بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
الحمد لله واجب الوجود الذي أغرق العالم في بحار الإحسان والجود والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد واسطة عقد النبيين ومقدم جيش المرسلين وعلى آله وأصحابه الذين شادوا منار الدين وحموه بالأسنة والبراهين.
وبعد، فيقول العبد الفقير محمد الدسوقي هذه تقييدات على شرح أم البراهين لمؤلفها سيدي محمد يوسف السنوسي-أسكنه الله فراديس الجنان وأعاد علينا من بركاته وجميع الإخوان- حمعتها من تقرير شيخنا العلامة أبي الحسن على بن أحمد الصعيدي العدوي ومن غيره جعلها الله خالصة لوجهه الكريم وأعتصم به من الشيطان الرجيم.
فأقول وهو حسبي ونعم الوكيل،
قوله: (بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ) الكلام على البسملة شهير لكن لا بأس بالتعرّض لشيء مناسب للفن المشروع فيه، فنقول: أن «الباء» للاستعاذة على وجه التبرك وإضافة اسم إلى لفظ الجلالة من إضافة العام للخاص والمعنى أبتدئ متبركا بأي اسم من أسمائه تعالى سواء كان دالا على الذات فقط كلفظ الله أو عليها وعلى الصفات كلفظ الرحمن ففيه إشارة إلى عقيدة أن لله أسماء والراجح أنها توقيفية.
والله علم شخصي على الذات فقط المعينة بكونها واجبة الوجوإلى عقيدة وجوب الوجود المستحقة لجميع المحامد ففيه إشارة إلى عقيدة وجوب الوجود وما بعده إنما هو لتعيين المسمى لا أنه من جملة الموضوع له وإلا كان لفظ الجلالة كليا فلا يكون لا إله إلا الله مفيدا للتوحيد وقد أجمعوا على إفادتها له.
(ٱلرَّحۡمَٰنِ) مأخوذة من الرحمة وهي رقة في القلب وانعطاف تقتضي التفضل والإحسان وهي بهذا المعنى مستحيلة في حقه تعالى فتعتبر في حقه تعالى باعتبار مسيها القريب وهو إرادة الإحسان أو البعيد وهو الإحسان فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل، وصفة الفعل حادثة بمعنى أنها متجددة بعد عدم فتكون أمر اعتباريا والمولى سبحانه وتعالى يتصف به لا بمعنى أنها موجودة بعد عدم لاستحالة اتصاف المولى به.
ففي «ٱلرَّحۡمَٰنِ» على الاعتبار الأول الإشارة إلى صفة الذات وعلى الاعتبار الثاني الإشارة إلى صفة الفعل وحينئذ فـ ٱلرَّحۡمَٰنِ على الاعتبار الأول بمعنى مريد الإنعام وعلى القاني بمعنى المنعم فيكون مجازا مرسلا تبعيا من إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب وإنما كان تبعيا لأن جريان التجوز في المشتق بالتبعية لجريانه في أصله وهي المصدر.
ويصح أن يكون ٱلرَّحۡمَٰنِ من قبيل الاستعارة التمثيلية، وتقريرها أن يقال: شبه حال الله مع عبده في إحسانه إليهم ورأفته بهم بحال ملك عطف على رعيته فعمهم بمعرفوه واقتصر في استعارة اسم المشبة به وهو ملك رحمن عطف على رعيته للمشبه على ما هو العمدة منه وهو رحمن، وكذا يقال في رحيم هذا.
واعلم أن ما ذكروه من أن «الباء» في البسملة متعلقة بمحذوف لأن الأصل عدم الزيادة يجوز أن يكون فعلا وأن يكون اسما وفي كل إما عام كأبتدئ أو ابتدائي أو خاص كأؤلف أو تأليفي مثلا وفي كل إما أن يكون مقدما أو مؤخرا هذا إذا كان المبتدئ بها من العباد فإن كان إخبارا من الله فليس المعنى على ذلك بل المعنى: باسم الله كان كل شيء ومنه تكون الأشياء هو هذا يستلزم اتصافه بجميع الصفات فتكون الباء مشيرة لجميع العقائد كذا ذكر بعض أئمة التفسير.
ثم إن المحذوفات المقدرة في القرآن كالمتعلق المقدر في بسملة الكتاب العزيز الذي هو أقرأ أو أتلو مثلا الذي هو من كلام الحوادث قيل أنه من القرآن، وقيل: أنه ليس منه وفي كل نظر.
أما الأول أعني جعله من القرآن فيلزم عليه تأليف القرآن من الحادث والقديم والمركب من القديم والحادث حادث فيلزم أن القرآن حادث ويلزم عليه أيضا تأليف القرآن من المعجز وهو كلام الله وغير المعجز وهو المتعلق المقدر والمركب من المعجز وغير المعجز فيلزم أن القرآن غير معجز
وأما الثاني أعني جعل المقدرات من غير القرآن فيلزم عليه احتياج القرآن لغيره ولا خفاء أن ذلك نقص.
وأجيب من طرف الأول القائل أنها من القرآن بأن الكلام هنا في القرآن اللفظي ولا شك أن القرآن اللفظي بجميع أجزائه حادث فلا محذور في لزوم الحدوث ويدفع الإيراد الثاني بمنع كون المركب من المعجز وغير المعجز غير معجز وسند المنع أن مجموع القرآن وكل سورة منه وكل ثلاث آيات منه معجز مع أن الآية والأيتين غير معجز.
وأجيب من طرف القائل بأنها ليست من القرآن وهم الأثر بأنا لا نسلم احتياج القرآن إليه من حيث تمام المعنى به حتى يكون نقصا بل في إنزال القرآن مع هذه التقديرات كمال الكمال لأن حذفه إنما هو لاقتضاء المقام حذفه وهذا هو عين البلاغة والبلاغة كمال لا نقص والنقص اللغوي غير مضر فظهر أن تلك المقدرات مرادة لله لا مقولة له.
بقي شيء آخر وهو تحقيق الخير والإنشاء في الجملة المقدرة بها البسملة من ثولنا أؤلف وقد تقرر أن الحال قيد في عاملها فههنا مقيد وقيد والأول خبر لصدق حد الخير عليه وهو ما يتحقق مدلوله بدون ذكر داله ولا شك أن التأليف يتحقق خارجا بدون ذكر أؤلف، والثاني إنشاء لصدق حد الإنشاء عليه وهو ما يتحثث مدلوله بذكر داله فقط لا شك أن كلا من الاستعانة والتبرك لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه وهو قولنا: مستعينا أو متبركا.
فقد اتضح لك محل الخبرية والإنشائية في جملة البسملة وسقط استشكال كونها إنشائية بأن شأن الإنشاء أن لا يتحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه والأمر هنا ليس كذلك لتحقق التأليف بدون ذكر أؤلق وكونها خبرية بأن الخبر شأنه تحقق مدلوله بدون ذكر اللفظ الدال عليه وما هنا ليس كذلك لأن الاستعانة مثلا لا يتحقق مدلولها بدون ذكر اللفظ الدال عليها والقول بأن الجملة بتمامها إنشائية تبعا لإنشاء المتعلق غير سد يد لكونه فضلة.
قوله: (الحمد لله) الكلام على الحمدلة كالكلام على البسملة في الاشتهار ولكن لا بأس بالتعرض لشيء وهو أن «أل» في الحمد قيل إنها للعهد، وقيل للاستغراق، وقيل للجنس، وعلى الأول فالمعهود:
إما حمد الله وعليه فيقدر الخبر من مادة الاختصاص أو الاستحقاق أي: الحمد مختص بالله أو مستحق لله.
ولا يصح تقديره من مادة الملك لأن حمد الله قديم والقديم لا يملك
وإما حمد من يعتد به وهو حمد الله وحمد أنبيائه وحمد أوليائه وعليه فيصح تقدير الخبر من مادة الملك كما يصح تقديره من مادة الاختصاص والاستحقاق لأن المعهود حينئذ هو الهيئة المجتمعة من حمد الله وحمد غيره وهي مركبة من قديم وهو حمد الله وحادث وهو حمد غيره، والمركب من القديم والحادث حادث والحادث يصح تعلق الملك به.
وكذا يصح تقدير الخبر من أي مادة من المواد الثلاث المذكورة على جعل «أل» للاستغراق أو الجنس.
ثم إن جملة الحمدلة يصح أن تكون خبرية لفظا ومعنى ويحصل الحمد بها
ولا يقال الإخبار عن حصول الشيء ليس ذلك الشيء
لأنا نقول لا نسلم أنه كذلك مطلقا وإنما يكون كذلك إذا كان الإخبار ليس من جزئيات المخبر عنه كما في «قام زيد» فإن الإخبار بالقيام ليس من جزئياته أما إذا كان الإخبار عن الشيء من جزئياته فلا يكون كذلك كما في قولنا الخبر يحتمل الصدق والكذب وكون الإخبار فيما نحن فيه من هذا القبيل ظاهر لصدق تعريف الحمد عليه
ويصح أن تكون إنشائية، واستشكل بأنه لا يمكن من العبد أن ينشئ اختصاص الله بالمحامد أو استحقاقه إياها.
وأجيب بأن المراد بكونها إنشائية أنها لإنشاء الثناء بمضمونها لا أنها لإنشاء مضمونها، ومضمون هذه الجملة الاختصاص المذكور إن قدّر الخبر من مادة الاختصاص أو الاستحقاق المذكور إن قدر من مادة الاستحقاق وأما مفهومها فهو ثبوت ذلك الاختصاص لله، وظاهر أن المضمون المذكور لا يمكن من العبد إنشاؤه بخلاف الثناء بمضمونها أي: ذكر تلك الجملة والإتيان بها فهو ممكن وعلى هذا فحمد الشارح هو الإتيان بتلك الجملة لا نفس الجملة.
قوله: (الواسع) مأخوذ من السعة وسعة الشيء كثرة أجزائه. والجود إن فسر بإعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على وجه ينبغي أي: لا لفرض كالمدح ولا لعوض كان صفة فعل.
وقولهم: «لمن ينبغي» أخرج به ما لو أعطى كتابا لمن لا ينتفع به لا بمطالعة ولا بثمنه.
وقولهم: «على وجه ينبغي» أخرج به الإعطاء لغرض أو لعوض فلا يكون جوداً. وإن فسر الجود بمبدأ إفادة أي: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي على وجه ينبغي كان صفة ذات، لأن المراد بالمبدأ المذكور القدرة والإرادة.
وعلى كلٍّ من التفسيرين ففي الكلام استعارة تبعية، وتقريرها على الأول أن يقال: شبهت كثرة أفراد الإعطاء الذي هو أمر كلي بكثرة أجزاء الشيء بجامع مطلق الكثرة، واستعير اسم المشبه به وهو لفظ السعة للمشبه، واشتق منه واسع بمعنى كثير الإعطاآت التي هي أفراد الإعطاء الذي هو الجود، وعلى هذا يكون المعنى: الحمد لله الكثير الجود أي: الكثير أفراد جوده أي: المتصف بكثرة أفراد جوده.
وتقريرها على التفسير الثاني أن يقال: شبهت كثرة تعلقات القدرة والإرادة بكثرة أجزاء الشيء بجامع مطلق الكثرة واستعير اسم المشبه به وهو لفظ السعة للمشبه واشتق منه واسع بمعنى كثير تعلقات القدرة والإرادة وعلى هذا يكون المعنى الحمد لله المتصف بكثرة تعلقات قدرته وإرادته، ثم إن الواسع نعت لله واسم الفاعل إضافته لفظية لا تفيده تعريفا فيكون نكرة فلا يصح جعله نعتا للمعرفة.
وأجيب بأنه ملاحظ فيه الدوام فيكون صفة مشبهة، وهي تتعرف بالإضافة وبهذا الاعتبار صح جعله نعتا للمعرفة.
قوله: (والعطاء) هو اسم مصدر بمعنى الإعطاء وعطفه على الجود من عطف العام على الخاص إن أريد بالجود الإعطاء المخصوص أي: إعطاء ما ينبغي إلخ. ومن عطف المغاير أو الصفة على الموصوف إن أريد بالجود مبدأ إفادة ما ينبغي إلخ وذلك لأن مبدأ إفادة ما ينبغي عبارة عن القدرة والإرادة والإعطاء تعلق القدرة بالشيء المعطى وهو تابع لتعلق الإرادة به بحسب تعقلنا، ولاشك أن التعلق صفة للمبدأ بهذا المعنى فتدبر.
قوله: (الذي شهدت) نسخة المؤلف كما قاله شيخنا الملوي بالتاء لاكتساب فاعله التأنيث من مكتسب التأنيث من المضاف إليه. وشهد مأخوذ من الشهادة وهي الاعتراف والإقرار باللسان المطابق لما في القلب لأنها لا يعتد بها إلا إذا كانت كذلك.
وقوله: «وجوب افتقار» إلخ فاعل شهد، ولا يخفى أن الشهادة بالمعنى المذكور لا تسند حقيقة إلا للعقلاء وحينئذ فيكون إسنادها لوجوب الافتقار مجازا عقليا، ويصح أن تجعل في التركيب تجوزا لغويا إما في المسند على أنه استعارة تبعية بأن تشبه الدلالة بمعنى الشهادة المذكورة، ويستعار اسم المشبه به وهو لفظ الشهادة للمشبه، ويشتق منه شهد بمعنى دلَّ.
أو على أنه مجاز مرسل تبعي من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم لأن الشهادة يلزمها الدلالة فأطلقت وأريد منها لازمها وهو الدلالة، واشتق منها شهد بمعنى دلَّ، وإما في المسند إليه على أنه استعارة بالكناية بأن يشبه وجوب الافتقار بعاقل تتأتى منه الشهادة على طريق الاستعارة بالكناية، وشهد تخييل.
قوله: (بوجوب وجوده) يصح أن تكونَ إضافة الوجوب للوجود حقيقة، والمراد بوجوب وجوده عدم قبول وجوده للانتفاء، ويلزم من الشهادة بوجوب الوجود
الشهادةُ بالوجود، ويصح أن تكون الإضافة من إضافة الصفة للموصوف أي: بوجوده الواجب أي: الذي لا يقبل الانتفاء ويلزم من الشهادة بوجوده الواجب الشهادة بالوجوب.
واعلم أن التحقيق أن الوجود صفة اعتبارية لا حال كما قيل به وليس نفس ذات الموجود، وأن قول الأشعري: الوجود عين الموجود، المراد منه: أن الوجود ليس صفة ثابتة في الخارج زائدة على الذات فلا ينافي أنه صفة اعتبارية، وبهذا ظهر أن إضافة وجود للضمير على معنى اللام أو أنه من إضافة الصفة للموصوف لا من إضافة الشيء لنفسه.
قوله: (ووحدانيته) عطف على وجوب وجوده، وآثر الوحدانية بالذكر إشارة إلى أن دليلها عقلي كما هو التحقيق خلافا لمن قال إنه سمعي.
قوله: (وعظيم جلاله) يطلق الجلال على ما يقابل الجمال كقولهم هذه الصفة صفة جلال، وهذه الصفة صفة جمال، فيكون المراد بصفة الجلال الصفة الدالة على البطش والقهر مثلا كجبار وقهار ومنتقم. والمراد بصفة الجمال: الصفة الدالة على البسط كباسط ورحمن وغفور إلخ.
ويطلق الجلال على عظمة الله سبحانه وتعالى وهي اتصافه بصفة الكمال جلالية وجمالية لأنها من الصفات الجامعة وهو المراد هنا، وحينئذ فتكون الإضافة من إضافة الصفة للموصوف أي: وعظمته العظيمة وإنما وصفها بالعظم لأن العظمة مقولة بالتشكيك، وشهادة افتقار الكائنات بالعظمة من حيث شهادتها بالصفات المسميات بها فيكون مشيرا إلى أن دليل الصفات عقلي لكنه يخرج من الصفات السمع والبصر والكلام وكونه سميعا وبصيرا ومتكلما، فإن دليلها سمعيّ.
فإن قيل: يدخل في الشهادة بالعظمة الشهادة بالوحدانية فلم أفردها بالذكر.
قلت: أفردها بالذكر للتصريح بأن دليلها عقلي ردا على المخالف القائل بكفاية الدليل السمعي فيها.
قوله: (وجوب افتقار ... إلخ) الافتقار الاحتياج وإضافة وجوب للافتقار إما حقيقية أو من إضافة الصفة للموصوف أي: افتقارها الواجب.
واعلم أنه وقع خلاف في منشأ افتقار العالم الذي هو الكائنات إلى الصانع، فقيل: حدوثه أي وجوده بعد العدم. وقيل: إمكانه أي استواء طرفي الوجود والعدم في حقه. وقيل: حدوثه وإمكانه. وقيل: حدوثه بشرط الإمكان. وقيل: بالعكس.
قوله: (الكائنات) جمع كائنة وهي المتجدد بعد عدم ذاتا كان أو صفة، كانت الصفة وجودية أو حالا، لأن الحق أن القدرة تتعلق بالأحوال كما يأتي.
قوله: (كلها) تأكيد أتى به دفعا لما يتوهم من أن «أل» في الكائنات للجنس.
قوله: (في الأرض والسماء) صفة للكائنات أي: الكائنات المستقرة في الأرض والسماء، والمراد جنس الأرض وجنس السماء المتحقق في أفراد، فإن قيل: إنه يخرج من ذلك نفس الأرض والسماء وكذا ما فوقهما وما تحتهما.
فالجواب: أن المراد بالأرض جهة السفل وبالسماء جهة العلو، وحينئذ فيدخل في الكائنات المستقرة في جهة السفل جميع ما حل فيها من الأرض وما تحتها وما فوقها، ويدخل في الكائنات المستقرة في جهة العلو جميع ما حل فيها من السماء وما فيها وما فوقها وما تحتها مما هو في الجو.
قوله: (العزيز) هو عديم المثال الذي لا نظير له في «عَزَّ الشيءُ» إذا عدم مثاله ونظيره، وقيل: العزيز هو المرتفع عما لا يليق به، من «عزَّ الشيء» ارتفع عما لا بليق به. وعلى كلا القولين فالعزيز من أسماء التنزيه.
وقيل: القادر الذي لا معارض له، من «عز إذا غلب» ولا يكون غالبا إلا من هو كذلك، وعلى هذا فيكون معناه مركبا من وصفين: أحدهما وجودي والآخر سلبي ولا محظور فيه، فالواضع اعتبر مجموع الوصفين ووضع لهما لفظ عزير كوضع لفظ إنسان لمجموع الحيوان الناطق.
وقيل: إن العزيز معناه القويّ الشديد، من «عز إذا قوي واشتد» ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ﴾. وقيل: العزيز هو الذي لا يرام ولا يطلب فيدرك.
قوله: (الذي عز) أي: تنزه وارتفع.
قوله: (في مُلكه) بضم الميم السلطنة وهي التصرف بالأمر والنهي، وأما الـمِلك بكسر الميم فهو الاستيلاء على شيء خاص، وقد يطلق الـمُلك بالضم على العالم الظاهر كما يطلق الملكوت على العالم الخفي، وهو حال من ضمير عز أي: عز عن حالة كونه كائنا في ملكه وفي تعبيره بـ«في» إشارة إلى تمكنه من التصرف تمكنا تاما حتى كان التصرف الذي هو الملك ظرفٌ له، ولا يخفى ما فيه من التجوز.
وفي بعض النسخ «عز ملكه» بإسقاط «في» على أنَّ ملكه فاعل عز، وكل من النسختين صحيح.
قوله: (عن أن يكون) متعلق بـ«عز» لتضمنه معنى تنزه أو بحال محذوفة أي: حالة كونه منزها إلخ.
قوله: (في تدبير شيء ما) التدبير إن أضيف إلى العبد كان معناه النظر في عواقب الأمور، وإن أضيف إلى الله كما هنا كان معناه إيجاد الشيء على وجه محكم متقن،.
فإن قلت: كلامه يوهم أنه لم يتنزه عن أن يكون له شريك في إيجاد شيء لا إحكام فيه ولا إتقان مع أنه تنزه عنه أيضا فكان الأولى حذف قوله «في تدبير شيء ما».
وأجيب بأنه يرتكب التجريد في التدبير بأن يراد منه مطلق الإيجاد كان على وجه محكم أم لا وإن كان فعل الله لا يكون إلا مُحكما، أو يجاب بأن الشريك لو وجد لا يكون إلا مدبرا كما يعلم من برهان الوحدانية فلا يكون فعله إلا محكما متقنا، وحينئذ فعلى تقدير: لو وجد الشريك فلا يتأتى اشترا كهما في إيجاد شيء لا إحكام فيه ولا إتقان لأن كلا منهما مدبر فلا إيهام في كلامه، تأمل. وبهذا ظهر لك أن قوله «عز» إلخ نفي للشريك في الأفعال.
قوله: (فتعالى الله) أي: تنزه وارتفع عن الشركاء. إن قيل: لا حاجة لهذا مع ما قبله. قلت: ما سبق نفي للشريك في الأفعال وهذا نفي للشريك في الذات والصفات.
وأُتِيَ بهذا مفرعا له بالفاء على ما قبله، وهو قوله «الذي عز» إلخ إشارة إلى أنه يلزم من نفي الشريك في الأفعال نفي الشريك في الذات والصفات؛ لأنه لو وجد له شريك في الذات والصفات لشاركه في الأفعال، والغرض نفى الشريك في الأفعال. وبهذا ظهر لك سر الإتيان بالفاء المؤذنة بتفرع ما بعدها على ما قبلها.
قوله: (الرحيم الرحمن) سلك فيه طريق الترقي، والأكثر طريق التدلي كما في البسملة وإنما كان صنيعه هنا من الترقي لأن الرحيم معناه المنعم بدقائق النعم، والرحمن معناه المنعم بجلائل النعم وقد سبق أنهما مأخوذان من الرحمة، وهي رقة القلب المقتضية لإرادة التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى محالة في حق الله فتعتبر في حقه باعتبار مسببها القريب وهو إرادة الإحسان أو البعيد وهو الإحسان، فهي على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل.
فمعنى «الرحيم الرحمن» على الأول مريد الإنعام، وعلى الثاني منعم على جهة المجاز المرسل التبعي حيث أطلق اسم السبب وهو الرحمة وأريد المسبب الذي هو إرادة الإنعام أو نفس الإنعام، واشتق من الرحمة بهذا المعنى رحمن رحيم بمعنى مريد الإنعام أو منعم فقد جرى التجوز في المشتق تبعا لجريانه في أصله وهو المصدر. ولك جعل الرحمن الرحيم من قبيل الاستعارة التمثيلية بناء على أنه لا يشترط فيها التركيب كما مر ذلك.
قوله: (الذي عمت) أي: شملت فهو من العموم بمعنى الشمول لا بالمعنى المصطلح عليه وهو استغراق اللفظ للمعنى الصالح له من غير حصر.
قوله: (نعمه) جمع نعمة بمعنى المنعم به والمراد به هنا نعمة الوجود، والوجود من حيث تعلقه بالعوالم كلي، وجزئياته وجود زيد و وجود عمرو ووجود بكر مثلا وحينئذ فالجمع باعتبار تلك الجزئيات، ويصح أن يراد بالنعم الإنعامات المتعلقة بوجود العوالم كالإنعام بوجود زيد والإنعام بوجود عمرو وهكذا، فالجمع ظاهر.
قيل: الأولى أن يعبر بالرحمة بدل النعم، بأن يقول: الذي عمت رحمته العوالم لما اشتهر من أن الرحمة تعم المؤمن والكافر، قال تعالى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ والنعمة خاصة بالمؤمن ولا تعم الكافر إذ شرطها سلامة العاقبة كما ذهب إليه الأشعري.
ومن ثم قيل: لا نعمة لله على كافر إلا أن يقال: أراد بالنعمة الرحمة على سبيل المجاز بقرينة الرحيم الرحمن، وذكر بعضهم أنه لا يشترط في النعمة سلامة العاقبة بل كل ملائم للطبع فهو نعمة سواء كانت تحمد عاقبته أو لا، وحينئذ فلا تَجَوُّز إذ الرحمة والنعمة على هذا مترادفان.
قوله: (العوالم) بكسر اللام جمع عالَـم بفتحها وهو اسم لمجموع ما سوى الله وصفاته. إن قلت: إذا كان العالم اسما لما ذكر كيف يجمع مع أنه لم يوجد له فرد ثان.
قلت: أجاب بعضهم بأن المصنف استعمل العوالم في الإفراد مجازا لا بقرينة مقام الثناء هذا، والذي حققه بعضهم أن العوالم اسم للقدر المشترك بين كل جنس وكل نوع وكل صنف فيقال عالم الحيوان وعالم الإنس وعالم الجن وعالم البربر أو المغاربة والقدر المشترك بين المذكورات هو شيء سوى الله وصفاته وحينئذ فالجمع ظاهر لأنه باعتبار الأجناس والأنواع والأصناف.
قوله: (فلا مخلص) أي: خلوص.
قوله: (لكائن) أي: لواحد من الكائنات عن تلك النعماء، والنعماء بفتح النون. قيل: أنه جمع نعمة كالنعم، وقيل: أنه مفرد مرادف للنعمة.
ويرد على الأول أن قضية كلامه حيث عبر بالنعماء التي هي جمع أن كل واحد قام به وجودات متعددة بناء على ما سبق من أن المراد بالنعم التي عمت العوالم نعمة الوجود أو إنعامات متعددة مع أنه إنما قامت به نعمة واحدة وهي نعمة الوجود أو الإنعام بالوجود على ما سبق. ويجاب بأن المراد بالنعماء الجنس من حيث تحققه في فرد.
ويرد على الثاني أن المشار له بقوله «تلك النعماء» النعم السابقة وقد تقدمت جمعا فكيف تصح الإشارة إليها بتلك. ويجاب بأن المراد بالمشار إليه مفرد النعم فيما سبق و صحت الإشارة للمفرد مع عدم تقدمه من حيث تضمن الجمع لمفرده وكأنه قال: لا مخلص لواحد من فرد من أفراد النعم السابقة فتدبر.
قوله: (الواسع) قيل معناه: الذي وسع غناه كل فقير أي: المعطي لكل فقير. والأحسن أن يقال: إن معناه الذي كثر تعلقات قدرته بالمنعم به لا بما فيه هلاك أو مشقة، وقد سبق ما فيه من الاستعارة فلا تغفل.
قوله: (الكريم) قيل معناه: ذو الإعطاء، وقيل: ذو القدرة التامة على الإعطاء. فعلى الأول يكون الكرم صفة فعل وهي الإعطاء، وعلى الثاني صفة ذات وهي القدرة على الإعطاء.
قوله: (بالإيجاد) «أل» للاستغراق أو عوض عن المضاف إليه أي: بإيجاد كل شيء، والإيجاد هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، كان ذلك الشيء ذاتا أو صفة أو فعلا اضطراريا أو اختياريا. وفي قوله «المنفرد بالإيجاد» رد على المعتزلة في قولهم: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية.
قوله: (فلا يستطاع شكر نعمه) أي: الشكر عليها. والمراد بالنعم الواقع في مقابلتها الشكر الإنعامات لا المنعم به لأن الثناء على الأول بلا واسطة بخلاف الثناء على الثاني فإنه بواسطة الإنعام، وما كان بلا واسطة أولى مما كان بواسطة. وقوله «فلا يستطاع» إلخ مفرع على قوله «المنفرد بالإيجاد» ووجهه أن شكر النعمة متوقف على الإلهام له والإقدار عليه وعلى اللسان أو القلب أو الجوارح الذي هو مورد الشكر، وكلها من جملة النعم فلا يمكن الشكر على نعمة من نعمه إلا بنعمة سابقة عليه، فقوله «إلا بما» أي: بإلهام وإقدار عليه وقلب أو لسان أو جوارح فتلك الأشياء من جملة نعمه بمعنى المنعم به.
قوله: (الجماء) أي: الكثيرة ففيه إشارة إلى كثرة نعم الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَا﴾.
وقوله: (الغني) قيل: هو الذي لا يفتقر لشيء ولا يحتاج له، وعلى هذا فالغني صفة سلبية وهي عدم الافتقار لشيء، والظاهر أن الغني هو المتصف بصفات الكمال ومن لوازم ذلك عدم الافتقار لشيء من الأشياء.
قوله: (القدوس) أي المبرأ من العيوب والنقائص فهو صفة سلبية، واعلم أن التبرئة من النقائص من لوازم الاتصاف بالغني المطلق لأن من قام به نقص احتاج لما يكمله فلا يكون غنيا.
قوله: (فلا وصول ... إلخ) مفرع على قوله «الغني القدوس» لأنه إذا كان كذلك فلا ينعم إلا بمحض الفضل إذ لو وصل شيء من نعمه لأحد بغير اختياره كان غير تام الإرادة فيكون ناقصا، فلا يكون غنيا غنى مطلقا ولا قدوسا والفرض أنه غني قدوس.
قوله: (إلى شيء من فضله) أي: من نعمه التي تفضل بها فالمراد بالفضل ما تفضل به.
قوله: (إلا بمحض فضله) المراد بالفضل هنا الإحسان والإضافة من إضافة الصفة للموصوف أي: إلا بفضله المحض أي: الخالي عن الغرض والعوض والجبر.
قوله: (تعالى ربنا) أي: ارتفع وتنزه عن الأغراض، وهذا الجملة متفرعة في المعنى على قوله «الغني» فيكون ذلك من لوازم الغنى أيضا.
قوله: (عن الأغراض) جمع غرض وهو العلة الباعثة على الفعل، كالعلة في حفر البئر وهي الانتفاع بمائه.
قوله: (وعن الأعوان) جمع عون بفتح العين وسكون الواو بمعنى معين.
قوله: (والوكلاء) جمع وكيل وهو من أقيم مقام غيره في التصرف في أمور ذلك الغير لإحتياجه.
قوله: (والوزراء) جمع وزير من الوِزر بكسر الواو أي الثقل وهو الأمر الشاق، سمي الوزير به لتحمله ثقل الملك أي: ما يشق عليه أو من الموازرة وهي المعاونة سمي الوزير به لمعاونته للملك.
قوله: (نحمده) أي: نصفه بجميع صفاته وهي جملة خبرية لفظا إنشائية معنى أي: ننشيء الثناء عليه بجميع صفاته لأجل نعم لا تحصى فهي لإنشاء الثناء بمضمونها لأن الحمد به إنما يتحقق بهذا اللفظ لا لإنشاء مضمونها، فاندفع ما يقال جعلها إنشائية مشكل لأن الإنشاء ما توقف حصول مضمونه على النطق به وحينئذ فيلزم أن الحمد على نعم لا تحصى لم يتحقق في الخارج قبل النطق بتلك الجملة وهو باطل.
وليست خبرية لفظا ومعنى، لأن الحامد ليس قصده الإخبار عن حمد يحصل منه في الحال أو الاستقبال كما هو شأن المضارع الخبري. وادعى بعضهم جواز ذلك بناء على أنها حكاية عن نفسها كما في أتكلم مخبرا عن نفسه بالتكلم.
وجمع بين الجملتين الاسمية والفعلية اقتداء بقوله ﷺ: «الحمد لله نحمده ونستعينه» ووجه تقديم الاسمية على الفعلية في الحديث أن مضمون الجملة الأولى علة في صدور الجملة الثانية أي: نحمده لأنه مستحق للحمد.
ووجهه في المصنف وكذا في الحديث أيضا أن الحمد بالجملة الاسمية ثناء بصفة واحدة وهي اختصاصه بالحمد أو استحقاقه أو مالكيته له فيكون الحمد بها من قبيل المفرد، والحمد بالجملة الفعلية ثناء بجميع الصفات فيكون من قبيل المركب، والمفرد مقدم على المركب طبعا فقدم وضعا ليوافق الوضع الطبع. أو يقال: قدم الاسمية لأنها أخص من الفعلية لأن الاسمية تدل على مجرد حصول الحمد وأما الفعلية فتدل على كثرته لأنها تفيد التجدد. وقولهم: «الخاص يؤخر» يعنى في النعت وأما في غيره فيقدم.
وأتى بالنون الدالة على العظمة مع أن مقام الحمد مقام تذلل وانكسار اظهارا لملزومها وهو تعظيم الله له حيث جعله من العلماء العاملين، وهو من التحدث بالنعم وهو أفضل من ارتكاب التذلل والخضوع والانكسار عند المحدثين، وإن كان الأمر بالعكس عند الصوفية أي: فعندهم التواضع والانكسار أفضل من التحدث بالنعمة.
ويحتمل أن تكون النون للمتكلم ومعه غيره، وأتى بها لكمال شفقته على إخوانه حيث أشركهم معه في هذا الحمد، أو للإشارة إلى أن حمدا لله عظيم لا يستقل به الواحد.
قوله: (سبحانه) حال من المفعول أي: في حال كونه منزها.
قوله: (على نعم) أي: على إنعامات أو على أمور منعم بها، والأول أولى لما سبق أن الحمد عليها بلا واسطة وأما الحمد على المنعم به فبواسطة الإنعام.
قوله: (لا تحصى) أي: لا تتناهى.
واعلم أن عدم التناهي له معنيان:
الأول: عدم الوقوف على حد بل كلما وجد فرد وانعدم أعقبه غيره كما في نعيم الجنة فإنه كلما وجد فرد منه وانعدم أعقبه غيره وما وجد بالفعل منها فهو متناه.
والثاني: عدم حصر أشياء موجودة في الخارج، كما في كمالات الله الوجودية فإنها لا تتناهى، بمعنى: أنها لا تنحصر ولا يخفى أن كلا من المعنيين لا يصح إرادته هنا.
أما الأول فلأن المراد بالنعم المحمود عليها الموجودة بالفعل لا ما وجد وما سيوجد لأن الحمد لا يكون إلا على ما وجد بالفعل، وما وجد بالفعل لا يعقل فيه عدم التناهي بالمعنى الأول أعني عدم الوقوف على حد.
وأما الثاني فلأن ما وجد في الخارج من الحوادث فهو متناه ومحصور فيستحيل عدم تناهيه بالمعنى المذكور وحينئذ فيراد بعدم إحصاء النعم تعذر عدها وإن كانت متناهية في نفس الأمر لأن ما وجد في الخارج من الحوادث فهو متناه، ثم إن المتعذر عده إنما هو أفرادها الشخصية وأنواعها وأما أجناسها فلا تعذر في عدها وإحصائها، كأن يقال: النعم إما دنيوية أو أخروية، والأخروية إما في مقابلة عمل أو لا، والدنيوية إما كسبية أو وهبية، أو غير ذلك.
وإذا علمت ذلك تعلم أنه لا منافاة بين قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَا﴾ وبين الأمر بعدّها المقتضي لإحصائها وتناهيها في قوله تعالى: ﴿ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِي﴾ وذلك أن نفي إحصائها بالنظر لأشخاصها وأنواعها، والأمر بذكرها بالنظر لأجناسها لتناهيها بحسبب الأجناس وذلك كاف في التذكر المفيد للعلم بوجود الصانع الحكيم.
قوله: (وحمدنا له جل وعز من أجل الآلاء) أي: من أعظم النعم وذلك لأن حمدنا فعل اختياري وهو مخلوق لله ويثاب عليه العبد. وهذه الجملة حالية وأتى بها لدفع ما يتوهم من أن حمده أولا وثانيا استوفى الشكر على النعم التي لا تحصى فكأنه يقول: لا يتوهم من حمدي له أولا وثانيا أني استوفيت شكر نعمه لأن حمدي على النعم من أجلّ النعم فيجب الحمد عليه ولم يكن للحمد الأول تعلق بها وهكذا. و«مِن» في قوله «من أجل» تبعيضية أي: بعض الأجلّ. و«الآلاء» بمعنى النعم وهو ممدود وقصره لضرورة السجع وهو جمع «ألى» بفتح الهمزة وكسرها مع التنوين وعدمه فيهما، و«ألى» بسكون اللام مع تثليث الهمزة فلغات المفرد سبع ومعناه على كل حال النعمة.
قوله: (نشكره) جملة خبرية لفظا إنشائية معنى لإنشاء الثناء لا خبرية لفظا ومعنى لأن الشاكر ليس قصده الإخبار عن شكر يحصل منه في الحال أو الاستقبال كما هو شأن المضارع الخبري.
واعلم أن الحمد والشكر المطلوب من المؤلفين تحصيلهما في أوائل التآليف هما الحمد اللغوي والشكر اللغوي الحاصلان باللسان، لا الحمد والشكر الاصطلاحيان، لأن المعنى الاصطلاحي حادث بعد النبي ﷺ وهو قد أمر بتحصيلهما في أوائل الأمور ذوات البال فيحملان على ما كان في زمنه وهو المعنى اللغوي.
قوله: (تبارك) أي: تزايد خيره.
قوله: (وتعالى) أي: ارتفع عما لا يليق به.
قوله: (وهو الرؤوف) أي: لأنه الرؤوف الرحيم، والرؤوف هو المنعم بنعم نشأت عن محبته للمنعم عليه غنيا كان أو فقيرا، والرحيم هو المنعم بنعم من أجل احتياج المنعم عليه وفاقته ولا يكون إلا فقيرا. فإذا أنعم المولى على أحد من عباده بنعمة فإن كانت النعمة ناشئة عن محبة الله لذلك العبد المنعم عليه قيل للمولى: رؤوف، وإن كان إنعامه عليه بتلك النعمة لفاقة ذلك العبد واحتياجه قيل له: رحيم.
فعلمت من هذا أن نعم الله تارة تكون ناشئة عن محبته للمنعم عليه، وتارة تكون ناشئة لأجل احتياج المنعم عليه. وأن الرؤوف أبلغ من الرحيم لأن مبدأ الرأفة شفقة المحسن ومحبته، والرحمة مبدؤها فاقة المحسن اليه، ولأجل الأبلغية المذكورة قدم المصنف الرؤوف.
قوله: (الذي يبسط) من البسط وهو النشر ضد القبض.
وقوله: (بفضله) متعلق بيبسط أي: يبسط بسطا متلبسا بفضله من غير قهر له.
قوله: (منقبض القلوب) أي: القلوب المنقبضة والألسنة المنقبضة والجوارح المنقبضة. وانقباض القلوب تكدرها وحصول الغم لها لتجلي المولى عليها بصفات الجلال، وانقباض الألسنة تعطيلها عن الأذكار وانقباض الجوارح تعطيلها عن الطاعات بالكسل. وحينئذ فإسناد الانقباض للقلوب حقيقة، وإلى الألسنة والجوارح مجاز عقلي.
وفي قوله: (يبسط) استعارة تبعية حيث شبه إزالة الانقباض بنشر البساط مثلا بجامع ترتب الانتفاع في كل، واستعير لها اسمه وهو البسط واشتق منه يبسط بمعنى يزيل الانقباض، وكأنه قال: الذي يزيل بفضله الانقباض عن القلوب المنقبضة والألسنة المنقبضة والجوارح المنقبضة.
والقلوب جمع قلب يطلق على الجارحة المعلومة، وهي اللحمة الصنوبرية الشكل ويطلق أيضا على النفس وهو المراد هنا.
قوله: (بما شاء) متعلق بيبسط.
قوله: (من جميل الثناء) بيان لـ«ما» أي: من الثناء الجميل، ووصف الثناءِ بالجميل وصف كاشف لأن الثناء هو الذكر بخير، والمراد بالثناء الجميل هنا ذكر الله وكأنه قال الذي يزيل انقباض القلوب والألسنة والجوارح بذكره، فذكره تعالى يزيل ما قام بالقلب من الغم والكدرات ويشرحه ويدخل السرور عليه ويزيل الكسل المانع للجوارح من العبادات والمانع للسان من القراءة والأذكار.
قوله: (ونشهد أن لا إله إلا الله) «أن» مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن محذوف وجملة لا إله إلا الله خبرها.
و«وحده» حال إما من الله فتكون حالا مؤكدة، أو من ضمير الخبر فتكون حالا مؤسسة، والمراد وحده في ذاته وصفاته فهي نفي للشريك فيهما.
وقوله: (لا شريك له) نفي للشريك في الأفعال.
واعلم أن جملة «نشهد» إلخ إنشائية تضمنت الإخبار بالمشهود به، وقيل: إنها خبرية محضة، وقيل: إنشائية محضة. والأول ناظر للفظ نشهد فإنه إنشاء لوجود مضمونه في الخارج به وإلى متعلقه، والقول الثاني ناظر للمتعلق فقط، والقول الثالث ناظر للفظ نشهد وهو التحقيق فلم تتوارد الأقوال الثلاثة على محل واحد.
قوله: (شهادة) مفعول مطلق عامله نشهد.
قوله: (نشأت عن محض اليقين) أي: عن اليقين المحض أي: الخالص عن الشك وهو الذي صار متعلقه أمرا مجزوما به لا شك فيه، واليقين هو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل.
واعلم أن الإيمان هو حديث النفس التابع للمعرفة، وأن المعرفة: هي الاعتقاد الجزم المطابق للواقع عن دليل، وأن المراد بالشهادة هنا: الإيمان، وباليقين المحض: المعرفة، فيكون قوله و«نشهد» أي: نعترف اعترافا قلبيا ناشئا عن يقين فالشهادة قلبية وهي الإيمان وهو ناشئ عن اليقين الذي هو المعرفة لأنه تابع لها وفيه إشارة إلى أن مجرد المعرفة غير كاف لوجودها عند كثير من الكفار، قال تعالى: ﴿يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡ﴾.
وقوله: (فلا يطرق) بضم الراء من باب قتل، والطروق: القدوم بغتة، والساحة: الأرض المتسعة بين البيوت، والمراد بها هنا: القلب، إذ هو محل الشهادة بالمعنى السابق، فشبه القلب بالساحة واستعار له اسمها والقرينة إضافتها إلى الضمير العائد على الشهادة.
ويحتمل أن المراد بالشهادة الشهادة اللسانية فالمعنى أشهد بلساني شهادة ناشئة عن اليقين المحض أي: عن الاعتقاد الجازم أن لا إله إلا الله إلخ. وأتى بقوله «ناشئة عن اليقين» إلخ إشارة إلى أنها شهادة معتد بها لمطابقة اعترافه بلسانه لما قام بقلبه من الاعتقاد لأن الشهادة لا يعتد بها إذا كانت غير مطابقة لما في القلب من الاعتقاد. وعلى هذا فالمراد بساحة الشهادة: اللسان، وفي العبارة حذف أي: لا يطرق ساحتها آثار ضروب الشك وهو متعلق التردد الجاري على اللسان.
قوله: (بفضل الله) أي: لا بطريق القهر.
قوله: (ضروب الشكوك) أي: أنواع الشكوك والإضافة للبيان، والشكوك جمع شك، والمراد به هنا مطلق التردد الصادق بالظن والوهم، ولذا جمعه.
قوله: (والامتراء) أي الشك وهو من عطف الكلي على جزئياته، يحتمل أن يكون على حذف مضاف أي: وجزئيات الامتراء فيكون العطف من قبيل عطف المرادف.
قوله: (سيدنا) السيد هو الذي يفزع إليه في المهمات. والمولى هو الناصر. ولاشك أن الفزع في المهم إلى السيد يكون أولا، ونصرته لمن فزع إليه في نيل مهمة تكون ثانيا بعد فزعه إليه، ولذلك قدم الشارح سيدنا على مولانا، ولا شك إنه ﷺ مفزع الخلائق وناصرهم في الدنيا لما بين لهم من طرق النجاة وعلمهم أنواع الهدايات حتى تركهم على المحجة البيضاء التي لا غبار عليها ومفزعهم وناصرهم في الآخرة فيفزعون إليه من شدة الهول الحاصل لهم في الموقف فيشفع لهم الشفاعة العظمى.
قوله: (عبده) أي: المتصف بعبوديته أي: بكونه عبدا له. والعبودية صفة تقتضي التواضع والانكسار.
قوله: (ورسوله) أي: ومرسله لكافة الخلق، والرسالة صفة تقتضى الرفعة ولا يخفى أن التواضع سبب في الرفعة فلذا قدم ما يفيد السبب على ما يفيد المسبب حيث قال عبده ورسوله.
وذكر بعضهم: أنه إنما قدم العبد لما قيل إن العبودية أشرف الصفات وهي الرضا بما يفعل الرب، وأما العبادة فهي فعل ما يرضي الرب لكن ذكر المحلّي في بعض كتبه أن العبادة أبلغ من العبودية لأن العبودية التذلل والخضوع، وأما العبادة فهي غاية التذلل والخضوع ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو مخالف لإطلاقهم أن العبودية أفضل. ويؤيد الإطلاق أن العبودية لا تسقط في العقبى بخلاف العبادة.
وذكر الرسول دون النبي لأنه أخص ولأن رسالة النبي أفضل من نبوته. واعلم أن الرسالة من الصفات الشريفة التي لا ثواب فيها وإنما الثواب على أداء ما تحمله الرسول، وكم من صفة شريفة لا يثاب عليها كالمعارف الإلهية والنظر لوجه الله الكريم الذي هو أشرف الصفات.
قوله: (ندخرها) أي: نختارها أو نتخذها أو نجعلها ذخيرة نافعة.
قوله: (بفضل الله) أي: وادخارنا لها بسبب فضل الله وإحسانه الخالي عن الجبر، أومن فضل الله فالباء للسببية أو بمعنى مِن.
قوله: (وجميل عونه) أي: ومن إعانته الجميلة، والوصف كاشف لأن إعانة الله لا تكون إلا جميلة.
قوله: (لما قصم الظهور) أي: لما كسرها، والقصم بالقاف الكسر سواء كان معه إبانة أو لا، وقيل: الكسر مع الإبانة قصم بالقاف، وبدون الإبانة فصم بالفاء، وجعل أهوال الموت والقبر ويوم البعث والجزاء قاصمة للظهور كناية عن شدة تلك الأهوال.
والجار والمجرور في قوله «لما قصم» متعلق بقوله «ندخرها»، وعبر بالماضي إشارة لتحقق وقوع شدتها فكأنها وقعت بالفعل.
قوله: (وأذاب الأكباد) أي فتتها، وآثر الأكباد بالذكر على القلوب لماجرت به عادة الله من التأثير في الأكباد وحصول الألم لها عند توارد الهموم على النفس دون القلوب، وإذابة الأكباد كناية أيضا عن شدة الأهوال المذكورة.
قوله: (من أهوال) بيان لـ«ما». والأهوال جمع هول وهو الأمر المخيف الشاق، فكأنه قال من الأمور الشاقة المخيفة الحاصلة عند الموت وفي القبر.
قوله: (وما يتفاقم) أي: يتتابع وهو عطف على «ما قصم».
قوله: (من العضلات) بفتح الضاد وكسرها جمع معضل، وهو الأمر الشاق الذي لا يهتدى لوجهه.
قوله: (في يوم البعث) صفة للمعضلات أي: وما يتتابع من الأمور الشاقة الكائنة في يوم البعث أي: إحياء الموتى والجزاء على الأعمال، والجزاء إيصال كل عامل ما يليق بعمله. وعطف الجزاء على البعث إشارة لحكمة البعث فالحكمة المرتبة عليه مجازاة الناس على أعمالهم بالثواب أو العقاب.
قوله: (ونحوز بها) أي: ونحصل بسبب تلك الشهادة وهو عطف على ندخرها.
قوله: (بفضل الله) أي: بسبب فضل الله، وهذا سبب للمسبب مع سببه وحينئذ فالباء في «بها» متعلقة بـ«نحوز» مطلقا، والباء في بفضل الله متعلقة به مقيدا بالجار والمجرور الأول فلم يلزم عليه تعلق جر في جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد لأن العامل حال كونه مطلقا غير نفسه حال كونه مقيدا.
قوله: (مع الآباء) القصد من مع مطلق الاصطحاب أي: حالة كوننا مصاحبين لآبائنا لا متبوعية ما بعدها. وأراد بالآباء ما يشمل أبا الجسم وأبا الروح وهم الأشياخ المعلمون له، ولذا قدم الآباء على الأمهات وإن كان ثواب الأمهات أكثر من ثواب الآباء على ما قيل.
قوله: (والذرية) أراد بها ما يشمل ذرية الجسم وذرية الروح وهم تلامذته.
قوله: (والإخوة) جمع أخ من النسب، وأما أخو الصحبة فيجمع على إخوان، وهم داخلون في الأحبة.
قوله: (والأحبة) جمع حبيب، إما بمعنى محبوب أو بمعنى محب، وهو الأحسن ليدخل في الدعاء محبوه بعد موته.
قوله: (في أعلى الفردوس) متعلق بقوله ونحوز بها، والفردوس أعلى الجنان، ومراد الشارح بأعلى الفردوس أعلاه علوا نسبيا.
وقوله: (غاية) أي نهاية مفعول نحوز.
و(السموّ) هو العلو.
وقوله: (والارتقاء) أي: الارتفاع وهو عطف مرادف وكأنه قال: ونحصل بسببها غاية العلو في أعلى الفردوس النسبي، وحوزنا بسببها غاية العلو في أعلى الفردوس النسبي بسبب فضل الله، وإنما حملنا أعلى الفردوس على الأعلى النسبي لأن أعلى الفردوس الحقيقي إنما هو للنبي ﷺ وظهر من هذا أن الأعلى النسبي يعتبر أمرا ممتدا له غاية وحينئذ فالظرفية من ظرفية الجزء في الكل.
قوله: (والصلاة) التحقيق أن الصلاة من الله: إنعامه المقرون بالتعظيم، ومن الملائكة والإنس والجن: الدعاء بأن الله يعظم الـمُصَلى عليه ويشرفه. وما شاع من أنها من الملائكة: الاستغفار، ومن الإنس والجن: التضرع والدعاء بخير فهو خلاف التحقيق.
(والسلام) معناه التحية والجملة خبرية لفظا إنشائية معنى، فالمقصود بها إنشاء الدعاء بأن الله يعظم سيدنا محمدا ويشرفه ويحيه بتحية لائقة به كما يُحيي بعضنا بعضا.
ولا يجوز أن تكون خبرية لفظا ومعنى لأن المخبر بأن الله صلى عليه أي: أنعم عليه، لم يكن مصليا أي: داعيا بأن الله يعظمه إلا على قول من يقول: أن المراد من الصلاة التعظيم، أو أنها موضوعة للقدر المشترك وهو الاعتناء بالمصلى عليه فيجوز أن تكون خبرية لفظا ومعنى لأن من أخبر بأن الله صلى عليه فقد عظمه ﷺ واعتنى به.
قوله: (على سيدنا ومولانا محمد) أي: كائنان على سيدنا أي: من نفزع إليه عند نزول الشدائد بنا.
قوله: (محمدٍ) بالجر بدل من سيدنا وبالنصب مفعول لمحذوف وبالرفع خبر مبتدإ محذوف وهو الأنسب لذات النبي ﷺ ؛ فإنها عمدة فاللائق أن يكون اسمها كذلك، والخبر عمدة دون المفعول والمجرور.
قوله: (عين الوجود) المراد بالوجود الموجود، والعين يحتمل أن المراد بها الباصرة أو الشمس فيكون من التشبه البليغ أي: الذي هو كعين الموجودين في الاهتداء بكل. والتحير عند عدم كلٍ، أو الذي هو كالشمس بالنسبة للموجودين بجامع الإضاءة في كل، فكما أن الشمس مضيئة للموجودين فكذلك النبي ﷺ مُضيءٌ لهم، وإن كانت إضاءة الشمس حسية وإضاءة النبي ﷺ معنوية. وصح التشبيه وإن كانت اضاءة النبي أعظم لتحقق قوة المشبه به في الجملة لكونه حسيا.
ويحتمل أن يراد بالعين الخيار وكأنه قال: سيدنا محمد خير الموجودين وأفضلهم.
قوله: (وسر الكائنات) أي: الموجودات ثم أنه يصح ان يراد بالسر اللب والخالص أي: وأشرف الموجودات وأحسناها، ويصح أن يراد به الأصل لأن نوره عليه السلام أصل لكل موجود فقد خلق الله من نوره جميع الموجودات، ويصح أن يراد به البركة أي: وبركة الموجودات لأنه ما من نعمة نصل لأحد ولو كافرا إلا بواسطته ﷺ.
قوله: (وعروس المملكة) المملكة موضع الملك الذي يتصرف فيه بالأمر والنهى، والمراد به هنا الدنيا والآخرة لأنهما محل لتصرفه ﷺ، والعروس اسم لكلٍ من الزوج والزوجة في أيام البناء. استعير هنا لمزين فشبه المزين بالعروس بجامع الرغبة في كلٍ، واستعير اسم المشبه به للمشبه أي: والمزين للدنيا والآخرة.
قوله: (ذي المفاخر) أي: صاحب المفاخر وهو جمع مفخرة وهي ما يفتخر به من النعم كالعلم والكرم وحفظ القرآن.
قوله: (التي جلت) أي عظمت وارتفعت وتنزهت.
قوله: (عن العد) أي: عن عد الناس لها وإن كان المولى يعلم كميتها.
قوله: (والإحصاء) إن أريد به العد كان العطف مرادف وإن أريد به العلم بكميتها الحاصل من العد كان من قبيل عطف المسبب على السبب، وكأنه قال: صاحب المفاخر التي لا يمكن لأحد عدها والعلم بعددها، فلا يعلم كميتها إلا الله تعالى.
قوله: (ذي المقام المحمود) هو الشفاعة العظمى التي يحمده بسببها الأولون والآخرون.
قوله: (المورود) أي: الذي ترده جميع أمته ما عدا من كان مغيرا في عقيدته أو كان ظالما متجبرا، ومن شرب منه لا يظمأ بعده أبدا بعد ذلك، فلو أدخل النار بعد شربه منه كان تعذيبه فيها بغير العطش.
قوله: (والوسيلة العظمى) عطف على «ذي» أي: والمتوسل به إلى الله في الدنيا والآخرة، ووصفها بالعظمى لأن غيره من الأنبياء والملائكة والعلماء والأولياء وإن كان يتوسل به إلى الله إلا أنه ليس وسيلة عظمى. ويصح عطفه على «المقام» وعليه فالوسيلة العظمى بمعنى المنزلة في الجنة ولا يبعد هذا.
قوله: (دنيا وأخرى) لأن المراد أنه محكوم له بتلك المنزلة التي في الجنة في الدنيا وفي الأخرى.
قوله: (وملجأ الخلائق) الملجأ ما يلتجأ إليه، وأراد بالخلائق ما يشمل الجمادات فانها آمنت به والتجأت إليه فصارت آمنة من الخسف، ومن كونها من حجارة جهنم.
قوله: (كلهم) تأكيد أتى به دفعا لتوهم أن «أل» في الخلائق للجنس المتحقق في بعض الأفراد.
قوله: (وإليه يهرعون) مبني للمفعول لفظا وللفاعل معنى أي: وإليه يسرعون إسراعا حسيا بالأقدام، ومعنويا بأن يلتفتوا إليه بقلوبهم. والجار والمجرور متعلق بما بعده، قدم عليه لإفادة حصر الإسراع فيه، والمراد بالإسراع المحصور فيه الإسراع الأكمل، فلا ينافي أن غيره يسرع إليه يوم تترادف الأهوال.
وجملة «وإليه يهرعون» اإخ إما مستأنفة أو حالية أي: والملجأ الذي تلتجئ إليه الخلائق كلهم في حال إهراعهم إليه يوم تتزايد الأهوال.
قوله: (يوم) أي: زمن وهو ظرف ليهرعون.
قوله: (تترادف) أي: تتتابع وتتزايد فيه. (الأهوال) جمع هول، وهو الأمر المخيف الشاق. وفي نسخة «ترادف» بتاء واحدة وعليها فيصح قراءته مصدرا وفعلا مضارعا حذفت إحدى التاءين منه أي: تترادف، وجملة «تترادف الأهوال» في محل جر بالإضافة للظرف والرابط محذوف كما قدرنا.
وفي بعض النسخ التصريح بالرابط هكذا «يوم فيه تترادف الأهوال» لكن هذه النسخة فيها الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف إليه الظرفي.
قوله: (وتمتد) عطف على تترادف.
وقوله: (أزمتها) بسكون الزاي وفتح الميم مخففة أي: وتستمر شدتها أي الأهوال فلا تنقضي بسرعة، ويصح ضبطه بكسر الزاي وفتح الميم المشددة جمع زمام وهو مقود الدابة وعليه فيكون شبه الأهوال بدابة صعبة الانقياد على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الزمام تخييل وتمتد أي تطول ترشيح وذلك لأن امتداد الزمام يؤذن بصعوبة الدابة وشدة جماحها بحيث يخشى على قائدها من سطوتها عليه أن لو كان الزمام قصيرا.
قوله: (حتى يتبرأ ... إلخ) «حتى» إما ابتدائية بمعنى فاء السببية فيكون مفرعا في المعنى على ترادف الأهوال، وإما غائية بمعنى إلى أي: تترادف الأهوال وتطول شدتها إلى أن يتبرأ أكابر الرسل من الشفاعة إلخ. وعلى الأول فيهتم مرفوع، وعلى الثاني منصوب. والمراد بالتبري الامتناع فكل رسول ذهبت الناس إليه ليشفع لهم في فصل القضاء يتبرأ ويمتنع ويبدي عذرا.
قوله: (بأنفسهم) الضمير عائد على متأخر في اللفظ متقدم في الرتبة لأن قوله «أكابر الرسل» فاعل لقوله «يتبرأ» فرتبته التقديم على قوله «فيهتم بأنفسهم».
قوله: (أكابر الرسل) جمع أكبر قياسا، ومراده بالأكابر الذين يتبرؤون من الشفاعة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وإذا تبرأت أكابر الرسل عن الشفاعة فغيرهم بالطريق الأولى.
قوله: (فصلى الله عليه وسلم) صلى عليه ثانيا بالجملة الفعلية بعد أن صلى عليه أولا بالجملة الاسمية ليشرب من الكأسين وليحصل له ثواب الصلاتين.
قوله: (مِن رسول) حال من ضمير عليه لازمة، ولو قيل إن المعنى فياله من رسول كان حسنا.
قوله: (ألقت إليه المحاسن ... إلخ) المحاسن فاعل ألقت والمفاخر عطف عليه ومقاليدها مفعوله والجملة نعت لرسول، والمحاسن جمع حسن على غير قياس، والمفاخر جمع مفخرة وقد سبق أنها ما يفتخر به من النعم كالعلم والكرم، وحينئذ فعطفها على المحاسن من عطف المرادف.
والمقاليد إما أن يراد بها الأمور المتعلقة بها، قال في القاموس: ضاقت مقاليده أي: ضاقت عليه أموره، فالمقاليد الأمور، وإما أن يراد بها المفاتيح فيكون جمع مقلد كمنجل وهو المفتاح. فعلى الأول يكون قد شبه المحاسن والمفاخر بإنسان ذي أمور متعلقة به على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات المقاليد تخييل وألقت ترشيح.
وعلى الثاني شبه المحاسن والمفاخر بإنسان له خزائن فيها تحف وثياب فاخرة مخزونة فيها على سبيل الاستعارة بالكناية وإثبات المقاليد تخييل، وألقت ترشيح، وعلى كل حال فإلقاء المفاخر والمحاسن أمورها أو مفاتيحها إليه ﷺ كناية عن تمكن النبي ﷺ من المحاسن والمفاخر واتصافه بها وانتسابها له حتى إنه لم يفته منها شيء.
قوله: (فسما) أي: علا وارتفع.
قوله: (على أعلى منصتها) المنصة بكسر الميم وفتحها وفتح الصاد المهملة كرسي تجلس عليه العروس لجلوتها، فشبه المحاسن والمفاخر بعروس بجامع ميل النفس لكل على طريق الاستعارة بالكناية، والمنصة تخييل، وارتفاعه ﷺ على أعلى منصة المحاسن والمفاخر كناية عن تمكنه من المحاسن والمفاخر وفيه إشارة إلى أنه ارتفع على غيره من الخلق.
قوله: (لا مطمع) أي: لا طمع.
قوله: (في نيل) أي: تحصيل تلك الرتبة العلياء أي: وهو السمو على أعلى منصة المحاسن والمفاخر.
قوله: (ورضي الله تعالى عن آله وصحبه) جملة خبرية لفظا إنشائية معنى لأن المراد منها إنشاء الدعاء بالرضا للآل والأصحاب لا خبرية لفظا ومعنى لأن المخبر بأن الله رضي عن الآل والأصحاب ليس داعيا لهم بالرضا ثم إن الرضا حقيقته حالة قلبية ينشأ عنها إرادة الإنعام وهو بهذا المعنى محال في حق الله.
وقد ورد في القرآن إسناد الرضا لله فاختلف في معناه السلف والخلف، فالسلف يقولون أن لله صفة يقال لها الرضا ولا يعلمها إلا هو. والخلف يؤولونه بالإنعام أو بإرادته. فهو صفة فعل على الأول وصفة ذات على الثاني، فإن أريد به الإنعام فتعلق الدعاء به ظاهر، وإن أريد به إرادة الإنعام فالدعاء به من حيث تعلقها بالإنعام الذي هو متجدد.
فاندفع ما يقال إنه يتعين هنا الأول لأن الدعاء إنما يكون بمستقبل لم يوجد في الحال وإرادة الله سبحانه أزلية يستحيل تجددها حتى يتعلق بها الدعاء. وعبر بالماضي تفاؤلا بتحقق وقوع الرضا حتى كأنه وقع بالفعل ولم يدرج الآل والصحب في الصلاة بأن يعطفهما على الضمير في «عليه» بأن يقول وعلى آله وصحبه كما يفعله غيره إشارة إلى أن ما يفعله غيره ليس بمتعين وإشارة إلى أن الأمر الذي يطلب لهم استقلالا إنما هو الرضا وأما الصلاة فلا تطلب لهم إلا تبعا.
قوله: (الذين طلعوا) أي: ظهروا.
قوله: (بعد غيبة ... إلخ) المراد بالغيبة: الموت، والمراد بشموس النبوة: النبي ﷺ فهي مستعارة له، وجمع الشموس للتعظيم.
وقوله: (أنجما) حال من ضمير طلعوا أي: ظهر أنجما بعد موت النبي ﷺ وعلى هذا فإضافة شموس للنبوة من إضافة الموصوف لصفته، ويحتمل أنه من إضافة المشبه به للمشبه. وفي العبارة حذف مضاف أي: ظهروا بعد غيبة ذي النبوة الشبيهة بالشموس، والجمع للتعظيم كما سبق وفي تعبيره عن الموت بالغيبة إشارة إلى أن النبي ﷺ حي الآن، وإنما هو بمنزلة غائب غاب عنا ثم يقدم علينا وأن موته بمنزلة الغيبة.
قوله: (أنجما) أي: كالأنجم في الاهتداء، قال عليه الصلاة والسلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ويحتمل أن الأنجم مستعار لـمهدين ولا يلزم عليه الجمع بين الطرفين لأن المشبه المهدون وهم أعم من الصحابة كما لا يخفى.
قوله: (في سماء العلا) متعلق بطلعوا أي: طلعوا في الأماكن العالية أي: في البلاد المشرفة المرتفعة الشبيهة بالسماء بجامع الارتفاع، وإن كان ارتفاع الأماكن معنويا وارتفاع السماء حسيا، وظهر من هذا أن الإضافة من إضافة المشبه به للمشبه.
قوله: (للإرشاد) متعلق بطلعوا أي: لإرشادهم الخلق.
وقوله: (والاهتداء) أي اهتداء الخلق المترتب على الإرشاد فهو من عطف المسبب على السبب وظهر من هذا أن الإرشاد وصف لهم، والاهتداء وصف للخلق، وفيه إشارة إلى عظم نفسهم بحيث إذا أرشدوا خلقا اهتدوا.
قوله: (بإحسان) الباء للملابسة أو بمعنى «في» وقد تنازع الجار والجرور التابعين وتابعيهم أي: وعن التابعين لهم في الإحسان أو تبعية ملتبسة بإحسان. والمراد بالإحسان التقوى، ويحتمل أن يراد به الإيمان وهو أولى ليدخل في دعائه عصاة المؤمنين.
قوله: (إلى يوم الفصل) متعلق بمحذوف حال أي: حال كون التابعين مستمرين طائفة بعد طائفة إلى يوم الفصل، أي إلى قربه وذلك لأن التبعية في الإيمان تنقطع قبل النفخة الأولى التي يموت بها الكفار بوجود ريح لطيفة قبل النفخة يموت بها المؤمنون.
وليس الجار متعلقا بالتابعين لعدم صحته لأنه يقتضي أن المدعو له من كان تابعا لهم واستمر باقيا ليوم الفصل وهو غير مراد لعدم وجوده.
وقوله «يوم الفصل» أي: بين الخلائق،
وقوله «والقضاء» أي: بينهم وهو عطف مرادف.