الدرس الأخير


إبراهيم الحمادي

2007/2/15


التفكير المجاني لا حدود له .. والخيال سهل .. وها أنا ذا أطلق العنان لنفسي لإلقاء الدرس الأخير ...!
من أراد أن يقرأ فلا يقرأ ظاهر الكلمات .. بل أريد منه إلتفاتة إلى ماوراء السطور.. ليقتبس الشظايا التي تنبثق من وراءها وليضف إليها مئة شظية أخرى.. فعندئذ تقرب المسافات الشاسعة والتخوم البعيدة ويظهر المقصد واضحاً جلياً.
اليوم هي دعوة وتذكير ..وتبصرة للفت النظر وجميع الجوارح ومن قبله القلب والعقل إلى إتقان اللغة والأدب وأخذ النصيب الأوفر منها ..!
اليوم هي دعوة للإستمتاع بلغتنا الجميلة وبجمالها الأخاذ الذي يسبي العقول ..
لا تستغرب .. فيذكرون أن حراً رائداً أتى كونفوشيوس حكيم الصين فقال له: أريد أن أعلم الناس الحرية فكيف الطريق إلى ذلك ..؟
قال كونفوشيوس : عليك باللغة .. أتقنها...!
وهذا جواب صحيح يوجز التجارب.. فمن كان ماهراً في التوليد واشتقاق الألفاظ وصياغة الأصطلاحات وقياس الدلالات وتحديد الإستعارات وإطلاق التشبيهات.. يجانس ويطابق.. ويقفو ويسجع.. وكان ثري اللغة يستطيع التوصيف والتردد بين النظائر والفروق فيأسر من حوله ويجعل العقول تسبح في ملكوته.. كان رائداً فذاً.. ومعلماً بارزاً.
دعوني أسوق لكم شظية من شضايا الأدب العالمي .. من سلسلة الأفلام الجادة :
شظية من فلم " وادينا الأخضر " الذي تدور حوادثه في القرن التاسع عشر.. خبر أهل قرية يشتغلون في منجم فحم حجري.. يستبدهم صاحب المنجم دهراً .. ثم تصلهم حملة مكافحة الأمية فتتوسع آفاقهم ويعرفون لأول مرة معنى الطموح وتحسين الأحوال.. فيتعسف رب العمل معهم وتكون النتيجة ردة فعلهم.. هجرة جماعة إلى أمريكا حيث المستقبل الواعد وتستولي عليهم روح التحدي والإصرار على تطوير أحوالهم.
إنها روح تحدي اللغة والمعرفة والعلم بها.
وشظية أخرى من فلم " الأرض الطيبة " المقتبس من قصة كتبتها إبنه السفير الأمريكي في الصين.. صورت فيها حياة الفلاح الصيني قبل قرن والبراءة وجمال الحياة الأولى.. ففي مشهد آسر لطيف لزوجة فلاح تمشي وراء زوجها الشاب وهما حديثي عهد بعرس وهو يأكل خوخة فيرمي نواتها.. فالتقطتها الزوجة دون أن يدري.. فزرعتها مقابل دارها حتى أثمرت بعد سنوات طويلة .. فتقطف في مشهد آخر أول ثمرة منها وقدمتها لزوجها ورَوَت له خبر تلك النواة فيسرّه ذلك ويكون دليل حب وارتباط عميق.
ماأجملها .. شظية في التحدي الواعي وشظية في الوفاء.
يمكننا أن نضف إليهما مئة شظية لنرسم ملامح من حركة الحياة.. كيف تكون .
إنها لفتة من الأدب العالمي الرائع والجميل.. وكم هو حري بنا أن نلتفت إلى أدب هذه الأمة ولغتها الزاخرة بكل أنواع الفنون.
وقبل أن أنهي هذا الموضوع دعوني أعمل نظرة سريعة لقصة " الدرس الأخير " القصة البارعة التى تصور تلميذاً فرنسياً في مقاطعة الألزاس واللورين .. ظل متمرداً على أستاذ اللغة الفرنسية لا يعتني بقواعد لغته ونحوها.. حتى أحتل الألمان أقليمه في حرب السبعين في القرن التاسع عشر.. وقرروا تدريس اللغة الألمانية بدل الفرنسية.. فيجمع المدرس تلاميذه ليلقي عليهم الدرس الفرنسي الأخير في أسم الفاعل والمفعول.. عندئذ يستولي الندم على الطالب المتمرد المقصر في تعلّم لغته.. ولكن لات حين مندم.. فإن المحتل لا يراعي شعور نادم مفرط.. بل يفرض لغته...
وهذه القصة تنفض أي طالب في أي أمة كان نفضاً.. تدعوه إلى أن يتقن لغته ويعتز بها .. قبل أن يأتي الدرس الأخير ..
وفي نهاية هذا الموضوع .. أسمحوا لي أن أضع بين أيديكم الدرس الأخير.. لأسدل به الستار وأترنم مع لغتي الجميلة بقصيدة شعرية فتقبلوا مني الدرس الأخير بعنوان :

 

 (( وداع محب ))

حان التنائي وآن البين والسفر...... ونادي بالبعد يا أحبابنا القدر
أين المناص وليت الأمر كان لنا.......لم طوى وصل أحباب لنا السفر
وشتت اليوم شملاً عشنا نجمعه....... دهراً لأجله كنا ننذر النذر
أحبتي ونداء البين أفزعني ....... وأحزن القلب مذ وافاني الخبر
أحبتي وحنو البين أرقني........... طول الليالي بعيني يقدح السهر
أحبتي وعناء النامي يحزنني......... أمسي الليالي ودمعي مني منهمر
أشجى فؤادي فقلبي فيه من وله......... والنفس فيها كأن النار تستعر
قرب التنائي مضى بالأنس وا أسفاه........قبل الرحيل فيأت الصفر يعتكر
وأبدل القلب عن سلواه وا لهفاً............. هماَ وغماً فعيشي ملئه الكدر
غاب إنشراحي وذاك الأنس ودعني...........فلا الليالي ولا الأفراح والسمر
ولا السويعات والإيناس يغمرني............ولا الأغاني ولا الألحان والوتر
فالوقت عندي عناء كله وضنى............تمضى السويعة عندي ملؤها الكدر
والشمس عندي مدى الأيام مكسفة.............والليل عندي يغيب النجم والقمر
آه لدهر وعهد كان يجمعنا.................... لطف من الله فيه يحسن البشر
ترنو العيون إليكم كلما ظمأت .............. ويسكن النفس من مرآكم النظر
قد متع القلب موصولاً بكم ولكم..............قد أُدمن الحب حتى باب يشتهر
أحبتي والهوى قد كان مجمعنا................... أحبتي والهوى فينا لكم قدر
آه لدهر وعهد كان يجمعنا..................... أنتم لدينا به الإيناس والوطر
آه لدهر وعهد كان يجمعنا..................... أنتم لدينا به العينان والبصر
أحبتي ولكم كان العنى زمناً.................... أحبتي ولكم تبقى بنا الذكر
فيوقظ البال مهما كان مشتغلاً................. عهد لكم قضيت أيامه الغرر
به شربنا كؤوس الحب في فرح...........فمالت الرأس إذ أودى بها السكر
وسار في النفس خمر الوصل يثملها...........حتى لتعجز أن تنبئك ما الخبر
بها أحس بأن القلب في برد.................. والماء يجري بأعماقي وينهمر
كم غبت فيها عن الدنيا ويأسرني...............منها انتشائي إذا ما يبلغ الوطر
فأركب البحر والأمواج عاتية................ لا يثنني عن منايا الموج والخطر
حتى أعود إلى وعيي وقد نشطت..........
... فيّ الدماء وفيّ الفكر والفكر
يا أهل قلبي وما أحد يصدقني..................أني بكم كلف والروح تستعر
لي في الحنايا لكم نار مؤججة.................... بها ألظى فلا تبقي ولا تذر
يا أهل قلبي وما أحد ليّ غيركم...............هذي دموعي لكم يوم الندى نهر
ياأهل قلبي وما أحد ليّ غيركم ................ .هذي دموعي لكم يوم النوى نهر