قَالَ الإِمامُ العَلَّامَةُ القاضِي
عَضُدُ الدينِ أبو الفضلِ
عبدُ الرحمنِ بنُ ركنِ الدينِ
أحمدَ بنِ عبدِ الغفارِ بنِ أحمدَ
الإِيجي البَكْرِي:
هَذِهِ فَائِدَةٌ
تَشْتَمِلُ عَلَى:
(مُقَدِّمَةٍ، وتَقْسِيمٍ، وخَاتِمَةٍ)
قال المصنِّفُ رحمه الله تعالى بَعْدَ التَّسْمِيَةِ:
((هَذِهِ فَائِدَةٌ)) الـمُشَارُ إليـه بـ«هَذِهِ» العِبَارَاتُ الذِّهْنِـيَّـةُ التي أَرَادَ كتابَتَـها وبَيَـانَ أَجْــزَائِـهَـا، نُــزِّلَـتْ مَـنْــزِلَـةَ الـمُشَخَّصِ الـمُشَاهَـدِ الـمَحْسُوسِ واسـتُـعْـمِـلَتْ فيــها كلمـــةُ «هَــذِهِ» المَوْضُوعَةِ لكـلِّ مُشَارٍ إليه محسوسٍ.
والفائدةُ في اللُّغَةِ ما حَصَّلْتَهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَـالٍ أَوْ غَيْرِهِـمَا مُشْتَـقٌّ مِنَ الفَـيْـدِ بمعنـى اسْتِـحْـدَاثِ المـالِ والـخَـيْـرِ.
وقِـيـلَ: اســمُ فـاعـلٍ مِـنْ فَــأَدتُّــهُ إِذَا أَصَـبْـتَ فُــؤَادَهُ.
وفي العُرْفِ هي المَصْلَحَةُ المُتَرَتِّبَةُ على فِعْلٍ من حَيْثُ هي ثَمَـَرتُـهُ ونتيـجتُـهُ وتِلْـكَ المَصْلَحَـةُ من حيـثُ إِنَّها على طَـرَفِ الفـعـلِ تُسَمَّـى غايـةً له، ومن حـيـثُ إنها مطـلوبـةٌ للفـاعلِ بالفعلِ تُسَمَّى غَرَضًا، ومن حيثُ إنها باعِثَـةٌ للفـاعل علـى الإِقْـدَامِ علـى الـفِعْـلِ وصُـدُورِ الفعـلِ لِأَجْلِهَا تُسَمَّى عِلَّـةً غـائِـيَّـةً
فالفَائِـدَةُ والغَـايَـةُ مُـتَّحِـدَانِ بالـذَّاتِ ومُـختلفان بالاعتبارِ كما أن الغَرَضَ والعِـلَّـةَ الغَائِـيَّـةَ أَيْضـًا كذلـك، لأَنَّ الحَيْـثِـيَّـتَيْنِ مُتَلازِمَتَانِ، ودَلِيلُ اعتبارِ كُلِّ حَيْثِـيَّةٍ فيما اعتُبِرَتْ فيه إضافَـتُهُمُ الغَـرَضَ إلـى الفَـاعِـلِ دُونَ الـفِعْـلِ، والعِلَّـةُ الغائِـيَّـةُ بِالعَكْسِ، فالأَوَّلَانِ أَعَـمُّ من الأَخِـيرَيْنِ مُطْلَـقًا، إِذْ رُبَّمـا يَتَـرَتَّـبُ علـى الفِعْـلِ فائـدةٌ لا تكونُ مَـقْصُـودَةً لِفَـاعِـلِـهِ.
وَأَمَّا حَمْلُ الـ«فَائِدَةُ» على ما أُشِيـرَ إليه بـ«هَــذِهِ» فـحَـقِـيقَـةٌ لُـغَـةً وعُـرْفًا، إِذِ العِـبَـارَاتُ فِـي أَنْـفُـسِـهَا فـائـدةٌ، أَمَّـا بِاعْتِـبَـارِ اللُّغَـةِ فَظَـاهِرٌ، وأَمَّـا باعْتِبَارِ العُـرْفِ فَلأَنَّها مَصْلَحَـةٌ تَتَـرَتَّـبُ على تصحـيـحِ حُـرُوفِـهَا وإِخْرَاجِـهَا عن مَـحَـلِّـهَـا ويَـجُوزُ أَنْ يكونَ مَـجَازًا في الإِسْنَادِ باعْتِـبَارِ أَنَّ لِتِلْكَ العِـبَـارَاتِ مَـدْخَلاً فِـي حُـصُـولِ الفَـائِـدَةِ.
((تَشْتَـمِلُ)) إِمَّـا خَبَـرٌ بَعْـدَ خَبَـرٍ أَوْ حالٌ أَوْ صفـةٌ لـ«فائـدةٌ»، والمرادُ أَنَّها تَشْتَملُ اشتمـالَ الكُلِّ عَلَـى الأَجْزَاءِ ((عَلَـى مُقَدِّمَـةٍ وتـَقْسِيـمٍ وخاتِـمَةٍ)) وَجْـهُ التَّـرْتِيبِ أَنَّ ما يُذْكَرُ فـي هـذه الرِّسَـالةِ من العِبَـاراتِ إمَّا أن يكـونَ لإِفَـادَةِ المـقـصودِ أَوْ لإِفَادَةِ ما يَتَعَلَّـقُ بِـهِ، إِذِ الخارجُ عنهمـا لا يُذْكَـرُ فيـها، فـإن كـان الأولَ فهـو التَّـقْسِـيـمُ وَإِنْ كَـانَ الثَّانِـيَ فـإِنْ كـَانَ ذلـك التَّـعَلُّـقُ تعلُّـقَ السَّابقِ باللَّاحِـقِ أي: التعلُّـقَ من حيثُ الإِعَانَـةُ فـي الشروع علـى وَجْـهِ البـصيـرة فيـه فهـو الـمُقَـدِّمَـةُ، وإن كـان تعلُّـقَ اللاحِقِ بالسَّابقِ أي التعلُّـقَ مـن حيـث زِيَـادَةُ التـوضيـحِ والـتـكـمـيـلُ فـهـو الـخاتِـمَةُ.
والمُقَدِّمَةُ فـي اللُّـغَةِ مَأْخُـوذَةٌ إِمَّـا مِنْ قَـدَّمَ اللَّازِمِ بمعنى تَقَدَّمَ أو المُتَعَدِّي.
وفي الاصْطِـلاحِ عِبَـارةٌ عَمَّـا يَتَـوَقَّفُ عليـه الشُّـروعُ فـي العِـلْـمِ والمُنَـاسَبَـةُ ظاهِرَةٌ لِتَقَـدُّمِـهَا في الذُّكْرِ أَوْ لتَـقْدِيمِـهَا الطَّـالِبَ في الشُّرُوعِ في الـمَـقَـاصِـدِ بالـذَّاتِ أو بالـواسِـطَـةِ.
والـمُرادُ بالـمُقَـدِّمـَةِ هَهُـنَـا الـمَعَانِـي الـمُخْصُوصَةُ أو العِبَارَاتُ المُعَـيَّـنَـةُ، فـلابُـدَّ مِـنِ اعْــتِـبَـارِ الـتَّــجَـوُّزِ بِـأَنْ يكونَ من قَـبِـيـلِ إِطْلَاقِ الكُلِّـيِّ عَلَى بَــعْـضِ جُـزْئِـيَّــاتِـهِ أَوْ إِطْـلَاقِ اسْـمِ الـمَدْلُولِ عَلَـى بَـعْضِ مـا دَلَّ عـليه.
وما وَقَـعَ فـي بَعْـضِ النُّـسَـخِ «علـى مُقَدِّمَةٍ وتَنْبِيهٍ وتَقْسِيمٍ وخَاتِـمَةٍ» فهو سَهْـوٌ مِنْ قَلَمِ الكَاتِـبِ، إِذِ الـ«تَّنْـبِيهُ» مِنَ الـمُقَـدِّمَـةِ فَلَا مَعْنَى لِعَـدِّهِ جُـزْءًا مُسْتَقِلًّا.
((المُقَدِّمَةُ)) مُبْتَدَأٌ خَبَـرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ هذا الـذِّي نَشْـرَعُ فِـيـهِ أَوْ بِالْـعَـكْـسِ وَأَمَّا جَـعْـلُ مَـجْـمُوعِ هِذِهِ العِبَارَاتِ التِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ «التقسـيمُ» خَبَرًا لَهَا فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ فِي أَمْثَالِ هَـذَا المَقَامِ، تَـأَمَّـلْ.
الحاشية
بسم الله الرحمن الرحيم
قال القاضي العضد رحمه الله
(هذه فائدة) أَفْرَدَهَا مع أن المشارَ إليهِ فوائدُ
للإشارة إلى كمال المناسبة بين أجزاءِ الرسالةِ حتى كأَنَّ الكلَّ شيءٌ واحدٌ
أو إلى الوَحْدَةِ الطارئةِ من جِهَةِ الوَحْدَةِ
أو إلى أنها سهلة التناول
أو للمُطَابَقَةِ لإِفْرَادِ «هذه»
وعلى الكل تَنْوِينُها للتقليل أو للتعظيم
قوله: (المشارُ إليه) معناه الشيءُ الذي أُشِيرَ إليه، فتذكيرُ ضميرِ «إليه» باعتبار لفظِ اللام ومعناه وهو الشيءُ
فإن قيل لم يوجد المطابقةُ بين المبتدأ وهو اللام بمعنى الموصول والخبرِ وهو العباراتُ وهي مؤنثة
فيقال ههنا ليست بلازمة لعدم شرط اللزوم وهو اشتقاقُ الخبر وضميرُهُ العائدُ إلى المبتدأِ وعدمُ مساواةِ تذكيرِ الخبرِ وتأنيثِهِ، والكلُّ منتفٍ ههنا
قوله: (بـ«هذه») أي بلفظةِ «هذه»
ويمكنُ أن يرادَ معناها ويُشَارَ بها إلى لفظةِ «هذه» في المتن، ففيه لَطَافَةٌ
قوله: (العبارات جمع العبارة، وهي في اللغة إما بمعنى العُبورِ والانتقالِ، وإِمَّا بمعنى التعبير والتفسير
وفي العُرْفِ اللفظُ
فعلى الأول تسميةُ اللفظِ بالعبارةِ تسميةُ السببِ باسم المسبَّبِ لكون اللفظ سببًا لعبورِ المخاطَبِ إلى معناه
وعلى الثاني كذلك لكونِ اللفظِ سببًا لتفسير المتكلمِ لمعناه للمُخَاطَبِ
وإنما خَصَّ الإشارةَ بـ«هذه» العبارات دون النقوش أو المعاني أو غيرِ ذلك لأن الكتب والرسائل عبارة عن الألفاظ في المختار، فيُنَاسِبُ الإشارةَ إليها
فإن قيل كما يقال قرأتُ الكافيةَ يقالُ فهمتُ الكافيةَ واشتريتُ الكافيةَ. فما وَجْهُ المختارِ
فيقال كتاب الله تعالى عبارة عن الألفاظ لقوله: تعالى فاقرؤُا ما تيسر من القرءآن وللإجماع، فالظاهرُ المناسِب مُطَابَقةُ سائرِ الكتب إلى القرءآن في كونها عبارةً عن الألفاظ
قوله: (الذهنية صفةٌ لـ«العبارات»
وكونُها ذهنيةً لكَوْنِها كُلِّيَّةً، لأنَّ المشارَ إليه بـ«هذه» الألفاظُ المُطلقةُ سواءٌ تَكَلَّمَ بها المصنِّفُ أو غيرُهُ، لأنه لو لم يكن ألفاظا مطلقةً وكان الألفاظَ التي تَكَلَّمَ بها المصنفُ لم تكن الألفاظُ التي تكلَّم بها غيرُه فائدةً، وهذا خُلْفٌ
والألفاظُ المُطْلَقَةُ كليةٌ على التحقيق وهو كونُ الأَعْرَاضِ مُتَبَدِّلَةً بتبدُّل المَحَالِّ لكونها تابعةً لها في الوجودِ والتشخُّصِ، والكليةُ غيرُ موجودةٍ في الخارج عند التحقق على ما تَقَرَّرَ في موضعه، فالعباراتُ ذهنيةٌ
وفائدةُ التقييدِ بـ«التي» آه على هذا التقدير دفعُ احتمال الكذب بالنسبة إلى نفسِ الأمرِ لا إلى الخبرية في قضيةِ «هذه فائدةٌ» لأنها لو لم تقيد لزم حملُ الخاصِّ وهو «فائدةٌ» آه على العام وهو الألفاظ المطلقة المشارُ إليها بـ«هذه» على تقدير عدم التقييد وهو يحتمل الكذب كقولنا الحيوان إنسان فإنه يحتمله لجواز تحقق الحيوان المطلق في ضمن غير الإنسان، فكذا الألفاظ المطلقة ههنا لجواز تحققها في ضمن غير الفائدة المشتمِلَةِ فَقَيَّدَ لدفع هذا الاحتمال
وكونُها ذهنيةً على المشهورِ وهو كونُ الأَعْرَاضِ كالجواهرِ غيرُ مُتَبَدِّلَةٍ بتبدل المَحَالِّ لعدم الوجود في الكتابةِ والتلفظِ
وفائدةُ التقييدِ بـ«التي» آه على هذا التقدير بيانُ الذهنيةِ مع الفائدةِ الأُولَى على التقدير الأول لأنه يكون معناه حينئذ أراد كتابتَها وبيانَها ولم يَكْتُبْ ولم يُبَيِّنْ
وعلى هذا التقدير يَرِدُ على الشارح تخصيصُ الإشارة بـ«هذه» بتقدير تقدُّم الديباجة وهو خلافُ المشهورِ بين الشارِحِينَ بخلاف التقدير الأول في بيان الذهنية، لأن معنى التقييد حينئذ أراد الكتابةَ والبيانَ سواءٌ كَتَبَ وبَيَّنَ أَوْ لا، فيشملُ تقديرَ التقدمِ والتأخرِ فكذا الإشارةُ
فإن قيل إذا كان المشارُ إليه ذهنيًّا فلا يوجد الحملُ الإيجابي بين المبتدأ والخبر، لأن معناه اتحاد المتغايرين في الذهن خارجًا
فيقال لا نسلم عدم وجود الحمل كيف ومعنى الخارج في تعريف الحمل الإيجابي أعم من الخارج المحقق أو الموهوم كما في شريك الباري ممتنِع
وفي بعض النسخ وقع بَدَلَ الواو كلمةُ «أَوْ» فهي لمنع الخُلُوِّ
قوله: (نزلت منزلة المشخص آه جواب سؤال مقدر تقديرُهُ بأن لفظةَ «هذه» موضوعةٌ للمشخَّصِ المشاهَدِ المُبْصَرِ، والعباراتُ الذهنيةُ ليست بموجودة في الخارج فضلا عن المُبْصَرِيَّةِ، فلا يصح الإشارة بـ«هذه»
وتقديرُ الجوابِ بأن مُصَحِّحَ استعمال اللفظ في المعنى لو كان منحصرًا في الوضع لورد السؤال المذكور، لأنه لم يوجد ههنا لكنه لم ينحصر لأن مصحح الاستعمال إما وضعٌ إِنِ استُعمل اللفظ في الموضوع له وإما عَلَاقَةٌ إِنِ استُعمل اللفظ في غير المعنى الحقيقي، وههنا وإن لم يوجد المصحح الأول وهو الوضع لكنَّ الثانيَ وهو العلاقة موجودٌ فيصح الاستعمال بطريق المجاز وهو الاستعارةُ
وتقريرُها بالتركي كمال امتيازده عبارات مشخص مشاهد محسوس بالبصره تشبيه أولندى جنسند ن أولمسى ادعا أولندى مشخص مشاهد محسوس بالبصره موضوع أولان هذه عباراتده استعمال أولندى استعارة مصرحة أصلية أولدى
فإن قيل عبارةُ «المشخَّصِ المشاهَدِ المحسوسِ» تشتمل الاستدراكَ لأن معنى «المشاهَد» هنا هو المُبْصَر وهو أخص من «المحسوس» إذ معناه المحسوس بالحواس الخمس الظاهرة، فلا حاجة إلى إيراد العام بعد إيراد الخاص
فيقال نَعَمْ لو حُمِلا على المعنيين المذكورين وهو ممنوعٌ، بل حَمْلُ «المشاهدِ» على معنى الحاضر و«المحسوسِ» على معنى المُبْصَرِ فلا استدراكَ
قوله: (الموضوعةِ صفةٌ للفظةِ «هذه» المضافِ إليها لـ«كلمةُ»
فإن قيل إِنَّ المشهورَ إذا دَارَ الصفةُ أو الضميرُ بَيْنَ المضافِ والمضافِ إليه فيُصْرَفُ إلى المضافِ على ما هو الظاهرُ لكونه مقصودًا، والمضافُ إليه يجيء لبيانه، فكيف يكون لفظةُ «الموضوعةِ» صفةً للمضاف إليه وهو لفظة «هذه»
فيقال إن المشهورَ فيما كان المضافُ غيرَ لفظِ «كل أو بعض» وفيما لم يكن الإضافةُ من قبيل إضافة «عِلْمِ النحوِ وعِلْمِ الفقهِ» وإلا فيُصْرَفُ بحسب الظاهر إلى المضافِ إليه كما فيما نحنُ فيه
قوله: (والفائدة ما حصلته الواوُ فيه عاطفةٌ لهذه الجملة على الجملة «المشارُ إليه بـ(هذه) العباراتُ» عطفَ القصة على القصة لاشتراكهما في بيان قول المصنف «هذه فائدةٌ»
قوله: (من علم إِمَّا متعلقٌ بـ«حَصَّلْتَهُ» فيَخْرُجُ من التعريف ما حَصَّلْتَهُ من الجَاهِ والمَنْصِبِ مع أنه من أفراد المعرَّف، وإما حال من ضمير المنصوب وبيانٌ لِـ«مَا» فيخرج نفسُ الجاه والمنصب مع أنه من أفراد المعرَّف
فإن قيل فيكون فاسدًا لكونه غيرَ جامع لأفراد المعرَّف
فيقال ذِكْرُ المالِ والعِلْمِ فيه لكونِهما أشرفَ الفائدةِ محمولٌ على التمثيل بقرينة ذِكْرِ الخيرِ بَدَلَ العِلْمِ في بيانِ مَأْخَذِ الاشتقاقِ حيث قال «مشتقٌ من الفَيْدِ بمعنى استحداثِ المالِ والخيرِ»
ولفظُ «استحداث» في هذا القولِ مضافٌ إلى المفعولِ به غيرِ الصريحِ على تقدير تعلق «مِنْ» إلى «حصلتَه» في التعريف ومضافٌ إلى المفعول به الصريحِ على تقديرِ كونِهَا للبيانِ للمُنَاسَبَةِ التامَّةِ بينهما
وإن قيل حَمْلُ التعريفِ على الفائدة يقتضي أن يكون المرادُ بها المعنى، وحملُ «مشتقٌ» يقتضي أن يكون المرادُ بها اللفظَ لكون الاشتقاق من قبيل أوصاف الألفاظ، فأَيُّهُمَا يرادُ لا يرادُ الآخَرُ لكونه جمعًا بين المعنيين في إطلاق واحد في لفظ واحد وهو باطل
فيقال إنَّما يلزم البطلانُ إذا أريد المعنيان بطريق الحقيقة أو إذا أريد أحدهما بطريق الحقيقة والآخر بطريق المجاز، وههنا ليس الأمر كذلك لأنه أريد المعنيان ههنا بطريق عموم المجاز، وهو ههنا «ما يطلق عليه لفظ الفائدة» سواءٌ كان مفهومَ الفائدة أو لفظَ الفائدة، فهذه الإرادة صحيحة، وعلاقة هذا المجازِ العمومُ والخصوصُ، وقرينتُهُ حملُ الخبرين، وفائدتُه الاستغناءُ عن ذكر الفائدة مرتين
وإن قيل لِـمَ عَدَلَ عن التعريف المشهور وهو «ما استَفَدتَّهُ من عِلم أو مال»
فيقال لاستلزامه الدورِ، لأن جَهَالَةَ المشتقِّ وتعريفَه باعتبار المأْخَذِ وهو الفَيْدُ ههنا، فلو عُرِّفَ بـ«ما استفدتَّ» لتوقُّفِ معرفةِ «استفدتَّ» على معرفة مأخذ الاشتقاق وهو «الاستفادة» ومعرفتِها على معرفةِ الثلاثي وهو الفَيْدُ وهو المعرَّفُ بحسب الحقيقة، فيلزم توقف معرفة الفيد على معرفته وهو الدور
والجوابُ بحَمْلِ المعرَّف على الاصطلاحي وما وقع في التعريف على اللغوي ليس بصحيح هنا، لأن الغرض تعريفُ معنى اللغوي وإن صح الجوابُ بأن التعريف تنبيهي أو لفظي لكنه تَكَلُّفٌ فلذا عَدَلَ عن المشهور
قوله: (قيل اسم الفاعل آه، فإن قيل ذكر اسم الفاعل ههنا دون ما سبق يقتضي عدمَ كون ما سبق اسمَ الفاعلِ مع أنه اسمُ الفاعلِ
فيقال حَذَفَ اسمَ الفاعل من الأول بقرينة ذكره في الثاني وحَذَفَ من الثاني لفظَ «مشتق» بقرينة ذكره في الأول، فيوجد ههنا صَنْعَةُ الاحتباكِ من عِلْمِ البديعِ فلا اقتضاءَ
فإن قيل إذا كان لفظ الـ«فائدة» على التقدير الأول اسمَ الفاعل كان معناه «مُحَصِّلَةٌ» اسمَ الفاعل لا ما حَصَّلْتَهُ لأن ما حَصَّلْتَهُ معنى اسمِ المفعول
فيقال إن الـ«فائدة» إذا أُسْنِدَتْ إلى غير المُحَصَّلِ كان إسنادُها مَجازًا فالمعنى الحاصلُ للـ«فائدة» اسمَ الفاعل بملاحَظةِ كون الإسناد مجازًا «ما حَصَّلْتَهُ» آه
والجوابُ بأن اسمَ الفاعل بمعنى اسمِ المفعولِ غيرُ مَرْضِيٍّ، لأنه حينئذٍ تكونُ الفائدةُ مجازًا لغويًّا وقوله: «في اللغة» آبٍ عنه، لأنه لا يُبْحَثُ فيها عن المعنى المجازي، لأن عِلْمَ اللغة عِلْمٌ يُبْحَثُ فيه عن أحوالِ جَوَاهِرِ المفردات بحسب معانيها الأصلية
فإن قيل كونُ إسنادِ الفائدةِ مجازًا يُنَافِي إلى ما سيأتي من الشارح وهو قوله: «وأما حمل الفائدة»، فالجوابُ الذي يقال إنه غيرُ مَرْضِيٍّ مَرْضِيٌّ
فيقال الإسنادُ المجازي في التوجيه باعتبار نسبتها إلى الفاعل وانتفاءُ الإسنادِ المجازيِّ كما فُهِمَ من قوله: الآتي باعتبار نسبتها مع الفاعل إلى المبتدأِ، فلا تَنَافِيَ ولا رِضَاءَ بغيرِ المَرْضِيِّ
قوله: (من فأدتُّه بالتَّكَلُّمِ ظاهرُه شاملٌ لمذهب الكوفية والبصرية لأنه يَحْتَمِلُ أنه مشتق من فأدتُّه لا من مصدره ويَحْتَمِلُ أنه مشتق من فأدتُّه بالذات كما هو مذهب الإمام الأعظم رحمه الله وبالواسطة من مصدره، والاحتمالُ الأول مذهب الكوفية والثاني مذهب البصرية، فلا منافاة بين هذا القول وبين القول السابق وهو قوله: «مشتق من الفيد»، لأن هذا القولَ على الاحتمال الأول غيرُ مَرْضِيٍّ عند الشارح كما دَلَّ عليه قوله: «قيل»، والقولُ الأوّل مرضيٌّ عنده، فلا تنافي، وعلى الاحتمال الثاني بيانُ الاشتقاق بالذات والقولِ الأولِ بيانُ الاشتقاقِ بالواسطة
قوله: (إذا أصبتَ فؤاده بالخِطَابِ على ما هو قاعدة التفسير بـ«إذا» وهي كون الكلمة الواقعة في التفسير مخاطَبا إذا كان الكلمةُ الواقعةُ في المُفَسَّرِ متكلما كما قال دده أفندي، ومعنى اللغويّ للفائدة على الثاني مُصِيبَةٌ مؤثِّرةٌ في الفؤاد للحسن واللطافة
قوله: (وفي العُرْفِ أي العرفِ العامِّ كما هو المتبادَر من إطلاق العُرْفِ
قوله: (المصلحة بمعنى المنفعة فيخرج المضرة من جنس التعريف
قوله: (من حيث هي ثمرته ونتيجته كلمةُ «مِنْ» متعلِّقةٌ بـ«المترتبةُ»، وقيدُ الحيثية للإطلاق، وفائدتُها التعميم بمعنى سواءٌ كانت تلك المصلحة مطلوبةً للفاعل بالفعل أو كان صدورُ الفعل لأجلها أَوْ لا، ليتناول التعريفُ إلى الغرض والعلة الغائية وإن أمكن الحملُ على التقييد أو التعليل لكن لم يُفَدْ التعميمُ المطلوبُ نَصًّا لاحتمال كون معنى الحيثية على تقدير التقييد والتعليل من حيث هي ثمرته ونتيجته فقط، فلا يتناولُ لـ ما ذُكِرَ لاشتماله على الزائد على مجردِ كونِ المصلحةِ ثمرتَه ونتيجتَه بخلاف الحَمْلِ على الإطلاق، لأنه ينافي التقييد بـ«فَقَطْ» فيكون نصًّا في المطلوب، وهو المطلوبُ
فإن قيل يقال إذا كان قيد الحيثية عينَ المُحَيَّثِ فهو للإطلاق كقولنا كل إنسان من حيث إنه إنسانٌ حيوانٌ وإذا كان غيرَه فإن صَلَحَ للتعليل فهو له كقولنا كل إنسان من حيث إنه متعجِّبٌ ضاحكٌ وإلاّ فهو للتقييد كقولنا كلّ إنسان من حيث إنه ضاحكٌ متعجِّبٌ، فههنا ليس عينَ المُحَيَّثِ، لأن الثمرة والنتيجة ليست مذكورةً في المُحَيَّثِ، وهو ظاهرٌ، فكيف يكون للإطلاق
فيقال إن هذا القول ليس بكليٍّ بل أكثريٌّ ويدلُّ على حَقِّيَّةِ هذا الجوابِ كونُ الحيثية المذكورة في تعريفي الحقيقة والمجاز للتقييد أو التعليل مع أنها عينُ المُحَيَّثِ كما عُرِفَ في موضعه
قوله: (على الإقدام بمعنى القُدُومِ بمعنى الجُرْأَةِ ، وإِلَّا فيكونُ معنى «باعثةٌ للفاعل على الإقدام» حاملةً له على الحَمْلِ فلا مُحَصَّلَ له
قوله: (وصدور الفعل إما منصوبٌ معطوفٌ على اسمِ «إِنَّ» وقوله: «لأجلها» ظرفٌ مستَقَرٌّ معطوفٌ على خبرِهِ عطفَ الشيئين بحرفٍ واحدٍ وهو الواوُ ههنا على مَعْمُولَيْ عاملٍ واحدٍ وهو «إِنَّ» ههنا
وإما مرفوعٌ معطوفٌ على خَبَرِ «إِنَّ» وقوله: «لأجلها» ظرفٌ لَغْوٌ لـ«صُدُورُ»
وعلى التقديرين فالعطفُ عطفُ تفسيرٍ للمعطوف عليه، وهذان الاحتمالانِ هما الظاهران وإن أمكن غيرُهما لكنه خلافٌ
قوله: (فالفائدة آه الفاء متفرع لعلها تفرع على التعريفات المستفادة باعتبار الحيثيات المذكورة في التقسيم
قوله: (متحدان بالذات معناه متحدان بحسب الأفراد يعني كلما صَدَقَ عليه الفائدةُ صدقَ عليه الغايةُ، وبالعكس
قوله: (مختلفان بالاعتبار أي باعتبار الحيثية يعني هل سقط لفظ لا بحسب المفهومِ من حيث هو هو
قوله: (أيضًا كنايةٌ عن الاتحاد بالذات
قوله: (كذلك كنايةٌ عن الاختلافِ بالاعتبار
قوله: (الحيثيتين اه دليلٌ للأمورِ الأربعةِ المذكورةِ على سبيل التنازُع، لأن معناه لأنهما سواءٌ كانتا بين الغاية والفائدة أو بين الغرض والعلة الغائية متلازمتان، والتلازُمُ يقتضِي المغايرةَ بين الملزوم واللازم ولو اعتباريةً كما ههنا، وقد يقتضي المساواةَ في الصدق كما ههنا، فقد ثَبَتَ الدَّعَاوَى الأربعةُ بهذا الدليل، وبيانُ التلازم ظاهر
قوله: (ودليل اعتبار آه جواب سؤال مقدَّرٍ تقديره إنما ثبت الدعاوي المذكورةُ بالدليل المذكور لو ثبت اعتبار الحيثيات في الأمور الأربعة وهو ممنوع
وتقرير الجواب أن صواحب عُرْفِ العام أضافوا الغرض إلى الفاعل فيقولون غرض الفاعل من هذا الفعل كذا وأضافوا العلةَ الغائيةَ إلى الفعل فيقولون علة غائية الفعل مثلا، فلذا اعتُبِر حيثيةُ كونِ المصلحةِ مطلوبةً للفاعل في الغَرَضِ وحيثيةُ كونِها صدورَ الفعلِ لأجلها في العلة الغائية
وأضافوا الفائدةَ والغايةَ إلى الفعل فيقولون فائدةُ الفعلِ كذا وغايتُهُ كذا، فلذا اعتُبِرَ حيثيةُ كونِ المصلحةِ ثمرةَ الفعل ونتيجتَه في الفائدة وحيثيةُ كونها على طرف الفعل في الغاية، ولكنَّ إضافتهم الفائدة والغاية إلى الفعل ظاهرةٌ، فلذا تَرَكَ بيانَ الإضافة فيهما
قوله: (فيما اعتبرت فيه ضمير «اعتُبِرَتْ» راجع إلى «حيثية»
وفي بعض النسخ «فيما اعتبر فيه» فنائب فاعل «اعتبر» إما ضميرٌ راجع إلى «حيثية» بتأويل «أَنْ» مع الفعل يعني أن بحيث، وإما ضميرٌ راجع إلى مصدر «اعتبروا ما فيه
قوله: (الغرضَ منصوبٌ مفعولٌ به للـ«إضافةُ»
قوله: (والعلةُ إما منصوبٌ معطوف على «الغرضَ» فقوله: «بالعكسِ» على هذا إما متعلق بالـ«إضافةُ» بواسطةِ العطف، فالباء بمعنى «إلى»، وإما ظرفٌ مُستَقَرٌّ حالٌ من «العلة الغائية»
وإما مرفوعٌ مبتدأٌ فقوله: «بالعكس» على هذا ظرف مستَقَرٌّ خبرُه، والجملةُ حالٌ من «الغرضُ»
قوله: (فالأولان الفاء جواب لشرطٍ محذوفٍ والتقديرُ هكذا «إذا عُرِفَ النسبةُ بين الأَوَّلَيْنِ أو بين آخرين بالاتحاد الذاتي والاختلاف الاعتباري وأُرِيدَ النسبةُ من جهةٍ أُخرى بين الأَوَّلَيْنِ والآخرين فالأَوَّلانِ آه
قوله: (إذ ربما يترتب) كلمةُ «إِذْ» علةٌ لـ«أَعَمُّ»
قوله: (لا تكون مقصودة كالاستظلال المُتَرَتِّبِ على غَرْسِ شَجَرِ الثَّمَرِ لأن المقصودَ من الغرس هو الثمرُ لا الاستظلالُ فيكون «فائدةً، وغايةً» ولا يكون «غرضا، وعلة غائية» فيكون الأولان أعمَّ من الأَخِيرَيْنِ
قوله: (وأما حمل آه الواو فيه عاطفةٌ لهذه الجملةِ على مقدرةٍ تقديرُها أَمَّا حالُ «هذه» وحالُ الـ«فائدةُ» لعله سقط فـ ما ذُكِرَ، فالمقدرةُ عديلٌ لـ«أَمَّا» المذكورةِ
قوله: (لغة وعرفا تمييزٌ من النسبة الإضافية لـ«حَمْلُ الفائدةُ» والتقديرُ حَمْلُ شيء الفائدةِ من جهة اللغة والعرفِ يعني بشيء الفائدة من جهتهما معناه اللغوي والعرفي، فاللائق تقديمُهما على لفظ «حقيقةٌ» إِلَّا أَنَّهُ أَخَّرَهُما ليكونَ الحكمُ بـ«حقيقةٌ» على الـ«حَمْلُ» مطلقًا ومُجْمَلاً ثم يكونَ مُقَيَّدًا ومُفَصَّلاً فيتحققُ الإجمالُ أَوَّلا والتفصيلُ ثانيًا فيكونُ أوقعَ في النفوسِ
قوله: (إذ العباراتُ تعليلٌ لنسبةِ «حقيقةٌ» إلى «حَمْلُ الفائدةُ»
قوله: (في نفسِها وفي بعضِ النُّسَخِ «أَنْفُسِهَا» بصيغةِ الجمعِ معناه مع قطعِ النظر عن المعاني أو مع قطع النظر عن التعددِ الحاصلِ بتعدد المَحَالِّ
قوله: (أما باعتبار آه تقديره أما كون العبارات فائدةً في نفسِها باعتبار اللغة فظاهرٌ لأنها مُحَصَّلَةٌ من العِلْمِ على المعنى الأول من اللُّغَوِيَّيْنِ وأنها مؤثِّرَةٌ في الفؤادِ لِلْحُسْنِ على المعنى الثاني منهما
قوله: (تترتب على تصحيح حروفها وإخراجها عن محالها) يُعْتَرَضُ على هذا بأن المشارَ إليه بـ«هذه» العباراتُ الذهنيةُ على ما مَرَّ، والعباراتُ الذهنيةُ لا تترتب على التصحيح والإخراج بل المترتبةُ عليهما العباراتُ الخارجيةُ، فالمحمولُ عليهما لعله عليه الـ«فائدةُ» ليست بمرتَّبةٍ ولا فائدةٍ والمرتَّبةُ والفائدةُ ليست بمحمولٍ عليها
فيجابُ بأن العباراتِ الذهنيةَ مع قطع النظر عن التعددِ العارضِ مترتَّبةٌ عليهما في وقتِ النطقِ فيكونُ قضيةُ «هَذِهِ فائدةٌ» وَقْتِيَّةً مُطْلَقَةً كقولنا كل قمر مُنْخَسِفٌ وقتَ الحَيْلُولَةِ، لكنَّ هذا الجوابَ إنما يصح على القول المشهور في العبارات الذهنية دون التحقيقِ، لأنها على التحقيق كليةٌ فلا يتعلق النطق بالكليةِ في حالٍ من الأحوال، فالجوابُ على التحقيق أن العباراتِ الذهنيةَ الكليةَ عُنْوَانُ الموضوعِ وأَفْرَادَها ذاتُ الموضوعِ والحكمُ على ذات الموضوع لا على عُنْوَانِهِ، فلا يَرِدُ السؤالُ لأن ذاتَ الموضوع موجودةٌ مترتبةٌ عليهما
ومعنى قوله: «في أنفسها» على التحقيق مع قطع النظر عن المعاني لا مع قطع عن التعددِ العارض بتعدّد المَحَالِّ، لأنّه لو قُطِعَ عن التعدُّدِ المذكورِ لم تكن العباراتُ موجودةً في الخارج مطلقا لكونها كليّةً مُجرَّدَةً عن اعتبار الأفرادِ لأنه يَحْصُلُ باعتبار التعدّد على التّحقيق، فلم تكن فائدةً بخلاف المشهورِ لأنّه لو قُطِعَ عن التّعدّد لكانت موجودةً في الخارج لكونها مشخَّصةً لأنّ الأعراضَ على المشهورِ كالجواهر وهي موجودة مع فطع النظر عن التعدّد المذكورِ فالأعراض كذلك، فيمكن أن يُحْمَلَ قوله: «في نفسها» على المعنيين كما سبق الإشارةُ إليه
قوله: (ويجوز أن يكون مجازًا) الواوُ فيه عاطفةٌ لهذه الجملة على جملةِ «وأما حَمْلُ..آه» أو عاطفةٌ لها على الخبر وهو لفظ «حقيقةٌ» بتأويلِ أحدِهِما بالآخَرِ على رأي وهو ههنا هكذا «جائزٌ كونُ الحَمْلِ مجازًا» أو «يكونُ حقيقةً»
فإن قيل يقتضِي المعطوفُ عدمَ كونِ العبارات ما هو له للـ«فائدةُ»، والمعطوفُ عليه يقتضي كون العبارات ما هو له لها فيتحققُ التناقُضُ بينهما
فيقالُ إن المعطوفَ عليه مبنيٌّ على إرادةِ الفائدةِ المطلقةِ منها والمعطوفَ مبنيٌّ على إرادة الفائدةِ المُعْتَدِّ بها منها، لأنَّ الألفاظَ مقصودةٌ للمعاني والمعانيَ مقصودةٌ بالذات فتكون المعاني ما هو له للفائدةِ المعتدِّ بها، والألفاظُ ما هو للفائدةِ المطلقةِ فلا يتحقّق التناقضُ لاختلافِ الجِهَةِ
وعَلَاقَةُ المجازِ في الإسنادِ على ما بَيَّنَ الشارحُ بقوله: «باعتبار أنّ لتلك العباراتِ..آه» السّببيَّةُ أي كونُ غيرِ ما هو له وهو العباراتُ سببًا لما هو له وهو المعاني، ويمكنُ أن تكونَ الدَّالِّيَّةَ والمَدْلُولِيَّةَ
قوله: (إمّا خبر بعد خبر آه قدّم خبريّةَ «تَشْتَمِلُ» على الحالِيَّةِ لكونِ الخبرِ ركنًا من الكلام والركنُ أشرف من الفضلة التي هي الحال هنا، وعلى الوصفية لكون الخبريّة مفيدةً للنّسبة المجهولة والوصفيّةُ لا تفيدُ، لِـمَا يقالُ «الأوصافُ قبل العِلْمِ بها إخبارٌ وبعدَ العِلْمِ بها أوصافٌ»، والمفيدُ أولى من غير المفيد، وقدّم الحالِيَّةَ على الوصفيّة لأن الحال وإن كانت فضلةً بالنّسبة إلى العامل لكنّها مفيدةٌ مُعْلِمَةٌ للنّسبة المجهولة بالنّسبة إلى ذي الحال بخلاف الصّفة لأنّها غير مفيدةٍ، لما مرّ بل مخصِّصَةٌ أو مادحةٌ أو غير ذلك
فإن قيل قول المصنف «تشتمل» دون «مشتملةٌ» مُطَابَقَةً للـ«فائدةُ» وهي الخبرُ الأوّلُ يُرَجِّحُ الحالِيَّةَ والوصفيّةَ فتعارَض الترجيحان فلِمَ قَدَّمَ الخبريّةَ عليهما
فيقال إن الترجيح الأوّل من جهة المعنى المقصود والثانيَ من جهة اللفظ الغير المقصود، فالتّرجيح الأوّل أولى من الثّاني، فلا تعارُضَ بينهما
قوله: (والمراد آه وفي مقام التفسير باعثٌ عامٌّ وهو الإبهام وفائدةٌ عامَّةٌ وهي رفع الإبهام وهما متحدان في كلِّ تفسيرٍ، وباعثٌ خاص وهو ورود السؤال المخصوص بحسب المقام وفائدةٌ خاصة وهي رفع السؤال المخصوص وهما متغايران في كلِّ مقامٍ، ومُصَحِّحُ التفسيرِ كالعلاقة في التفسير بالمجازي والوجود في اللّغة وفي التفسير بالحقيقي وأداة التفسير كـ«أَيْ، وأَعْنِي، ويَعْنِي» فالأوّلان والسادس ههنا معلومة،
وتقريرُ الثّالث ههنا بأنّ عبارة «تشتمل» فاسدة لأنّها مستلزمة لاشتمال الشيء على نفسه واشتمالُ الشيء على نفسه فاسد، فهذه العبارة مستلزمة للفاسد وكلّ مستلزم للفاسد فاسدة، فعبارة «تشتمل» فاسدة
وتقرير الرّابع ههنا بأنّا لا نسلم أنّ هذه العبارة مستلزمة للاشتمال المذكور كيف والمشتَمِلُ ههنا مجمَلٌ للتّعبير عنه بلفظ واحد وهو ضمير «تشتملُ» والمشتَمَلُ عليه مفصَّلٌ للتّعبير عنه بألفاظ متعدّدة
أو المشتَمِلُ كلٌّ والمشتَمَلُ عليه كلُّ جزءٍ من أجزائه
وعبارة الشارح تحتمل كِلَا التوجيهين وإن كان الظاهر هو الثانيَ من لفظ «كلّ» و«أجزائه»
والتّوجيهُ الأوّلُ مبنيٌّ على ملاحظة العطفِ قبل الحكم بالاشتمال والثّاني على ملاحظة الحكم قبل العطف والخامس استعمال حرف العطف عند البلغاء على الوجهين
قوله: (وجه الترتيب إنّما عدل عن التّعبير المشهور وهو وجه الضّبط لأنّ التّرتيب يستلزم الضّبط مع إفادته حسن الانتظام لأنّه وَضْعُ كلِّ شيءٍ في مَرْتَبَتِهِ اللائقةِ بخلاف الضّبط لأنّه يدلّ على الحصر لا على حسن الانتظام مع أنّ الدليل يفيدُه بل لفظُ «مقدّمة، وتقسيم، وخاتمة» في المتن فلذا عَدَلَ عنه إليه
قوله: (أنّ ما ذَكَرَهُ يذكره ذكر آه مادةُ الألفِ والنّونِ ههنا بالفتح، لأنّها إذا وقعت خبرًا عن اسمِ معنًى قد يجوزُ فيها الكسرُ فقط كقولك العلمُ إِنَّهُ حسنٌ لأنّها لو فُتِحَتْ فيه لكان المعنى بعد التّأويل بالمصدر العِلْمُ كونُهُ حسنًا فلا يصحّ الحملُ بينهما لعدم الاتّحاد الخارجيّ لأنّه ليس بمتّحدِ مع الكون المذكور بل متّحدٌ مع حَسَنٌ
وقد يَجُوزُ الفتحُ فيها فقط كقولك مأمولي أَنَّكَ قائمٌ لأنّها لو كسرت لكان المعنى مأمولي إنَّكَ ثابتُ القيامِ فلا يصحّ الحملُ بينهما، لأنّ المأمول نفسُ القيامِ لا نفسُ المخاطَب لأنّه لو كان نفسَه ليقال مأمولي أنت، ولو كان المخاطَبَ من حيث إنّه قائمٌ لرجع المعنى إلى صورةِ الفتح فلا فائدةَ في الكسر بل لا صحّةَ له لعدمِ العائدِ من الجملة إلى المبتدأ
فما نحنُ فيه من قبيل الثّاني، لأنّ وجهَ التّرتيب كينونةُ ما ذُكِرَ لإفادةِ كذا ولإفادةِ كذا لا نفسُ ذِكْرِ صوابه ذِكْرِهِ ولعدم العائدة
ويجوز الفتح ههنا بتقدير حرف الجرّ أي «وجهُهُ حاصلٌ بأَنَّ ما آه»
قوله: (في هذه الرسالة إن قيل إنّ ما ذكره عبارة عن الألفاظ بقرينة بيانِهِ بقوله: «من العبارات»، والرسالةُ عبارةٌ عنها على المختار على ما مرّ فيلزم ظرفيّة الشيء لنفسه
فيقال الألفاظُ التي هي عبارةٌ عنها الرسالةُ خاصّةً والألفاظُ التي «ما ذَكَرَهُ» عبارةٌ عنها عامَّةً فيكون الظرفيّة ظرفيّةَ الكلّ للجزء، لأنّ الخاص مقيّد والعام مطلق، والمطلق جزء المقيّد وهو كلٌّ له، فلا يلزم ظرفيّة الشيء لنفسه
وإن قيل قوله: «من العبارات» مُستَدْرَك لأنّ ما ذكره لا يَحْتَمِلُ غيرَها
فيقال أَنَا لا أُسَلِّمُ أنّه لا يَحتمل غيرَها كيف ولفظ «ذَكَرَهُ» إمّا مشتقّ من الذُّكر بضمّ الذال وهو التعقّل وإمّا مشتقّ من الذِّكر بالكسر وهو التلفّظ، وعلى هذا لفظ «ذَكَرَ» مشترَكٌ يحتمل المعنيين التعقّل والتلفّظ، وقرينةُ إرادة التلفّظ قوله: «من العبارات» فلا استدراك
أو يقال فائدتُهُ دفعُ احتمالِ كون النّسبة الوُقُوعِيَّةِ لـ«ذَكَرَ» إلى ضميرِ المفعولِ مجازًا لكون «ما» عبارةً عن المعاني
وتقريرُ وَجْهِ الضَّبْطِ على طريق مَفْصُولِ النَّتائجِ ظاهرٌ
وتقريرُه على موصولِ النَّتائجِ هكذا «ما ذَكَرَ في هذه الرِّسالةِ مُرتَّبٌ على مقدّمة وتقسيم وخاتمة» لأنّه إمّا أن يكون لإفادةِ المقصود لعله سقط فهو التقسيم أو لإفادة ما يتعلّق به، وكلّما كان الثّانيَ فإِمَّا أن يكون ذلك التعلّقُ تعلّقَ السابق باللاحق أو تعلّق اللاحق بالسّابق، وكلّما كان الأوّلَ فهو المقدّمةُ {فـ«ما ذَكَرَ» فيها إمّا تقسيمٌ وإمّا مُقَدِّمةٌ وإمّا أن يكون ذلك التعلّقُ تعلّقَ اللاحق بالسّابق}، وكلّما كان ذلك التعلّقُ تعلّقَ اللاحقِ بالسّابقِ فهو الخاتِمةُ، {فـ«ما ذَكَرَ» فيها إمّا تقسيم وإمّا مقدّمة وإمّا خاتمة}، وكلّ شيء شأنه كذا فهو مرتّبٌ على مقدّمة وتقسيم وخاتمة، فـ«ما ذَكَرَ» فيها مرتّب عليها، وهو المطلوبُ
فإن قيل لا نُسلِّم «كلّما كان الأوّل فهو التّقسيمُ» كيفَ وجزءُ التقسيمِ من الأوَّلِ وليس بتقسيم
فيقالُ جزءُ التقسيمِ ليس من الأوَّل، لأنّ المقصود من قوله: «لإفادة المقصود» لإفادة جميعِ المقصود، والجزءُ ليس لإفادةِ جميعِهِ
فإن قيل فعلى هذا الجوابِ يَرِدُ السّؤالُ على قوله: «كلّما كان الثّانيَ فإمّا أن يكون ذلك آه» بأنّ الجزء إذا لم يدخل في الأوّل يدخلُ في الثّاني مع أنّه يتعلّق به تعلّقَ الجزءِ بالكلّ و الصواب حذفها لا تعلّقَ السّابق باللاحق وبالعكس، فانحصار الثّاني في التعليقين ممنوع
فيقال إنّه لم يدخل في الثّاني لأنّه يُخَصُّ من الثّاني تَعَلُّقُ الجزءِ
فإن قيل بِرَدِّ لعلها يُرَدُّ السؤال على هذا الجوابِ على انحصار «ما ذَكَرَ» في إفادةِ المقصودِ وإفادةِ ما يتعلَّقُ به
فالجوابُ الحاسِمُ لأصل الشُّبْهَةِ تخصيصُ «ما ذَكَرَ» بما يكون جزءًا مستقلّا، وجزءُ الجزءِ ليس جزءًا مستقلّا فلم يدخل في المَقْسِمِ وهو «ما ذَكَرَ» حتى يَرِدَ السّؤالُ
قوله: (والمقدّمة آه قَدَّمَ اشتِقَاقَها من «قَدَّمَ» اللّازِمِ على اشتقاقِها من قَدَّمَ المتعدِّي، لأنَّ المناسبةَ على الاشتقاق الأوّل ظاهرة دون الثّاني بين المعنى الاصطلاحيّ واللّغويّ، لأنّ التقدُّمَ صفة حقيقة للمعنى العرفيّ والتقديمَ صفةٌ مجازِيَّةٌ بطريق السّببيَّةِ لا حقيقيَّةٌ بطريق الصدور، لأنّ التقديم لكونه من الأفعال الاختياريّة يقتضي الاختيارَ في المصدر ولا اختيارَ في المعنى العرفيّ، فالمناسبةُ ظاهرة على الأوّل دون الثّاني، فلِذَا قَدَّمَ الأوّلَ وأَخَّرَ الثّاني
قوله: (عبارةٌ عمّا يتوقّفُ) معناه يعبّر عنها بما..آه
قوله: (لتقدُّمِها) ناظرٌ إلى الاشتقاق من اللّازم، والمناسبةُ بين المعنيين اللّزومُ على الاحتمالين لأنَّ كُلًّا من التقدّم والتقديم لازم للمعنى العرفيّ وهو ظاهر أو العموم والخصوص لأنّ معناه اللّغويّ أمور متقدّمة والمعنى العرفيّ بعض من هذه الأمور فيكون من قبيل نقل العامّ إلى الخاص
قوله: (أو لتقديمِ الطّالِبَ نَاظِرٌ إلى الاشتقاقِ من المتعدّي معناه لتقديم الطّالبِ العالِمِ بها على غيرِ العالِمِ بها، والتّاءُ فيها بعد النَّقْلِ إمّا للتَّأْنِيثِ إن قُدِّرَ الموصوفُ مُؤَنَّثًا كـ«طائفة، وأمور» وإمّا للنّقل إن قُدِّرَ الموصوفُ مُذَكَّرًا كـ«شيء، وأمر» والتّاءُ للنّقل يكون مجازًا
وتقريرُهُ بالتركي فرعيتده نقليّة مطلقة تأنيث مطلقة يه تشبيه أولندي جنسيند أولمسي ادعا أولندي تأنيث مطلقة نقليّة مطلقة ده بحسب الإرادة استعمال أولندي استعارة مصرّحة أصليّة أولدى بواستعاره يه تبعا تأنيث مطلقة نك جزئياتنه موضوع أوّلان تاء نقليّة مطلقة نك جزئيا تندن بر جزئيسي أوّلان مقدّمة لفظنك نقليتنده استعمال أولندي استعارة مصرّحة تبعيّة أولدي
قوله: (في المقاصد بالذات) كمعاني التقسيمِ ههنا والقياسِ في المنطق
قوله: (وبالواسطة) كألفاظِ التقسيمِ ههنا والقضايا في المنطق
قوله: (المعاني المخصوصة أو والعبارات) فإن قيل تقديمُ كون المقدّمةِ عبارةً عن المعاني على كونها عبارةً عن الألفاظِ يدلّ على رُجْحَانِيَّةِ كونِها عن المعاني، وتخصيصُ الإشارة في «هذه» بالعبارات يدلّ على رُجْحَانِيَّةِ كونها عبارةً عن الألفاظِ، فيلزم التّنافي بين كَلَامَيْهِ
فيقال إنّ ما سبق مبنيٌّ على الرُّجْحَانِيَّةِ في نفس الأمر، وما ذُكِرَ هنا مبنيٌّ على الرُّجْحَانِيَّةِ بالنّسبة إلى نقل المقدّمة من المعنى العرفيّ إلى أحدهما، لأنّ المعنى العرفيّ من قبيل المعنى، فيكون المعاني المنقولُ إليها ههنا من أفراده، فيكون المناسبةُ تامَّةً بخلاف الألفاظ، ولأنَّها ليست من أفراده فلا يكون المناسبة بينهما تامّة فيختلف جِهَتَا الرُّجْحَانِيَّتَيْنِ فلا يلزمُ التّناقُضُ
قوله: (فلابُدَّ من اختيارِ التجوُّزِ) فيه نظرٌ، لأنّ التجوُّزَ ليس بلازِمٍ على تقديرِ الأوَّلِ لأنّه يَجُوزُ حينئذٍ أن يكونَ الاستعمالُ حقيقةً بأن استَعْمَلَ العامَّ بعمومِهِ في الخاصِّ، فلا وَجْهَ لِلُّزُومِ
فيجابُ بأنّ هذا النَّظَرَ إنّما يَرِدُ لو لم يكن لفظُ «اختيارِ» أو اللزومُ المعفاد لعلها المستفاد من «لابُدَّ» بمعنى الوجوبِ الاستحساني وهو ممنوعٌ
وحاصل الكلام على التوجيهين «يَحْسُنُ التجوّزُ سواءٌ كان واجبا كما بالنّظر إلى العلاقة الثانية أو لم يكن واجبا كما بالنّظر إلى العلاقة الأولى بل حسنًا» لأنَّ الحقيقةَ المذكورةَ تستلزمُ إرادةَ غيرِ المرادِ مرجوحة بالنّظر إلى المجاز والمجازُ المذكورُ حَسَنٌ بالنّظر إليها
قوله: (من إطلاق الكلّيّ على لعله سقط بعض جزئيّاته) ناظرٌ إلى احتمال المعاني، والكلِّيُّ ما يتوقف..آه، وبعضُ جزئيّاتِهِ مَعَانِ المقدِّمَةِ ههنا
قوله: (أو إطلاق اسم المدلول) ناظرٌ إلى احتمالِ الألفاظِ
قوله: (على لم يسقط بعض ما دلّ عليه) إِنْ قِيلَ اسم المدلول لم يطلق على جميع ما دلَّ عليه بل على بعضِ ما دلَّ عليه، ولم يَدُلَّ عليه لفظُ الشارحِ بل على الأوّل الغيرِ المرادِ ههنا
فيقالُ إنَّ عدمَ الدِّلالةِ على المطلوبِ ممنوعٌ، لأنّ لفظ «ما» في «ما دَلَّ» للعهد الذّهني أو لأنّ ضمير «عليه» راجع إلى بعضِ جزئيّاتِهِ أو لأنّ ضمير «عليه» محمولٌ على الاستخدامِ، والمرادُ منه بعضُ المدلولِ، وعلى التقاديرِ الثلاثةِ يفيدُ لفظُهُ المطلوبَ
فإن قيل إِنَّ الوضعَ والتقسيمَ ليس بعِلْمٍ بل مَبَاد العلوم العربيّة ومباديءُ عِلْمِ اللغةِ فلا يصدق «ما يتوقف عليه الشروع في العلم» على معاني المقدّمة ههنا لأنّها ما يتوقف عليه الشروعُ في التقسيم وهو ليس بعِلْمٍ
فيقال إنا لا نسلم عدمَ الصدق، كيفَ والتوقفُ المذكورُ في التعريفِ أَعَمُّ من التوقف بالذات أو بالواسطة، والشروع في العِلْمِ الذي الوضعُ مَبَادٍ لَهُ يتوقف على الشروع في الوضع والتقسيمِ والشّروعُ على وجه البصيرة في التقسيمِ يتوقّف على المقدّمة ههنا، فالشّروعُ في العِلْمِ المقصودِ يتوقّف على المقدّمة بالواسطة فيصدق «ما يتوقف عليه الشروع في العِلْمِ» فيَصِحُّ العَلَاقَتَانِ المذكورتان
أو يقال إنا لا نسلم أنّ الوضعَ ليس بعِلْمٍ كيف عرف الخادمي رحمه الله في رسالة البسملة عِلْمَ الوضع بأنّه علم يُبْحَثُ فيه عن أحوال الوضع بحسب الكليّة والجزئيّة، وإذا كان الوضع عِلْمًا فيصدق التعريف المذكور على مدلول المقدّمة ههنا بلا تعميمِ التوقُّفِ فيه، فيصحُّ العَلَاقَتَانِ
قوله: (إذ التّنبيه من المقدِّمةِ) لأنّ ما ذُكِرَ فيه يَشْتَدُّ ارتباطُهُ بها، ولأنّه مذكورٌ مُنَكَّرا مخالِفًا لأَخَوَيْهِ التقسيمِ والخاتمةِ
قال المصنف (المقدِّمة) اللامُ للعهد الخارجي لتقدّم ذكرها صراحةً إن كان المرادُ بهما واحدًا أو كِنَايَةً إن كان المرادُ بهما مختَلِفًا بأن يكون المراد بأحدهما الألفاظَ وبالآخَرِ المعاني
فإن قيل المرادُ بمدخول العهدِ الحِصَّةُ وهي تقتضي ذا الحصّة فما هو؟
فيقالُ ما يُطْلَقُ عليه لفظُ المقدّمةِ سواءٌ كان معنًى عرفيًّا أو معنًى لغويًّا أو معنًى مرادًا ههنا
أو لفظُ المقدّمة والمعنى المرادُ ههنا حِصَّةٌ من هذا المطلق العامِّ وهو ليس بمرادٍ ههنا بل يعتبر لمجرّد وجدان ذي الحصّة لها
قوله: (مبتدأٌ) خَبَرُ مبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ «هو» أي لفظُ المقدّمةِ
قوله: (أو بالعكس) ظرفٌ مُسْتَقَرٌّ عطفٌ على «مبتدأٌ»
فإن قيل لِـمَ قَدَّمَ احتمالَ كون المقدّمة مبتدأ والخبرِ محذوفًا وأَخَّرَ العكسَ
فيقالُ لأنّ المقرّر عندهم إذا اجتمع الشَّيئان اللَّذان أحدُهما أعرفُ من الآخَرِ فيُجْعَلُ الأَعْرَفُ مبتدأً وغيرُه خبرًا، وههنا «المقدّمة» أعرفُ من الخبر لتقدّم ذكرها، والخبرُ وهو «الذي نَشْرَعُ فيه» ليس بأعرفَ منها لعدم تقدّم ذكرها،صوابه ذكره فلذلك فَعَلَ كذلك
قوله: (وأمّا جعل آه جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ تقديره بأنّ في كِلَا الاحتمالين حَذْفًا وتَكَلُّفًا وفي احتمال جَعْلِ «المقدّمةُ» مبتدأً والخبرِ العباراتِ المذكورةَ رُجْحَانًا عليهما لعدم الحذف فيه، فترجيحهما عليه ترجيحُ المرجوح على الراجح
وحاصل الجواب أنّ هذا الاحتمال غير مناسب ومرجوحٌ من جهة المعنى فقط، والاحتمالان الأَوَّلانِ مرجوحان من جهة اللفظ فقط ففيهما جَزَالَةُ المعنى ورَكَاكَةُ اللفظِ وفي ذلك الاحتمالِ رَكَاكَةُ المعنى وجَزَالَةُ اللفظِ، وإذا اجتمع الجَزَالَتَانِ يُرَجَّحُ جَزَالَةُ المعنى ويُتْرَكُ جَزَالَةُ اللفظِ ويُخْتَارُ تَكَلُّفُهُ، لأنّ المعنى مقصودٌ بالذّات واللّفظَ مقصودٌ لأجل المعنى فناسَبَ ترجيحَ جَزَالَتِهِ على جَزَالَةِ اللَّفظِ
وَوَجْهُ ركاكة المعنى على هذا الجعل أنّه إذا جُعِلَ العباراتُ المذكورةُ خبرًا لـ«المقدِّمةُ» يكون نِسْبَتُهَا لها مقصودةً، لأنّها إذا لم تكن مقصودةً والنّسبةُ بين العبارات مقصودةٌ لم تكن خبرًا كقولك زيد قام أبوه، لأنّه لم تكن نسبةُ قامَ إلى الأبِ مقصودةً، لأنّها لو كانت مقصودة لم يكن «قام أبوه» خبرًا لـ«زيدٌ» لأنّه لم تكن النّسبةُ المقصودةُ في الكلام اثنين، فهنا إذا كان العباراتُ خبرًا لـ«المقدّمةُ» لم تكن النّسبةُ بين العبارات مقصودةً مع أنّها مقصودةٌ في نفس الأمر، فيلزم حينئذ أن تكون النّسبة المقصودةُ غيرَ مقصودةٍ، فيلزم الركاكةُ من جهة المعنى
قوله: (تأمّل) إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ في بيان عدم المناسَبَةِ وهو بيانُ عدمِ الجَزَالَةِ ووجْهُهُ