قوله: ((إن أحق إلخ)) سلك هذا الطريق في تأدية الحمد كثير من الأعاجم كالشارح هنا وكالقطب في شرح الشمسية وغيرهما؛ ميلا إلى جهة الاستغراب؛ ولأن تصدير الكتب بجملة الحمدلة من أول الأمر شائع مألوف، فليس للنفس إليه التفات كما لها عندما هو مستحدث لها؛ إذ المستحدث يحصل للنفس إليه التفات ونشاط واستلذاذ، كما قيل: لكل جديد لذة، فهو نظير ما قيل في نكتة الالتفات في الكلام، فإذا أورد الكلام على هذه الصورة أقبل السامع بكليته لانتظار المحكومعليه، فيحصل به فضل تكمن في النفس.
وقد نحا هذا النحى كثير من الأدباء في رسائلهم، وأما ما أورد على مثله من أن المقام ليس مقام شك ولا إنكار حتى يؤكد الحكم بإنّ، وأن البداية بالحمد المطلوب ليس حاملا للمؤلف؛ لأن هذه الصيغة ليست مؤدية للحمد؛ إذ المستفاد منها حكم من أحكام الحمد.
فقد أجيب عن الأول بمنع انحصار مجيئ إنّ للتأكيد بل قد يؤتي بها لغير ذلك كالتنبيه على أن الخبر بلغ في رفعة الشأن إلى أن لا يقبل غير مؤكد، أو للتنبيه على أن المتكلم بالخبر على صدق رغبة ووفور نشاط فيه، أو للتحسين، أو لغير ذلك.
وعن الثاني بأن الثناء على الحمد حمد لأنه إنما استحق هذه الصفات من حيث إضافته إلى الله تعالى فيقتضى الثناء على الله بأنه ذو الحمد الموصوف بما ذكر فقد أفادت هذه الصيغة الصناء بطريق اللزوم فتكون كناية وهي أبلغ من التصريح أو أن الحمد حصل بالبسملة لتضمنها للثناء.
وما قيل من أن الإتيان بإنّ للتنبيه على تواضع المتكلم واستحقار نفسه من حيث اعتقاده عدم قبول ما يتكلم به ولو كان من المسلمات، أو للرد على من ينكر مضمونها بناء على إنكار الخالق وأن وجود العالم اتفاقي، أو للرد على من ينكر ذلك ويقول الأحق بذلك هو الحسبلة أو التكبير أو التسبيح ونحو ذلك، فتكلفات باردة.
أما الأول: فلأن إنكار المسلمات مكابرة فلا يعتنى بالرد على منكرها.
وأما الثاني: فلأن القائل بأن حدوث العالم اتفاقس خارج عن طور العقلاء فلا يعتنى بالرد كالسوفسطئية ولذلك لم يعتن أحد من المتكلمين بذكر عقائدهم وردها كغيرهم من بقية الفرق.
وأما الثالث: فلأنه لم يقل أحد من العلماء بأن المطلوب البداءة به شيء غير الحمد.
وما موصولة أو نكرة واقعة على الألفاظ، والمنطق اسم مكان أي: محل النطق أو مصدر ميمي بمعنى النطق، والقاصى البعيد والداني القريب، والمقصود تعميم الأفراد.
وفي الكلام مكنية بتشبيه الألفاظ بشيئ ذي ريح وإثبات النشر الذي هو الرائحة الطيبة تخييل على أحد المذاهب في المكنية والتخييلية، والمعنى أن أحق ألفاظ يتزين برائحتها الطيبة تخييل محلها إلخ.
ومنه ظهر أن الأولى يتعطر بدل يتزين؛ لأنه المناسب لتشبيه الألفاظ بذي الريح الطيب، وأن المراد من المنطق الاحتمال الأول. فإن أريد الثاني فالمعنى: أن أحق ألفاظ يتزين برائحتها الطيبة منشؤها ومبدؤها الصادرة هي عنه وهو التلفظ أعني المعنى المصدري المفسر به المنطق.
ولما كان هذا الاحتمال خفيا سلك أرباب الحواشي الأول وجعل ما واقعة على ألفاظ هو الموافق للواقع لأن حمده تعالى من قبيل الألفاظ وللتعبير بمنطق وذكروا احتمال وقوعها على المعاني أو النقوش، كما قيل به بعيد كل البعد؛ إذ المعاني لا تذكر ولا تنقش.
وقولهم إن الألفاظ قوالب المعاني تخيل من حيث أن المعنى يفهم عند سماع اللفظ وإلا فمحل المعانى هو النفس الناطقة وحدها أو هي قواها على خلاف في ذلك وكذا تفسير القاصى بغير المنعم عليه والداني بالمنعم عليه ولما فسروه بذلك استشعروا ورود سؤال هو أن نعم الله سبحانه عامة لجميع خلقه فدفعوه بتفسير النعمة بملائم تحمده عاقبته فالكافر بهذا المعنى غير منعم عليه ووجه البعد أن إرادة الكافر في أمثال هذه المقامات وسلكه مع المسلم في هذا النظام مما يأباه كل عاقل فضلا عن فاضل.
قوله: ((ويتوشح بذكره إلخ)) عطف على يتزين عطف صلة أو صفة على صفة على احتمالي ما، والتوشيح لبس الوشاح وهو أديم عريض مرصع بالجواهر تجعله المرأة بين عاتقها وكشحها.
والصدور جمع صدر وهو محل القلب من الإنسان وهو أول كل شيء، والكتب جمع كتاب.
والدفاتر جمع دفتر، وكسر داله لغة وهو جريدة الحساب والمراد بها هنا الرسائل الصغيرة عبر عنها بالدفتر لما أن كلا يتذكر به ما اشتمل عليه والداعي للتعبير بها دون الرسائل موافقة السجع، وحملها على المعنى الحقيقي كما قالوا بعيد في هذا المقام؛ إذ الدفاتر ليست من الأمور ذوات البال التي تصدر بالحمد، بل كثيرا ما يذكر فيها ما ينزه الحمد عن أن يصدر به فيها كدفاتر المظالم والمعاملات.
ويتوشح مجاز مرسل تبعى أو استعارة مصرحة تبعية ليتزين علاقته السببية أو المشابهة، أو استعارة تخييلية للمكنية في قوله بذكره بتشبيه الذكر بالوشاح، ثم إن أريد من صدور الكتب أوائلها فالكلام على حقيقته، وإن أريد بها محل القلب فالإضافة من قبيل إضافة المشبه به للمشبه بجامع الاشتمال على كل نفيس، أو الكتب استعارة تخييلية لتشبيهها بإنسان له صدر، والصدور تخييل و يتوشح ترشيح.
قوله : ((على آلائه المزهرة الرياض)) متعلق بحمد على أنه ظرف لغو.
والآلاء النعم جمع أَلًى بالقصر وفتح الهمزة والكسر، وفي كلام بعضهم إن النعمة هي النعم الباطنة وملائماتها والآلاء النعم الظاهرة كالحواس الخمس وملائماتها، والأصل أألاء بوزن أفعال أبدلت الهمزة الثانية التي هي فاء الكلمة ألفا لثقل الهمزتين.
والرياض البساتين، أصله رواض قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة.
وفي الكلام تشبيه بليغ أي: الآلاء التي هي كالرياض المزهرة أو استعارة مكنية بأن تشبه الآلاء بأرض حسنة ذات بساتين مزهرة والرياض تخييل.
قوله: ((على نعمائه)) فيها لغتان فتح النون وضمها، فإن فتحت النون مددته كما هنا، وإن ضممت قصرته، وهي إما بمعنى الإنعام، أو اسم جمع للنعمة.
قوله: ((المترعة الحياض)) المترعة الممتلئة، والحياض جمع حوض الماء، وأصله حواض فُعِلَ به ما فُعِلَ برياض.
وفي الكلام تشبيه أي: النعماء التي هي كالحياض الممتلئة، أو استعارة مكنية بأن تشبه النعماء ببئر ذات حياض أو مياه في حياض، والحياض تخييل.
وكلّ من قوله: جل جلاله وعم نواله جملة معترضة قصد بالأولى التنزيه وبالثانية الثناء، وربط الأولى بالحمد والثانية بالشكر تنبيه على أن الشكر دائما في مقابلة النعمة وأن الحمد تارة وتارة، فـفيه إشارة لمتعلقتهما من حيث إن الشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة والحمد لا، كما أن في إرجاع قوله حمد الله إلخ للفقرة الأولى وشكره للفقرة الثانية تنبيها على اختلاف موردي الحمد والشكر، وأن الأول يكون باللسان فقط، والثاني به وبغيره، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
*
يدي ولساني والضمير المحجبا
وقد احتوى الكلام على عدة أنواع من البديع غير خفية عليه إن كنت ممن نظر في علم البديع.
قوله: ((بحلية الإدراك)) الباء داخلة على المقصور لا على المقصور عليه كما وهم، والحلية تطلق بمعنى المصدر وبمعنى المتحلى به كذلك الزينة، والإدراك الفهم يستعمل مصدرا وبمعنى اسم المفعول، والإفهام يقرأ بكسر الهمزة مصدرا وبفتحها جمعا لفهم، وإرادتهما على حد سواء.
وفي حلية الإدراك وزينة الإفهام تشبيه بليغ أو مكنية في الإدراك والإفهام وتخلييلية في حلية وزينة، هذا على أن كلا منهما مصدر؛ فإن كانا بمعنى اسم المفعول فلا استعارة للزوم الجمع بين الطرفين.
قوله: ((وخصصه بإدراج)) الباء داخلة على المقصور أيضا، والإدراج الإدخال.
وإضافة درر للمعانى وجواهر للألفاظ من قبيل لجين الماء والمناسب لقولهم الألفاظ قوالب المعاني أن يقول في صدف الألفاظ، وكأنه اختار التعبير بجواهر للإشارة إلى نفاسة تلك الألفاظ أيضا.
قوله: ((ثم الصلاة)) العطف بثم للإشارة إلى تأخير مرتبة الصلاة عن الحمد بجعل تغاير الكلامين بمنزلة التراخي في الزمن أو لمجرد الترتيب في الإخبار، كما يقال بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أي أخبرك أن الذي صنعت أمس الخ، وقد تجيئ لمجرد الاستبعاد كما في قوله تعالى: ﴿ ﴾ فإن الإنكار مستبعد جدا بعد المعرفة، ولها استعمالات أخر. والصلاة حقيقتها تحريك الصلوين سميت الأركان بها لتحريك الصلوين فيها ثم سمي الدعاء صلاة تشبيها للداعي بالمصلى في تخشعه والمراد منها هنا الدعاء.
قوله: ((على المميز)) بصيغة اسم المفعول والظرف لغو متعلق بالصلاة فعطفها على الحمد عطف مفرد على مفرد أو مستقر خبر فهو من عطف الجمل.
وعلى كل فلم يحصل للمؤلف الامتثال بحديث طلب الصلاة في هذا المقام؛ فإنه على الأول مخبر عن الصلاة بما أخبر به عن الحمد وليس الإخبار عن الصلاة صلاة، كما أن الإخبار بالحمد حمد.
وأما على الثاني؛ فلأنه الجملة خبرية، والدعاء إنما يكون بالإنشائية، وقد يجاب عن هذا بأنها خبرية الأصل استعملت في الإنشاء، وعن الأول بمنع أن المطلوب بالصلاة خصوص الدعاء بل المقصود إظهار الاعتناء بالمصلى عليه وتعظيمه، وذلك كاف في حصول الغرض.
وبهذا يجاب عن الثاني أيضا بإبقاء الجملة على خبريتها بدون ادعاء استعمالها في الإنشاء، ونوقش هذا الجواب بأن المقصود هو الدعاء فإن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإذا عجزنا عنها كافأناه بالدعاء فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأته صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة عليه، ويقرب ذلك قول أبي الطيب المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
*
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
قوله: ((يفضل نسخ الشرائع)) متعلق بالمميز وإضافة نسخ للشرائع والأحكام للاحتراز عن العقائد؛ فإنه لا يتعلق بها نسخ ولا تختلف فيه الشرائع، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿ ﴾ الآية.
والشرائع جمع شريعة هي والملة والدين ألفاظ مترادفة موضوعة للأحكام الشرعية المتعلقة بالأعمال، أما ما يتعلق بالاعتقاد فهي أصول الدين، فعطف الأحكام تفسير.
وما قيل إن تمييز الشيء بالشيء في قوة اختصاصه به مع أن النسخ لم يختص به صلى الله عليه وسلم بل ما من رسول إلا وهو كذلك فذهول عن الجمع في شرائع إذ لا ريبة في اختصاص ذلك به صلى الله عليه وسلم فإن شريعته ناسخة لجميع الشرائع السابقة، أما من قوله من الرسل فكل واحد ناسخ لشريعة من قبله.
قوله: ((وعموم الرسالة)) أورد أنه عليه الصلاة والسلام لم يتميز بذلك فقد عمت بعثة نوح بعد الطوفان وكذلك آدم لأولاده، و يجاب بأن ذلك كان على سبيل الاتفاق، أو يقال إن رسالته صلى الله عليه وسلم مستمرة إلى قيام الساعة ولا كذلك نوح، أو أنه صلى الله عليه وسلم أرسل للإنس والجن والملائكة ولم يوجد ذلك في غيره، وإيمان الجن بما في التوراة كان على سبيل التبرع منهم لا أنهم كلفوا بذلك.
قوله: ((إلى كافة الأنام)) فيه استعمال كافة مجرورة ولا تستعمل إلا منصوبة على الحال كما في المغني قال: «وتجويز الزمخشري للوجهين أي: الحال من الفاعل والمفعول في قوله تعالى: ﴿ ﴾ وهم؛ لأن كافة تختص بمن يعقل، ووهمه في قوله تعالى: ﴿ ﴾ إذ قدّر كافة نعتا لمصدر محذوف أي: رسالة كافة أشد لأنه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجه عما التزم فيه من الحالية، ووهمه في خطبة المفصل أشد وأشد لإخراجه إياه عن النصب البتة» اهـ.
قال المحشي: «ودعوى أن الزمخشري ممن يحتج بتراكيبه لا تسمع لأن تلك مرتبة لا ينالها العربي الحضري فكيف ينالها العجمي وذلك لأن الله تعالى خص العرب الذين لم يخالطوا الحضر بعصمة ألسنتهم عن الخطأ» اهـ.
وما قيل عليه إنه إفراط بدليل صحة الأخذ عن أهل مكة والمدينة وبلغتهم جاء التنزيل فذهول عن معنى قولهم اللغة لا تؤخذ عن حضري إلخ إذ ليس معناه من سكن الحاضرة بل المعنى حضري خالط العجم ونشأ بين أظهرهم كما يشير لذلك قول المحشي «الذين لم يخالطوا الحضر» ولم يقل أهل الحاضرة فالمضاف مقدر أي: أهل الحضر فإنه فتحت مدائن العجم والروم وانتشر العرب فيها وتناسلوا دخل اللحن على نسلهم بسبب المخالطة، وقصة أبي الأسود الدؤلي التي دعت عليا رضي الله عنه لوضع علم النحو شاهد على ما قلنا، فتأمل.
قوله: ((لإتمام مكارم الكرام)) وأما أصلها فقد وجد ممن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
قوله: ((جوامع الكلم)) من إضافة الصفة للموصوف، والمراد بالكلم الجمل المفيدة، وهذا مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» أي: اختصر لي كلام العرب في جوامع كلمي وهي ألفاظ قليلة تفيد معانى كثيرة كقوله عليه الصلاة والسلام :الدين النصيحة، والأعمال بالنيات، ونحو ذلك.
قوله: ((الظاهرة البيان)) هو مصدر بان بمعنى تبيّن وظهر، ويطلق على المنطق الفصيح المعْرِب عما في الضمير، والمراد هنا الأول أي: الظاهرة المعنى، وإرادة الثاني محوج إلى تكلف، وهذه الجملة احتراس عما يتوهم من كون تلك الكلم مع اختصارها جامعة لمعان كثيرة أن فيها خفاء.
قوله: ((ببدائع الحكم الباهرة البرهان)) جمع بديع بمعنى الشيء المبدع الذي لم يسبق له مثال، فالمعنى أنه عليه الصلاة والسلام لم يسبق بتلك الحكم.
والحكم جمع حكمة وهي العلم النافع، والمراد بها هنا علم الشرائع والأحكام، وللحكمة تفاسير أخر.
والباهرة الغالبة يقال: بهره إذا غلبه، والبرهان الدليل.
قوله: ((في مناهج الصدق)) جمع منهج الطريق الواسع، وهو إما من إضافة المشبه به للمشبه، أو في المناهج استعارة مصرحة بتشبيه أسباب الصدق بالطرق، أو مكنية في الصدق بتشبيهه بجهة تقصد والمناهج تخييل.
قوله: ((فيقول)) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة على مذهب السكاكي فهو عدول عن أقول لأجل جريان ما بعده من الأوصاف وإن أمكن ذلك بالتعبير بصيغة المتكلم وزيادة : وأنا الفقير .. الخ إلا أنه تطويل مستغنى عنه مع ما فيه من العدول عن الوصفية المقصودة إلى الإخبار على الجملة تكون حالا، وهي تفيد التقييد وهو غير منظور إليه هنا.
قوله: ((الخبيصي)) الظاهر أنه نسبة لخبيصة قرية بكرمان.
قوله: ((الحسنى)) هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم أو المثوبة الحسنى، والزيادة ما يزيد عليها تفضلا منه ومنة لقوله تعالى: ﴿ ﴾.
قوله: ((البيان والمعاني)) أي: العلمين المسميين بذلك، أو المنطق الفصيح.
والمعاني ما يعنى من اللفظ ويقصد به، فـفيه إشارة لمدحه بتحقيق المعاني وتنقيح الألفاظ وذلك عام في كل علم فهو أمدح.
قوله: ((الملة والدين)) هما بمعنى واحد وهي الأحكام الشرعية.
قوله: ((سقى الله ثراه)) كناية عن تعميمه بالرحمة.
قوله: ((المحصلون)) أي: المريدون تحصيله، فعلى بمعنى اللام، أو المراد الباحثون، وبين اضطراب واضطرار جناس لاحق.
قوله: ((يبين معضلاته ويفسر مشكلاته)) إسناد الفعل إلى ضمير الشرح مجاز عقلي من قبيل الإسناد للسبب.
والمعضلات جمع معضل أو معضلة يقال: أعضل الأمر إذا اشتدّ، فالمعضلات الأمور المشتدة. والمشكلات الأمور الحفية التي لم يعلم حالها، فهما متغايران أو هما بمعنى واحد.
قوله: ((خاليا)) صفة لشرح أو حال منه، وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بالجملة بعده.
قوله: ((الإملال والإضمار)) أي: السآمة.
قوله: ((موشحا)) صفة شرحا أو حال، وفيه ما تقدم من الاعتبارات في قوله: ويتوشح بذكره.
قوله: ((الأنسية)) بضم الهمزة نسبة للأنس ضد الوحشية، فـفيه تنبيه على عدم كبره وجبروته.
قيل ومن البارد المغسول قراءته بكسر الهمزة نسبة للإنس مقابل الجن اهـ.
أقول: ليس هو من البارد المغسول بل من التوجيه المقبول لأن اقتناء الفضائل واكتسابها مختص بالنوع الإنساني، فـفيه تنبيه على أصل الفضائل وأنه جمع منها ما يمكن تحصيله للنوع الإنساني مما يصح أن يتصف به فخرجت الكمالات النبوية.
قوله: ((أرائك السلطنة)) الأرائك جمع أريكة بمعنى السرير سميت بذلك لكونها مكان الإقامة، يقال: أرك بالمكان أروكا أقام على رعي الإراك، ثم استعمل في مطلق الإقامة.
قوله: ((بحضرته الشماء)) حضرة الرجل موضع حضوره، والشماء ذات الشمم أي: ارتفاع الأنف، وفي الكلام مجاز مرسل علاقته الإطلاق عن التقييد، أو استعارة مكنية بتشبيه الحضرة بامرأة شماء والشماء تخييل.
قوله: ((معالم المعاني)) المعالم جمع معلم وهو الأثر يستدل به على الطريق، فاستعارة المعلم لإمارات المعاني تصريحة، أو مضافة إليها إضافة المشبه به للمشبه، أو تخييل لاستعارة الطرق للمعاني.
قوله: ((رايات العدل)) من إضافة المشبه به للمشبه.
قوله: ((تَلَأْلَأَتْ)) أي: أشرقت، والصفحات جمع صفحة وهي من الوجه والسيف عرضه وإضافتها للأيام كلجين الماء.
والمعدلة العدل، والوجنات جمع وجنة بفتح الواو وقد تثلث ما ارتفع من لحمة خد الإنسان، والتذهيب الطلاء بالذهب فـفيه مدح لشرحه.
والميامن جمع يمن بمعنى البركة، والملامح جمع ملمح بمعنى اللمح، والرداء ما يرتدى به ورداء العز كلجين الماء.
قوله: ((وها أنا أشرع)) فيه إدخال ها التنبيه على ضمير رفع منفصل خبره ليس اسم إشارة، وقد وقع في كلام ابني مالك وهشام استعماله كذلك مع تصريحهما كغيرهما بشذوذه في نحو قول الشاعر: أبا حكمها أنت نجم مجالد.
ووجهه أن ها التنبيه إنما تلحق اسم الإشارة فإذا لحقت غيره ولكن وقع الخبر عنه اسم إشارة كأنها لم تفارقه لأن المبتدأ الذي دخلت عليه عين الخبر فإنها دخلت على اسم الإشارة، وفي الرضي وما حكى عن الزمخشري من قولهم ها أن زيدا منطلق وها أنا أفعل كذا، مما لم أعثر له على شاهد اهـ.
وقال ابن حيان في الارتشاف قال الزجاج: الأكثر والأحسن أن يستعمل ها مع المضمر ولو قلت ها زيد ذا جاز بلا خلاف.
قوله: ((أشرع)) لا ينافي قوله سابقا شرحت لاحتمال أن تكون الديباجة متأخرة أو أن شرح مستعار لأشرح.
وقوله في المقصود لا ينافي قوله بعد أن يذكروا قبل الشروع في المقصود لأن القصد الأول من الشارح لشرح المتن والثاني لأرباب التصانيف، أو المراد بالمقصود الأول ما تعلق به القصد مطلقا والثاني ما تعلق به القصد الذاتي.