغاية ما يتمناه أهل العقول من الكمالات، وغاية الكمالات التي يتمناها أهل العقول معرفة العقائد على الوجه الحق. وقوله «بغاية» على حذف مضاف أي: بحصول غاية إلخ.
قوله: (إذ منّ عليك) «إذ» للتعليل أي: واشكر الله لأنه منّ عليك، وقيل: إن «إذ» موضوعة للزمن والتعليل مستفاد من قوة الكلام. وقوله «منّ عليك» أي: أنعم عليك. وقوله «بنعمة» هي الحفظ والفهم السابقان.
قوله: (طرد عنها كثير من الخلق) أي: لم يعطها الله لهم، فمن لم يقدر الله له حفظها وفهمها بمنزلة شخص قدم ليطلب شيئا فطرد ولم يعط مطلوبه، ولا يخفى ما فيه من المشقة الحاصلة له بالطرد فكذا من كان بمنزلته.
قوله: (فباءوا) أي: فلما طرد الكثير من الخلق عن تلك النعمة باءوا بمعنى رجعوا أو انقلبوا وصاروا، وإضافة أصول لما بعده للبيان.
وقوله: (بأعظم رزية) أي مصيبة، والجار والمجرور متعلق بقوله «باءوا» أي: رجعوا في عقائدهم بأعظم مصيبة أي: بأقبح عقيدة، وإنما كانت العقيدة الفاسدة أعظم مصيبة لما يترتب عليها من العقاب الأخروي. والمراد بالرجوع الاتصاف بذلك من أول وهلة لا أنهم كانوا على الحق ثم رجعوا عنه.
قوله: (وأخلص لي ... إلخ) عطف على قوله «واشكر الله» وهو أي: أخلص بقطع الهمزة أي: وادع لي دعاء مخلصا فيه مكافأة لما أعطيته لك من تلك العقيدة كما أشار له بقوله «إذ أخرجها» لأنه يطلب من المنعم عليه أن يشكر من جرت على يده النعمة لكونها جرت على يديه كما يشكر الله لأنه الفاعل الحقيقي لها ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، لأن الله لم يرض بشكره دون من جرت على يديه النعمة، لكن لا ينبغي للشاكر أن يمحض النظر لمن جرت على يديه بل يجعل جلّ نظره إلى المولى سبحانه لأنه الفاعل الحقيق.
قوله: (من دعائك) أي: دعاء من دعائك أي: بعض دعائك فمن للتبعيض، أو دعاءك فمن زائدة.
قوله: (إذ أخرجها) أي: أخرج مدلول مدلولها وهو المعاني إذ هي المخرجة من القلب لا النقوش التي هي العقيدة على ظاهر كلامه، ولا مدلولها وهو الألفاظ اللسانية وهذا علة لمحذوف أي: وإنما طلبت منك الدعاء المخلص فيه لأن الله أخرجها إلخ، وحينئذ فأكون واسطة في النعمة فأستحق الدعاء منك فلذلك طلبت منك.
قوله: (من جوفي) أي: من قلبي.
قوله: (وحرك بها) أي: بنقشها بالنظر لقوله «يدي» ويكون المعنى: وحرك بها يدي حيث رسمتها أو بمدلولها وهو الألفاظ بالنظر لقوله «ولساني» ويكون المعنى: وحرك بها لساني أي: حيث تلفظت بها، ولما كان تحريك اليد قويا لدوام أثره وهو النقوش قدمه على تحريك السان الذي هو ضعيف لعدم بقاء أثر زمنين وهو الألفاظ لأنها إعراض تنقضي بمجرد النطق بها.
قوله: (مولاي) تنازعه كل من أخرج وحرك.
قوله: (والعالم بكل طوية) فعيلة بمعنى مفعولة أي: مطوية في القلب أي: مخفية فيه، ومن جملة ذلك معاني مدلول تلك العقيدة على كلامه فهو مناسب لقوله «إذ أخرجها من جوفي» وفيه إشارة إلى أن الله يعلم ما في الجوف.
قوله: (وها أنا أمدك) الهاء للتنبيه وأنا مبتدأ وجملة أمدك خبره أي: وتنبه واستيقظ لما أمدك به أي: لما أُتحفك به وأُعطيه لك.
واعلم أن «ها» التنبيه لا تدخل إلا على اسم الإشارة أو على ضمير الرفع المنفصل إذا أُخبر عنه بأسم الإشارة نحو: ها أنا ذا، وأما دخولها على ضمير الرفع المنفصل مع كون الخبر ليس اسم إشارة كما في كلام المصنف فهو وإن وقع في تراكيب العلماء إلا أنه شاذ بل قيل إنه ليس بعربي.
قوله: (ثانيا) أي: مدا ثانيا زيادة على ما أتحفتك به أولا من العقيدة فثانيا مفعول مطلق أو زمنا ثانيا أي: في زمن ثان بالنسبة للزمان الذي أتحفتك فيه أي: بالعقيدة فثانيا ظرف زمان.
قوله: (بعون الله) الباء للسببية والعون اسم مصدر بمعنى الإعانة أي: الإقدار أي: بسبب إعانة الله وإقداره على ذلك.
قوله: (بشرح) متعلق بأمدّك وهو في الأصل مصدرٌ لكن صار حقيقة عرفية في اسم الفاعل.
قوله: (مختصر) أي: قليل اللفظ كثير المعنى أي: وشأن المختصر أن يكون مقبولا.
قوله: (يكمل لك منها المقصود) أي: من العقيدة بتوضيح ما خفي منها، وملخصه أن المقصود من العقيدة المعاني ثم إنَّ بعضها خفي فكمل ذلك الشرح المقصود منها وهو المعانى بتوضيح ذلك الخفي وهذا لا ينافي ما تقدم من وصفها بأنها لا نظير لها وأنها تزهو بمحاسنها على كبار الدواوين لأن ماتقدم بالنسبة لحال المصنف وما علمه منها، وما هنا بالنسبة للطالب القاصر عن إدراكها على وجهها.
قوله: (يكشف لك إن شاء الله تعالى الغطاء ... إلخ) الكشف الإزالة والمراد بالغطاء لازمه وهو الخفاء فيكون مجازا مرسلا من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم. «وانبهم» معناه خفي.
وقوله: (منها) أي من العقيدة.
وقوله: (من المعنى المسدود) بيان لما انبهم. وقوله «المسدود» أي: المسدود عليه فهو من باب الحذف والإيصال وأطلق المسدود عليه وأراد لازمه وهو الخفي إذ يلزم من كون الشيء مسدودا عليه أن يكون خفيا فيكون مجازا مرسلا من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم. ومعنى الكلام أن ذلك الشرح يزيل الخفاء عما خفي عليك من العقيدة من المعنى الخفي.
إن قلت: المعنى الخفي ليس من العقيدة لأنها اسم للنقوش على ما مر فلا يصح بيان ما انبهم من العقيدة بالمعنى المسدود عليه.
قلت: في كلام الشارح حذف والأصل عما انبهم عليك من مدلول مدلولها، فتأمل. وقد ظهر لك من هذا التقرير أن قوله «ويكشف لك» إلخ تفسير لقوله «يكمل لك المقصود».
قوله: (فتظفر) هذا مفرع على ما قبله أي: فإذا كمل لك المقصود من العقيدة وانكشف لك ما خفي من معناها تظفر بفتح الفاء أي: تفوز.
قوله: (بكيمياء السعادة) الكيمياء بكسر الكاف وسكون الياء وكسر الميم وبعدها ياء هي الذهب أو الفضة الناشيء من وضع أجزاء معلومة عندهم على شيء من المعادن كنحاس أو رصاص أو قزدير فينقلب ذهبا أو فضة.
والسعادة الموت على الإسلام. والإضافة من إضافة المشبه به للمشبه أي: بالسعادة الشبيهة بالكيمياء بجامع الرغبة في كل. وصح تشبيه السعادة بالكيمياء وإن كانت السعادة أعظم من الكيمياء من حيث إن الكيمياء أمر محسوس فتكون الكيمياء أقوى بهذا الاعتبار.
قوله: (وإكسير النجاة) الإكسير بكسر الهمزة هو الكيمياء، والنجاة هي السعادة والإضافة من إضافة المشبه به للمشبه أي: والنجاة الشبيهة بالإكسير بجامع الرغبة في كل وحينئذ فالعطف مرادف.
قوله: (تظل) بفتح الظاء أي: تصير.
وقوله: (تجتني) أي: تقتطف والمراد تحصل.
وقوله: (بها) أي: بالعقيدة.
وقوله: (ثمرات الإيمان) المراد بها المعارف والعلوم التي يعرفها أهل الله فشبه المعارف بالثمرات بجامع الرغبة في كلٍ، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، والمعنى: وتصير تحصل بتلك العقيدة إن وفقك الله معارف الإيمان.
ويحتمل أنه شبه الإيمان بتخيل على طريق الاستعارة بالكناية والثمرات تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للمعارف، وتجتني ترشيح، أو أنَّ إضافة ثمرات للإيمان من قبيل إضافة المشبه به للمشبه.
قوله: (إلى أن ينزل) أي: وتستمر تجتنى إلى أن ينزل بك.
قوله: (عرض الممات) أي: الموت والإضافة للبيان فالموت عرض وجودي كالبياض يقوم بالميت ينشأ من قبض الروح وليس هو عدم الحياة ولا قبض الروح.
قوله: (وهذا أوان الشروع) أي: وهذا الزمن الحاضر زمن الشروع أي: زمن قرب الشروع إذ لم يشرع بالفعل في الزمن الذي حصلت فيه الإشارة بل بعده.
قوله: (في هذا الشرح) أي: في تحصيله والشرح اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة على التحقيق.
قوله: (المبارك) أي: المبارك فيه بأن ينتفع به فيكون سبباً لرفع الدرجات فهو تفاؤل وقد حقق الله ذلك أي: النفع به.
قوله: (بفضل الله) أي: لا بقوتي والجار والمجرور متعلق بالشروع أي: هذا أوان الشروع المتلبس بفضل الله أو متعلق بالمبارك أو أنهما تنازعاه.
قوله: (الكريم) أي: ذي الكرم والجود.
قوله: (الوهاب) أي: كثير الهبة دائم الإعطاء فهو صيغة مبالغة أي: مبالغة نحوية وهي إفادة لفظ أكثر من غيره، كما في وهاب وواهب فإن وهاب يفيد معنى أكثر مما يفيده واهب لا مبالغة بيانية وهي إعطاؤك للشيء أكثر مما يستحقه كما توهمه بعضهم فاعترض لاستحالته على المولى سبحانه وتعالى، لأنه مستحق لكمالات لا نهاية لها ولا يعلمها إلا هو.
قوله: (نسأله ... إلخ) لما كان الوهاب حقيقة هو الذي يعطي لا لعوض ولا لغرض وذلك خاص بالمولى سبحانه وتعالى، ناسب أن يوجه إليه السؤال بقوله «نسأله» ثم إن السؤال قسمان:
- استعطافي وهو يتعدى بنفسه كسألت زيدا أن يعطينى كذا
- واستخباري وهو يتعدى بحرف الجر كسألت عن حال زيد،
والسؤال هنا استعطافي فلذا عداه بنفسه حيث قال «أن يعينني» إلخ.
إن قلت: مقام السؤال مقام ذل وانكسار فينبغي فيه التواضع وإتيانه بنون العظمة في قوله «نسأله» ينافي ذلك.
والجواب أن النون ليست للعظمة بل هي للمتكلم ومعه غيره أي: وأساله أنا وإخواني وأشرك معه غيره في السؤال تواضعا منه إشارة إلى أنه ليس أهلا لأن يستقل به وحده ولأن السؤال من الجماعة أقرب للإجابة.
قوله: (أن يعينني عليه) أي: على تحصيله بأن يخلق فيَّ قدرة على تحصيله ويصرف عني الشواغل ويقوي إداركي ويصحح حواسي.
قوله: (لعين الصواب) أي: لذات الصواب وهو ضد الخطأ والإضافة للبيان.
قوله: (بجاه ... إلخ) أي: متوسلا في قبول دعائي هذا بجاه سيدنا أي: بمنزلته عند الله فالجاه المنزلة
قوله: (صلى الله عليه وسلم) تنازع قوله عليه كل من صلى وسلم بناء على جواز التنازع في المتوسط وأما على عدم الجواز وهو التحقيق فعليه متعلق بـ«صلى» وحذف من الثاني لدلالة الأول.
قوله: (وعلى آله) أي: أتباعه وهم كل مؤمن ولو كان عاصيا هذا هو المناسب في تفسير الآل في مقام الدعاء وهو عطف على قوله «عليه».
قوله: (ومن انتمى) أي: انتسب إليه وهو عطف على آله.
قوله: (وحاز) عطف على انتمى ولم يقل ومن حاز إشارة إلى أن المراد بالحائز المذكور هو المنتمي إليه وذلك خاص بالأصحاب فيكون عطف من انتمى على آله من عطف الخاص على العام والنكتة الشرف.
قوله: (بمشاهدته) أي: بمشاهدة سيدنا محمد. إن قيل: أن ذلك قاصر على البصير من الأصحاب فلا يتناول العميان منهم كابن أم مكتوم مع أن القصد الدعاء لجميع الصحابة. فالجواب أن المراد بالمشاهدة الاجتماع لا الإدراك بالبصر فيدخل العميان حينئذ.
قوله: (من ساداتنا) بيان لمن انتمى إليه وحاز الشرف بمشاهدته.
قوله: (الأصحاب) أي: أصحابه صلى الله عليه وسلم فـ«أل» عوض عن الضمير أو «أل» فيه للعهد والمعهود أصحابه ﷺ بناء على قول من منع نيابة «أل» عن الضمير والأصحاب جمع صحب، وصحب وقع فيه الخلاف. قيل: إنه جمع لصاحب، وقيل: اسم جمع له.
قوله: (الحمد الله) مقتضى صنيع المصنف أنه لم يذكر بسملة للمتن، فلم يكن عاملا بحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» إلا أن يقال: إنه أتى بها نطقا أو المراد من كل من البسملة والحمدلة الواردين في الحديث المفهوم الكلي، وهو مطلق الثناء وهو كما يتحصل بالبسملة يتحصل بالحمدلة أو أنه تركها تواضعا إشارة إلى أن كتابه ليس من الأمور ذوات البال، وسيأتي في الشرح ما يتعلق بالحمدلة.
قوله: (والصلاة والسلام ... إلخ) الصلاة مبتدأ والسلام معطوف عليها، والخبر محذوف أي: كائنان على رسول الله. وعبر بـ«على» إشارة إلى تمكن الصلاة من رسول الله ﷺ تمكن المستعلي من المستعلى عليه.
والواو للعطف على جملة الحمدلة إن كان كل من جملة الحمدلة وجملة الصلاة خبرية لفظا إنشائية معنى، وللاستئناف إن كانت جملة الحمدلة خبرية لفظا ومعنى وجملة الصلاة خبرية لفظا إنشائية معنى، لأنه لا يصح عطف الإنشاء على الخبر وكذا عكسه على المشهور.
قوله: (على رسول الله) إن قيل: هذا صادق على أيّ رسول من الرسل مع أن المقصود بالصلاة سيدنا محمد ﷺ. قلت: إن رسول الله صار علما بالغلبة على نبينا محمد ﷺ أو أن الإضافة فيه للعهد والمعهود نبينا محمد ﷺ لأن الإضافة تأتي لما تأتي له اللام من الجنس والاستغراق والعهد، وإنما قال على رسول الله ولم يقل على نبي الله إشارة إلى أن الرسالة أفضل من النبوة وإلى أن المبحوث عنه في هذا الفن الأحكام المتعلقة بالرسالة.
فإن قيل: إن المصنف قد أظهر في محل الإضمار حيث قال على رسول الله دون رسوله والإظهار في محل الإضمار يورث ثقلا على اللسان بسبب التكرار اللفظي الحاصل به.
قلت: أجيب بأنه لا ثقل على اللسان بتكرار لفظ الجلالة بل تكرارها مما يزداد به اللفظ حلاوة والإظهار في محل الإضمار هنا للتلذذ باسم الله تعالى على أنا لا نسلم أن هذا إظهار في محل الإضمار لأن جملة الصلاة مستقلة وكذا جملة الحمدلة والإظهار في محل الإضمار إنما يكون في جملة واحدة لا في جملتين كما هنا كذا قيل، وتأمله.
قوله: (الحمد) أي: اللغوي وإنما عرف الشارح الحمد اللغوي دون الاصطلاحي لأن اللغوي هو المأمور بتحصيله في أوائل التأليف كما سبق.
قوله: (هو الثناء ... إلخ) اعلم أن أركان الحمد خمسة حامد ومحمود ومحمود به محمود عليه وصيغة، فإذا حمدت زيدا لكونه أكرمك بقولك: زيدٌ عالم فأنت حامد وزيد محمود والإكرام محمود عليه أي: محمود لأجله وثبوت العلم الذي هو مدلول قولك: زيد عالم محمود به، وقولك: زيد عالم هو الصيغة.
وأن المحمود عليه يشترط فيه أن يكون اختياريا حقيقة أو حكما بأن يكون منشأ لأفعال اختيارية أو ملازما لمنشئها فيصدق بقدرة الله وإرادته وعلمه إذا حمد لأجلها فإنه وإن كانت غير اختيارية حقيقة لكنها اختيارية حكما لأنها ينشأ عنها فعل اختياري وكذا يصدق بذات الله إذا حمد لأجلها فهي اختيارية حكما لما ذكر.
وكذا يصدق بالسمع والبصر والكلام ونحوها مما لا ينشأ عنه فعل اختياري إذا حمد لأجلها فهي اختيارية حكما باعتبار أنها ملازمة للذات التي ينشأ عنها فعل اختياري، وأن المحمود به لا يشترط فيه أن يكون اختياريا بل تارة يكون اختياريا كالكرم وتارة لا يكون اختياريا كحسن الوجه.
وأن المحمود به والمحمود عليه تارة يختلفان ذاتا واعتبارا كأن يكون المحمود عليه الكرم والمحمود به العلم، وتارة يتحدان ذاتا ويختلفان اعتبارا كأن يكون كل منهما نفس الكرم لكن من حيث كونه باعثا على الحمد يقال له محمود عليه ومن حيث كونه مدلول الصيغة يقال له محمود به.
فقول الشارح الثناء يتضمن مثن وهو الحامد ومثنى به وهو المحمود به، وقوله «بالكلام» هو الصيغة وقوله «على المحمود» هو المحمود، وقوله «بجميل صفاته» هو المحمود عليه فالتعريف مشتمل على الأركان الخمسة كما علمت.
وأورد على قوله «هو الثناء» إلخ أن الثناء مأخوذ من ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض و حينئذ فلا يصدق التعريف على الحمد غير المكرر بل هو قاصر على الحمد المكرر لتحقق الثناء فيه دون الأول فيكون التعريف غير جامع وأن الثناء يستعمل في الشر، والحمد لا يكون إلا في الخير وحينئذ فالتعريف غير مانع.
وأجيب عن الثاني بأن الثناء خاص بالخير ولا يستعمل في الشر إلا مشاكلة، وأجيب عن الأول بمنع أخذه مما ذكر بل هو مأخوذ من أثنيت بمعنى أتيت بما يدل على الاتصاف بالجميل فهو اسم مصدر له، ومصدره الإثناء كالإكرام مصدر أكرم، فالثناء حينئذ الإتيان بما يدل على اتصاف المحمود بالصفات الجميلة كان ذلك الإتيان بالقلب أو باللسان أو بالجوارح.
قوله: (بالكلام) الباء للملابسة أي: الملتبس بالكلام من إلتباس الشيء بآلته أو أنها للآلة.
قوله: (على المحمود) متعلق بالثناء، إن قيل: في أخذه في تعريف الحمد دور وذلك لأن معرفة الحمد متوقفة على معرفة تعريفه ومن جملة أجزائه المحمود فتكون معرفة الحمد متوقفة على معرفة المحمود والحال أن معرفة المحمود متوقفة على معرفة الحمد لأن معرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه فيكون كل من الحمد والمحمود متوقفا معرفته على معرفة الآخر وهذا دور.
فالجواب أن المحمود معناه ذات تعلق بها الحمد فيجرد عن الوصف ويراد منه الذات فقط أو أن توقف الحمد على المحمود من جهة التصور وتوقف المحمود على الحمد من جهة الاشتقاق، فاختلفت جهة التوقف، ولابد في الدور من اتحادها وفيه أن الاشتقاق يتوقف على معرفة المعنى، تأمل.
قوله: (بجميل صفاته) من إضافة الصفة للموصوف أي: بصفاته الجملية. والباء سببية متعلقة بالثناء أو بمعنى على التعليلية فهو إشارة للمحمود عليه كما سبق، والمعنى: الثناء على المحمود بالكلام لأجل صفاته الجميلة.
وما ذكره السكتاني هنا من احتمال كون الباء للتعدية متعلقة بالكلام لأنه اسم مصدر بمعنى التكلم أو بالثناء على أنه بدل اشتمال من الكلام وخلو بدل الاشتمال من ضمير المبدل منه جائز إذ اشتماله عليه أولوي فقط، أو متعلقة بحال محذوفة من الثناء أي: حالة كونه كائنا بجميل صفاته، فهو غير مناسب لقول الشارح لأن الحمد يتعلق بالكمال سواء كان إحسانا أو غيره، والمناسب له ما ذكرناه.
إن قيل: قضية قوله صفاته أنه لو أثنى عليه بسبب صفة واحدة لا يقال له حمد مع أنه يقال له حمد.
أجيب بأن الإضافة في صفاته للجنس الصادق بصفة واحدة، والمراد بالجميل ما كان جميلا بحسب اعتقاد الحامد والمحمود وإن لم يكون جميلا بحسب الواقع فيشمل الثناء بسبب نهب الأموال أو بحسب اعتقاد أحدهما دون الآخر إذا كان المقام مقام تعظيم وإلا فهو ذم.
وكان عليه أن يقيد الصفات بالاختيارية ليخرج المدح الذي هو الثناء على المحمود لأجل صفة غير اختيارية كالثناء على زيد لأجل صباحة وجهه وإلا فكلامه صادق بالمدح فيكون التعريف غير مانع إلا أن يقال إنه مبنى على طريقة صاحب الكشاف من أن الحمد والمدح أخوان أي: مترادفان، وبعد هذا كله فيقال: إن تعريفه لا يصدق على الحمد على ذات الله أي: إذا كان المحمود عليه الذات العلية وحينئذ فتعريفه غير جامع.
قوله: (سواء كانت) أي: تلك الصفات الجميلة الباعثة على الثناء وسواء خبر مقدم والفعل بعده في تأويل مصدر مبتدأ وإن لم يكن هنا حرف مصدري لأن وقوع الفعل بعد لفظ التسوية يقوم مقام الحرف المصدري، أو في كلامه بمعنى الواو على ما جوزه الكوفيون لأن التسوية لا تكون إلا بين متعدد و «أو» لأحد المتعدد والمعنى: كون تلك الصفات الجميلة من باب الإحسان أو من باب الكمال سواء أي: سيان في صحة صدق الحمد على الثناء الواقع في مقابلتها.
والجملة إما مستأنفة أو حال بلا واو، ويصح أن يجعل سواء خبر مبتدأ محذوف أي: الأمران سواء وهذه الجملة الاسمية دالة على جواب شرط مقدر مفهوم من المعنى أي: إن كانت من باب الإحسان أو من باب الكمال فالأمران سواء وعلى هذا فلا يحتاج لجعل أو بمعنى الواو.
قوله: (من باب الإحسان) هو المعبر عنه في بعض العبارات بالفواضل وهي المزايا المتعدية وهي التي يتوقف تعلقها على تعدي أثرها للغير كالكرم والإنعام والتعليم، وإضافة باب للإحسان للبيان، وفي العبارة حذف مضاف أي: سواء كانت من أفراد باب هو الإحسان.
قوله: (أو من باب الكمال) هو المعبر عنه في بعض العبارات بالفضائل وهي المزايا القاصرة وهي التي لا يتوقف تعقلها على تعدي أثرها للغير وإن كانت هي قد تكون متعدية كالعلم والقدرة والحسن، فالعلم مزية لا يتوقف تعقله على تعدي أثره للغير وإن كان يتعدى للغير بالتعليم ألا ترى أنك تتعقل أن القطب عالم وإن لم يعلم أحدا، وإضافة باب للكمال للبيان. وفي العبارة حذف مضاف أي: أو من أفراد باب هو الكمال.
واعلم أنه ليس في كلامه تصريح بحصر الصفات الجميلة في هذين القسمين لجواز أن يكون المراد سواء كانت من باب الإحسان أو الكمال أو غيرهما فيشمل الصفات السلبية كعدم الشريك والجسمية والإضافية ككونه قبل العالم، ولو سلم إرادة الحصر فهي داخلة تحت الكمال إذ هو غير منحصر في الصفات الذاتية.
قوله: (المختص بالمحمود) صفة للكمال أي: الكمال المقصور على المحمود فلا يتجاوزه لغيره، فالباء في قوله «بالمحمود» داخلة على المقصور عليه وبهذا الوصف أعني قوله «المختص» بالمحمود حصلت المقابلة بين قوله «أو من باب الكمال» وبين قوله «من باب الإحسان» وهذا لاينافي أن الإحسان كمال إلا أنه ليس بمختص بالمحمود لما علمت أن تعقله يتوقف على تعدّيه للغير. وما ذكره السكتاني هنا من أن قوله «المختص بالمحمود» راجع للإحسان أيضا فهو غير مناسب.
قوله: (كعلمه) أي: كعلم المحمود فإنه وصف قاصر وهو صفة ذاتية، والمراد بالعلم ما قابل الجهل فيصدق بعلم الله وبعلم العبد إلا أن علم المولى واحد والتعدد إنما هو في متعلقاته، وقيل: متعدد بتعدد المعلوم وهو الحق.
قوله: (وشجاعته) أي: المحمود ثم إن فسرت الشجاعة بملكة أو قدرة توجب الخوض في المهالك والإقدام على المعارك كانت صفة ذات، وإن فسرت بالإقدام على المهالك والمعارك كانت صفة فعل، وعلى كل فهو مثال لقوله «أو من باب الكمال» إلخ كما أن قوله «كعلمه» مثال له وحينئذ فنكتة تعداد المثال الإشارة إلى أنه لا فرق بين ما هو نص في كونه صفة ذاتية كالعلم وبين ما هو محتمل لأن يكون صفة ذاتية وأن يكون صفة فعلية.
قوله: (مثلا) أتى به دفعا لما يتوهم من أن الكاف استقصائية أو يقال إنها لإدخال الأفراد الخارجية، والكاف أدخلت الأفراد الذهينة، وهذا أحسن مما قاله بعضهم من العكس.
قوله: (ليشمل الحد ... إلخ) اعلم أن أقسام الحمد أربعة: حمد قديم لقديم وهو حمد الله نفسه بنفسه في أزله، وحمد قديم لحادث وهو حمد الله بعض عباده وهذان الحمدان قديمان وجعل هذا الحمد قديما كما في السكتاني تسمح لأن ماهية الحمد لا بد فيها من الأركان الخمسة المتقدمة ومن جملتها المحمود وهو هنا حادث فيكون ذلك الحمد مركبا من قديم وحادث، والقاعدة أن المركب من القديم والحادث حادث فيكون ذلك الحمد حادثا بمعنى: أنه متجدد بعد عدم إلا أن يرتكب التجريد فيه بأن يراد به ثناء الله فقط فيكون قديما، وحمد حادث لقديم وهو حمد العباد لخالقهم بالكلام اللساني أو النفساني ومنه تسبيح الجمادات، وحمد حادث لحادث وهو حمد العباد بعضهم بعضا بالكلام اللساني أو النفساني وهذان الحمدان حادثان.
ولما كان تعبيرهم باللسان لا يتناول إلا القسمين الأخيرين أعرض عنه المصنف وعبر بالكلام ليعم التعريف القسمين الأولين أيضا، فقول الشارح ليشمل الحد أي التعريف.
وقوله: (الحمد القديم) دخل فيه الأول والثاني على ارتكاب التجريد السابق أو الأول فقط إن لم يرتكب التجريد.
وقوله: (والحادث) دخل فيه الثالث والرابع فقط ان ارتكب التجريد في الثاني ودخل فيه الثاني أيضا إن لم يرتكب فيه التجريد.
إن قلت: القديم والحادث حقيقتهما مختلفة بالقدم والحدوث ولا يجوز تعريف أمرين متخالفين بتعريف واحد.
قلت: محل الامتناع إذا كان التعريف حدا بالذاتيات كاشفا لحقيقة كل منهما، وأما تعريفهما برسم مميز لهما عن غيرهما فلا ضرر فيه، وما هنا من هذا القبيل.
فقول الشارح: (ليشمل الحد) أراد به التعريف الصادق بالرسم فهو من إطلاق الخاص وإرادة العام.
واعلم أن الكلام قال بعض أهل السنة: إنه حقيقة في النفساني واللساني، وقال بعضهم: إنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، وعكست المعتزلة فعلى الأول يكون استعمال الكلام في القديم والحادث من استعمال المشترك في معنييه وهو لا يحتاج لقرينة لأن محل احتياج المشترك لقرينة إذا وقع في التعريف إن أريد به بعض معانيه لا إن أريد كلها كما هنا.
وعلى القول الثاني يكون استعماله في القديم والحادث استعمالا للفظ في حقيقته ومجازه وهو يحتاج لقرينة وهي هنا العدول عن اللسان إلى الكلام، إذ لو لم يفد العدول العموم لما كان له فائدة.
قوله: (ليشمل ... إلخ) ولو عبر باللسان لكان التعريف قاصرا على الحادث بقسميه الكائن بالكلام اللفظي فلا يشمل الحمد القديم ولا حمد العباد النفساني كما لو حدثتك نفسك بأن زيدا كريم ولا تسبيح الجمادات على أنه بلسان المقال كما هو التحقيق إذ لا لسان لها مع أن المعرف الحمد اللغوي وهو شامل لما ذكر فيكون التعريف غير جامع.
قوله: (والشكر) أي: لغة ولما كان الشكر اللغوي يجتمع مع الحمد اللغوي في بعض الصور وهو الثناء بالكلام في مقابلة إحسان، وربما يتوهم من ذلك ترادفهما عرفه لأجل أن يعلم ما بينهما من النسب فيندفع ذلك التوهم.
قوله: (هو الثناء باللسان) كأن يقول الشخص في حق من أنعم عليه: هو كريم، وقوله أو بغيره من القلب أي: كأن يعتقد الشخص أو يظن أن من أنعم عليه كريم كان الاعتقاد أو الظن دائما أم لا وكأن يتكلم في نفسه بأنه كريم.
وقوله: (من القلب) بيان للغير.
وقوله: (وسائر الأركان) عطف على القلب. وسائر بمعنى بقية. والمراد بالأركان الجوارح. والواو في قوله «وسائر» بمعنى أو. وإضافة سائر للأركان للجنس الصادق بركن من الأركان كأن يضع الشخص يده على صدره عند مرور من أحسن إليه عليه.
ويؤخذ من قوله «باللسان» إلخ أن الثناء ليس هو الذكر بخير كما قيل بل الإتيان بما يدل على الاتصاف بالصفات الجميلة كان الإتيان باللسان أو بالقلب أو بالجوارح، ويؤخذ منه أيضا أن اتصاف المولى بالشكر في مثل غفور شكور مجاز بمعنى المجازاة على الفعل، بخلاف اتصافه بالحمد فحقيقة وشكور مبالغة شاكر، فشاكر معناه المجازي على قدر الفعل، وشكور معناه المجازي على القليل كثيرا.
قوله: (على المنعم) متعلق بالثناء وتعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق كأنه قال: الثناء على المنعم لأجل إنعامه، وحينئذ فلا حاجة لقوله «بعد بسبب» إلخ فهو تصريح بما علم التزاما. نعم، إذا قطع النظر عن تلك القاعدة احتيج له وذلك لأن الثناء على المنعم محتمل لأن يكون سببه الإنعام أو غيره، فلما كان محتملا قال «بسبب» إلخ، كذا قيل. والحق أنه محتاج إليه مطلقا لأجل التقييد بكون النعمة واصلة للشاكر، تأمل.
قوله: (بسبب ما أسدى) أي: أوصل إلى الشاكر من النعم، قضيته أن الثناء على المنعم بسبب ما أوصل لغير المثني لا يكون شكرا بل إن كان باللسان فهو حمد وإن كان بغيره فهو واسطة، وهو طريقة للفخر الرازي والسيد، وقال السعد: الثناء على المنعم بسبب إنعامه شكر سواء كان الإنعام على الشاكر أو على غيره كان باللسان أو بغيره من الجوارح، وفي أخذ الشاكر في تعريف الشكر ما سبق في أخذ المحمود في تعريف الحمد من الدور سؤالا وجوابا، فلا حاجة لإعادته.
قوله: (فبينه ... إلخ) هذا مفرع على ما قبله أي: إذا علمت معنى ما سبق لك من الحمد والشكر علمت أن «بينه» إلخ وبين خبر مقدم و«عموم» مبتدأ مؤخر.
قوله: (من وجه) أي: من جهة دون جهة لا من كل الجهات، وهو راجع لكل من قوله عموم.
وقوله: (خصوص) أي: بينهما عموم من جهة دون جهة لا عموم من كل جهة، وخصوص من جهة دون جهة لا خصوص من كل جهة.
قوله: (يعني ... إلخ) أفاد به أن قوله «من وجه» راجع لقوله «عموم» كما أنه راجع لقوله «خصوص» وكان المناسب أن يزيد بعد قوله «إن الحمد» أعم من الشكر بحسب المتعلق وأخص منه بحسب المحل ليناسب قوله «فبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه» وإن كان قوله بعد والشكر أعم من الحمد بحسب المحل مستلزما لذلك.
قوله: (لأنه يتعلق بالكمال) أي: من تعلق الشيء بالباعث عليه.
قوله: (سواء كان) أي الكمال إحسانا أو غيره، والمراد بالإحسان المزايا المتعدي أثرها للغير، والمراد بغيره ما قابل ذلك فيدخل فيه المزايا القاصرة كالعلم والقدرة والإرادة والصفات السلبية والاضافية.
قوله: (لا يتعلق إلا بالإحسان) أي: لا يكون إلا في مقابلة الإحسان أي: على الشاكر على ما سبق له فأل للعهد.
قوله: (والشكر أعم من الحمد بحسب المحل) كان المناسب أن يزيد وأخص منه بحسب المتعلق ليناسب قوله سابقا «فبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه» وإن كان قوله الحمد أعم من الشكر بحسب المتعلق مستلزما لذلك.
قوله: (وبالقلب وبسائر الجوارح) الواو فيهما بمعنى أو وهي مانعة خلو فتجوز الجمع بين الموارد الثلاثة، وأراد بسائر الجوارح بقيتها والمراد الجنس فلا تغفل.
قوله: (كما قال الشاعر) هذا استدلال على أن الشكر يكون باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح.
قوله: (النعماء) بفتح النون جمع نعمة بمعنى الإنعام أو مفرد مرادف للنعمة بمعنى الإنعام أي: أفادكم إنعامكم على ثلاثة مني.
قوله: (يدي) بدل من ثلاثة أي: استعمال يدي بأن أضعها على صدري حين مروركم عليَّ.
قوله: (ولساني) أي: واستعمال لساني بأن أثني عليكم به.
قوله: (والضمير) أي القلب أي: واستعمال قلبي بأن أعتقد اتصافكم بالصفات الجميلة أو أتكلم في نفسي بأنكم متصفون بالصفات الجميلة.
قوله: (المحجبا) أي: المستتر، فإفادة النعماء لتلك الثلاثة باعتبار ما صدر منها من التعظيم إذ هو المفاد حقيقة بالإنعام.
إن قلت: إنه لم يُسْتَفَد من البيت أن استعمال الثلاثة شكر، لأن الشاعر لم يطلق الشكر على استعمال الثلاثة حتى يصح الاستدلال بهذا البيت على أن الشكر يكون باللسان وبالقلب وبسائر الجوارح.
فالجواب: أنه يستفاد من البيت أن استعمال الثلاثة شكر من حيث إن الشاعر جعل استعمال الثلاثة جزاء للنعمة، وكل جزاء للنعمة عرفا فهو شكر لغة فكل استعمال للثلاثة شكر لغة فصح الاستدلال باليت بهذا الاعتبار.
قوله: (والحمد لا يكون إلا باللسان) أي: وحينئذ فيجتمع الحمد والشكر اللغويان في ثناء بلسان في مقابلة إحسان، وينفرد الحمد عن الشكر في ثناء بلسان لا في مقابلة إحسان بل في مقابلة القدرة أو الشجاعة أو العلم أو إماطة الأذى، وينفرد الشكر في ثناء بغير لسان في مقابلة إحسان وأصل للمثنى على مامر.
وانظر قوله والحمد لا يكون إلا باللسان مع قوله «وإنما قلنا بالكلام» إلخ وقد يقال أنه اقتصر على النسبة التي بين الحمد الحادث والشكر الحادث وذلك لأنه لما عرف الحمد بما يشمل القديم ولم يعرف الشكر بما يشمل القديم علم أنه سكت عن النسبة بين القديمين ومعلوم أن الحمد الحادث إنما يكون باللسان.
قوله: (والصلاة من الله ... إلخ) الصلاة مبتدأ وقوله «من الله» حال وقوله «زيادة» إلخ خبر.
إن قلت: الحال لا تأتي من المبتدأ على المعتمد وهو مذهب سيبويه.
قلت: أجيب عنه بأن في الكلام حذف مضاف أي: وتفسير الصلاة في حال كونها من الله، فالحال في الحقيقة من المضاف إليه وجعلها من المبتدا بحسب الظاهر. واحترز بقوله «من الله» عن غيره كالأنس والجن والملائكة، فإن الصلاة منهم معناها الدعاء أي: طلب الرحمة المقرونة بالتعظيم للمصلى عليه.
قوله: (على رسوله) احترز به عن صلاة الله على غير رسوله فإن معناها الرحمة والإنعام منه.
قوله: (زيادة تكرمة) أي: وزيادة تعظيم أي: وأما أصل التعظيم فهو حاصل له. وإضافة «الزيادة» للتكرمة من إضافة الصفة للموصوف أي: التكريم والتعظيم الزائد عما كان حاصلا له من قبل.
قوله: (وإنعام) عطف على تكرمة أي: وزيادة إنعام أي: وإنعام زائد على ما كان حاصلا له، وفي قوله «زيادة» إشارة إلى أن النبي ﷺ كغيره من الأنبياء ينتفع بصلاتنا عليه كما أننا ننتفع بالصلاة عليه إلا أنه ينبغي للمصلي أن لا يلاحظ أنه هو المنتفع بها كما أن العبد ينفع سيده بخدمته إلا أن الأليق بالأدب أن لا يلاحظ العبد ذلك.
قوله: (وسلامه) أي: وسلام الله، وأما سلام غيره فمعناه الدعاء أي: طلب التأمين من الله للمسلم عليه.
قوله: (عليه) أي: على رسوله وأما سلام الله على غيره فمعناه التأمين.
قوله: (زيادة تأمين) من إضافة الصفة للموصوف أي: تأمين زائد أي: على ما عنده من الأمان أي: تأمين مما يخافه على أمته أو على نفسه إذ المرء كلما اشتد قربه من الله اشتد خوفه منه فقد قال عليه الصلاة والسلام: « إني لأخوفكم من الله».
قوله: (وطيب تحية) أي: وتحية طيبة والمراد بالتحية الطيبة في حقه تعالى أن يخاطبه بكلامه القديم خطابا دالا على رفعة مقامه والاعتناء به كما يحي بعضنا بعضا. «وطيب» بالجر عطف على تأمين أي: وزيادة تحية طيبة.
قوله: (وإعظام) أي: تعظيم وهو معطوف على تأمين أي: وزيادة إعظام. وإعظام مصدر أعظم المرادف لعظم. واعلم أن زيادة التأمين وزيادة الإعظام لازمان لزيادة طيب التحية.