جامع أحمد بن طولون.. أكبر مساجد مصر




ثلاثة عناصر أساسية كانت تميز جامع أحمد بن طولون أكبر مساجد مصر عندما أمر بإنشاء هذا الجامع الأمير أبوالعباس أحمد بن طولون الذي يرجع أصله إلى المماليك الأتراك ومؤسس الدولة الطولونية في مصر،

هذه العناصر هي:
بناؤه على جبل يشكر بن جديلة والذي ينتسب إلى تلك القبيلة العربية التي شيدت خطتها عليه عند الفتح العربي الإسلامي لمصر.


حيث منح بقعة عالية تشرف على المدينة من أعلى، كما قيل أن موسى عليه السلام ناجى ربه من على قمة هذه البقعة الشاهقة.
فيما يتمثل العنصر الثاني في تميز جامع أحمد بن طولون في طلب ابن طولون المهندس الذي شيد الجامع أن يشيد له مسجداً جامعاً لا تأتي عليه النيران أو تهدمه مياه الفيضان،


فإن احترقت مصر بقي وإن غرقت بقي، فيما ذكر المقريزي أن الجبل كان يشرف على النيل وليس بينه وبين النيل شئ ويتاخم بركة الفيل، وبركة هارون، فحقق المهندس رغبة ابن طولون، وبنى الجامع من الآجر (الحجر) الأحمر، ورفعه على دعامات من الآجر أيضا، بل لم يدخل في بنائه أعمدة من الرخام، سوى عمودي القبلة لأن أساطين (أعمدة) الرخام لاصبر لها على النار.


وعلى الرغم من أن تخطيط جامع بن طولون يتبع النظام التقليدي للمساجد الجامعة المكونة من صحن أوسط مكشوف يحيط به اربع ظلات أكبرها ظلة القبلة، إلا أنه ينفرد بمئذنة فريدة تعد من العناصر المعمارية المهمة والأساسية للمساجد وتكاد تكون الوحيدة في العالم الآن على هذا الشكل بعد أن تداعت توأمتها في سامراء ببغداد مؤخرا أثناء القصف الأميركي للمدينة، ويقول المقريزي أن ابن طولون بنى منارة هذا الجامع على صفة جامع منارة سامراء.


أما العنصر الثالث والذي يميز الجامع هو ذلك الجمال المعماري الطاغي الذي يجعل منه أحد أهم شواهد عصر من عصور مصر الرائعة حيث تجاوز في أوقات كثيرة دوره الديني إلى دور تنويري يجمع المصريين على هدف واحد وفكر واحد.


وإذا كان المؤرخون والباحثون قد اختلفوا في تحديد تاريخ بدء بناء المسجد والفراغ منه، فقد ذكر المقريزي أنه ابتدأ في بناء المسجد سنة 263هـ وفرغ منه في سنة 265ه، بينما ذكر عبدالله بن عبدالظاهر: أن الانتهاء من بناء المسجد بعد تاريخ المقريزي بعام، إلا أن المؤكد هو أن أحمد بن طولون دخل مصر عام (254هـ ـ 868م) وكانت ولايته قاصرة على الفسطاط فيما كان الخراج موكولا إلى ابن المدبر،


وكانت بغداد قد شهدت ميلاد أحمد بن طولون العام 220هـ ـ 835م، فيما نشأ وترعرع بمدينة سامراء، ودرس الفقه والحديث بعد حفظه للقرآن، لكن نقطة التحول الكبرى في حياته جاءت بعد أن توفي والده، فتزوجت أمه من باكباك الذي تقلد إمارة مصر من قبل الخليفة العباسي المعتز، حيث أناب أحمد بن طولون عنه في ولايتها.


وإذا كانت ولايته قد اقتصرت في البداية على الفسطاط إلا أن سياسته الهادئة دفعته إلى أن يوسع من نفوذه حتى شمل سلطانه مصر جميعها، وساهم في ذلك زواجه من خاتون ابنة عمه يارجوخ الذي تولى بعد موت باكباك، وعندما بسط نفوذه على مصر جميعها امتد إلى الشام وبرقة، واستقل بمصر عن الخلافة العباسية مكونا دولة جديدة بزعامته حكمت مصر منذ عام 254ه/ 868م إلى 292ه/ 905م).


وعلى الرغم من وفاة أحمد بن طولون عام (270هـ ـ 884م)، تولى مصر من بعده أولاده، وتعتبر شخصية أحمد بن طولون من الشخصيات المؤثرة في تاريخ مصر الإسلامية، حيث نقل مصر من ولاية تابعة للخلافة العباسية إلى دولة ذات استقلال ذاتي، حكمها خمس شخصيات طولونية هم (أحمد بن طولون، خمارويه، أبوالعساكر حيش، أبوموسى هارون شيبان) وظلت الطولونية تحكم إلى أن أرسل الخليفة العباسي قائده محمد بن سليمان الملقب بالكاتب الذي قبض على شيبان وأنهى حكم الدولة الطولونية.



وعلى الرغم من أن جامع أحمد بن طولون يتربع على ربوة صخرية، إلا أن تخطيطه يتفق مع النظام التقليدي السائد للمساجد الجامعة المكون من صحن أوسط مكشوف يحيط به أربع ظلات، أكبرها ظلة القبيلة، وإن كان ينفرد عن جميع الجوامع السابقة له بمصر بوجود سور خارجي بنفس إرتفاع حوائط المسجد يليه مساحة سماوية (زيادة) تتقدم المسجد من جهاته الثلاث الشمالية الشرقية والشمالية الغربية والجنوبية الغربية.


تبلغ مساحة الجامع مع الزيادات نحو ستة أفدنة وهي على هيئة مربع طول ضلعه 162 متراً ويشترك جامع بن طولون مع جامعي سامراء وسوسة في وجود زيادات، باعتبارها أسلوباً هندسياً، استخدمه المعماري للصعود المتدرج الغرض منه التحضير النفسي لدخول الجامع، وفصل المصلى عن العالم الخارجي بما فيه من ضوضاء وتوفير السكينة والطمأنينة لأداء المناسك، وهذه الزيادات ترتفع برواد المسجد من مستوى شوارع المدينة إلى جبل يشكر حيث شيد المسجد.


تعد مئذنة جامع أحمد بن طولون من العناصر المعمارية المهمة والأساسية للمساجد وقد شيدت بالزيادة الشمالية الغربية إلى الشرق قليلاً من محور المسجد، وتتكون من قاعدة مربعة التخطيط ويعلوها منطقة متوسطة اسطوانية التخطيط، يجري حولها من الخارج درج سلم صاعد، موصل إلى المنطقة العلوية التي تتكون من مثمننين العلوي أصغر من السفلي، وفي قمة المئذنة توجد طاقية مضلعة على شكل مبخرة.


ويتجلى الأسلوب المعماري المحلي في مصر في شكل الجوسق المثمن الذي ينتهي به المئذنة من أعلاها. وعلى الرغم من أن مئذنة الجامع تشترك مع مئذنة جامع سامراء في الشكل الاسطواني، إلا أن الجوسق والمبخرة التي تعلوها جاءت وفق الأسلوب السائد في مصر منذ أواخر العصر الأيوبي وطوال الفترة المبكرة من العصر المملوكي،


ويبلغ إرتفاع المئذنة عن سطح الأرض (40,44م) فيما يربط المئذنة بحائط المسجد الشمالي الغربي قنطرة على عقدين من نوع حدوة الفرس. وقد ذكر المقريزي وابن دقماق أن المنارة كان عليها عشاري، وهي على شكل سفينة من البرونز تملأ بالحبوب كطعام للطيور وقد سقطت في (1105هـ / 1693م).


وعلى الرغم من الزلازل التي ضربت مصر على مدار تاريخها الطويل، وخاصة زلزال 702هـ الذي أطاح برؤوس المآذن، إلا أن مئذنة جامع أحمد بن طولون مازالت صامدة، وإن كانت بعض الآراء والنظريات التي تناولت تاريخ هذه المئذنة، تذهب إلى أنه أعيد بناؤها ثلاث مرات، وحجتهم في ذلك أن المئذنة جمعت في تكوينها بين الفكرة العراقية للسلم الخارجي، وبين أساليب مغربية أندلسية منتشرة في وقت بنائها في أواخر القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي.


ويبلغ عدد مداخل جامع بن طولون 19 مدخلاً، إلا أن المدخل الرئيسي حاليا هو المدخل المجاور لمتحف جاير أندرسون، حيث يوجد أعلاه لوحة تجديد ترجع إلى عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، أما جاير أندرسون فهو الإنجليزي الذي عاش وعمل بالقاهرة في القرن التاسع عشر وعشق الآثار الإسلامية وأوصى بأن يتحول منزله إلى متحف شاهداً على عظمة العمارة العربية.