قَالَ الإِمامُ العَلَّامَةُ القاضِي
عَضُدُ الدينِ أبو الفضلِ
عبدُ الرحمنِ بنُ ركنِ الدينِ
أحمدَ بنِ عبدِ الغفارِ بنِ أحمدَ
الإِيجي البَكْرِي:
هَذِهِ فَائِدَةٌ
تَشْتَمِلُ عَلَى:
(مُقَدِّمَةٍ، وتَقْسِيمٍ، وخَاتِمَةٍ)
قال المصنِّفُ رحمه الله تعالى بَعْدَ التَّسْمِيَةِ:
((هَذِهِ فَائِدَةٌ)) الـمُشَارُ إليـه بـ«هَذِهِ» العِبَارَاتُ الذِّهْنِـيَّـةُ التي أَرَادَ كتابَتَـها وبَيَـانَ أَجْــزَائِـهَـا، نُــزِّلَـتْ مَـنْــزِلَـةَ الـمُشَخَّصِ الـمُشَاهَـدِ الـمَحْسُوسِ واسـتُـعْـمِـلَتْ فيــها كلمـــةُ «هَــذِهِ» المَوْضُوعَةِ لكـلِّ مُشَارٍ إليه محسوسٍ.
والفائدةُ في اللُّغَةِ ما حَصَّلْتَهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَـالٍ أَوْ غَيْرِهِـمَا مُشْتَـقٌّ مِنَ الفَـيْـدِ بمعنـى اسْتِـحْـدَاثِ المـالِ والـخَـيْـرِ.
وقِـيـلَ: اســمُ فـاعـلٍ مِـنْ فَــأَدتُّــهُ إِذَا أَصَـبْـتَ فُــؤَادَهُ.
وفي العُرْفِ هي المَصْلَحَةُ المُتَرَتِّبَةُ على فِعْلٍ من حَيْثُ هي ثَمَـَرتُـهُ ونتيـجتُـهُ وتِلْـكَ المَصْلَحَـةُ من حيـثُ إِنَّها على طَـرَفِ الفـعـلِ تُسَمَّـى غايـةً له، ومن حـيـثُ إنها مطـلوبـةٌ للفـاعلِ بالفعلِ تُسَمَّى غَرَضًا، ومن حيثُ إنها باعِثَـةٌ للفـاعل علـى الإِقْـدَامِ علـى الـفِعْـلِ وصُـدُورِ الفعـلِ لِأَجْلِهَا تُسَمَّى عِلَّـةً غـائِـيَّـةً
فالفَائِـدَةُ والغَـايَـةُ مُـتَّحِـدَانِ بالـذَّاتِ ومُـختلفان بالاعتبارِ كما أن الغَرَضَ والعِـلَّـةَ الغَائِـيَّـةَ أَيْضـًا كذلـك، لأَنَّ الحَيْـثِـيَّـتَيْنِ مُتَلازِمَتَانِ، ودَلِيلُ اعتبارِ كُلِّ حَيْثِـيَّةٍ فيما اعتُبِرَتْ فيه إضافَـتُهُمُ الغَـرَضَ إلـى الفَـاعِـلِ دُونَ الـفِعْـلِ، والعِلَّـةُ الغائِـيَّـةُ بِالعَكْسِ، فالأَوَّلَانِ أَعَـمُّ من الأَخِـيرَيْنِ مُطْلَـقًا، إِذْ رُبَّمـا يَتَـرَتَّـبُ علـى الفِعْـلِ فائـدةٌ لا تكونُ مَـقْصُـودَةً لِفَـاعِـلِـهِ.
وَأَمَّا حَمْلُ الـ«فَائِدَةُ» على ما أُشِيـرَ إليه بـ«هَــذِهِ» فـحَـقِـيقَـةٌ لُـغَـةً وعُـرْفًا، إِذِ العِـبَـارَاتُ فِـي أَنْـفُـسِـهَا فـائـدةٌ، أَمَّـا بِاعْتِـبَـارِ اللُّغَـةِ فَظَـاهِرٌ، وأَمَّـا باعْتِبَارِ العُـرْفِ فَلأَنَّها مَصْلَحَـةٌ تَتَـرَتَّـبُ على تصحـيـحِ حُـرُوفِـهَا وإِخْرَاجِـهَا عن مَـحَـلِّـهَـا ويَـجُوزُ أَنْ يكونَ مَـجَازًا في الإِسْنَادِ باعْتِـبَارِ أَنَّ لِتِلْكَ العِـبَـارَاتِ مَـدْخَلاً فِـي حُـصُـولِ الفَـائِـدَةِ.
((تَشْتَـمِلُ)) إِمَّـا خَبَـرٌ بَعْـدَ خَبَـرٍ أَوْ حالٌ أَوْ صفـةٌ لـ«فائـدةٌ»، والمرادُ أَنَّها تَشْتَملُ اشتمـالَ الكُلِّ عَلَـى الأَجْزَاءِ ((عَلَـى مُقَدِّمَـةٍ وتـَقْسِيـمٍ وخاتِـمَةٍ)) وَجْـهُ التَّـرْتِيبِ أَنَّ ما يُذْكَرُ فـي هـذه الرِّسَـالةِ من العِبَـاراتِ إمَّا أن يكـونَ لإِفَـادَةِ المـقـصودِ أَوْ لإِفَادَةِ ما يَتَعَلَّـقُ بِـهِ، إِذِ الخارجُ عنهمـا لا يُذْكَـرُ فيـها، فـإن كـان الأولَ فهـو التَّـقْسِـيـمُ وَإِنْ كَـانَ الثَّانِـيَ فـإِنْ كـَانَ ذلـك التَّـعَلُّـقُ تعلُّـقَ السَّابقِ باللَّاحِـقِ أي: التعلُّـقَ من حيثُ الإِعَانَـةُ فـي الشروع علـى وَجْـهِ البـصيـرة فيـه فهـو الـمُقَـدِّمَـةُ، وإن كـان تعلُّـقَ اللاحِقِ بالسَّابقِ أي التعلُّـقَ مـن حيـث زِيَـادَةُ التـوضيـحِ والـتـكـمـيـلُ فـهـو الـخاتِـمَةُ.
والمُقَدِّمَةُ فـي اللُّـغَةِ مَأْخُـوذَةٌ إِمَّـا مِنْ قَـدَّمَ اللَّازِمِ بمعنى تَقَدَّمَ أو المُتَعَدِّي.
وفي الاصْطِـلاحِ عِبَـارةٌ عَمَّـا يَتَـوَقَّفُ عليـه الشُّـروعُ فـي العِـلْـمِ والمُنَـاسَبَـةُ ظاهِرَةٌ لِتَقَـدُّمِـهَا في الذُّكْرِ أَوْ لتَـقْدِيمِـهَا الطَّـالِبَ في الشُّرُوعِ في الـمَـقَـاصِـدِ بالـذَّاتِ أو بالـواسِـطَـةِ.
والـمُرادُ بالـمُقَـدِّمـَةِ هَهُـنَـا الـمَعَانِـي الـمُخْصُوصَةُ أو العِبَارَاتُ المُعَـيَّـنَـةُ، فـلابُـدَّ مِـنِ اعْــتِـبَـارِ الـتَّــجَـوُّزِ بِـأَنْ يكونَ من قَـبِـيـلِ إِطْلَاقِ الكُلِّـيِّ عَلَى بَــعْـضِ جُـزْئِـيَّــاتِـهِ أَوْ إِطْـلَاقِ اسْـمِ الـمَدْلُولِ عَلَـى بَـعْضِ مـا دَلَّ عـليه.
وما وَقَـعَ فـي بَعْـضِ النُّـسَـخِ «علـى مُقَدِّمَةٍ وتَنْبِيهٍ وتَقْسِيمٍ وخَاتِـمَةٍ» فهو سَهْـوٌ مِنْ قَلَمِ الكَاتِـبِ، إِذِ الـ«تَّنْـبِيهُ» مِنَ الـمُقَـدِّمَـةِ فَلَا مَعْنَى لِعَـدِّهِ جُـزْءًا مُسْتَقِلًّا.
((المُقَدِّمَةُ)) مُبْتَدَأٌ خَبَـرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ هذا الـذِّي نَشْـرَعُ فِـيـهِ أَوْ بِالْـعَـكْـسِ وَأَمَّا جَـعْـلُ مَـجْـمُوعِ هِذِهِ العِبَارَاتِ التِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ «التقسـيمُ» خَبَرًا لَهَا فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ فِي أَمْثَالِ هَـذَا المَقَامِ، تَـأَمَّـلْ.
الحاشية
قوله: ((المشارُ إليه بـ«هذه»)) نُقِلَ من شرح الهادي أنه يجوز أن يُحْمَلَ على أنه عَمِلَ الخُطبةَ بعد الفراغ عن الكتاب أو صَوَّرَ الكتابَ وفُصُولَهُ ومسائلَهُ في نفسِهِ وأشارَ إلى المعنى الموجودِ في النفسِ
والأَوْلَى أنه وَضَعَ كلمةَ الإشارةِ غيرَ مُشِيرٍ بها إلى شيءٍ ويشيرُ بها وقتَ الحاجةِ كما يُكْتَبُ في صدور الصكاك «هذا ما شِهِدَ عليه الشهودُ أو الـمُسَمَّوْنَ في هذا الكتاب ولم يشهد وبعد فإنه أشهد صحت لعله ولم يشهدوا بعدُ فإنه يشهد لصحة الإشارة، أقول فيه تأمُّلٌ.
قوله ((نزلت منزلةَ)) أي: قيل هذا إشارةً إلى أن اسمَ الإشارة المستعملة لعله المستعملَ في العبارات المخصوصة التي هي الرسالة مجازٌ، فإنه موضوع لكل مشار إليه محسوس مشاهد وهي ليست مشاهَدةً ولا محسوسةً لعدم اجتماع أجزائها في الوجود، ولا مشخصة فإن كل كتاب أو شِعْرٍ نُسِبَ إلى أَحَدٍ فإنه اسم لذلك المؤلَّفِ المخصوص سواءٌ قرأه زيد لعل سقط أو عمرو أو غيرُهما، فتأمل، انتهى.
وفيه نظر لأن ما قَرَأَ زيدٌ وعمرٌو أو غيرُهما أمثالُ المؤَلَّفِ المخصوصِ لا أفرادُهُ، فحينئذٍ يكونُ التأليفُ المخصوصُ مُشَخَّصًا بلا رَيْبٍ، فتأمَّلْ.
قوله: ((والفائدة في اللغة ما حَصَّلْتَهُ)) قال في الصحاح الفائدةُ ما اسْتَفَدتَّ من علم أو مال، تقول فَادَتْ له فائدةٌ ومعناه حَصَلَتْ له فائدةٌ، وحينئذ يكون اسم الفاعل فائدة بمعنى حَاصِلٍ، وعلى ما فَسَّرَ الشارحُ الفيد باستحداث المال والخير يكون معنى الفائدة مُسْتَحْدَثَةَ المالِ والخيرِ ومُحَصَّلَتَه، ولا ما حاصل منهما، فليتأمل. صوابه لا ما هو حاصل منهما
قوله: من فأدتُّهُ إذا أصبتَ فؤادَه، وحينئذ يكون معنى الفائدةِ المُصِيبَةَ إلى الفؤادِ.
قوله: فالفائدة والغاية متحدان بالذات إلخ مرادُهُ أنهما متساويان واختلفا مفهومًا، وكذا في الغرض والعلة الغائية، وإلا فالكلُّ مُتَّحِدٌ بالذاتِ ومختَلِفٌ بالاعتبارِ، وإلى ما ذكرنا أشار بقوله «لأن الحيثيتين متلازمتان» في بيان الاتحاد بالذات، لكن يستلزم المساواة على ما لا يخفى.
قوله ((إضافتهم الغرض)) لم يتعرض لدليل اعتبارها في الفائدة والغاية للظهور على ما لا يخفى على مَنْ له تأمُّلٌ.
قوله: لغة وعرفا أي من جهةِ معنى اللغوي ومن جهة معنى العرفي لا أنه لعله أنها لغوية وعرفية، لأن الحقيقة والمجاز في الحمل لا يسميان لغويين ولا عرفيين بل عقليين ومجازًا في الإسناد على ما عُرِفَ في موضعِهِ.
قوله: أما باعتبار اللغة فظاهر إلخ وأمَّا باعتبار المعنى الأول فلأن العباراتِ الذهنيةَ علومٌ حُصِّلَتْ في الذهن، وأما باعتبارِ المعنى الثاني فلأنها مُصِيبَةُ فؤادِ المصنفِ أي ذهنِه حيث رُتِّبَتْ في ذهنه قبل الكتابةِ والإيرادِ أو مُصِيبَة الفؤاد المعاني التي هي دالة عليها أي مُبَيِّنَة لها غايةَ البيان، فيكون كنايةً عن تعمقها وتناسبها في البيان، والله أعلم.
هذه الحاشية بعد الآتية قوله: ((أو إطلاق اسم المدلول)) الأَوْلَى أن يقول «أو إطلاق اسم المفهوم» الصادقِ على المدلول على بعضه الدال لعلها وعلى بعض الدال.
قوله: ((أو لتقديم الطالب)) أي لتقديمها الطالبَ العالِمَ في الشروعِ على غيرِ العالِمِ بها
لعل سقط قوله ((خبرُهُ هذا الذي)) ويمكنُ أن يقولَ هكذا «المقدمةُ في بيانِ تقسيمِ اللفظِ باعتبارِ خُصُوصِ اللَّفْظِ وعُمُومِهِ» بل هذا أَظْهَرُ.