قوله: ((وها أنا أشرع)) فيه إدخال ها التنبيه على ضمير رفع منفصل خبره ليس اسم إشارة، وقد وقع في كلام ابني مالك وهشام استعماله كذلك مع تصريحهما كغيرهما بشذوذه في نحو قول الشاعر: أبا حَكَمٍ ها أنت نجمٌ مُجالد.
ووجهه أن ها التنبيه إنما تلحق اسم الإشارة فإذا لحقت غيره ولكن وقع الخبر عنه اسم إشارة كأنها لم تفارقه لأن المبتدأ الذي دخلت عليه عين الخبر فإنها دخلت على اسم الإشارة، وفي الرضي وما حكى عن الزمخشري من قولهم ها أن زيدا منطلق وها أنا أفعل كذا، مما لم أعثر له على شاهد اهـ.
وقال ابن حيان في الارتشاف قال الزجاج: الأكثر والأحسن أن يستعمل ها مع المضمر ولو قلت ها زيد ذا جاز بلا خلاف.
قوله: ((أشرع)) لا ينافي قوله سابقا شرحت لاحتمال أن تكون الديباجة متأخرة أو أن شرح مستعار لأشرح.
وقوله في المقصود لا ينافي قوله بعد أن يذكروا قبل الشروع في المقصود لأن القصد الأول من الشارح لشرح المتن والثاني لأرباب التصانيف، أو المراد بالمقصود الأول ما تعلق به القصد مطلقا والثاني ما تعلق به القصد الذاتي.
قوله: ((بعضا من الكلام ويسمونه)) أي: يسمون مدلوله فسقط ما يقال إن مقدمة الكتاب اسم لألفاظ ومقدمة العلم اسم للمعاني الثلاثة المذكورة.
قوله: ((كتعريف العلم)) أي: برسمه لا بحده لاستدعائه معرفة جميع مسائل العلم قبل الشروع فيه.
قال شارح سلم العلوم: «مقدمة الشروع لا يمكن بحد العلم لأن حقيقة العلم مسائله وهي أجزاء غير محمولة فلا يحد بها، ولأن حده موقوف على معرفة جميع تلك المسائل فلو كان مقدمة لزم توقف الشروع في تلك المسائل على العلم بها وهو دور، ولأنه يلزم أن تكون المسائل خارجة عن العلم لأن المقدمة خارجة عن ذلك العلم» اهـ.
واستفيد أن المراد الشروع على كمال بصيرة، فإن أصل البصيرة لا يتوقف إلا على التصور بوجه ما والتصديق بفائدة ما، أما كمال البصيرة فقد يحتاج فيه زيادة.
وذكر البيان في حيز الحاجة والموضوع للإشارة إلى أن العلم المتعلق بهما تصديقي أي: التصديق بغائية الغاية وموضوعية الموضوع.
فإن قلت كما صرحوا بكون الموضوع من المقدمات فقد صرحوا بكونه جزءا من العلم وبكونه من مبادئه التصورية فما الفرق.
فالجواب أن التصديق بوجود نفس الموضوع جزءا من العلم وتصوره من المبادئ والتصديق بموضوعيته من المقدمات، وأما تصور مفهوم الموضوع أي: ما يبحث في العلم عن أعراضه الذاتية فقد بين في علم المنطق، فهذه أمور أربعة تتعلق بالموضوع.
قوله: ((مقدمة)) اختلف هل تاؤها للنقل من الوصفية إلى الاسمية لأنها في الأصل صفة ثم نقلت إلى مقدمة الكتاب أو العلم فألحقت التاء بها لهذا النقل.
ومعنى كون التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية أن اللفظ إذا صار بنفسه اسما لغلبة الاستعمال بعد ما كان وصفا كانت اسميته فرعا عن وصفيته فشبه بالمؤنث؛ فإن المؤنث فرع المذكر، فتجعل التاء علامة للفرعية كما جعلت تاء علامة للدلالة على كثرة العلم في قولهم: رجل علامة؛ بناء على أن كثرة الشيء فرع عن تحقق أصله.
وقال بهذا جماعة منه العصام فيما نقل عنه في حاشية منوطة بشرحه على الوضعية قال: إن مقدمة الكتاب ومقدمة الجيش كلاهما منقول من قَدِم بمعنى تقدّم، كما يفيده كلام صاحب المغرب فإنه قال قدم وتقدم بمعنى ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب، وفي شرح التلخيص ما يفيد أن مقدمة الكتاب ومقدمة العلم منقولان من مقدمة الجيش أو مستعاران منها ويؤيده ما في الفائق للزمخشري: «المقدمة الجماعة التي تتقدم على الجيش من قدم بمعنى تقدم وقد استعير لأول كل شيء فقيل مقدمة الكتاب» اهـ.
واختار آخرون أن التاء ليست للنقل بل باقية على أصلها وهو التأنيث، وقال به الفاضل عبد الحكيم في حاشية المطول فقال: «لم يرد بقوله أي: السعد مأخوذة من مقدمة الجيش أنها منقولة عنها أو مستعارة؛ لأنه لا معنى لنقل اللفظ المفرد عن المضاف أو استعارته منه إذ لابد من اتحاد اللفظ فيهما؛ ولأنه لم يبين معنى لفظ المقدمة بالقطع عن الإضافة فمعناها: المتقدمة، وإنما لم يقل مأخوذة من قدم بمعنى تقدّم؛ لأن التحقيق أن استعمال المشتق منه لا يكفي في أخذ المشتق ما لم يرد الاستعمال به كما في الصلاة والزكاة، وإطلاق المقدمة على مقدمة الجيش أيضا باعتبار معناها الوضعي، والتأنيث لتأنيث الموصوف أعنى الجماعة، يدل عليه إيرادها في الأساس في الحقيقة حيث قال قدمه وأقدمه بمعنى تقدم ومنه مقدمة الجيش» اهـ.
وفي قول الشارح كما يقال مقدمة الجيش الخ وعدوله عن قول غيره مأخوذة إيماء إلى اختيار هذا.
قوله: ((وفيه تكلف)) لأن إسناد التقديم إليها مجاز ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لداع وهو منتف ههنا، وأيضا الصفة المتعدية إنما تضاف لمفعولها لا إلى ما له نوع تعلق فيقال مثلا : مقدمة الشارع أو الطالب لا مقدمة العلم أو الكتاب.
قوله: ((وقيل هي بفتح الدال)) في الحواشي الفتحية جوّز أي: الدواني الفتح ولم يلتفت إلى ما قال صاحب الفائق أن فتح الدال خلف أي: باطل لكونه معارضا برجحان الفتح على الكسر لفظا ومعنى؛ فإن إطلاق المقدمة بالكسر على معانيها المشهورة من مقدمة الجيش ومقدمة العلم ومقدمة الكتاب يحتاج إلى تكلف، أما في اللفظ بأن تجعل مشتقة من التقديم بمعنى التقدم، وأما في المعنى بأن يعتبر تقديم الأحوال المذكورة لنفسها لما فيها من استحقاق التقدم أو يعتبر تقديم مقدمة الجيش لبقية الجيش وتقديم مقدمتي العلم والكتاب لمن يعرفهما على من لم يعرفهما ولا يحتاج في إطلاق المقدمة بالفتح إلى شيء من التكلفين.
قوله: ((ههنا)) أي: في أوائل كتب المنطق وهذا مشعر بأن لها معنى آخر في غير هذا الموضع عند المناطقة؛ فإنها في مباحث القياس تطلق على قضية جعلت جزء قياس أو حجة.
وقد تطلق ويراد بها ما يتوقف عليه صحة الدليل فتتناول مقدمات الأدلة وشرائطها كما يجاب الصغرى وفعليتها وكلية الكبرى في الشكل الأول مثلا، أفاده السيد.
وقوله ما جعلت جزء قياس إلخ هذه عبارة الشيخ في الإشارات؛ فإنه قال فيه: «إذا أوردت القضايا في مثل هذ الشيء الذي يسمى قياسا أو استقراء أو تمثيلا سميت حنيئذ مقدمات، والمقدمة قضية جعلت جزء قياس أوحجة» اهـ.
واختلف الناظرون في كلامه فقال بعضهم لعل الشيخ أراد بالقياس ما يتناول الأقسام الثلاثة فأردفه بقوله: أو حجة ترديدا في العبارة وتخييرا في اللفظ دفعا لما يتوهم من اختصاص القياس ههنا بما يقابل القسمين الأخيرين، وأراد بالقياس ههنا ما يقابل القسمين الآخرين إشارة إلى شدة الاهتمام به؛ لأنه العمدة في باب الاستدلال فكأن ما عداه بالنسبة إليه ملحق بالعدم ثم أضرب عنه إلى قوله أوحجة إفادة لما هو الاصطلاح؛ ولأن المقصود إذا أدى بهذا النوع من العبارة كان أوقع في النفس، وعلى هذا تكون كلمة «أو» بمعنى بل، وما قيل في توجيه هذا العطف المستصعب من أن كل واحد اصطلاح أو حجة على اصطلاح فيمكن المناقشة فيه بأنه خلاف الواقع اهـ.
والذي اختاره عبد الحكيم أن الترديد للإشارة إلى تعدد الاصطلاح فقيل إنها مختصة بالقياس، وقيل إنها غير مختصة به، وتقال لما جعلت جزء حدة التمثيل والاستقراء أيضا.
وأورد على تفسير المقدمة الثاني وهو ما يتوقف عليه صحة الدليل إلخ بأنه غير مانع لشموله الموضوعات والمحمولات.
وأجيب بأن المعنى ما يتوقف عليه صحة الدليل بلا واسطة فلم يدخل فإن صحة الدليل متوقفة عليها بواسطة تركب مقدماته منها، وفيه أن هذا القيد يخرج المقدمات البعيدة للدليل فيصير التعريف غير جامع.
والجواب أن المقدمات البعيدة للدليل مقدمات لدليل مقدمة الدليل، فبالنظر لذلك يتوقف عليها مقدمة الدليل الثاني بلا واسطة فلم تخرج.
قوله: ((ما يتوقف الشروع في مسائل العلم عليه)) أي على العلم به فلا يرد أن يقال إن ما يتوقف عليه الشروع لا ينحصر فيما ذكر فـمنه نفس قدرة الشخص وقواه وملابسة الخبر بقصد تحصيل الكل إلى غير ذلك.
قوله: ((بيان الحاجة)) هو أن يبين أن الناس في أي شيء يحتاجون إلى المنطق فذلك الشيء هو غايته فيحصل بذلك معرفة العلم بغايته وهي تصوره برسمه؛ لأنه يحصل منه أنه علم يفيد هذه الغاية، وهو لازم مساو له، والتعريف باللازم رسم، فعلم أن بيان الحاجة ينساق إلى خصوص التعريف بالرسم لا بالحد.
قوله: ((وتعريفه)) عطفه على بيان الحاجة، وعطفه على الحاجة محوج للتكلف.
قوله: ((المنساق)) المستلزم، وإنما عبر بالانسياق إشارة ألى ظهور اللزوم بخلاف ما لو عبر بـ«يسوق» فربما يتوهم المعاناة، ففي اختيار الانسياق إشارة إلى أن استلزامه إياه من غير مدخل لتحرير المصنف، أفاده عبد الحكيم.
ويعنى بذلك التحرير قول صاحب الشمسية: العلم إما تصور وإما تصور معه حكم إلى قوله فمست الحاجة إلى قانون يعصم عنه وهو المنطق، وقد اختصرها المصنف هنا فآخر ما ينساق إليه بيان الحاجة أنه مست الحاجة إلى قانون يفيد عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر وهو لازم محمول مساو للمنطق ولذا قال المصنف وهو المنطق.
فثبت أن بيان الحاجة متضمن لتعريف المنطق برسمه، وأما التعريف فلا يستلزم بيان الحاجة لجواز أن يكون الرسم بشيء آخر دون غايته.
لا يقال: إن بيان الحاجة من قبيل التصديق والرسم تصور فكيف يتوصل للتصور بالتصديق مع أن الواقع العكس.
والجواب أن بيان الحاجة ينتهى إلى الرسم ويستلزمه و لا يلزم من ذلك أن يكون موصلا له فهذا استلزام لا استنتاج.
قوله: ((على تقسيم العلم))، لا يقال: إن بيان الحاجة لا يتوقف على جميع هذه المقدمات، بل يكفي أن يقال العلم ينقسم إلى ضروري ونظري إلخ ما ذكره لأنا نقول المقصود بيان الاحتياج إلى المنطق ببقسميه، فلو لم يقسم العلم أولا إلى التصور والتصديق ولم يبين أن في كل منهما ضروريا ونظريا يمكن اكتسابه من الضروري لجاز أن تكون التصورات بأسرها مثلا ضرورية فلا حاجة إذًا إلى الموصل إلى التصور فلا يثبت الاحتياج إلى جزأي المنطق معا.
فإن قلت: يمكن أن يقسم العلم أولا إلى ضروري والنظري ثم يقسمه إلى التصزر والتصديق.
والجواب أن هذا الأسلوب مع كونه موجبا لبتر نظم المقدمات قلب للمعقول؛ لأن التقسيم باعتبار كيفية الحصول بعد التقسيم باعتبار الحصول نفسه، فإن تقسيم العلم إلى الضروري والنظري تقسيم له باعتبار الكيفية التي هي معنى عارض لكل منهما، والتقسيم باعتبار الحصول سابق في نظر العقل على التقسيم باعتبار الكيفية والصفة.
قوله : ((شرع في التقسيم)) أي: تقسيم العلم أولا إلى التصور والتصديق ثم تقسيم كل واحد منهما إلى الضروري والنظري.
قال العماد في حواشي الشمسية: تقسيم العلم إلى التصور والتصديق من قبيل تقسيم الجنس إلى الأنواع التي يكون الامتياز الحاصل منه امتيازا ذاتيا بخلاف القسمة إلى الضروري والنظرري؛ فإن التمييز الحاصل منه تمييز عرضي، وتقسيم الشيء بحسب الذات مقدم على التقسيم بحسب الوصف، والذي يدل على ما ذكرنا من أن التقسيم بحسب الوصف عدم انقلاب التصور تصديقا وبالعكس وانقلاب النظر ضروريا وبالعكس.
قوله: ((العلم هو الإدراك مطلقا)) أي: سواء كان على وجه الإذعان أو لا بناء على أن المنقسم إلى التصور والتصديق هو العلم الحادث الحصولي لا مطلق العلم الشامل للحضوري والقديم؛ لأن الانقسام إلى البديهي والكسبي إنما يجرى في العلم الحصولي والعلم الحادث دون العلم الحضوري والعلم القديم وهو علمه تعالى، فإن العلم الحضوري بديهي وعلمه تعالى لا يوصف ببداهة ولا كسب.
وهذا ما اختاره جماعة من الفضلاء المحققون كالمصنف والسيد والقطب الرازي في رسالته المؤلفة في تحقيق التصور والتصديق والعلامة الشيرازي في درة التاج وشرح حكمة الإشراق.
واختار الجلال الدواني في حاشية المتن التعميم فقال: «هو مطلق الصورة الحاضرة عند المدرك سواء كانت عين ماهيته وهو في التصور بالكنه أو غيرها وهو في غيره، وسواء كانت تلك الصورة غير الصورة الخارجية وهو في العلم الحصولي أو عينها وهو العلم الحضوري، وسواء كانت في ذات المدرك كما في علم النفس بالكليات أو في آلاتها كما في علمها بالمحسوسات، وسواء كانت عين المدرك كما في علم الباري تعالى شأنه بذاته أو غيره كما في علمه بسلسلة الممكنات، وقد يخص ههنا بالعلم الحصولي أو الحادث معللا بأن الانقسام إلى البديهية والكسبية إنما يجرى فيهما ولا حاجة إليه فإن الانقسام يجرى في المطلق وإن لم يجر في كل نوع منه على أنه تخصيص اللفظ من غير ضرورة داعية إليه مع أن التعميم أنسب بقواعد الفن» اهـ.
وأشار بقوله فإن الانقسام إلخ لدفع ما عساه، يقال: إن التعميم لهذه الأفراد ينافيه التقسيم.
وحاصل الجواب: أنه يجوز أن يكون المقسم مطلق العلم، وجريان الأقسام فيه لا يستلزم جريانها في كل نوع؛ إذ لا يلزم من انقسام المطلق انقسام أنواعه كلها وإلا لزم في كل تقسيم انقسام الشيء إلى نفسه وإلى غيره، والحق ما ذهب إليه الجماعة من التخصيص.
وقول الجلال إن التعميم أنسب بقواعد الفن يقال عليه إن التعميم يرتكب بقدر الحاجة.
هذا والفرق بين العلم الحصولي والحضوري أن يقال: إن العلم بالأشياء يكون على وجهين:
أحدهما: بحصول صورها في نفس العالم أو في آلاتها ويسمى حصوليا.
والآخر: بحضورها أنفسها عند العالم ويسمى حضوريا كعلمنا بذواتنا وبالصفات القائمة بها؛ إذ ليس فيه ارتسام بل هناك حضور المعلوم بحقيقته لا بمثاله عند العالم، وهذا أقوى من الحصولي ضرورة أن انكشاف شيء عن آخر لأجل حضوره عنده أقوى من انكشافه عنده لأجل حضور مثاله وصورته.
ومما ينبغي أن ينبّه عليه ههنا أنهم اختلفوا في أن العلم من مقولة الكيف أو الانفعال أو الإضافة، وربما وقع التصريح في كلام من لا تحقيق عنده بأنه من مقولة الفعل وهو وهم.
قال أبو الفتح: «ومنشأ هذا الاختلاف أنه ليس حاصلا قبل حصول الصورة في الذهن بداهة واتفاقا وحاصل عنده بداهة واتفاقا، والحاصل معه أمور ثلاثة: الصورة الحاصلة، وقبول الذهن لها من المبدإ الفياض، وإضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم. فذهب بعضهم إلى أن العلم هو الأول فيكون من مقولة الكيف، وبعضهم إلى أنه الثاني من مقولة الانفعال، وبعضهم إلى أنه الثالث فيكون من مقولة الإضافة، وأما أنه نفس حصول الصورة في الذهن فلم يقل به أحد منهم كما لا يخفى على من تتبع كلامهم، والأصح من هذه المذاهب الأول» اهـ.
ثم على جعل العلم من مقولة الكيف يرد إشكال مشهور مبني على أن الحاصل في الذهن هو الأشياء أنفسها على ما عليه المحققون من الحكماء لا أشباحها، ومثلها على ما للبعض منهم هو أن حقيقة واحدة تكون من مقولة الجوهر باعتبار، ومن مقولة العرض باعتبار آخر، كزيد المتصور فإنه باعتبار وجوده الخارجي من مقولة الجوهر وباعتبار وجوده الذهني من مقولة الكيف، وهو قسم من أقسام العرض التسعة.
واختلفوا في الجواب فقال مير صدر الشيرازي : إن الأشياء بعد حصولها في الذهن تنقلب إلى مقولة الكيف وإن لم يكن المعلوم كيفا؛ بناء على أن الذهن مكيّفة كالمملحة فكما أن كل واقع فيها يصير ملحا فكذا كل واقع في الذهن يصير كيفا، وفيه أن كون الذهن كالمملحة دعوى لا دليل عليها بل هذا شبيه بالخطابة. وقال عصريّه الجلال الدواني : بعدم الانقلاب، وعليه يكون العلم بكل مقولة عين تلك المقولة، وإن كون العلم مطلقا كيفا على سبيل التشبيه أي: تشبيه الصورة الذهنية في أنها لا تقبل القسمة واللاقسمة باعتبار وجودها الذهني بالكيف باعتبار وجوده الخارجي، وإن العلم من الأمور الاعتبارية.
ويرد عليه أنه لو كان مرادهم بكونه من مقولة الكيف كونه مشابها للكيف لم يكن وجه لاستدلالهم على أنه من مقولة الكيف لا من مقولة الانفعال والإضافة؛ إذ يجوز أن يكن إضافة وانفعالا شبيها بالكيف، ولم يكن نزاع المخالفين في ذلك حقيقيا بل لفظيا.
وقال بعض آخر إنه لا مانع من كون الشيء جوهرا في الخارج وعرضا في الذهن، ونوقش بأن العرض ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع وهنا ليس كذلك.
فالحق ما أفاده العلامة مير زاهد من أن للعلم معنيين، الأول المعنى المصدري والثاني المعنى الذهني الذي به الانكشاف، والأول هو حصول الصورة والثاني هو الصورة الحاصلة، ولا شك أن الغرض العلمي يتعلق بالأول فإنه ليس كاسبا ولا مكتسبا.
فالمراد بحصول الصورة ههنا الصورة الحاصلة على سبيل المسامحة، هذا ما يذهب إليه النظر الجلي، ثم النظر الدقيق يحكم بأن المراد بحصول الصورة المعنى الحاصل بالمصدر وهي حالة إدراكية تتحقق عند حصول الشيء في الذهن، وتلك الحالة الإدراكية تصدق على الأشياء الحاصلة بالذهن صدقا عرضيا؛ وذلك لأنه إذا حصل شيء في الذهن يحصل له وصف يحمل ذلك الوصف عليه فيقال له: صورة علمية، وهذا المحمول ليس نفس الموضوع، وإلا كان محمولا عليه حال كونه في الخارج ضرورة أن الذات والذاتي لا يختلفان باختلاف الوجود، وهذا الحمل من قبيل حمل الكاتب على الإنسان، فالعرضي من مقولة الكيف سواء كان معروضه من هذه المقولة أو من مقولة أخرى.
وبهذا التحقيق ينحل كثير من الإشكالات كالإشكال بأن الأشياء حاصلة في الذهن بأنفسها فيجب أن يكون العلم بالجوهر جوهرا وبالكمّ كمّا وبالكيف كيفا وهكذا إلا أن يكون من مقولة الكيف مطلقا، ولا حاجة إلى ما ارتكبه المحشي يعنى الدواني في حواشي شرح التجريد من أن عدّه من مقولة الكيف على سبيل المسامحة وتشبيه الأمور الذهنية بالأمور العينية اهـ.
فظهر من هذا كله أن الكلام كله مبني على القول بالوجود الذهني وقد قال به جميع الفلاسفة وبعض المتكلمين وإن الحاصل في الذهن هو الأشياء أنفسها، أما على ما عليه جمهور المتكلمين من إنكار الوجود الذهنية؛ فإن العلم عندهم إضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم، أو هو صفة حقيقة ذات إضافة، وعلى من قال بالشبح والمثال من الحكماء فلا إشكال في كونه من مقولة الكيف عندهم.
قال الفاضل الكلنبوي في حواشي الدواني على المتن: ليس معنى إنكار المتكلمين الوجود الذهني أنه لايحصل صورة عند العقل إذا تصورنا شيئا أو صدقنا به؛ لأن حصولها عنده في الواقع بديهي لا ينكره إلا المكابر، وكيف ينكرونه والعلم الحادث مخلوق عندهم والخلق إنما يتعلق بأعيان الموجودات بل هو بمعنى أن ذلك الحصول ليس نحوا آخر من وجود الماهية المعلومة بأن يكون لماهية واحدة كالشمس مثلا وجودان، أحدهما خارجي والآخر ذهني، كما يقول به مثبتوه، فهم لا ينكرون الوجود عن صور الأشياء وأمثالها وأشباحها؛ لأن تلك الأمثال والأشباح موجودات خارجية وكيفيات نفسانية عندهم وهي المخلوقة عندهم، وإنما ينكرون الوجود الذهني عن نفس تلك الأشياء، وذلك بشهادة أدلتهم حيث قالوا: لو حصلت النار في الأذهان لاحترقت أذهاننا بتصورنا لها، واللازم باطل فإنه كما ترى إنما ينفي الوجود عن نفس النار لا عن شبحها ومثالها، فالحق أن جمهور المتكلمين إنما ينكرون ما ذهب إليه محققو الفلاسفة من أن الحاصل في الأذهان أنفس ماهيات الأشياء ولم ينكروا ما ذهب إليه أهل الأشباح، كما صرح به بعض الأفاضل في حاشية الخيالي.
وبقي أن المحشي نقل عن الشيخ الغنيمي استشكال جعل العلم من مقولة الكيف مع قولهم إن الكيف عرض لا يقبل القسمة لذاته ولا يتوقف على تصور غيره بأنه لا يصدق بالعلوم الكسبية لأن تصورها يتوقف على تصور غيرها اهـ.
وأقول: الإشكال مشهور قديما وأجابوا عنه، قال العلامة عبد الحكيم في حاشية المطول: «إن معنى التوقف المأخوذ في تعريف الكيف أنه لا يمكن التصور بدونه أصلا، قالوا فلا ترد الكيفية المركبة؛ لأن تصورها يتوقف على تصور أجزائها لا على أمر خارج، وكذا الكيفية المكتسبة بالحد أو الرسم؛ إذ لا توقف فيها بمعنى عدم إمكان التصور بدونها لإمكان حصولها بالبداهة» اهـ.
وقد أطلنا الكلام في هذا المقام حرصا على تلك الفوائد التي قلّ أن توجد هكذا في كتاب، فاحرص عليها إن كنت من أذكياء الطلاب.
ثم إني بعد حين من الزمان رأيت للعلامة مير زاهد الهندي حاشية علقها على رسالة العلامة الرازي في التصور والتصديق ذكر فيها كلاما يتعلق بهذا المقام في غاية التحقيق فأحببت ذكره ههنا وإن أدى مزيد تطويل لعلمي أنه نادر الوجود، قال رحمه الله: «اعلم أن ههنا إشكالا مشهورا أورده الشيخ في إلهيات الشفاء وأجاب عنه حيث قال: لقائل أن يقول العلم هو المكتسب من صور الموجودات مجردة عن موادها وهي صور جواهر وأعراض فإن كانت صور الأعراض أعراضا فصور الجواهر كيف تكون أعراضا فإن الجوهر لذاته جوهر فماهيته لا تكون في موضوع ألبتة وماهيته محفوظة سواء نسبت إلى إدراك العقل لها أو نسبت إلى الوجود الخارجي، فنقول: إن ماهية الجوهر جوهر بمعنى أنه لو وجد في الخارج لكان لا في موضوع وهذه الصفة موجودة لماهية الجوهر المعقولة فإنها ماهية من شأنها أن تكون موجودة في الأعيان لا في موضوع أي: إن هذه الماهية معقولة عن أمرٍ وجودُه في الأعيان لا في موضوع وأما وجوده في العقل بهذه الصفة فليس ذلك في حده من حيث هو جوهر أي: ليس حد الجوهر أنه في العقل لا في موضوع بل حده أنه سواء كان في العقل أو لم يكن فإن وجوده في الأعيان ليس في موضوع» اهـ.
ولا يخفى عليك أن القول بعرضية الصورة الجوهرية مناف لحصر العرض في المقولات التسع لأن المقولات أجناس عالية متباينة بالذات اللهم إلا أن يكون مرادهم حصر الأعراض الموجودة في الخارج.
ثم ههنا إشكال آخر وهو أن العلم من الكيفيات النفسانية، فيلزم أن يكون الشيء الواحد جوهرا وكيفا مع أنهما مقولتان مختلفان وصدقهما على شيء واحد ممتنع.
وأجاب عن الإشكالين بعض المتأخرين بالفرق بين القيام والحصول بأن ما هو جوهر معلوم وحاصل في الذهن وموجود فيه، وما هو عرض وكيف وعلم وقائم بالذهن وموجود في الخارج، وحاصله كما يظهر بالتأمل الصادق أن القائم بالذهن شبح المعلوم ومثاله، والحاصل فيه عين المعلوم ونفسه، فهو جمع بين المذهبين، وأنت تعلم أنه قول بلا دليل وساقط عن درجة التحقيق، بل النظر الدقيق يقتضى امتناع ذلك بأن يقال: إنا لا نعني بالعلم إلا ما هو منشأ الانكشاف ولا شك أن الصورة الحاصلة كافية في الانكشاف كما يشهد به الحدس الصائب، فمنشأ الانكشاف هو الصورة الحاصلة، فلو فرض أن يكون القائم بالذهن أيضا منشأ الانكشاف يلزم حصول الحاصل على أنه لزم أن تكون تلك الصورة علما وعرضا وكيفا، كلما تفطنت فعاد الإشكال.
وأجاب عنهما بعضهم بأن الجوهر بعدما يوجد في الذهن يصير عرضا وكيفا بناء على أن مرتبة الماهية متأخرة عن مرتبة الوجود وتابعة لها، ولا يخفى عليك أن هذا المذهب خارج عن سلك العقل ضرورة أن الماهية وذاتياتها لا تختلف باختلاف الظروف، وأنحاء الوجود والعقل يعد قلب الماهية من الممتنعات على أن هذا القائل إما أن يقول بانتفاء الجوهرية أو بقائها.
فعلى الأول يرجع قوله هذا إلى القول بحصول الشبح والمثال.
وعلى الثاني يعود الإشكال وما قال إن مرتبة الوجود مقدمة على مرتبة الماهية فهو باطل لأن مرتبة الماهية مرتبة المعروض ومرتبة الوجود مرتبة العارض، ولا شك أن مرتبة المعروض متقدمة على مرتبة العارض.
فإن قلتَ التقدم عند القوم منحصر في التقدمات الخمسة المشهورة وتقدم المعروض على العارض ليس بشيء منها، أما التقدم بالزمان والتقدم بالشرف فظاهر، وأما التقدم بغيرهما فلأن التقدم بالطبع تقدم بحسب الوجود، والتقدم بالعلية تقدم بحسب الوجود، والتقدم بالرتبة ما يصح فيه أن يكون المتقدم متأخرا والمتأخر متقدما.
قلت: هذا التقدم وراء تلك التقدمات، كما صرح به المحقق الطوسي في نقد التنزيل، وقد عبر الشيخ في إلهيات الشفاء عن هذا التقدم بالتقدم بالذات، وبعضهم عبر عنه بالتقدم بالماهية، والقوم إنما حصروا التقدم الذي هو بحسب الوجود.
وقد أجاب بعض المحققين عن كون العلم جوهرا وكيفا بأن العلم عندهم من مقولة الكيف على طريق المساحمة وتشبيه الأمور الذهنية بالأمور العينية، وهذا أيضا كما تراه خال عن التحقيق.
وأجاب بعض الأفاضل عن ذلك بأن العلم كيف بمعنى العرض العام وهو أعم من المقولة؛ إذ الكيف الذي هو المقولة معناه ماهية إذا وجدت في الخارج كانت في موضوع، ولا يكون تعلقها موقوفا على تعقل الغير، ولا يكون فيها اقتضاء انقسام المحل، ولا اقتضاء النسبة، والكيف الذي هو عرض عام وأعم من المقولة هو عرض موجود في الموضوع بحيث لا يكون تعلقه موقوفا على تعلق الغير، ولا يكون فيه اقتضاء انقسام المحل، ولا اقتضاء النسبة، ولا يخفى عليك أن ذلك بعد تسليم أن القوم يطلقون الكيف على هذين المعنيين يشكل بالصورة الجزئية الحاصلة من الإضافة المخصوصة أو المقدار المشخص مثلا، وإنا نقول وبالله التوفيق ومنه الوصول إلى التحقيق:
«الأشياء إذا حصلت في الأذهان يحصل لها وصف هو ليس بحاصل لها وقت كونها في الأعيان، ويحمل ذلك الوصف عليها فيقال مثلا الإنسانية صورة علمية وعلم ولا شك أن المحمول في تلك القضية ليس نفس الموضوع ولا ذاتيا له، وإلا لكان محمولا عليه على تقدير كونه في الخارج أيضا ضرورة أن الذات والذاتي لا يختلف باختلاف الوجود، فهذا الحمل حمل عرضي مثل حمل الكاتب على الإنسان، فالعلم حقيقة هو غير الحاصل في الذهن وهو ليس إلا من مقولة الكيف لصدق رسم الكيف عليه، وما وجد في الذهن عرض لأنه موجود في الموضوع وتابع للموجود الخارج لأنه متّحد معه في الماهية فهو إن كان كيفا فذلك أيضا كيف وإن كان جوهرا فهو أيضا جوهر وهكذا، وإطلاق العلم على الحاصل في الذهن من قبيل إطلاق العارض على المعروض مثل إطلاق الضاحك على الإنسان، فالعارض ليس إلا عرضا ومن مقولة الكيف، والمعروض ليس إلا عرضا وتابعا للموجود الخارجي» اهـ.
قوله: ((كما هو مذهب الحكماء)) اختاره لأن مذهب الإمام معترض بما سيأتي، وما اشتهر عن المتأخرين من أن العلم إذا كان إداركا ساذجا فتصور وإن كان مع الحكم فتصديق على ظاهره يلزم أن يكون كل من إدارك المحكوم عليه وبه والنسبة مع الحكم تصديقا، وهو إثبات مذهب جديد بلا سند وذلك غير معتد به، أفاده المحشي.
وأقول: عبارة الأصل هكذا: العلم إما تصور فقط وإما تصور معه حكم، فاعترضها السيد بأنه تقسيم لا يوافق مذهب الحكماء ولا الإمام بل لا يكون صحيحا في نفسه وبيّن ذلك بلزوم محاذير، نقل المحشي بعضها فقد أخلّ بنقل كلام الأصل وبالاعتراض عليه وادعى أنه قول اشتهر عند المتأخرين مع أنه لم يقل به أحد منهم وحكموا بفساده.
قوله: ((هو إدراك أن النسبة واقعة)) أي: يدرك أن النسبة المدركة بين الطرفين واقعة بينهما في حد ذاتها مع قطع النظر عن إدراكنا إياها، لا إدراك هذه القضية؛ فإنه تصور تعلق بما يتعلق به التصديق يوجد في صور التخيل والوهم ضرورة أن المدرك في جانب الوهم هو الوقوع أو اللاوقوع إلا أن ذلك الإدراك ليس على وجه الإذعان ولا التفصيل المستفاد من ظاهر اللفظ لأنه خلاف الوجدان ولاستلزامه ترتب تصديقات غير متناهية لأن هذا المدرك مشتمل على محكوم عليه وهو النسبة ومحكوم به وهو واقعة وعلى نسبة بينهما وهي مغايرة للمدركات التي يتعلق بها التصديق والحكم الذي هو في بيانه، فههنا تصديق وحكم آخر وهو أن تدرك النفس أن النسبة بين تلك النسبة وبين واقعة فيلزم هناك تصديق وحكم ثالث وهكذا فيتوقف حصول حكم واحد على أحكام غير متناهية وهو باطل قطعا.
ومحصّل الجواب أن المدرك بعد إدراك الطرفين أمر إجمالي يقال له الإذعان إذا عبر عنه بالتفصيل يظهر فيه تصديق آخر والحكم وهو ذلك المجمل كما يشهد به الوجدان.
قوله: ((ولما كان محصّل ماذكره القوم إلخ)) شروع في توجيه تقسيم المصنف واستحسان تعريف التصديق المستفاد من ذلك التقسيم بأنه إذعان للنسبة على صنيع القوم ولم يعادل بين عبارة المصنف والأصل لِمَا علمتَ من فسادها فنزلت منزلة العدم، وحاصل ما ذكره من توجيه الاستحسان أمران: الأول الاختصار، والثاني التفرقة بين الإدراكين المتعلقين بالنسبة فإنه يتعلق بها علمان: أحدهما تصوري والآخر تصديقي كما سيظهر.
ووجّه العلامة الدواني كلام المصنف بسلامة تعريف التصديق المستفاد منه عن عدم المنع بخلاف تعريف القوم، قال: «عَدَلَ عن العبارة المشهورة وهي إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة لأنه يدخل فيها التخييل فإنه إدراك لوقوع النسبة أو لا وقوعها، وكذا الشك والوهم ضرورة أن المدرك في جانب الوهم هو الوقوع أو اللاوقوع إلا أن تلك الإدراكات ليست على وجه الإذعان والتسليم بل على سبيل التخييل والتجويز» اهـ.
قال أبو الفتح: «أراد بالتخييل تصور الوقوع أو اللاوقوع من غير تردد ولا تجويز، والشك تصورهما على وجه التردد، والوهم تجويز أحدهما مع ظن الآخر، ويمكن دفع المناقشة عن العبارة المشهورة بأن المتبادر من إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة إدراكها على وجه الإذعان كما يشعر به عنوان أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة بخلاف قولهم وقوع النسبة أو لا وقوعها» اهـ.
وقد أشار مير زاهد لضعف هذا الجواب بقوله: وربما يظن أن التخييل والشك والوهم إدراك لوقوع النسبة أو لا وقوعها لا لأن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، ولعل منشأ هذا الظن أخذ معنى الإذعان في الثاني دون الأول اهـ.
فهذه مرجحات ثلاثة، اثنان للشارح، وواحد للدواني، وهناك مرجحان آخران ذكرهما مير زاهد أشار لأولهما بقوله: «والتعبير بأن النسبة واقعة إلخ يخرج عنه التصديقات الشرطية فإن النسبة واقعة أو ليست بواقعة نسبة حملية والنسية التي في الشرطيات هي نسبة الاتصال أو الانفصال واللااتصال واللاانفصال» اهـ، أي: فعلى هذا يكون تعريفهم للتصديق غير جامع.
وللثاني بقوله: «ولأنه يتوهم منها أن مفهوم أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة معتبر في معنى القضية، والأمر ليس كذلك فإن المعتبر فيه نسبة بسيطة تصدق عليها هذه العبارة المفصلة» اهـ.
قال الدواني أيضا: «وفي هذا أي: قول المصنف العلم إن كان إذعانا للنسبة إلخ إشارة إلى تحقيق الأمر في المقام وهو أن التصديق نوع آخر من الإدراك مغاير للتصور مغايرة ذاتية لا اعتبار المتعلق كما يشهد به الرجوع إلى الوجدان، وأن التصور يتعلق أيضا بما يتعلق به التصديق أعني: أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة ولا حجر فيه فيتعلق بكل شيء» اهـ.
قال مير أبو الفتح : اختلفوا في أن التصديق يمتاز عن التصور باعتبار المتعلق أو لا، فمنهم من قال: إن التصور لا يتعلق به التصديق من وقوع النسبة أو لا وقوعها بل إنما يتعلق بغيره من النسبة وأطرفها فالتصديق عندهم إدراك متعلق بوقوع النسبة أو لا وقوعها مطلقا، والتصور إدراك متعلق بغير ذلك، فيكون بينهما امتياز باعتبار المتعلق أيضا.
ومنهم من قال: لا حجر في التصور بل يتعلق بما يتعلق به التصديق وغيره من الأشياء فلا امتياز بينهما إلا بحسب الذات واللوازم كاحتمال الصدق والكذب دون المتعلق، هذا هو الحق عند المحققين بشهادة الوجدان الصادق، ولهذا عدل المصنف عن العبارة المشهورة لإيهامها دخول التخييل والشك والوهم فيها بناء على ذلك المذهب الحق، ففي العدول عنها إلى قيد الإذعان إشارة إلى اختيار ذلك المذهب.
ثم قال: وفي العدول عن تلك العبارة المركبة المفصلة يعني قولهم إن النسبة واقعة إلخ إلى النسبة المفردة المجملة يعني قول المصنف العلم إن كان إذعانا إلخ إشارة إلى أنه ليس بين طرفي القضية نسبتان، إحداهما النسبة الحكمية الثبوتية، والأخرى وقوع تلك النسبة أو لا وقوعها كما ذهب إليه المتأخرون، فتكون أجزاء القضية عندهم أربعة بل بين طرفيها نسبة واحدة هي اتحاد المحمول بالموضوع أو عدم اتحاده به مثلا كما هو اختيار المتقدمين فتكون أجزاء القضية عندهم ثلاثة وهو الحق عن المحققين بشهادة الوجدان أيضا اهـ.
فهذان مرجحان أيضا يضمان للخمسة السابقة فتمت العدة سبعة.
قوله: ((متغايران)) تغايرا ذاتيا لا باعتبار المتعلق.
قال السيد في شرح المواقف: «إنك إذا تصورت نسبة أمر إلى آخر وشككت فيها فقد علمت ذينك الأمرين والنسبة بينهما قطعا فلك في هذه الحالة نوع من العلم ثم إذا زال عنك الشك وحكمت بأحد طرفي النسبة فقد علمت تلك النسبة نوعا آخر من العلم ممتازا عن الأول بحقيقته» اهـ، بل في حاشية الدواني على الشرح الجديد للتجريد أن التصورات ليست متماثلة ولا التصديقات بل تصور كل مفهوم يغاير تصور مفهوم آخر بحسب النوع وكذا التصديق بكل نسبة يغاير التصديف بأخرى بالنوع.
قوله: ((وعند متأخري المنطقين)) ومنهم الإمام الرازي.
قال السيد: «ومذهب الحكماء هو الحق لأن تقسيم العلم إلى هذين القسمين إنما هو لامتياز كل منهما عن الآخر بطريق يتحصل به ثم إن الإدراك المسمى بالحكم ينفرد بطريق خاص يوصل إليه وهو الحجة المنقسمة إلى إقسامها، وما عدا هذا الإدراك له طريق واحد يوصل إليه وهو قول الشارح، فتصور المحكوم عليه وتصور المحكوم به وتصور النسبة الحكمية يشارك سائر التصورات في الاستحصال بالقول الشارح، فلا فائدة في ضمها إلى الحكم وجعل المجموع قسما واحدا من العلم مسمى بالتصديق؛ لأن هذا المجموع ليس له طريق خاص، فمن لاحظ مقصود الفن أعني بيان الطرق الموصلة إلى العلم لم يلتبس عليه أن الواجب في تقسيمه ملاحظة الامتياز في الطرق فيكون الحكم أحد قسميه المسمى بالتصديق لكنه مشروط في وجوده إلى أمور متعددة من أفراد القسم الآخر» اهـ.
قال عبد الحكيم: «ولقائل أن يقول إن ذلك الإدراك لكونه متعلقا بالنسبة المتعلقة بالطرفين من حيث إنها آلة لملاحظتها بمنزلة الهيئة للسرير المحصلة للأمر الواحد الحقيقي فكما أن الحاصل في الخارج السرير مع أن الفعل لم يتعلق إلا بالهيئة فكذلك الحاصل بعد الحجة هو المجموع، وإذا كان الاكتساب متعلقا بالإدراك المذكور كما أن متعلقه أعني النسبة الخبرية بمنزلة الهيئة للقضية بسببها صار الكل أعني الطرفين والنسبة أمرا واحدا حقيقيا مغايرا لكل واحد من الطرفين والنسبة مع أن الحاصل بعد الطرفين ليس إلا النسبة فكما جعلوا الطرفين والنسبة أجزاء من المعلوم فكذلك العلم وما وجه مخالفة العلم للمعلوم وجعل الأمور المذكورة شرطا في الأول وشرطا في الثاني، وأنت بعد إحاطتك بما قلنا ظهر لك أن النزاع في التصديق لفظي.
فمن نظر إلى أن الحاصل بعد الحجة ليس إلا الإدراك المذكور قال: ببساطته.
ومن نظر إلى أن الإدراك المذكور بمنزلة الجزء الصوري والحاصل بعد إقامة الحجة إدراك واحد متعلق بالقضية قال: بتركبه.
ومن نظر إلى أنه لا يكفي في التصديق مجرد الإدراك المذكور بل لابد فيه من نسبة المطابقة بالاختيار وإلا كان إدراكا تصوريا متعلقا بالقضية مسمى بالمعرفة قال: إنه إدراك معروض للحكم سواء قلنا إنه الإدراك المذكور أو مجموع الإدراكات الثلاث.
فيصح تقسيم العلم إلى التصور والتصديق بأي معنى تريد فيه، وأما النظر إلى مقصود الفن أعني بيان طرق الاكتساب فلا يرجح شيئا من ذلك لتفرد التصديق على جميع التقادير بالكاسب إما باعتبار نفسه أو باعتبار جزئه، فتدبر» اهــ.
قوله: ((والحكم إما إدراك أو فعل)) مرتبط بقوله: وعند متأخري المنطقيين.
وفي عبد الحكيم نقل البعض أن الإمام متردد في كونه إدراكا أو فعلا وفعلية الحكم هو المشهور عن الإمام، اهـ.
وظاهر شرح الأصل للرازي أن المتأخرين يقولون بفعلية الحكم ولا ترديد عندهم، وأما الحكماء فجَازِمُونَ بأن الحكم من قبيل الإدراك.
وقال عبد الحكيم: إنه رأي الحكماء جميعهم والقول بتركب التصديق قول الإمام ومن تبعه من المتأخرين، فما في بعض الحواشي هنا من أن التردد في الحكم موجود عندهم، فيصح ارتباطه بقوله: وذهب الحكماء أيضا، لا يعوّل عليه إلا من قلّد أمثاله، وكذا ما في المحشي.
وخلاصة الكلام: أن الحكماء قاطبة عندهم الحكم من قبيل الكيف على التحقيق ولا تردد عندهم والقول بالفعلية مشهور مذهب الإمام ومن تبعه من المتأخرين ونقل عنه أيضا القول بأنه إدراك، وحينئذ يكون الترديد بالنسبة إليه فقط.
قال السيد: «توهموا أن الحكم فعل من أفعال النفس الصادرة عنها بناء على أن الألفاظ التي يعبر بها عن الحكم تدل على ذلك كالإسناد والإيقاع والانتزاع والإيجاب والسلب وغيرها، والحق أنه إدراك»، اهـ.
وتعقّبه الجلال الدواني في حاشية القطب بأن هذا البناء لا يخلو عن بعد؛ إذ لو كان منشأ وهمهم كون تلك الألفاظ بحسب معانيها الاصطلاحية متقدمة فالعلم والتصور أيضا كذلك مع أنهم لم يتوهموا كونهما فعلا ومثل ذلك يبعد عن العقلاء فضلا عن الفضلاء، ولو كان منشأ الوهم كونها بحسب معانيها اللغوية دالة على ما هو من مقولة الفعل فذلك أبعد؛ إذ بناء الأحكام اللغوية مع الإغماض عن المعاني الاصطلاحية بعيد جدا عن العلماء.
والظاهر أن منشأ وهمهم أنهم وجدوا في التصديق أثرا زائدا على أثر التصور وهو اطمئنان النفس واعترافها فحسبوا أن ذلك الأمر الزائد هو فعل صادر عن النفس حتى يكون التصور الساذج المتعلق بالنسبة خاليا عن هذا الفعل وهذا الفعل أمر زائد منضم إليه.
والتحقيق أنه ليس هناك إلا إدراك مخصوص بخصوص ماهيته وليس ههنا فعل بل قبول كيف لا والآثار المذكورة من جنس الانقياد والقبول ولا ترجع إلى فعل أصلا كما يشهد به الوجدان الصحيح اهـ.
قال الفاضل عبد الحكيم «والتحقيق عندي أن القول بفعلية الحكم الذي ذهب إليه الإمام ومن تبعه مبناه أمر معنوي وهو أن الإيمان مكلف به ومعناه التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والمكلف به لابد أن يكون فعلا اختياريا فالتصديق لابد أن يكون فعلا اختياريا فقالوا إن الحكم الذي هو شرط في التصديق أعني إيقاع النسبة أو انتزاعها وهو أن تنسب باختيارك الصدق إلى الخبر أو المخبر وتسلمه فعل اختياري والتكليف باعتباره، قال القاضي الآمدي إن التكليف بالإيمان تكليف بالنظر الموصل إليه وهو فعل اختياري، وقال المحقق التفتازاني إن المكلف به لا يلزم أن يكون من مقولة الفعل بل يجوز أن يكون من مقولة أخرى والتكليف يكون باعتبار تحصيله الذي هو اختياري، وقال البعض ليس الإيمان مجرد التصديق بل مع التسليم» اهـ.
قوله: ((فالتصديق مركب من تصورات أربعة)) نسب إلى الإمام في أحد قوليه، واعترض بأن الإمام ذهب إلى أن التصورات كلها ضرورية، والتصديق قد يكون نظريا فلو كان الحكم عنده إدراكا أيضا لزم أن تكون التصديقات كلها ضرورية أيضا اللهم إلا أن يجعل الحكم نوعا من الإدراك غير التصور والتصديق فيبطل انحصار العلم فيهما، والمشهور الانحصار.
ويمكن أن يجاب بجواز أن يكون الحكم عنده إدراكا من قبيل التصور ويكون هذا التصور مخالفا بالحقيقة لسائر التصورات مخصوصا من عموم التصورات كلها ضرورية بدليل أن دلائله غير جارية في هذا القسم أعني التصور الذي هو الحكم فلا يلزم كون التصديقات أيضا ضرورية عنده ولا يلزم بطلان ما هو المشهو من الانحصار، قاله المحشي.
قوله: ((ولم يتوقف على تصور ذلك الإدراك)) أشعر بأنه يسوغ تعلق الإدراك به وهو الحق؛ إذ لا حجر في التصورات، كما قرر في الحكمة، وما توهم من عدم صحة ذلك للزوم التسلسل مندفع بأن مثله ليس مما يجرى فيه التسلسل لطرو ذهول ونحوه.
وفي عبد الحكيم أن عدم ذكر متعلق التصور الرابع، بل قيل والتصور الذي هو الحكم إشارة إلى أن متعلقه تلك النسبة المتصورة لكن من حيث الوقوع واللاوقوع.
قوله: ((كان فعلا)) عطف على «فإن كان إدراكا»، وجزاؤه قوله: «فحينئذ» وجملة «والفعل إلخ» معترضة.
قوله: ((والفعل يغايره)) اختصار لقول الرازي في شرح الأصل والفعل لا يكون انفعالا.
قال السيد «وذلك لأن الفعل هو التأثير وإيجاد الأثر، والانفعال هو التأثر وقبول الأثر، ولا يصدق أحدهما على ما صدق عليه الآخر بالضرورة، وأما الإدراك انفعال فإنما يصح إذا يسرنا الإدراك بانتعاش النفس بالصورة الحاصلة من الشيء، وأما فسرناه بالصورة الحاصلة في النفس فيكون من مقولة الكيف فلا يكون انفعالا أيضا» اهـ.
قال عبد الحكيم: «أي: فلا يكون الإدراك على هذا التقدير فعلا كما لا يكون على كونه انفعالا، وفيه إشارة إلى أن القياس المذكور في الشرح قياس على هيئة الشكل الثاني من الموجبة الكلية والسالبة الكلية ينتج أن الإدراك لا يكون فعلا، وهذه النتيجة إذا ضمت إلى الموجبة الكلية المستفادة من قوله: الحكم من أفعال النفس، يصير القياس هكذا: الحكم فعل ولا شيء من الإدراك بفعل فلا شيء من الحكم بإدراك، وهو المطلوب، وهكذا تقول على تقدير كون الإدراك كيفا : الإدراك كيف والفعل لا يكون كيفا فالإدراك لا يكون فعلا، وهو بضم قولنا الحكم فعل ينتج المطلوب» اهـ.
وقوله المستفادة من قوله الحكم إلخ يعني قول شارح الشمسية وهذه الكلية تؤخذ من قول شارحنا: إن كان فعلا.
قوله: ((والحكم))، الأولى والفعل؛ لأن كون الحكم جزءا أصل المسئلة، وقد يقال إن المعنى: والحكم الذي ثبت أنه فعل.
قوله: ((وإذا لم يكن الحكم إدراكا إلخ)) ظاهر السوق أنه أراد من الإدراك الانفعال؛ لأنه الذي استدل على مغايرة الحكم الذي هو فعل له، وحينئذ تمنع ملازمة الشرطية بأنا لا نسلم أنه إذا لم يكن الحكم انفعالا لم يكن تصورا، وسند هذا المنع تجويز كون الحكم كيفا فحينئذ يكون تصورا، وجوابه بتحرير المقدم؛ وأن المراد بالإدراك ما يشمل الكيف والانفعال فتتم الملازمة.
ثم إن هذا إشارة لدفع سؤال يتوهم وروده على قوله «فحينئذ إلخ»، وحاصل ذلك السؤال أنه ثبت من الاستدلال الثاني أن الحكم ليس إدراكا والإدراك أعم من الفعل فلِمَ لا يجوز أن يكون تصورا ساذَجا فيكون التصديق على تقدير كون الحكم ليس إدراكا مركبا من أربع تصورات ساذجة لا من ثلاث تصورات وفعل.
وحاصل الدفع أنه إذا انتفى كونه إدراكا ينتفي كونه تصورا ساذجا؛ لأن الإدراك أعم منه، ونفي العام يستلزم نفي الخاص.
قال المحشي: «هذا لا يناسب ذكره على القول بأن الحكم فعل مع القول بأن التصديق ركب منه ومن التصورات الثلاثة إذا القائل بذلك ليس الإدراك عنده مقسما للتصديق وإلا لزم انتفاء كون ذلك المركب تصديقا لانتفاء كون جزئه إدراكا والتصديق قسم من الإدراك وانتفاء المقسم يوجب انتفاء الأقسام» اهـ.
وأقول: لا يسوغ إنكار المقسم للتصور والتصديق على سائر المذاهب هو العلم وهو إدراك، والاعتراض وارد على القائلين بتركيب التصديق سواء كان مركبا من التصورات الأربع أو الثلاثة والحكم الذي هو فعل، وقد قرره السيد في شرح المواقف بغير ما قرره به المحشي فقال: وأما جعل التصديق قسما من العلم مع تركبه من الحكم وغيره فلا وجه له فعلا كان الحكم أو إدراكا اهـ.
ووجّهه عبد الحكيم في حواشي المواقف بما نقله عن السيد أيضا بأنه إذا كان فعلا فلأن المركب من الفعل والإدراك لا يكون إدراكا، وأما إذا كان إدراكا فلبطلان الحصر، وأيضا على التقديرين لا فائدة لتركيب الحكم مع غيره لأنه وحده ممتاز عما عداه بطريق كاسب اهـ.
ثم رأيت في حاشية الجلال الدواني على القطب أن من ذهب إلى أن الحكم فعل لا يمكنه تقسيم العلم إلى التصور التصديق، بل إنما يقسم العلم إلى التصور المقارن للحكم والغير المقارن له، ومن ذهب مع ذلك إلى مذهب الإمام في تركب التصديق لابد أن يفعل كما فعله المصنف من تقسيمه إلى التصورين وجعل التصديق عبارة عن مجموع القسم الثاني مع الحكم اهـ.
ومراده بالمصنف صاحب الشمسية حيث قال العلم إما تصور فقط وإما تصور معه حكم، وهذا لا يخالف ما أسلفنا، تأمل.
قوله: ((وإلا فتصور)) يعني أن التصور عبارة عن الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل فقط وهو محتمل لوجهين: الأول مع عدم اعتبار الإذعان ،والثاني مع عدم اعتبار عدم الإذعان، والأول أعم من الثاني بحسب المفهوم دون التحقق؛ لأن العلم التصديقي وهو العلم المتكيف بالكيفية الإذعانية لا يمكن فيه عدم اعتبار الإذعان ولا اعتبار عدم الإذعان، وغير العلم التصديقي يمكن فيه كل منهما، قاله مير زاهد.
قوله: ((التصور الساذج)) أي: الخالي عن الحكم، يقال شيء ساذج بفتح الذال المعجمة أي: عطل غفل غير محلي فارسي معرب.
قال شارح سلم العلوم: «التصور الساذج إحساس وتخييل وتوهم وتعقل وهذه الأربعة متعلقة بالمفرد، ووهم وتخييل وشك وهذه الثلاثة متعلقة بالخبر والقضية، فالتصور نوع إضافي تحته أنواع سبعة، ومن زعم أن التصور نوع واحد حقيقي فقد غفل عما عليه الفلاسفة» اهـ.
ثم إن النفي في كلام المصنف ورد على مقيد بقيد أي: العلم إن لم يكن إذعانا متعلقا بالنسبة فالإذعان مقيد وكونه متعلقا بالنسبة قيد فالنفي صادق بنفي النسبة والإذعان وبنفي الإذعان مع بقاء النسبة، وأما وجود الإذعان بلا نسبة فغير معقول؛ إذ لا توجد الصفة بلا موصوف.
فقول الشارح فإدراك كل إلخ تفريع على كلام المصنف أشار به لما قررناه.
فإن قلت كيف يكون محكوما عليه أو به والحال أن المفروض تصوره وحده وهو في تلك الحالة غير محكوم به ولا عليه لأن ذلك فرع عن تحقق الحكم حتى يتم الوصف بالمحكومية.
والجواب أن المراد إدراك ذلك الشيئ الذي يعبر عنه حال الحكم بكونه محكوما عليه أو به تصورا أو المراد المحكوم عليه في نفس الأمر أو المحكوم به كذلك وإن كان حالة التصور لم يلاحظ كونه محكوما عليه ولا به.
ومحصله عدم ملاحظة الوصف العنواني حالة التصور بأن يتعلق التصور بذاته بلا ملاحظة اتصافه بالكون محكوما عليه أو به لا يقال كيف تتصور النسبة وحدها بدون ملاحظة الطرفين مع أنهما ضروريان لها لأنا نقول الحال كما قلت لكن قصد النسبة بالتصور الطرفان فيه ملاحظان لكنهما غير مقصودين بالملاحظة فإذا لوحظا قصدا كانت النسبة متصورة أيضا لكن لا على طريق القصد، ولذلك نظائر أفصح عنها السيد في مواضع من مؤلفاته.
وأوضح ذلك بمثال حسي وهو مرآة إذا نظر فيها الشخص فإنه تارة يكون قصده النظر إليها فتصلح للحكم عليها وبها وتكون الصورة مشاهدة على سبيل التبع فلا تصلح لأن يحكم عليها ولا بها، وتارة يكون القصد النظر إلى الصورة فالمرآة مدركة أيضا لكن على سبيل التبع وفي هذه الحالة ينعكس الحال وهذا من فروع ما تقرر في الحكمة أن النفس لا تلتفت لشيئين معا قصدا.
قوله: ((فقط)) راجع لكل من المحكوم عليه والمحكوم به أي: المحكوم عليه فقط والمحكوم به فقط.
قوله: ((إما تقييدية)) نسبة للتقييد لأن الثاني قيد في الأول وهي صادقة بالإضافية كغلام زيد وبالتوصيفية كالحيوان الناطق فلذا أدرجهما الشارح تحتها.
قوله: ((كاضرب)) وكذلك بقية صور الإنشاء وكون صور الإنشاء متضمنة لنسبة خبرية غير منظور إليه لأن المدار على المدلول الوضعي لها لا للازمه.
قوله: ((لعدم إذعان النسبة فيه)) يعني لعدم كونه إذعانا ليوافق كلام المصنف من أن التصديق بسيط ولو أبقى على ظاهره لاقتضى أن كلا من هذه لو كان معه إذعان يكون تصديقا وليس كذلك، قاله المحشي.
أقول: هذا الاقتضاء مندفع بأن المصنف جار على أن التصديق بسيط.
قوله: ((فإن قلت التصور مقدم إلخ)) إشارة لقياس اقتراني حذفت كبراه ونتيجته، تقريره هكذا: التصور مقدم على التصديق طبعا وكل ما هو مقدم في الطبع يجب أن يقدم في الوضع، ينتج التصور يجب أن يقدم في الوضع.
دليل الصغرى أن التصور إما شرط أو شطر والتقدم في كل منهما طبيعي لأن التقدم الطبيعي هو أن يكون المتأخر متوقفا على المتقدم وليس المتقدم علة فيه.
ودليل الكبرى أن مخالفة الطبع غير مقبولة عند المحصلين.
ثم إن هذا سؤال استفسار فالاستفهام على حقيقته ومن جعله نقضا مع السند وحمل الاستفهام على الإنكار فهو ذاهل عن مصطلح النظار إذ التقاسيم كالتعاريف لا تمنع وإنما يتكلم عليها بطريق الإبطال كما بيّن في محله.
قوله: ((لكنه غير مفيد)) أي: فالقياس المذكور مسلم لكن نتيجته لا تخالف الغرض لأنه إنما أنتج أن ذات التصور أي: أفراده وما صدقاته متقدمة على التصديق وليس الكلام فيه، وقوله بعد وإن عنيت به أن مفهومه إلخ أي: فالقياس غير تام بمنع الصغرى أي: أنا لا نسلم أن مفهوم التصور مقدم على مفهوم التصديق والكلام هنا بحسب مفهومه لا أفراده.
قوله: ((لأن تقديم التصديق هنا)) أي: في التعريف الذي تضمنه التقسيم، وقول الشارح ولما كان بيان الحاجة إلخ لا ينافي كون التعريف مقصودا أيضا كالتقسيم؛ لأنه إنما بيّن جهة قصد التقسيم بأن بيان الحاجة يتوقف عليه.
وبهذا يندفع ما قيل إن هذا واضح لو كان التعريف مقصودا بالذات، وهو مخالف لما أسلفه من أن المقصود هنا التقسيم حيث قال ولما كان بيان الحاجة، وقول ذلك القائل إن التقاسيم إنما ينظر فيها للذات دون المفاهيم ممنوع بل النظر فيها للمفاهيم أيضا.
قال أبو الفتح «المقسم لا يكون إلا المفهوم» اهـ.
وفي الحواشي العمادية أن معنى قولهم إن التقسيم بحسب الذات هو أن الباعث عليه هو حصول الذات التي هي للأقسمام لا أن المقسم هو الذات اهـ.
لا يقال قول الشارح فيما بعد وقدم في الأقسام والأحكام لأنها بحسب الذات صريح فيما قاله ذلك القائل لأنا نقول معنى ذلك أنه قدم الكلام على قسم التصور في المتن على قسم التصديق حيث شرح أحوال الكليات الخمس وقسمها للجنس والفصل إلخ.
وكذلك التعريفات وقسمها للحد والرسم إلى غير ذلك من التقاسيم كتقسيم الكلي إلى ما له أفراد له وإلى ذاتي وعرضي وكذلك أحكامها أي: بيان ما يعرض للتصورات مع الأحوال نظرا إلى أن ذات التصور متقدم على ذات التصديق لأن التصديق متوقف عليه توقفا طبيعيا كما علمت وليس المعنى أنه فيما سيأتي يقع التصور قسيما للتصديق ويكون التصور سابقا لأنه لم يقع له فيما بعد ذلك التقسيم أصلا بل إنما وقع منه كغيره من المؤلفين في مفتتح المقدمة فقط وهو هذا الموضوع.
قوله : ( لأن القيود ) هي ثلاثة مأخوذة من مجموع كلام المصنف والشارح فإن قوله العلم إن كان إذعانا للنسبة الحكمية يتضمن أن العلم مقيد بكونه إذعانا وكون ذلك الإذعان متعلقا بالنسبة وكون تلك النسبة حكمية، وحينئذ فالجمع باق على معناه، وسقط ما أطالوا به هنا، ومعنى كون تلك القيود وجودية : أنه لم يسلط عليها حرف النفي كما في جانب التصور.
قوله: ((النسبة الوصفية)) بالفاء كحيوان ناطق والإضافية كغلام زيد وكلاهما يسمى نسبة تقييدية كما عبر به سابقا عنهما.
قوله: ((المشهور الكثير الاستعمال)) فيكون استعمال لفظ النسبة حقيقة في النسبة الحكمية وهي التامة الخبرية فلا يكون لفظ النسبة من قبيل المشترك بل هو حقيقة فيها مجاز في غيرها لأن التبادر والشهرة أمارة الحقيقة.
ولئن سلمنا أنها من المشترك بناء على أن بعض معانى المشترك قد يشتهر، نقول محل منع استعمال المشترك في التعريف ما لم توجد قرينة معينة وقد وجدت وهي إما الشهرة فتكون القرينة حالية أو لفظ الإذعان لأنه لا يتصور إلا في النسبة التامة الخبرية فتكون لفظية.
قوله: ((وينقسمان)) تقدم وجه تأخير هذا التقسيم عن الذي قبله.
ثم إن ههنا نسختين: الأولى: «ينقسمان» من باب الانفعال وذكر « إلى» الجارّة في قوله «الضرورة» وعليها كتب الشارح وهي ظاهرة لا تحتاج لشيء إلا لأن يراد من الضرورة والاكتساب الضروري والمكتسب لأنهما القسمان من التصور والتصديق، وقد أشار لذلك الشارح بقوله وإنما كان تقسيم إلخ.
وأيضا المقسم يحمل على القسم في تقسيم الكلي إلى جزئياته كما هنا وبدون التأويل لا يستقيم الحمل وقد يصح إبقاؤها بلا تأويل بناء على وضع قيد القسم مكان القسم كتقسيم الحيوان إلى الناطق والصاهل فالقسم ههنا علم ذو ضرورة وعلم ذو كسب وهو معنى ضروري وكسبي.
الثانية: ما كتب عليها الجلال الدواني والعصام وهي «يقتسمان» من باب الافتعال وحذف «إلى» الجارّة وهي محتملة لأن يقرأ بالبناء للفاعل والضرورة والاكتساب بمعنى الضروري والمكتسب إلخ ما قلنا.
ويرد على هذا الاحتمال اقتضاؤه تقسيم الضروري والنظري إلى تصور وتصديق لأن المعنى حينئذ يقسم التصور والتصديق الضروري والمكتسب أي: يحصل كل منهما قسما من الضروري والمكتسب فيكون كل من الضروري والمكتسب مقسما، والمفروض خلافه وهو أن المقسم هو التصور والتصديق لا أنهما قسمان وأن يقرأ بالبناء للمفعول والضرورة والاكتساب منصوبان على نزع الخافض وفيهما من التأويل ما قلنا.
وما أورد عليه بأن النصب على نزع الخافض مقصور على السماع يجاب عنه بأنه كثر في كلامهم حتى عدّ من المساحمات وهذان الاحتمالان مبنيان على ما ذكره في الأساس من أن قسمه واقتسمه بمعنى، وما في التسهيل من أن افتعل يكون بمعنى فعل، وفسر الدواني الاقتسام بالأخذ حيث قال: أي: يأخذ كل من التصور والتصديق قسما من الضرورة والاكتساب أي: الضروري والمكتسب اهـ، فالضرورة والاكتساب مفعولان.
قال العصام: وهو نعم التوجيه لو ساعده اللغة ولم نجد في كتب اللغة أن الافتعال يجيء للاتخاذ وقد يوجه بأن المراد يقتسمان بينهما ويلزمه أن يأخذ كل منهما قسما، انتهى.
وأجيب بثبوت مجيئ الافتعال بمعنى الأخذ نحو ارتفق زيدا أي اتخذه رفيقا.
وهناك احتمال ثالث مبني على مجيء اقتسم معنى تقاسم فقد ذكر في التسهيل من معاني افتعل تفاعل فيقرأ يقتسمان بالبناء للفاعل والضرورة والنظر على ظاهرهما من غير تأویل مفعولان ليقتسمان، والمعنى حينئذ يأخذ التصور قسما من الضرورة فيتحقق قسم ضروري وقسما من الاكتساب فيتحقق تصور مكتسب ويقال مثله في التصديق فهو على حد قول الشاعر:
إنا اقتسمنا خطتينا بیننا
*
فحملت برة واحتملت فجار
قوله: ((أي: التصور والتصديق)) تقديم التصور ههنا على التصديق دون العكس كما صنع المصنف لأن المنظور إليه هنا ما صدقهما لأنه الذي يوصف بالضرورة والاكتساب دون مفهومهما لأنه نظري دائما.
قوله: ((أي بحسب الضرورة)) دفع به توهم كون الباء سببية وهو غير ملائم لاقتضائه إفادة أن سبب الانقسام الضرورة وليس كذلك بل هي وصف له.
ثم يحتمل أن المراد بها جهة القضية وهو ظاهر صنيع الشارح بدلیل استدلاله على ذلك بقوله وإنما كان إلخ، ويحتمل أن المراد بها البداهة فالاستدلال إما تنبيه أو على دعوى أن هذا التقسيم ضروري.
وفي الدواني المراد بها البداهة ووجّهه بأن الإحالة على البداهة أسلم من تكلف الاستدلال عليه بأنه لو كان الكل من الكل نظریا لدار أو تسلسل أو بديهيا لما احتجنا في شيء منهما إلى الفكر فإنه مع ما فيه من التوقف على امتناع اكتساب التصديق على التصور ثم على حدوث النفس على ما هو المشهور لا يتم إلا بدعوى البداهة في الدليل وأطرافه، وذلك كاف في نفي کسبية الكل فلا حاجة إلى الدليل عليه.
ثم لابد من دعوی البداهة في ثبوت الاحتياج إلى الفكر وذلك بعینه دعوی البداهة في عدم بداهة الكل فظهر أن الاستدلال يؤول بالآخرة إلى دعوی البداهة في المطلوب فليكتف به أولا، اهـ كلامه.
وتوضيحه أنه في الأصل استدل على هذه الدعوى وهي قولنا ويقتسمان الخ بالدليل المذكور فاعترض على الدليل بجواز أن يكون جميع التصورات نظرية وتنتهي سلسلة الاكتساب إلى تصديق بدیهي فلا يلزم دور ولا تسلسل، وجاز أيضا أن يكون جميع التصديقات نظرية وتنتهي سلسلة الاكتساب إلى تصور بديهي فلا دور ولا تسلسل أيضا.
وأجابوا بأن البرهان موقوف على امتناع اكتساب التصورات من التصديقات و بالعكس فإن تمّ تمّ الكلام و إلا فلا.
وقد قال الجلال في حاشية القطب: إنه لم يتمّ برهان على امتناع اكتساب التصور من التصديق وبالعكس ولكنه قال إن الدليل على تقدير انتفاء اكتساب التصور من التصديق و بالعکس سواء كان ممتنعا أو لا إذ على تقدير انتفائه يكون حصول التصورات أو التصديقات بطريق الدور أو التسلسل قطعا، اهـ.
وأيضا ليس هذا تسلسلا بل هو استحضار أمور لا نهاية لها في زمن متناه وهو وقت التحصيل، ومحاليّة ذلك مبنية على القول بحدوث النفس وهو مذهب أرسطاطليس ومن تبعه، فأما على قول أفلاطون القائل بقدمها فلا يتم ما ذكر لما لا يجوز أن تكتسب المطالب الغير المتناهية في الأزمنة الغير المتناهية.
وأيضا على تقدير أن يكون جميع التصورات والتصديقات نظریا یکون قولنا لوكان كلها نظريا يلزم الدور أو التسلسل تصديقيا نظريا ويكون كل واحد من التصورات المذكورة فيه أيضا نظريا ويكون أيضا قولك واللازم باطل فالملزوم مثله تصديقا نظريا والتصورات المذكورة فيه أيضا نظرية فيحتاج في تحصيل هذه التصورات والتصديقات إلى اكتساب ويلزم الدور أو التسلسل المحالان فيكون الاستدلال بهذه المقدمات محالا.
وأجابوا بأن هذه المقدمات و تصوراتها أمور معلومة لنا بلا شبهة في ذلك فيتم الاستدلال وهذا معنى قوله: لا يتم إلا بدعوى البداهة في الدليل وأطرافه وذلك كاف، لكن الجلال عدل عن قولهم معلومية المقدمات لبداهتها، فلذلك اعترضه أبو الفتح بأنا لا نسلم أن الدليل لا يتم إلا بدعوة البداهة في مقدماته وأطرافها؛ لأنه إنما يتوقف على معلومية المقدمات وأطرافها، وأما على بداهة المقدمات وأطرافها فلا فضلا عن دعوی بداهتها.
وأجاب عنه بعض الفضلاء بأنه لا يتم الاستدلال إلا بدعوى البداهة وإلا قال الخصم إن هذه المقدمات مع أطرافها نظرية على تقدير نظرية كل التصورات والتصديقات فيحتاج في تحصيل هذه المقدمات وأطرافها إلى الدور أو التسلسل المحالين فيكون الاستدلال الموقوف عليهما محالا فإذا ادعى بداهتها لا يبقى للخصم مجال ادعاء هذا المحال ويتم الاستدلال.
وأما كون بداهة تلك المقدمات مع أطرافها منافية لعرض نظرية كل التصورات والتصديقات فلا يضر المستدل بل يؤيده، فما ذكره میر أبو الفتح مبني على عدم التفرقة بين الدليل والاستدلال، اهـ.
والفرق بينهما أن الدليل أعم من الاستدلال لأن الاستدلال ما یکون مقدماته بديهية، والدليل ما یکون مقدماته بديهية أو لا.
ومن لطائف میر زاهد ما قال: «إن هذا الحكم يعني قول المصنف: ويقتسمان إلخ نظير المثبت لنفسه فإنه إن كان بدیهيا كان نفيا لنظرية الكل و إن كان نظریا كان نفيا لبداهة الكل» اهـ، ونعم ما قال شارح سلم العلوم بعد أن ساق نحو ما ذكرنا «والحق أن هذا كله جدلي والمطلوب ضروري لا يحتاج إلى الاستدلال» اهـ.
قوله: ((أي: التصور والتصديق)) تقدير التصور هنا على التصديق دون العكس كما صنع المصنف؛ لأن المنظور إليه ههنا ما صدقهما وأفرادهما فإنه الذي يوصف بالضرورة والكسب، وأما مفهومهما فهو نظري كما سيأتي.
قال شارح سلم العلوم ليس بين الضروري والکسبي تقابل الإيجاب والسلب لأن المتقابلين بالإيجاب والسلب لا يخلو موضوع ما عنهما وإلا لزم ارتفاع النقيضين والموجودات الغيبية كلها خالية عنهما ولا التضايف وهو ظاهر بل إنما يتصور التضاد أو العدم والملكة، ولابد في التضاد من إمكان تعاقبهما على موضوع واحد فكل ما يتصف بأحد الضدين أمكن اتصافه بالآخر، ولابد في المتقابلين بالعدم والملكة من إمكان اتصاف موضوع العدم بالملكة وعلى التقديرين فلا بد من إمكان اتصاف الضروري بالكسبية، ومن البين أن الحضوري يمتنع اتصافه بالكسبة وكذا القديم من العلم إذ لو أمكن كونه کسبيا لأمكن حصوله بعد الحركة الفكرية فلا يكون قديما هف، فإذن لابد من تخصيص المقسم بالتصور والتصديق الحادثين.
قوله: ((وهي التي)) الضمير يعود للضرورة، والموصول المتبادر منه وقوعه على الضرورة وهو فاسد لأدائه لأخذ الشيء جنسا في تعريف نفسه، ولا محيص عنه إلا بدعوى وقوعه على الصورة وهي وإن لم تکن مذكورة لكنه يشعر بها الضرورة التي هي صفة للعلم المفسر بالصورة الحاصلة عند النفس.
قال عبد الحكيم في تقرير تعريف صاحب الشمسية للعلم الضروري بقوله: «وهو الذي لم يتوقف إلخ» أي: العلم بمعنى الصورة الحاصلة الذي لم يتوقف حصوله المعتبر في مفهومه فلا يلزم أن يكون للحصول حصول، وتعدية التوقف بعلى يتضمن معنى الترتب فيفيد قيد التوقف أنه لولاه لما حصل، وقيد الترتب التقدم فيؤول إلى معنى الاحتياج.
فبالقيد الأول دخل العلم الضروري الذي حصل بالنظر أيضا كالعلم بأن ليس جميع التصورات والتصديقات بديهيا ولا نظريا.
وبالقيد الثاني العلم الضروري التابع للعلم النظري إذا قلنا إنه ضروري بمعنى البديهي کالعلم النظري، فإنه وإن كان يصدق عليه أنه لولا النظر لما حصل لكنه ليس مرتبا على النظر، بل على العلم المستفاد من النظر فإن المتبادر من الترتب الترتب بلا واسطة.
ثم إن البديهي والنظري يختلفان بالنسبة إلى الأشخاص فربما يكون نظريا لشخص بديهيا لآخر، وبالعكس فقيد الحيثية معتبر في التعريف على ما تقرر من أنه يعتبر في تعريفات الأمور الاعتبارية قيد الحيثية وإن لم يذكره، اهـ ملخصا.
لا يقال إذا عرف العلم الضروري صار نظريا لاحتياجه للتعريف، فينتظم قضيتان متناقضتان هما الضروري ما لا يتوقف إلخ الثانية الضروري يتوقف؛ لأنا نقول لا تناقض لاختلاف الموضوع فإن قولنا الضروري يتوقف إلخ المراد به المفهوم.
والضروري لا يتوقف المراد به الماصدق، يقرب ذلك قول النحاة من حرف جرّ بإعراب من مبتدأ مع أنها والحالة هذه اسم فكيف يخبر عنها بالحرف.
وجوابه أن الإخبار باعتبار أفراد ذلك المفهوم الكلي أي: هذا اللفظ والاسمية باعتبار التأويل بهذا اللفظ.
وهذا معنى ما قيل أن ما هنا من قبيل صدق الشيء على نقيضه و لا محالية فيه، بل المحالية في صدق الشيء على ما يصدق عليه نقيضه كصدق البياض مثلا على شيء يصدق عليه لا بياض و هو الأسود مثلا، ومن فروع الأول تعريف الجزئي بما يمنع نفس تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه.
قوله: ((كتصور الحرارة والبرودة)) أي: أفرادهما لأنه حاصل بطريق الإحساس فهو من أجلى البديهيات، أما تصور مفهومهما فنظري.
قوله: ((وإلى الاكتساب بالنظر))، قال أبو الفتح هذا القيد غير محتاج إليه ضرورة أن الاكتساب يتضمن النظر اصطلاحا إلى أنه أراد تمهید تعریف النظر فذكره تصريحا بما علم ضمنا أو حملا للاکتساب على المعنى اللغوي وهو مطلق التحصیل لکنه لا يلائم الإيجاز المطلوب في هذه الرسالة.
قوله: ((وكالتصديق بأن العالم حادث))، في حاشية عبد الحكيم على الخيالي: العالم اسم موضوع للقدر المشترك بين جميع الأجناس أعني كونه ما سوى الله، فإن القول بتعدد الوضع بحسب كل جنس كلفظ العين قول بلا دلیل.
وکذا جعل الوضع عاما والموضوع له خاصا فإنه مخصوص بمواضع عديدة، وإذا كان موضوعا لمعنى واحد مشترك بين جميع الأجناس يجوز إطلاق العالم على كل واحد من الأجناس، وعلى كلها إطلاق الكلي على جزئیاته کإطلاق الإنسان على كل من زيد وعمرو، وعلى كلها وليس اسما للمجموع وإلا لما صح جمعه كما في قوله تعالى: ﴿ ﴾، والقول بالاشتراك بين الكل وكل واحد خلاف الأصل لا يصار إليه بلا ضرورة داعية، اهـ.
فعلم أن أفراد ذلك القدر المشترك أجناس لا أشخاص، فما قاله المحشى أن تمثيل التصديق النظري بقولنا العالم حادث إنما يصح إذا أريد الموجبة الكلية أعني كل فرد من أفراد ما سوی الله تعالى نظري؛ إذ لا شك أن العلم بحدوث بعض الأفراد ضروري اهـ غير مستقم؛ لأن أفراد القدر المشترك الموضوع له لفظ عالم أجناس العوالم وأنواعها، وثبوت الحدوث لكل جنس من تلك الأجناس نظري.
وإن كان أفراد تلك الأجناس الشخصية كل واحد منها حدوثه بديهي، والقائلون بقدم العالم معترفون بذلك والقديم عندهم هو الأنواع على تفصيل في ذلك عندهم، ومعلوم فإن الفرد الشخصي في قولنا العالم حادث غیر منظور إليه حالة الحكم؛ لأنه غير مدلول للفظ الموضوع فإرادة الفرد الشخصي لا دليل عليه على أن في كلامه اختلالا من وجوه آخر فإنه إذا أريد الإيجاب الكلي وأن المعنى كل فرد فرد إلخ كما قال يكون الحكم منصبا على جميع تلك الأفراد.
وقوله بعد ذلك إذ لاشك أن العلم بحدوث بعض الأفراد ضروري يقتضى أن الحكم الإيجابي حكم على المجموع کكل بني تميم يحملون الصخرة وقد قرر قبله أنه من قبيل الحكم على الجميع ككل إنسان حیوان و هل هذا إلا تهافت.
وقول بعض الحواشي إن العالم اسم لمجموع ما سوى الله تعالى اهـ خلاف المختار كما سمعت.
قوله: ((أي: الاكتساب إلخ)) في عودة الضمير على ذلك تخلص مما يلزم عليه من ارتكاب التجوز بناء على أن النظر حقيقة هو حركة النفس في المعقولات أي: ارتسامها فيها بالاستقراض من المتصرفة، ولا شك أن النفس تلاحظها عند ذلك فإطلاق النظر عن الملاحظة تجوز لما بينهما من التلازم وهذا هو الموافق لما في شرح شيخ الإسلام.
والذي في شرح الطوالع أن النظر حقيقة هو الملاحظة وأن إطلاقه على الحركة المذكورة تجوز لما بينهما من التلازم وأن الحركة تسمى الفكر حقيقة فحينئذ عود الضمير على النظر أنسب اهـ محشی، وفيه اختلال من وجوه:
الأول: أن تفسيره حركة النفس في المعقولات بارتسامها فيها بالاستقراض من المتصرفة يفيد أن النفس يرتسم فيها ما في المتصرفة من المعاني وهو باطل؛ لأن المتصرفة وهي القوة المتفكرة ليس فيها شيء من المعانی كلية أو جزئية، والمدرك للمعاني هو النفس إما بارتسامها فيها وهي المعاني الكلية أو في آلاتها وهي المعاني الجزئية على ماهو التحقيق.
قال میر زاهد للنفس عند الملاحظة توجهان: الأول التوجه نحو المجهول الذي قصد تحصيله، والثاني التوجه نحو العلوم المخزونة في الخيال الذي هو خزانة المحسوسات أو الحافظة التي هي خزانة الموهومات أو العقل الفعال الذي هو خزانة المعقولات، اهـ.
الثاني: أن قوله ولا شك أن النفس تلاحظها عند ذلك إن كان المشار إليه ارتسام المعقولات في النفس فلا معنى للملاحظة؛ لأنها صارت حاصلة بالفعل فيها و إن كان المراد المشاهدة فذلك هو معنى الاستقراض.
الثالث: قوله وأن الحركة تسمى الفكر حقيقة مناقض لقوله قبله إن إطلاقه على الحركة المذكورة تجوز.
الرابع: أنه التبس عليه الفرق بين تعریف الشيء بلازمه والتجوز فيه وذلك لأنه على تقدير أن يكون الفكر حقيقة في الحركة مجازا في الملاحظة، وعرف بها يكون تعريفا باللازم فهو تعريف بالخاصة فيكون رسما وأما أن الملاحظة استعملت في الفكر فلا وحينئذ لا مجاز.
ثم بعد هذا كله فالأولى للشارح أن يجعل الضمير عائدا على النظر ويحذف لفظ الاكتساب فإنه قد علم من سابق كلامه أن المراد بالاكتساب العلم المكتسب بقرينة أنه وقع في مقابله الضرورة بمعنى العلم الضروري فيكون بمعنى العلم الكسبي.
وقد قال وهو ما تخالف الضرورة، وقال وإنما كان إلخ، فبهذا الاعتبار یکون المراد بالاكتساب ههنا العلم المكتسب، وارتكاب الاستخدام بأن يراد به هنا نفس النظر وفيما تقدم العلم النظري مما لا داعي إليه على أن معنى الاكتساب التحصیل لا الملاحظة، تأمل.
قوله: ((ملاحظة المعقول))، تحرير المقام أنه لا شبهة في أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتفق بل لابد من معلومات مناسبة له، ومعلوم أنه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أي وجه كان بل لابد هناك من ترتيب معين فيما بين تلك المعلومات، ومن هيئة مخصوصة عارضة لها بسبب ذلك الترتيب.
فإذا حصل لنا شعور بأمر تصوري أو تصديقي وحاولنا تحصيله على وجه أكمل فلابد أن يتحرك الذهن في المعلومات المخزونة عنده منتقلا من معلوم إلى آخر حتى يجد المعلومات المناسبة لذلك المطلوب وهي المسماة بمبادئه، ثم لابد أيضا أن يتحرك في تلك المبادئ بترتيبها ترتيبا خاصا يؤدی إلى ذلك المطلوب.
فهناك حركتان: مبدأ الأولى منهما هو المطلوب المشهور به بذلك الوجه الناقص ومنتهاها آخر ما يحصل من تلك المبادى، ومبدأ الثانية أول ما يوضع من الترتيب ومنتهاها المشهور به على الوجه الأكمل فحقيقة النظر التوسط بين المعلوم والمجهول وهو مجموع هاتين الحركتين اللتين هما من قبيل الحركة في الكيفيات.
فالمتقدمون ذهبوا إلى أن الفكر مجموع الحركتين، وذهب المتأخرون إلى أنه الترتيب اللازم للحركة الثانية، و يرادف الفكر النظر على القولين.
قال أبو الفتح «وربما يفرق بينهما بأن الفكر مجموع الحركتين أو الترتيب اللازم لهما، والنظر ملاحظة المعقولات الواقعة في ضمن الحركتين أو الترتيب، ويدل عليه قول ناقد المحصل إنهما کالمترادفين قال والظاهر أن تعريف المصنف مبني على هذا» اهـ.
وجعل الحركة المذكورة من قبيل الحركة في الكيفيات النفسانية هو ما نصّ عليه القوم، وبحث فيه الجلال الدوائي بأنه لابد في الحركة من كون الشيء بحيث يفرض فيه كل آن فرد من المقولة التي فيها الحركة لا يكون ذلك الفرد في الآن السابق ولا في الآن اللاحق والآنات التي يمكن فرضها في الزمان غير واقفة عند حد عندهم وكذا الأفراد الفروضة غير واقفة، ومعلوم أنه ليس في صورة الفكر إلا علوم محصورة لاسيما في الرجوع من المبادئ إلى المطالب فإنه ليس هناك إلا العلم بالجنس والفصل مثلا أو الصغرى والكبرى فلا يتصور کون النفس في كل آن متصفة بفرد من العلم لا يكون قبله ولا بعده.
لا يقال النفس إذا لاحظت الجنس مثلا والتفتت إليه فإنها تنتقل منه إلى الفصل بالتدريج ويضعف التفاتها إلى الجنس تدريجا و يقوى التفاتها إلى الفصل بالتدريج لأنا نقول قد صرحوا بأن الالتفات فعل من أفعال النفس وقد صرحوا بأنه لا حركة إلا في مقولة الكم والكيف والأين والوضع فلا يكون في الالتفات حركة.
ولئن سلم فلا يصح ما ذكروه من أن الفكر حركة في الكيف، هذا ولو قيل بأن اختلاف مراتب الالتفات يستلزم اختلاف الصور في الشدة والضعف فللنفس في كل مرتبة من مراتب الالتفات صورة في مرتبة من الشدة و الضعف مخالفة في الشدة والضعف للصور السابقة واللاحقة فيكون لها حركة في الصور لم يبعد اهـ.
هذا وقد علم مما ذكرناه سابقا أن للنظر تعاريف ثلاثة اختار المصنف منها هذا التعريف وهو الملاحظة ما أن التعريفين الآخرين لا يشملان التعريف بالمفرد، وتكلفوا في الشمول بأنه إنما يكون بالمشتقات وهي مركبة من حيث اشتمالها على الذات والصفة أو من حيث إنها أعم بحسب المفهوم فلابد من قرينة مخصصة فالتعريف بالمركب من معنى المشتق والقرينة أو أن عدم الشمول لا يضر لأن التعريف بالمفرد كما قال الشيخ نزر خداج أي: قليل ناقص فتعريف النظر بالتعريف المذكور شامل كما قال الجلال جميع أفراد النظر بلا كلفة سواء كان بالمفرد أو المرکب معلوما كان أو مظنونا أو مجهولا بالجهل المركب اهـ.
ونوقش دعوی شموله للمفرد بأن الملاحظة ليست مطلق ملاحظة المعقول بل هي ملاحظة المعقولات الواقعة في ضمن الحركتين والترتيب فلا يصدق تعريف المصنف على المفرد أيضا.
ثم إن المصنف عرف النظر في القسم الثاني من هذا الكتاب المشتمل على علم الكلام بالحركتين لما أن النظر في المفرد لا يقع في مباحث علم الكلام فلا تحتاج لإدخاله في التعريف وأماهنا نحتاج إلى ذلك لأن قواعد الفن يجب أن تكون عامة ومن البارد قول بعض الحواشي يحتمل أن يكون ما هنا قرينة على أنه أراد من مجموع الحركتين هناك الملاحظة المذكورة هنا.
قوله: ((لتحصيل المجهول)) اللام للأجل أي: الملاحظة التي يكون الباعث عليها التحصيل، فخرجت المقدمة الواحدة لأن الترتيب فيها ليس لتحصيل المجهول بل لتحصيل المقدمة.
ودخل قياس المساواة والاستلزام بواسطة عكس النقيض وإن أخرجوهما عن القياس لتقييدهم هناك الاستلزام بأن يكون لذات القياس، ولا لزوم فيهما بحسب الذات. ودخل أيضا النظر في الدليل الثاني بعد الدليل الأول لأن المقصود منه العلم بوجه دلالته وهو مجهول.
وإنما قال لتحصيل ولم يقل بحيث يحصل مثلا ليشمل الفكر الفاسد صورة أو مادة.
وأما الحدس وهو حصول المطلوب مع مبادئه دفعة فخارج بقيد الملاحظة كما قال الدواني: «إن المراد بالملاحظة هو التوجه نحو المعلوم قصدا كما نبه عليه السياق سيما وقد قيد بالغاية فإنها لا تكون إلا لما هو حاصل بالاختيار فلا نقض بالحدس لأنه ليس بقصد النفس واختيارها بل يسنح بغير اختيار إما عقيب شوق أو بدونه» اهـ.
واعترضه میر غیاث بأنه إن أراد أن حصول المبادئ في الذهن في صورة الحدس ليس بالقصد والاختيار فحصولها فيه في صورة النظر كثيرا ما يكون كذلك كيف لا و أكثر مبادئه أمور بديهية لا نعلم أنها حصلت وكيف حصلت وإن أراد أن التوجه والالتفات إلى المبادئ الحاصلة في صورة النظر بالقصد والاختيار دون الحدس فممنوع ولا يظهر في ذلك فرق بين الصورتين أصلا كما لا يذهب على ذي مسكة، اهـ.
أقول: ظهر لي عند تقرير هذا المحل أن الحركة الثانية لا توجد في الحدس بل الأولى فقط فلا يرد على من فسر النظر بالحركتين أو بالترتيب، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلما علمت أن الترتيب لازم للحركة الثانية، وأما وروده على تعريف النظر بالملاحظة فمتوهم، واندفاعه بجعل اللام للأجل كما قلنا؛ لأنه حينئذ يكون مدخولها علة مترتبة، ففيه إيماء إلى أن المطلوب تحصيله متأخر عن المعقولات المنظور فيها والحدس ليس كذلك، وأيضا المراد بملاحظة المعقولات الملاحظة الواقعة في ضمن الانتقال من المطلوب إلى المبادئ ثم منها إليه كما صرح بذلك الميبدى في شرح الطوالع.
قال المحشي: وأورد على التعريف أيضا صدقه على الحركة الأولى في صورة مجموع الحركتين مع أن النظر هو المجموع في هذه الصورة اتفاقا وصدقه على ملاحظة المبادئ المرتبة المعلومة سابقا كما إذا كان الجسم الضاحك معلوما بهذا الترتيب سابقا فتلاحظه النفس قصدا لتحصيل الإنسان ولم يقل أحد بوجود الفكر من غير ترتيب في غير النظر في المفرد وأن لا تفاوت بينه و بين المفرد، اهـ.
أقول: لا ورود أما في الصورة الأولى فلأن الحركة الأولى كما قد سمعت محصلة لمبادى المطلوب وحصول تلك المبادئ عند النفس لا يؤدي إلا بعد الترتيب الحاصل بالحركة الثانية فبعد أن قيدت الملاحظة بالغاية كما قلنا في خروج الحدس لا يصدق التعريف على هذه الصورة.
وأما تعريفه بمجموع الحركتين أو بالترتيب فعدم الصدق ظاهر ولذلك خصّ الورود بتعريف المصنف بالملاحظة وأما الصورة الثانية فمع ما في التركيب من القلاقة فلا ترد أيضا.
أما وجه القلاقة فإن قوله ولم يقل أحد إلخ من تمام الاعتراض وربما توهم استئنافية الجملة.
وقوله وأن لا تفاوت إلخ معناه أن هذه الصورة تفاوت المفرد ولم يقع تفاوت بينها وبينه في عدم الترتيب وقد أشعر قوله في غير النظر في المفرد أنه لا ترتيب فيه وليس كما زعم کیف وقد تكلفوا في تأويله حتى حققوا فيه الترتيب.
وأما عدم الورود فلأنه حيث كانت المبادی مرتبة معلومة كان العلم بالمطلوب حاصلا أيضا بطريق القهر بحيث لا يمكن للنفس دفعه فأين المجهول المطلوب تحصيله ومن تعقبه جاراه في كلامه وتكلف في دفعه وقد علمت ما فيه.
وبقي ههنا شيء وهو أنهم كثيرا ما يقولون الفكر لغة حركة النفس في المعقولات ويقابله التخييل وجعل هذا معنى لغويا بعيد إلا إذا سمع استعماله بهذا المعنى وبعيد إرادتها عند أهل اللغة والظاهر أنه معنی عرفي.
ثم رأيت الميبدى في شرح الطوالع صرح بذلك حيث قال: المراد بالفكر ههنا هو النظر وقد يطلق الفكر على حركة النفس في المعقولات أي حركة كانت ويقابله التخييل وهو حركتها في المحسوسات وعلى حركتها في المطالب الا فدل هذا على أنه معنی عرفي لأهل المعقول لا لغوي وإن وقع التصريح بذلك في كلام كثير.
قوله: ((كملاحظة الحيوان والناطق))، قيل كان عدول الشارح عن الحيوان الناطق أعني الهيئة التركيبية لئلا يتوهم أن ملاحظة المجموع التي تصدق بملاحظة أحدها كافية اهـ.
وأقول: ملاحظة المجموع قاضية بملاحظة الأجزاء وإن لم يكن ذلك على سبيل التفصيل لأن المجموع هو عين الأجزاء مجتمعة فلا تنفك ملاحظة أحدها عن الآخر وكأنه اشتبه عليه ملاحظة المجموع من حيث هو مجموع بالحكم على المجموع كذلك. فما قاله يتحقق في الثاني دون الأول وكأن سر العطف الإشارة إلى أن المراد الملاحظة المتعلقة بكل واحد منهما فأشار لصورة الترتيب وبیان الجزأين ووجوب تقديم أحدهما على الآخر وأن هذا الترتيب المذكور تعريف الإنسان مركب من حيوان وناطق لا أنه تعبير عن النوع بحیوان ناطق.
قوله: ((والمراد بالمعقول ههنا المعلوم)) لا يخفى أن المتبادر من العلم هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع فالمعلوم يختص باليقينيات مع أن التعريف شامل لأفراد النظر مطلقا من ظنیات وجهليات وتقليديات لوجوب شمول التعريف لها في اصطلاح القوم، وقد تقدم ذلك فلو أبقى الكلام على ظاهره لكان أحسن؛ إذ المعقول شامل لهذه الأقسام.
وقد يجاب بأنه نبّه بذلك على أن المعقول ههنا والمعلوم على حد سواء وتخصيص العلم بالیقينیات اصطلاح المتكلمين ولذلك عقّبه بقوله فإن العالم الخ وأيضا قد يتوهم أن المراد بالمعقول المعقول الصرف المقابل للمحسوس والمخيل أي الصورة الحاصلة في الخيال فإنها ليست معقولة صرفة والمعلوم شامل لذلك.
قوله: ((حصول صورة الشيء إلخ)) فيه مسامحة أي: الصورة الحاصلة بناء على أن العلم من مقولة الكيف، وفائدة جعله نفس الحصول التنبيه على لزوم الإضافة له، فإن كان العلم من مقولة الانفعال فالتعريف على ظاهره بلا تأويل، وأن المراد بحصول الصورة انتقاشها وار تسامها في الذهن واتصافه بها.
والقائل بالصورة ههنا هم الحكماء و بعض المتكلمين المثبتين للوجود الذهني، والمنكر له يفسر العلم بأنه تعلق بين العالم والمعلوم أو صفة حقيقية ذات إضافة.
وقال میر غیاث: العلم يطلق على المعنى المصدري الذي يعبر عنه بالفارسية دانستن وهذا ليس بكيف بل نسبة، وأخرى على الصورة التي تنكشف بها الأشياء وحينئذ يكون كيفا؛ فمن عرف العلم حصول الصورة أراد به المعنى الأول أولا ثم جعل ذلك ذريعة إلى المعنى الثاني ثانیا، ومن فسره بالصورة الحاصلة قصد به المعنى الثاني أولا أهـ.
ثم إن جُعل هذا تعريفا للمعنى الأعم للعلم الشامل للحضوري والحصولى بأنواعه الأربعة وهي الإحساس والتعقل والتوهم والتخيل ولما يكون نفس المدرك وغيره فالمراد بالعقل الذات المجردة المعبر عنها بالنفس الناطقة عندهم، و بالصورة ما يعم الخارجية والذهنية، و بالحصول الحصول سواء كان بنفسه أو بمثاله، و بالمغايرة المستفادة من الظرفية أعم من الذاتية والاعتبارية، وبلفظة «في» الجارة يعني معنی عند، وهذه كلها تكلفات.
وأما إن جعل التعريف للعلم الحصولي لأن الكلام هنا في تعريف العلم الذي يقع به الكسب والعلم المكتسب لم يحتج إلى هذه التأويلات، والمراد بالعقل قوة تدرك الكليات بنفسها والمحسوسات بالواسطة، و بصورة الشيء ما یکون آلة لامتيازه سواء كان نفس ماهية الشيء أو شبحا له بناء على ما تقدم من الخلاف في أن الحاصل في الذهن الأشياء أنفسها أو أشباحها وأمثالها، والظرفية باقية على معناها الحقيقي وليست بمعنى عند كما هو على التأويل الأول، وقد سبق لك كلام يتعلق بما هنا فضمه إليه.
قوله: ((أي: الاكتساب بالنظر)) هذا مبني على ما أسلفه، وقد تقدم لك أن الصواب عود الضمير على النظر، فليكن هنا كذلك.
ثم إن هذا الكلام مشعر بوقوع الخطأ في التصورات والتصديقات، وقال السيد في شرح المواقف: «لا يوصف التصور بعدم المطابقة أصلا؛ فإنا إذا رأينا من بعيد شبحا هو حجر مثلا وحصل منه في أذهاننا صورة إنسان فتلك الصورة صورة للإنسان و علم تصوري به، والخطأ إنما هو في حكم العقل بأن هذه الصورة للشبح المرئي، فالتصورات كلها مطابقة لما هي تصورات له موجودا كان أو معدوما، ممكنا كان أو ممتنعا، وعدم المطابقة في أحكام العقل والمقارنة لتلك التصورات» اهـ.
قال الخيالي في حاشية العقائد: «هذا هو المشهور بين الجمهور ويرد عليه أنه فرق بين العلم بالوجه والعلم بالشيء من ذلك الوجه فالمتصور في المثال المذكور هو الشبح و الصورة آلة لملاحظته» اهـ.
قال عبد الحکیم في حواشيه عليه: «حاصله أن كون تلك الصورة تصورا وإدراك الإنسان موقوف على أن يكون العلم بالوجه عين العلم بالشيء من ذلك الوجه حتى يكون العلم بالشبح من وجه الإنسانية عين العلم بالإنسان الذي هو وجهه، لكن الفرق ثابت، فإن معنى العلم بالوجه هو أن يحصل في الذهن صورة تكون آلة الملاحظة ذلك الوجه فالوجه معلوم، والحاصل في الذهن صورته، ومعنى العلم بالشيء من ذلك الوجه أن يكون ذلك الوجه آلة لملاحظته فالحاصل في الذهن نفس ذلك الوجه والمعلوم بواسطتها ذلك الشيء، فالعلم بالوجه في المثال المذكور أعني العلم بالإنسان وإن كان مطابقا لكن العلم بالشيء من ذلك الوجه ليس مطابقا والمقصود في المثال المذكور هو هذا ؛ إذ التصور هو الشبح والصورة الإنسانية آلة لملاحظته» اهـ، وفي المحشى هنا كلام لا معنى له.
قوله: ((الخطأ)) وهو عدم مطابقة النسبة الكلامية للخارج أي: إن هذه النسبة المستفادة من الكلام هي في نفسها ليست كذلك فيرجع للكذب، وهذا ظاهر في التصديقات، وأما في التصورات فقد تقدم لك ما فيها.
هذا معنى ما في المحشى أن الخطأ هو كالصواب یکون صفة للحكم ومعناهما غير المطابق للواقع والمطابق له وقد یکونان صفة للفعل ومعناهما غير الموافق للغرض والموافق له اهـ، ولا يخفى أن الكلام على التوزيع.
ثم تفسير الخطأ بما ذكرناه موافقا لما ذكره؛ إنما يستقيم أن لو كان المراد الخطأ في العلم المكتسب بالنظر تصوريا أو تصديقيا ولكن إذا كان الضمير المجرور عائدا على النظر كما صوبناه يکون الخطأ واقعا في نفس النظر فلا يحسن تفسيره بما ذكر، فما قلناه وإن كان حسنا في نفسه لا يوافق المقام، فالأحسن أن يفسر الخطأ بارتكاب ما یوجب خللا في النظر من فساد مادته أو صورته.
قوله: ((لأن الفكر)) أي: الذي هو النظر المكتسب به فيكون الاكتساب كذلك، اهـ محشي.
أراد بالمكتسب به ما يقع به الاكتساب وهو نفس النظر فكأنه قال النظر الكاسب، وأما قوله فيكون الاكتساب كذلك إن أراد به المعنى المصدري أعني تحصيل الطريق الكاسب فهذا أمر اعتباري؛ لأن المعاني المصدرية أمور نسبية اعتبارية فلا توصف بخطأ ولا صواب، وإن أراد الاكتساب بمعنى اسم المفعول أي: العلم المكتسب من النظر فيرد عله أن فساد الدليل لا یوجب فساد المدلول وبالجملة فهذا كلام لا محصل له.
ثم إن قول الشارح لأن الفكر الخ تنبيه وليس استدلالا على المدعى وهو وقوع الخطأ في بعض جزئيات النظر لأن هذه المسئلة بديهية يؤيد ذلك قول الدواني أى قد يقع فيه الخطا كما نشاهده منا ومن غيرنا و يرشد لذلك قول الشارح کیف وقد يناقض لأن الاستفهام تعجبي أي كيف لا يقع الخطأ وكيف يكون الفكر صوابا دائما والحال أن العقلاء يناقض بعضهم بعضا الخ ودائما قيد في المجرور فهو مصب النفي لا جهة للقضية إذ لا داعي لملاحظة جهة الدوام في هذه القضية وإن صلحت لأن تكون دائمة لأن الدوام أعم من الضرورة فيصدق بها و بالإمكان وإن كان الثابت هنا في الواقع الإمكان، تأمل.
قوله: ((يناقض العقلاء بعضهم بعضا))، لا يقال يجوز أن يكون الخطأ لعدم طلبهم الصواب بل مجرد التشكيك كما يعرض في أحوال المناظرة ولذلك وقع في عبارة غيره توصیفهم بالطالبين للصواب لدفع هذه الصورة لأنا نقول استغنى الشارح عن هذا الوصف لإشعار لفظ العقلاء به إذ شأن العاقل طلب الصواب لا التشكيك والتغليظ، نعم قد يضطر في بعض الأحوال لذلك كما قيل:
لئن كنت محتاجا إلى العلم إنني
*
إلى الجهل في بعض المواضع أحوج
لأن هذه حالة ضرورة لا تعتبر.
قوله: ((بل الإنسان)) إضراب عن قوله وقد يناقض العقلاء إلخ وهو للترقي فإن هذه الحالة أظهر لأن اطلاع الشخص على حال نفسه أظهر من اطلاعه على حال غيره.
ثم إن الشارح رحمه الله تعالى أخذ البيان عاما شاملا للتصورات والتصديقات والرازي في شرح الشمسية خصصه بحال التصديقات حيث قال: «فمن واحد يتأدى فكره إلى التصديق بحدوث العالم إلخ»، واعتذروا عنه بأنه لم يتعرض للتصورات لعدم ظهور الخطأ فيها فإن كل تصور معنى من المعاني لا تناقض ولا تمانع بينها إنما التمانع بين الأحكام الضمنية اللازمة لها، وكذلك الكسب فيها غير ظاهر بناء على شبهة الإمام المدعى ضروریتها كلها وما صنعه شارحنا أفيد وأحسن.
قوله: ((أن الناس إلخ)) المصدر المنسبك من أن مع صلتها من مادة خبرها وهو يحتاجون وهو نائب فاعل علم بحذف مضاف والتقدير علم جواب احتیاج الناس أي: جواب السؤال عن ذلك، فإذا قيل في أي شيء يحتاج الناس إلى المنطق يقال في الجواب لعصمة الفكر عن الخطأ، فأي ههنا استفهامية وهي ومجرورها متعلقان بيحتاجون قدما للصدارة.
قوله: ((وذلك)) أي: أن الناس إلخ، وقوله: بيان أي: تبيين الحاجة أي: المحتاج فيه إلى المنطق والمحتاج فيه إلى المنطق وهو العصمة ومحصله أن العصمة تقع جوابا عن سؤال السائل عن الاحتياج إليه.
قوله: ((المستلزم)) مرفوع صفة للبيان وقوله إذ يعلم الخ تعليل لقوله المستلزم.
قوله: ((غاية العالم)) أي: ثمرته المترتبة عليه.
وقوله: والتعريف بالغاية رسم؛ لأن غاية الشيء خاصة من خواصه والتعريف بالخاصة رسم.
قوله: ((والحاصل إلخ)) إجمال للكلام السابق ليربط به «فاحتيج»، وليظهر فائدة التفريع بالفاء.
قوله: ((فاحتيج)) مفرع على قوله وقد يقع فيه الخطأ، وقد استشكل تفريعه عليه بأنه لا يلزم من وقوع الخطأ في النظر الجزئي الاحتياج إلى قانون کلي وذلك لأنه يجوز أن تكفي الفطرة في العصمة ويكون وقوع الخطأ لعدم إعمالها، ويجوز أن تعرف الأنظار الجزئية من غير معرفة قانون کلي فيحترز بتلك المعرفة عن الخطأ.
وأجيب بأن التفريع لظهور عدم كفاية الفطرة إذ بعد إثبات وقوع الخطأ فيه من الإنسان لا وجه لكون الفطرة الإنسانية كافية في ذلك التمييز وإلا لم يتصور وقوع الخطأ فيه من صاحبها فلا حاجة إلى إثبات عدمه، وأما الأنظار الجزئية فإنه يتعذر ضبطها لتكثرها بتكثر الأزمان فلابد من أمر كلي ينطبق عليها.
قال شارح سلم العلوم: إن الأعاظم الماهرين في المنطق ربما يخطئون خطأ لا يكادون ينتبهون له ولا يجديهم المنطق نفعا، كيف والمنطق قد حكم مثلا بانتهاء مقدمات البرهان إلى الضروريات وربما يلتبس الوهمي الكاذب بالضروري فلا يحصل التمييز بينهما باستعمال المنطق وبعد تمييز العقل بين الكاذب الوهمي والضروري لا يحتاج كثيرا إلى المنطق فإذن العاصم ما به يحصل التمييز ما بين الكاذب الضروري وهو الفطرة الإنسانية المجردة عن شائبة مخالطة الوهم وللمنطق إمداد ضعیف بعد هذا التمييز فإليه حاجة ضعيفة.
قوله: ((هذا تعريف المنطق)) المشار إليه قوله قانون يعصم عنه بدلیل قول الشارح وإنما كان المنطق إلخ وجعل المشار إليه قوله وهو المنطق كما قيل بديهي الفساد وما تكلف به في تأويله كلام تمجه الأسماع.
قوله: ((لأن مسائله قوانين كلية)) أي: فتسمية المنطق قانونا من قبل تسمية الكل باسم الجزء.
ولما كانت تلك القوانين مع كثرتها مشتركة في جهة واحدة تضبطها وتصيرها كشيء واحد جعلت قانونا واحدا لأن كل علم مسائل كثيرة لها جهة وحدة مختصة بها تعد علما واحدا، وذلك لأنهم لما حاولوا معرفة أحوال الأشياء بقدر الطاقة البشرية على ما هو المراد بالحكمة وضعوا الحقائق أنواعا وأجناسا وغيرها كالإنسان والحيوان والموجود وبحثوا عن أحوالها المختصة بها وأثبتوها لها بالأدلة فحصلت لهم قضايا کسبية محمولاتها أعراض ذاتية لتلك الحقائق سموها بالمسائل وجعلوا كل طائفة منها ترجع إلى واحد من تلك الأشياء بأن تكون موضوعاتها نفسه أو جزءا له أو نوعا منه أو عرضا ذاتيا له علما خاصا يفرد بالتدوين والتسمية والتعليم نظرا إلى ما لتلك الطائفة على کثرتها واختلاف محمولاتها من الاتحاد في جهة الموضوع أي: الاشتراك فيه على الوجه المذكور .
ثم قد تتحد من جهات أخر المنفعة والغاية ونحوهما ويؤخذ لها من بعض تلك الجهات ما يفيد تصورها من حيث الإجمال ومن حيث أن لها وحدة فيكون حدا للعلم إن دل على حقيقة مسماه أعني ذلك المركب الاعتبار كما يقال هو علم يبحث فيه عن كذا أو علم بقواعد كذا وإلا فرسما كما يقال هو علم يقتدر به على كذا أو يحترز عن كذا أو يكون آلة لكذا.
فظهر أن الموضوع هو جهة وحدة مسائل العلم الواحد نظرا إلى ذاتها وإن عرضت لها جهات أخر كالتعريف والغاية وأنه لا معنى لكون هذا علما وذاك علما آخر سوى أنه يبحث عن أحوال شيء مغاير له بالذات أو الاعتبار فلا يكون تمايز العلوم في أنفسها وبالنظر إلى ذواتها إلا بحسب الموضوع وإن كانت تتمايز عند الطالب بما لها من التعريفات والغايات ونحوها هذا حديث إجمالي في جهة وحدة العلم تفصيله في الكتب المبسوطة وقد أفرد بالتدوين.
قوله: ((كلية منطبقة على جزئیات)) الوصفان کاشفان لدخولهما في مفهوم الموصوف وهو الكلية والمراد بالجزئيات جزئیات لها زيادة تعلق بتلك القضية بأن يتوقف صدقها على وجودها وهی جزئیات موضوع الموجبة ضرورة أن صدق السالبة لا يتوقف على وجود موضوعها وصدق الشرطية لا يتوقف على وجود موضوع طرفيها فخرجت السالبة الكلية من تعريف القانون كالشرطية فوافق ما تقرر عندهم أن أجزاء الفن قضایا حمليات موجبات كليات، وإن قال عبد الحكيم السالبة من القوانين وعلل ذلك بأن استنباط الفروع كما يكون من الموجبات يكون من السوالب.
ثم إن فسر الانطباق بالحمل فالمراد بالجزئيات أفراد ذلك المفهوم الكلي الذي هو موضوع القانون مثلا إذا قيل كل فاعل مرفوع مفهوم فاعل وهو من قام به الحدث أمر كلي وله أفراد واقعة التراكيب كقام زيد وسافر عمرو إلخ ولا خفاء في صحة حمل ذلك المفهوم الكلي على تلك الأفراد فإنك تقول زید من قام زید فاعل وعمرو من سافر عمرو فاعل إلخ.
وإن فسر بالاشتمال فالمراد بالجزئیات فروع تلك القاعدة تشبيها لها بالجزئيات في الاندراج على خلاف ما هو الشائع من إطلاق الجزئيات على أفراد الكلي.
والمراد باشتمال القاعدة على تلك الفروع وجودها فيها بالقوة لا بالفعل، فإن الحاصل بالفعل ليس إلا حكم واحد وهو الحاصل في حمل محمول القضية على موضوعها.
ثم إن الشارح حذف قيد التعرف لظهوره ولدلالة قوله كما إذا حاولنا إلخ، قال بعض الفضلاء وفي صيغة التفعل أي: قولهم بتعرف إشارة إلى أن تلك المعرفة بالكلفة والمشقة، فخرج من التعريف القضية الكلية التي تكون فروعها بديهية غير محتاجة إلى التخريج كقولنا الشكل الأول منتج فيكون ذكرها في الفن بطريق المبدئية لمسائل أخرى.
Hal 40
قوله: ((كما إذا علم إلخ)) لا ارتباط له بما قبله إلا بتقدير ليتعرف أحكامها منها الذي هو بقية تعريف القانون، والكاف لمجرد قران الفعلين في الوجود كما في الرضي ونظيره قولهم فإن الفكر كما يجري في التصورات يجري في التصديقات والفعلان هما علم المذكور مرتين.
قال السيد استخراج تلك الفروع من القاعدة يسمى تفريعا وذلك بأن يحمل موضوعها أعني الفاعل على زيد مثلا فيحصل قضية وتجعل صغرى وتلك القضية الكلية كبرى هكذا زيد فاعل وكل فاعل مرفوع فينتج زيد مرفوع، فقد خرج بهذا العمل هذا الفرع من القوة إلى الفعل وقس على ذلك اهـ.
قوله: ((علم أن كل إنسان إلخ)) أي: علم ذلك بالقوة القريبة من الفعل لأن هذا العلم حاصل له من العلم الأول بل المعنى تمكن من أن يعلم وذلك كأن يقول كل إنسان حيوان موجبة كلية وكل موجبة كلية تنعكس موجبة جزئية فكل إنسان حيوان تنعكس موجبة جزئية.
قوله: ((فإن قلت)) هذا السؤال مجرد استفسار عن صحة وصف المنطق بالعصمة يدل عليه قوله فكيف يطلق وليس من قبيل المنوع إذ لا دليل ومنع الدعوى الضمنية التي تضمنها قوله يعصم وهو أن المنطق عاصم غير مسموع إذ لا تمنع الدعوى قبل الاستدلال أما بعده فاستعمال المنع فيها مجاز كما قرره.
قوله: ((هذا الإطلاق مجازي)) أي: إطلاق العصمة على المنطق ولو عبر بالإسناد لكان أحسن، ومحصله أن إسناد العصمة للمنطق من قبيل الإسناد للسبب فهو مجاز عقلي والإسناد الحقيقي إنما هو للمراعاة.
وقول المحشي التحقيق أن العاصم هو الله إن أراد أن العاصم هو الله بالنسبة للحقيقة أي: الواقع فجميع الأفعال كلها مخلوقة له سبحانه فهو فاعل في الحقيقة أي: بالنسبة للواقع وهذا غير منظور إليه بل المنظور إليه في الإسناد الفاعل الظاهر كما قال السكاكي إن الحدث الذي يظهر فاعله ينسب إليه والذي لا يظهر ينسب إلى ذاته تعالى اهـ، ولا خفاء أن الفاعل الظاهري للعصمة هو المراعاة ولو التفتنا للواقع لا نسد باب الحقيقة العقلية.
قوله: ((وفيه من التأكيد)) فإن إسناد العصمة إليه أزيد تأكيدا في الاحتياج إليه من إسنادها للمراعاة، وقوله وللمبالغة أي: في الاحتياج إليه وهو بمعنى ما قبله.
قوله: ((وإنما كان الشروع إلخ)) هذا إيفاء بما وعد به سابقا بقوله وستعرف وجه توقف الشروع إلخ وهذا ما ذكره القوم، وقد اعترض عليهم المصنف في شرح الأصل قائلا إن المفهوم من توقف الشروع على الشيء أنه لا يمكن الشروع بدونه، وظاهر أن شيئا مما ذكر لا يدل على التوقف بهذا المعنى ألا ترى أن كثيرا من الطلبة يحصل كثيرا من العلوم الأدبية كالنحو وغيره مع الذهول عن رسمها وغاياتها لأن كون الطالب على بصيرة مما له معنى محصل يقتضي الاقتصار على ما قصدوه وعلى هذا لا يصلح تعريف المقدمة بما يتوقف عليه الشروع على وجه البصيرة ولأن تمييز العلم عند الطالب لا يتوقف على بيان الموضوع بل يحصل بجهات أخر، نعم تمايز العلوم في أنفسها إنما يكون بتمايز الموضوعات والفرق ظاهر.
قوله: ((لو لم يعلم الغرض من العلم)) كل مصلحة وحكمة تترتب على فعل يسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته وفائدة من حيث ترتبها عليه فيختلفان اعتبارا ويعمان الأفعال الاختيارية وغيرها، وأما الغرض فهو ما لأجله إقدام الفاعل على فعله ويسمى علة غائية ولا يوجد في أفعاله تعالى وإن جمت فوائدها.
وقد يخالف الغرض فائدة الفعل كما إذا أخطأ في اعتقاده قاله السيد في حواشي الشرح العضدي للمختصر، فقول الشارح لو لم يعلم الغرض إلخ أي: يعتقد إما جزما أو ظنا الغرض من العلم أي: الفائدة التي لها مزيد اختصاص به بأن يكون تدوينه لأجلها لكان طلبه عبثا، وهذا كلام مجمل تفصيله ما قاله السيد أن الشروع في العلم فعل اختياري فلابد أن يعلم أولا أن لذلك العلم فائدة ما وإلا لامتنع الشروع فيه كما بين في موضعه.
ولابد أن تكون تلك الفائدة معتدا بها بالنظر إلى المشقة التي تكون في تحصيل ذلك العلم وإلا لكان شروعه فيه وطلبه له يعد عبثا عرفا وبذلك يفتر جده قطعا.
ولابد أن تكون الفائدة هي الفائدة التي تترتب على ذلك العلم إذ لو لم تكن إياها لربما زال اعتقاده بعد الشروع فيه لعدم المناسبة بينهما فيصير سعيه في طلبه عبثا وفي نظره ضلالا، وأما إذا علم الفائدة المعتد بها المترتبة عليه فإنه تتكمل رغبته فيه ويبالغ في تحصيله كما هو حقه ويزداد ذلك الاعتناء بعد الشروع بواسطة مناسبته لتلك الفائدة اهـ.
لا يقال يجوز أن يعتقد بعد زوال الاعتقاد الأول فائدته المترتبة عليه وتكون مهمة له فيسعى في تحصيله لأجل هذه الفائدة فلا يصير سعيه السابق عبثا لأنا نقول هذا لا يضر لأن قوله فيصير أيضا داخل تحت ربما وإذا صار سعيه السابق عبثا علم أنه لم يكن على بصيرة في شروعه.
وقول المحشي بعد أن ذكر بعضا مما ذكرناه عن السيد وبه تعلم ما في كلام الشارح أراد به الإجمال الذي فصلناه، وقول من تعقبه بعد أن لفق كلاما من السيد وعبد الحكيم وبما حررناه عند التدبر يظهر أن كلام الشارح ليس فيه شيء اهـ ليس بشيء ولست أدري أي شيء حرره بل ما ذكره مجرد تلفيق.
قوله: ((حصل له العلم الإجمالي)) حصولا بالقوة القريبة من الفعل فإن من تصور المنطق بأنه آلة قانوية إلخ حصل عنده مقدمة كلية هي أن كل مسئلة منه لها مدخل في تلك العصمة ويتمكن بسبب معرفة تلك المقدمة الكلية من علم مسائله وتمييزها عن غيرها تمكنا تاما فإذا ورد عليه مسئلة معينة لها مدخل في تلك العصمة تمكن من أن يعلم أنها من المنطق لوجود قياس عنده هو أن هذه المسئلة لها مدخل في العصمة عن الخطأ في الفكر وكل مسئلة كذلك فهي من المنطق فهذه مسئلة من المنطق وقس على ذلك بقية العلوم.
قوله: ((علم أنها منه)) أي: تمكن من علمها تمكنا تاما بواسطة المقدمة التي حصلها من التعريف فينتظم عنده القياس السابق.
قال عبد الحكيم والتمكن المذكور لا ينافي عدم حصول التمييز بالفعل في بعض المسائل كما أن التمكن من الاجتهاد لا ينافي وقوع لا أدري في بعض المسائل من المجتهد وهذا التمكن منشؤه كون التعريف مأخوذا من جهة الوحدة التي تشترك فيها جميع المسائل.
قوله: ((وموضوعه)) قال مير زاهد ذهب المتقدمون إلى أن موضوعه المعقولات الثانية من حيث إنها توصل إلى المجهول وعدل المتأخرون عنه إلى ذلك لأن كثيرا ما يبحث في المنطق عن نفس المعقولات الثانية كالذاتية والعرضية والمبحوث عنه في العلم هو أحوال الموضوع لا نفسه، وأنت خبير بأنه لا يبحث في المنطق عن المعقول الثاني من حيث هو معقول ثان بل من حيث هو أحوال معقول ثان آخر مثلا يبحث عن أحوال الذاتية والعرضية من حيث إنهما من أحوال الكلية التي هي من المعقولات الثانية.
ثم المعلوم التصوري والتصديقي مفهومهما لا يصح لأن يبحث عنه من حيث الإيصال على الوجه الكلي وكذا ما صدقا عليه من المعقولات الأولى كا يظهر بالتأمل الصادق فلابد ههنا من رجوعهما إلى المعقولات الثانية.
ومما ينبغي أن يعلم أن المعقول الثاني وهو ما يكون الذهن فقط ظرفا لعروضه على قسمين: الأول أن لا يكون الوجود الذهني شرطا للعروض كالوجود والشيئية ونحوهما، والثاني أن يكون شرطا له كالكلية والجزئية ونظائرهما وموضوع المنطق هو القسم الثاني اهـ.
واعلم أن موضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية والعوارض الذاتية هي التي تلحق الشيء لذاته كالتعجب اللاحق لذات الإنسان أو لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان بواسطة أنه حيوان أو تلحقه بواسطة أمر خارج عنه مساو له كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب، سميت أعراضا ذاتية لاستنادها إلى ذات المعروض.
وأما العارض لأمر خارج أعم من المعروض كالحركة اللاحقة للأبيض بواسطة أنه جسم وهو أعم من الأبيض وغيره والعارض للخارج الأخص كالضحك العارض للحيوان بواسطة أنه إنسان وهو أخص من الحيوان والعارض بسبب المباين كالحرارة العارضة للماء بسبب النار وهي مباينة للماء تسمى أعراضا غريبة لما فيها من الغرابة بالقياس إلى المعروض والعلوم لا يبحث فيها إلا عن الأعراض الذاتية لموضوعاتها كذا قالوا.
وفي حاشية السيد طريقة المتأخرين أنهم يجعلون اللاحق بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الذاتية التي يبحث عنها في العلم وليس بصحيح بل الحق أن الأعراض الذاتية ما يلحق الشيء لذاته أو لما يساويه سواء كان جزءا له أو خارجا عنه انتهى.
ومعنى البحث في العلم عن تلك الأعراض حملها على موضوع العلم حمل مواطأة إذ هو الحمل المعتبر في المسائل كقولنا في النحو كالكلمة إما معرب وإما مبني أو على أنواعه كقولنا الحروف كلها مبنية أو على أعراضه الذاتية كقولنا الإعراب إما لفظي أو تقديري أو على أنواع أعراضه الذاتية كقولنا الإعراب اللفظي إما رفع أو نصب أو جر.
ثم إن ههنا سؤالا مشهورا وهو أنه إذا كان العرض الأولى وهو اللاحق للشيء لذاته يكون بين الثبوت له فلا يكون إثباته مطلوبا في العلم لوجوب كون المسائل نظرية.
وأجابوا بأن انتفاء الواسطة في الثبوت في الواقع لا يستلزم انتفاء الواسطة في الإثبات أي: العلم بالثبوت فيجوز أن يكون العارض لذاته غير بين الثبوت فيطلب في العلم بالبرهان.
قوله: ((المعلوم التصوري إلخ)) إن أريد مفهوم المعلومين لزم أن يكون الإيصال إلى الأمور المذكورة عرضا غريبا لأنه لا يعرض لمفهوم المعلومين إلا بواسطة أمر أخص واللاحق بواسطة الأمر الأخص عرض غريب والأعراض الغريبة لا يبحث عنها في العلم مثلا الإيصال إلى كنه الحقيقة إنما يعرض للمعلوم التصوري بواسطة كونه حدا والإيصال إلى المجهول التصديقي إنما يعرض للمعلوم التصديقي بواسطة كونه حجة، وإن أريد ما صدق عليه المعلومات أي: أفرادها لزم أن تكون جميع الحدود والحجج المستعملة في العلوم موضوع المنطق، وظاهر أنه لا يبحث عن أحوالها.
والجواب باختيار الشق الثاني وأن المراد هذه الماصدقات من حيث إنها توصل إلى تصور ما وتصدق ما لا إلى تصور أو تصديق مخصوص فهي موضوعة على وجه الإطلاق والإجمال وأما الحدود والحجج المستعملة في العلوم فإنها توصل إلى تصور مخصوص وتصديق مخصوص.
وفي حاشية قول أحمد على الفناري فإن قيل ليس في المنطق مسئلة محمولها الإيصال أو ما يتوقف عليه الإيصال قيل إذا حكم على المعلوم التصوري بأنه حد أو رسم كان معناه أنه موصل إلى المجهولات التصورية بلا واسطة وقس اهـ.
وأقول: قد يقع الإيصال محمولا كما يقال الحد موصل إلى كنه الحقيقة والرسم موصل لامتيازها عن غيرها مثلا.
قوله: ((كالحيوان والناطق مثلا)) الكاف لإدخال بقية الحدود التامة ومثلا لإدخال بقية المعرفات.
قوله: ((لا مطلقا)) إشارة إلى أن الحيثية هنا للتقييد كقولهم الإنسان من حيث إنه يصح وتزول عنه الصحة موضوع علم الطب كذا في الحاشية وهو فاسد لأنه يلزم أن يكون المبحوث عنه المعلومين المذكورين مع قيد الحيثية وقد تقرر أن موضوع الفن يجب أن يؤخذ في الفن مسلما فيكون معلوم الثبوت من خارج وإذا اعتبر الإيصال قيدا في الموضوع كان كذلك والفرض أن الإيصال هو المبحوث عنه أي: المطلوب إثباته للمعلومين في علم المنطق ولذلك قال السيد المنطقي لا يبحث عن جميع أحوال المعلومات التصورية والتصديقية بل عن أحوالها باعتبار صحة إيصالها إلى مجهول وتلك الأحوال هي الإيصال وما يتوقف عليه الإيصال اهـ.
فإن قوله باعتبار صحة إيصالها إشارة إلى أن قيد الموضوع صحة الإيصال، وقوله وتلك الأحوال هي الإيصال إلخ إشارة إلى المحمولات.
والحاصل أن قيد الموضوع هو صحة الإيصال والمحمول هو الإيصال بالفعل لا أنه قيد الموضوع وفي حاشية مير زاهد أن الحيثية تتعلق بيبحث تعليلا أو تقييدا.
قوله: ((من حيث إن ذلك المعلوم إلخ)) جعل النشر على ترتيب اللف وأرجع الضمير في يوصل إلى المعلوم التصوري بالنسبة إلى المطلوب التصوري وإلى المعلوم التصديقي بالنسبة إلى المطلوب التصديقي وهو يقتضي خروج البحث عن المعلوم التصوري من حيث الإيصال إلى المطلوب التصديقي وعن المعلوم التصديقي من حيث الإيصال إلى المطلوب التصوري وهذا مبني على ما هو الحق من منع اكتساب أحدهما من الآخر ولهم ههنا كلام متهافت أعرضنا عن تفتيشه.
قوله: ((فانحصر المقصود الأصلي)) ينبغي أن يعلم أولا أن أقسام الموصل إلى التصور أو التصديق المبحوث عنها في المنطق خمسة: الموصل القريب إلى التصور وهي المعرفات، والموصل القريب إلى التصديقات وهي الحجج، والموصل البعيد إلى التصور وهو بعض الكليات الخمس، والموصل البعيد إلى التصديق وهو القضايا، والموصل الأبعد إليه وهو الموضوعات والمحمولات والمقدمات والتوالي، ولم يذكروا في الموصل إلى التصور موصلا أبعد وفي بحث مذكور في الحواشي الفتحية مع جوابه.
إذا علمت هذا فقول المصنف سابقا من حيث يوصل إلى مطلوب تصوري إلخ إن أراد الإيصال القريب أشكل بالموصل البعيد في التصور والبعيد والأبعد في الحجج فلم يدخلا في كلامه وإن أراد الأعم أشكل قوله فيسمى معرفا وقوله فيسمى حجة لأن المسمى بذلك إنما هو الموصل القريب فيهما.
والجواب أنا نختار الشق الأول وندفع المحذور بأن ما اشتهر من تفصيل أقسام الموضوع بجعل المعلوم التصوري أو التصديقي يوصل إيصالا بعيدا كما في كذا وقريبا كما في كذا مبني على ما هو الظاهر من مسائل الفن وللمصنف أن يرجعها إلى الموصلين القريبين لنكتة هي رعاية ضم النشر مع رجحان جانب المعنى على جانب اللفظ في نظر البلغاء وهذا معنى قول الدواني ولعل ذلك تصرف منه بضم النشر وإرجاع جميع المباحث إلى الموصل القريب حتى يكون قولهم الجنس كذا في قوة أن الحد يتألف من الأمر الذي هو كذا أو المعرف جزؤه كذا.
وبعضهم أجاب بأن مباحث الموصل البعيد والأبعد خارجة عن الفن مذكورة على سبيل المبدئية والاستطراد ولا يخفى بعده كل البعد.
أو نختار الشق الثاني مع اعتبار الاستخدام في ضميري يسمى معرفا ويسمى حجة أو حمل قوله ويسمى حجة ويسمى معرفا على تفسيرهما بالأعم بناء على أن المقصود تمييز كل منهما عن الآخر لا عن جميع الأغيار على ما جوزه المحققون أو حمل قوله ويسمى معرفا ويسمى حجة على الوقتيتين دون الدائمتين أي: يسمى الموصلان المطلقان معرفا وحجة في وقت كونهما قريبين وفيه ركاكة وحزازة لأن التسمية في مثل هذه العبارة من قبيل التسمية في الأعلام ولا يخفى أن التسمية في الأعلام دائمة غير مقيدة بوقت دون وقت على أن معنى الوقتية لا يفهم من العبارة أصلا فلو حمل القولان على المطلقتين العامتين لكان أولى وأظهر من حيث اللفظ.
وأن علم المنطق منحصر في قسمين التصورات والتصديقات ولكل منها مبادئ ومقاصد فالأجزاء أربعة والمقصود منها جزآن هما مقاصد التصورات والتصديقات وهم القول الشارح والقياس.
وأما مباحث الألفاظ فليست من علم المنطق وإن ذكرت فيه ولذلك قال السيد والأولى أن تجعل مباحث الألفاظ أيضا من المقدمة لتوقف استفادة العلم وإفادته على معرفة أحوال الألفاظ.
فإذا علمت هذا كله فقول الشارح فانحصر المقصود الأصلي إلخ هذا الحصر مستفاد من تقسيم الموصل إلى القسمين والاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر كما نبهوا عليه وهو من حصر الكل في أجزائه أي: الموصل القريب منحصر في هذين الجزأين وهما القول الشارح والحجة.
وقوله من هذا الفن، من تبعيضية فإن ذلك المقصود بعض علم المنطق والبعض الآخر هو مبادئ ذلك المقصود وليست للبيان لاقتضائه حصر علم المنطق في هذين الجزأين وهو باطل.
وقوله الأصلي احتراز عن المقصود التبعي وهما الجزآن الآخران اللذان هما مبادئ التصورات ومبادئ التصديقات وهو قرينة على أنه حمل الإيصال في كلام المصنف على الإيصال القريب إذ لو حمله على مطلق الإيصال قريبا كان أو بعيدا لما ساغ له دعوى الانحصار في الجزأين وحينئذ يرد الإشكال السابق، فيجاب عنه بالأجوبة المنوطة باختيار الشق الأول وهذا هو تحقيق المقام لا ما قيل هنا من الأوهام.
قوله: ((وإنما كان المعلوم إلخ)) هذا عكس ظاهر كلام المصنف إلا أنه لازم له وما قيل هنا إن بعكس النتيجة ينتج كلام المصنف لا يتم لأن الموجبات تنعكس جزئية وهي غير صحيحة هنا، تأمل.
ثم إن بعض الحواشي لفق كلمات من الدواني وعبد الحكيم ومزجها مزجا أذهب رونقها وأخفى مشرقها.
وأنا أتبرع لك بخلاصة كلام الفاضلين مع ضميمة ما يحتاج لشرحه إن شاء الله تعالى حتى يتبين لك ما ادعيته وهو أنهم عرفوا موضوع العلم بما يبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية وتقدم لك تفصيل ذلك وأن من جملة الصور جعل نوع الموضوع موضوعا فإنه ما من علم إلا ويبحث فيه عن الأحوال المختصة بأنواع الموضوع كما يبحث في العلم الطبيعي عن الأحوال المختصة بالمعادن والنبات والحيوان فيكون بحثا عن الأعراض الغريبة للحوقها بواسطة أمر أخص وما يلحق الشيء بعد تحققه نوعا ليس عرضا ذاتيا لذلك الشيء على ما صرح به الشيخ وغيره. وأيضا قد تثبت تلك الأحوال للعرض الذاتي للموضوع أو لأنواعه فيلزم خروج هاتين الصورتين.
وأجاب الدواني بأن كلامهم مجمل ينزل على تفصيل ذكره بقوله وذلك البحث إما بأن يجعل موضوع العلم بعينه موضوع المسألة ويثبت له ما هو عرض ذاتي له كالجسم الطبيعي في قولهم كل جسم فله حيز طبيعي فإن الجسم الطبيعي موضوع العلم الطبيعي القسيم للعلم الرياضي والعلم الإلهي أو يجعل نوعه موضوع المسئلة ويثبت له ما هو عرض ذاتي له كالحيوان في قولهم كل حيوان فله قوة اللمس فإن الحيوان نوع من الجسم الطبيعي أو يثبت له أي: للنوع ما يعرضه لأمر أعم بشرط أن لا يتجاوز في العموم عن موضوع العلم كما صرح به ناقد المحصل كقول الفقهاء كل مسكر حرام فإن موضوع علم الفقه إنما هو أفعال المكلفين وشرب المسكر نوع منها أثبت له الحرمة اللاحقة لأمر أعم منه هو كونه منهيا عنه.
وإنما اشترط هذا الشرط لئلا يكون المحمول بالنسبة إلى موضوع العلم من الأعراض الغريبة أو يجعل عرضه الذاتي أو نوعه موضوع المسئلة ويثبت له العرض الذاتي له أو لما يلحقه لأمر أعم بالشرط المذكور كقولهم كل متحرك بحركتين مستقيمتين لابد وأن يسكن بينهما فقولهم ما يبحث عن أعراضه الذاتية مجمل مفصله ما ذكرناه اهـ، أي: وليس معناه على ما يفهم منه الإجمال بأن يكون المعنى ما يبحث عن أعراضه الذاتية في الجملة.
ثم إن قوله أو يجعل عرضه الذاتي أو نوعه إلخ كلام موجز يحتوي على أربع صور: الأولى أن يجعل عرضه الذاتي موضوع المسئلة ويثبت له العرض الذاتي كقولهم كل حركة تنطبق على الزمان.
والثانية أن يجعل العرض الذاتي موضوع المسئلة ويثبت له ما يلحقه لأمر أعم كقولهم كل حركة تنقسم إلى غير النهاية.
والثالثة أن يجعل نوع العرض الذاتي موضوع المسئلة ويثبت له عرض ذاتي له ومثاله ما ذكره من المثال فإن المتحرك بالحركتين المستقيمتين نوع العرض الذاتي والسكون بينهما عرض ذاتي له.
والرابعة أن يجعل نوع العرض الذاتي موضوع المسئلة ويثبت له ما يلحقه بواسطة الأمر الأعم كقولهم كل حركة بطيئة لا يتخلل السكون بينها.
قال الفاضل عبد الحكيم بعد أن نقل خلاصة كلام الدواني الذي بسطناه موضحا ولا خيفى عليك أنه يلزم حينئذ أي: حين إذ فصل الإجمال بهذا التفصيل دخول العلم الجزئي في العلم الكلي كعلم الكرة المتحركة في علم الكرة وعلم الكرة في العلم الطبيعي لأنه يبحث فيها أي: في تلك العلوم عن العوارض الذاتية لنوع الكرة أو للجسم الطبيعي أو لعرضه الذاتي أو لنوع عرضه الذاتي.
والذي اختاره ذلك الفاضل في دفع الإشكال أن معرفة الجزئيات بخصوصها لما كانت متعذرة أخذوا المفهومات الكلية الصادقة عليها ذاتية كانت أو عرضية وبحثوا عن أحوالها من حيث انطباقها عليها.
ولما كانت تلك الأحوال متكثرة منتشرة وضبطها على هذا الوجه عسر اعتبروا الأحوال الذاتية لمفهوم دون مفهوم وجعلوها علما منفردا بالتدوين وعمموا الأحوال الذاتية وفسروها بما يكون محمولا على ذلك المفهوم إما لذاته أو لجزئه الأعم أو المساوي فإن له اختصاصا بالشيء من حيث كونه من أحوال مقومه أو الخارج المساوي له سواء كان شاملا لجميع أفراد ذلك المفهوم على الإطلاق أو مع مقابلة التضاد أو العدم والملكة دون مقابلة السلب والإيجاب إذ المتقابلان تقابل الإيجاب والسلب لا اختصاص لهما بمفهوم دون مفهوم ضبطا للانتشار بقدر الإمكان فأثبتوا الأحوال الشاملة على الإطلاق لنفس الموضوع والشاملة مع مقابلها لأنواعه واللاحقة للخارج المساوي لأعراضه الذاتية.
ثم إن تلك العوارض الذاتية لها عوارض ذاتية شاملة لها على الإطلاق أو على التقابل فأثبتوا العوارض الشاملة على الإطلاق لنفس الأعراض الذاتية والشاملة على التقابل لأنواع تلك الأعراض وكذلك عوارض تلك العوارض، وهذه العوارض في الحقيقة قيود للأعراض المثبتة للموضوع أو لأنواعه إلا أنها لكثرة مباحثها جعلت محمولات على الأعراض.
وهذا تفصيل ما قالوا معنى البحث عن الأعراض الذاتية أن تثبت تلك الأعراض لنفس الموضوع أو لأنواعه أو لأعراضه الذاتية أو لأنواعها أو أعراض أنواعها.
وبما ذكرنا اندفع ما قيل إنه ما من علم إلا ويبحث فيه عن أحواله المختصة بأنواعه فيكون بحثا عن الأعراض الغريبة للحوقها بواسطة أمر أخص كما يبحث في الطبيعي عن الأحوال المختصة بالمعادن والنبات والحيوان وذلك لأن المبحوث عنه في الطبيعي أن الجسم إما ذو طبيعة أو ذو نفس آلي أو غير آلي وهي من عوارضه الذاتية والبحث عن الأحوال المختصة بالعناصر وبالمركبات التامة أو غير التامة كلها تفصيل لهذه العوارض وقيود لها اهـ، وهو كلام محرر إلا أن فيه خفاء نوضحه لك وهو أن معنى قوله سواء كان شاملا لجميع أفراد ذلك المفهوم إلخ أنه اعتبر في العرض الذاتي شموله لجميع أفراد الموضوع إما على الانفراد أو على سبيل التقابل فكل محمولات المسائل مع مقابلاتها أعني محمولات المسائل الأخر شامل لجميع أفراد موضوع العلم فيكون عرضا ذاتيا له.
مثال شمول العرض الذاتي على سبيل الانفراد كل جسم متحيز فإن التحيز وحده شامل لجميع أفراد الجسم بدون أن يعتبر معه مقابله أو شموله مع مقابله بمعنى أنه إذا لوحظ وحده لا يكون شاملا فإن لوحظ مع مقابله تحقق الشمول سواء كان التقابل بينه وبين ذلك المقابل تقابل الضدين أو تقابل العدم والملكة.
مثال العرض الذاتي الشامل على سبيل التقابل قولنا كل خط إما منحن وإما مستقيم فالتقابل بين الاستقامة والانحناء تقابل التضاد ولا شك أن مجموع الأمرين عرض شامل لجميع أفراد الخطوط، وأما الاستقامة وحدها أو الانحناء وحده فلا.
ومثال العرض الذاتي الشامل على سبيل تقابل العدم والملكة العدد إما زوج أو فرد فالتقابل بين الفردية والزوجية تقابل العدم والملكة ولا شك في شمول العرض الذاتي في هذين المثالين للموضوع مع اعتبار التقابل لا أحدهما فقط.
وأما التقابل على طريق السلب والإيجاب فغير معتبر لما قال إذ المتقابلان تقابل الإيجاب وةالسلب لا اختصاص لهما بمفهوم دون مفهوم.
مثلا قولنا الجوهر إما ممكن أو لا ليس فيه شمول لأن كلا من الإمكان وسلبه لا يختصان بالجوهر إذ يجريان في العرض أيضا.
والحاصل أننا نعتبر في المتقابلين على الوجه المذكور أن يكون كل واحد منهما محمولا مع ما يقابله إذا أخذ على وجه الترديد كالأمثلة المذكورة.
وقوله آلي أو غير آلي بمد الهمزة وتشديد الياء نسبة للآلة تعميم في قوله أو ذو نفس بمعنى أن الجسم ذا النفس تارة يكون آليا كالحيوان فإن له آلة المشي والنطق في الإنسان الذي هو نوع منه والقوى الدراكة وغير ذلك، وتارة يكون غير آلي كالنبات فإنهم أثبتوا له نفسا.
وقوله وبالمركبات التامة أو غير التامة لا تتوهم أن المراد بها المركبات في الأقوال بل المركبات من العناصر وهي المولدات الثلاث أعني الحيوان والمعدن والنبات فإنهم قسموا المركب إلى تام وغير تام وشرح ذلك مع إثبات أن للنبات نفسا مما يطول به الكلام فليطلب من الكتب الحكمية وقد أشبعنا فيه القول في شرحنا لنزهة الأذهان في علم الطب.
وبقي جوابان آخران عن الإشكال:
الأول أنه يجوز أن يكون البحث في العلوم عن الأحوال المختصة بأنوع موضوع العلم واقعا على سبيل التطفل.
الثاني أنه يجوز أن يكون البحث عنها راجعا إلى البحث عن الأحوال المشتركة التي هي أعراض ذاتية لموضوعات العلوم لتضمنها إياها استطرادا وتبعا لا أصالة.
قال أبو الفتح وهذان الاحتمالان وإن كانا غير ظاهرين لكن ضم النشر أحسن فللمتأخرين أن يرتكبوا أحد التأويلين ترجيحا لضم النشر.
ثم لابد من التبرع لك بفائدة جليلة يتضح لك بها قول عبد الحكيم: إنه يلزم حينئذ دخول العلم الجزئي في العلم الكلي وبيان ذلك أن العلم الطبيعي باحث عن الأجسام الطبيعية من حيث هي والجسم بهذه الحيثية كلي تحته أنواع، فالكرة مثلا نوع منه وكون تلك الكرة متحركة نوع من مطلق كرة، فالعوارض اللاحقة للجسم من حيث هو جسم تحمل على موضوع العلم الطبيعي وهو الجسم من حيث هو والعوارض اللاحقة له باعتبار كونه كرة تحمل على ذلك الجزئي الذي هو فرد من أفراد مطلق جسم فيقال للمسائل التي موضوعها الكرة علم جزئي باعتبار اندراجها تحت المسائل الباحثة عن الجسم من حيث هو وكذلك الحال في الكرة المتحركة، فهذه علوم ثلاثة كل واحد منها أعم مما تحته باعتبار اندراج بعضها في بعض فالمندرج فيه علم كلي والمندرج علم جزئي.
والمراد بالعلم ههنا التصديقات المتعلقة بتلك المسائل لا نفس الإدراك ولا الملكة كما قد يتوهم وإن كنت في ريب مما تلوناه عليك، فتدبر قول الفارابي في التعليقات العلم الطبيعي له موضوع يشتمل على جميع الطبيعيات ونسبته إلى ما تحته نسبة العلوم الكلية إلى العلوم الجزئية وذلك الموضوع هو الجسم بما هو الجسم وبما هو متحرك أو ساكن والمبحوث فيه وعنه هو الأعراض اللاحقة من حيث هو كذلك لا من حيث هو جسم فلكلي أو عنصري.
ثم النظر في الأجسام الفلكية والأسطقسية نظر أخص فإن النظر المعتبر في موضوع هذا الجسم هو جسم مخصوص لا الجسم المطلق، ثم يتبع ذلك النظر فيما هو أخص منه وهو النظر في الأجسام الأسطقسية مأخوذة من المزاج وما يعرض لها من حيث هي كذلك ثم يتبع ذلك النظر فيما هو أخص منه وهو النظر في الحيوان والنبات وهناك يختم العلم الطبيعي اهـ.
ويكفيك في البيان هذا القدر فإن أردت الزيادة فعليك بكتب الحكمة فإنهامحل لذلك وإنما ذكرنا هذه النبذة ليظهر لك ما ادعيناه أن بعض الحواشي هنا عول على مجرد نقل الكلام بدون إفصاح عن المرام.
قوله: ((وتلك الحيثية)) قال مير زاهد مما ينبغي أن يعلم أن الحيثية المعتبرة في الموضوعات ليست علة للحوق الأعراض الذاتية ولا قيدا لمعروضاتها بل علة للبحث عنها، وقيد لمعروضاتها في نظر الباحث مثلا الإيصال في موضوع المنطق ليس شرطا لعروض الجنسية والفصلية ونحوهما بأن يكون متمما لعلتها الفاعلية ولا قيدا لمعروضاتها بأن يكون لعلتها القابلة بل هي سبب للبحث أو قيد للموضوع في نظر الباحث اهـ.
وبذلك يظهر ما ادعيناه سابقا في كلام المحشي من الفساد فتذكر.
قوله: ((توقف الشروع)) أي: الشروع على زيادة البصيرة أخذا من قوله إن العلوم لا تتميز زيادة تميز إلخ فإن أصل التمييز حاصل بالتعريف وذلك لأن تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات فإن تمايزا بالذات كان تمايز العلمين كذلك كعلم أصول الفقه وعلم الفقه وإن تمايزا بالاعتبار كما في العلوم الأدبية كان تمايز العلمين كذلك ومن التمايز الاعتباري القول في أجرام العالم فإنها من حيث الشكل ككونها كروية مثلا موضوع علم الهيئة ومن حيث الطبيعة ككون بعضها أجساما بسيطة وبعضها أجساما غير بسيطة موضوع قسم بحث السماء والعالم من العلم الطبيعي.
قال عبد الحكيم: ولذلك قد يتفق اتحاد بعض المسائل في العلمين بالموضوع والمحمول ويختلفان بالبرهان كالقول بأن الأرض مستديرة اهـ، يعني أن القول باستدارة الأرض مبحوث عنه في علم الهيئة ومبحوث عنه في العلم الطبيعي لكنه في الهيئة يثبت بالبرهان الإني وفي الطبيعي بالبرهان اللمي وتمام ذلك في تعليقاتنا على شرح القاضي زاده على أشكال التأسيس في الهندسة.
قوله: ((فلو لم يعلم الشارع)) أي: يصدق لأن العلم المتعلق بموضوعية الموضوع علم تصديقي كما تقدم وما في الحاشية من نقل كلام المصنف في شرح الأصل لا تعلق له بما هنا فهو محض حشو لأن ذاك توجيه لتعريف موضوع العلم بأنه ما يبحث فيه إلخ، ولم يعرفه المصنف هنا.