إجابات د. عبد الرحمن عزي عن أسئلة طلبة جامعة الأغواط


إجابات د. عبد الرحمن عزي على أسئلة طلبة جامعة الأغواط حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام

السؤال 1 : (من أ. بوفرس سيهام)

كيف يمكن أن نطبق مقياس الصدق والثبات في منهجية الحتمية القيمية بالاعتماد على مقياس (ع.س.ن) في تحليل المضمون؟

"الصدق" ينطبق على أي بحث "علمي" ويعني مدى ارتباط أدوات البحث بما يراد دراسته أو قياسه مثل ارتباط أسس أي نظرية بأسئلة البحث ارتباطا دقيقا بحيث لا يتضمن السؤال (أو يوحي) بأكثر أو بأقل من تفترضها أسس النظرية. ويكون النسيج الذي يربط عناصر البحث (الصدق الداخلي) أو العلاقة مع الواقع الاجتماعي والحضاري (الصدق الخراجي) محكما ومتناغما. (انظر مؤلفنا: منهجية الحتمية القيمية في الإعلام، ص: 52-53.) أما الثبات (أي الوصول إلى نفس النتائج باستخدام نفس الأدوات أو التقنيات) فمحقق بشكل أولي في مقياس (ع.س.ن) حيث شارك في تطويره ثلاثة باحثين في مجال، ولكن يمكن تحقيقه بشكل كاف عندما يقوم الباحث باختيار ثلاثة باحثين ممن يعرفون (أو على استعداد للأطلاع على)  أسس نظرية الحتمية القيمية في الإعلام (من خلال ما يقدمه الباحث من فرضيات أو أسئلة) وإرشادهم على استخدام استمارة تحليل المضمون على عينة من مضامين الإعلام (المختارة) ثم بعد ذلك مقارنة النتائج  التي توصل إليها كل باحث لمعرفة مدى التطابق أو التقارب بين تلك النتائج، ولا بأس من ترجمة نسبة التوافق إحصائيا باستخدام معادلة (هولستي) الواردة في مؤلفنا المذكور أعلاه (ص.  54-55)

السؤال 2 (من أحمد  مخلوفي)

ذكرتم أن الغزالي درس مدارس الفلسفة فقال "هذه الفلسفة توفي بغرضها ولكنها لا توفي بغرضي،" وأنتم تكلمتم عن الكفاءة القيمية في عصر المعلومات، أي مدى قدرة الانسان على الحفاظ على قميه.  سؤالي: كيف يمكن أن نحافظ على قيمنا في هذا العصر "الشرس" الي يفضل التكنولوجيا ويحول العالم إلى قرية صغيرة؟

ينبغي التمييز بين التكنولوجيا والعقلية التقنية

يتم ذلك بمعايشة تلك القيم وتجديدها بالممارسة، أي تحويلها من قيم "معطلة وشكلية" إلى طاقة متجددة وفاعلة بتعبير مالك بن نبي.  مما لا شك فيه أن التكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات خاصة قد غيرت بشكل "جذري" سبل  تعاملنا مع بعضنا البعض و الطرق التي نكتسب بها تعلمينا ومعاشنا و الأطر التي  نحيا في إطارها  عامة.  فوسائل الاتصال حولت العالم إلى ما سماه "ماكلوهان" في الماضي القريب  بالقرية العالمية  وتقلصت بذلك عوائق الزمان و المكان إلى حدود دونية لا تكاد تذكر، غير أن غياب المتغير الذي سميناه بالرؤية القيمية الذي يمكن أن توجه هذه التكنولوحيا جعل هذه الأخيرة تكتسب حياة خاصة بها  (sui generus)  بعيدة عن أي إشراف ثقافي  ينبثق تلقائيا من البنية القيمية الحضارية، الشيء الذي أنتج ما يمكن تسميته بالذهنية التقنية.  و ساهم ذلك بشكل معتبر في استخدام هذه التكنولوحيا للهيمنة و ما ترتب عن ذلك من دمار و صراع و فروق اقتصادية و اجتماعية و تلوث بيئي وغيره على عدة مستويات و خاصة على مستوى العلاقات الدولية.  و الحاصل أنه ينبغي التمييز بين التكنولوجيا والعقلية التقنية. فالتكنولوجيا  يمكن في معظم مظاهرها أن تكون عامل حياد في التنمية، أما العقلية التقنية فهي توجه تصوري يتخذ من  الفعالية (efficiency)  --وليس من التوجه القيمي-- معيارا  في التعامل مع القضايا الاقتصادية والسياسية ومن ذلك السعي إلى الكسب الأقصى اقتصاديا و توسيع دائرة السلطة و النفوذ سياسيا و عسكريا. فالخطاب الذي يميز هذه النمط  التقني السائد في الحضارة المعاصرة  يتعلق بكيفية زيادة الفعالية و التحكم في الآخر  وليس أي قيمة ترتبط بالتكافؤ و التعاون و المصلحة المشتركة وغيرها.  وفي نظرنا فإن التنمية الحقيقية تستدعي  دمج التقنية في المنظور الثقافي القيمي للمجتمع، و ذلك يتطلب إدخال الثقافة في التقنية وليس تحويل الثقافة إلى تقنيات. فهذه العملية  تعطي الأولية الفائقة للتحول الثقافي وتضمن الإشراف أو التوجيه الثقافي القيمي للتقنية و التكنولوجيا.  إن عدم القدرة على الإبداع و تطوير نمط متميز من التنمية في العديد من البلدان الإسلامية يعود جزئيا إلى سيطرة التقنية على الثقافة. فالإبداع يحدث عندما تكون الثقافة ذات  المخزون المعرفي و التراثي المشترك  حاضرة بالتفاعل المبدع مع الوسائل المستحدثة . ومن جانب آخر فإن العلاقة وطيدة بين الثقافة و المعتقد، بل إن الثقافة جزء من النظام العقدي. فالدين يوفر التوجيه القيمي في حين تسمح الثقافة بتعدد التجارب. ففي المجتمع الإسلامي على سيل المثال عدة ثقافات ولكنها تنتمي في معظمها  إلى نفس النظام القيمي. و عندما يتم فصل الثقافة عن مرجعيتها القيمية تصبح هذه الثقافة حالة أنثربوبوجية أو عادات راكدة و عقبة للتنمية.  إن إدخال الثقافة على التقنية يتطلب ما سميناه بالكفاءة القيمية. و تعني الكفاءة القيمية  القدرة على أن يستوعب الفرد ثقافته و نظامه القيمي و تكييف هذه الكفاءة مع الوضعيات أو المحيط الجديد. فالجزء لأول، أي  الحصول على الثقافة و القيم،  صيرورة طويلة المدى تشارك فيها عدة مؤسسات كالعائلة و المدرسة و مراكز التعليم العالي، الخ. وهذا ما يفسر لتا كيف أن عددا من المجتمعات الواعية  تسخر موارد بشرية و مادية كبيرة لهذا الرأسمال الثقافي. أما الجزء الثاني فيخص قدرة الأفراد على الإبداع  في سياق الخصوصية الثقافية والمنظور القيمي. وفي حين يمكن اكتساب الأول  عن طريق التعليم فإن الثاني يقوم على التجديد الذاتي ضمن أطر الفرد الثقافية و الحضارية. إن روح التفاعل  و الاستنتاج و إعادة صياغة التجربة هو أساس الكفاءة القيمية التي هي أساسية في عصرنا،  عصر المعلومات و الانفجار التقني. فالتحدي لنا هو السعي نحو بناء أفراد يستطيعون الجمع بين المهارة التقنية و الشخصية الثقافية القوية و غياب هذه المعادلة المتوازنة  جزء من أزمتنا الحضارية.

السؤال3 : ( من غواظي مليكة)

كيف يمكن للخطاب الإعلامي القيمي أن يعد حلا لمأزق الإعلام العالمي في بيئة مشبعة بالفساد والانحلال؟ هل يمكن تطبيق نظرية الحتمية القيمية في الإعلام في العالم الغربي رغم الاختلاف الموجود على مستوى القيمة ؟


ينبغي النأي عن التفكير بثنائية "نحن" و"الغرب" وإنما التركيز على الإبداع والامتداد إلى الآخر والتركيز على القيم الانسانية العالمية في عالم القيمة.

ما نقوم به تنظير أكاديمي معرفي لكن لو انتقل هذا التنظير إلى ممارسة إعلامية في شكل خطاب إعلامي قيمي سيكون ذلك وسيلة للتأثير الإيجابي على الذات والآخر (وذلك ما ليس قائما الآن) حيث أن المغلوب (الإعلام المسموع والمرئي عندنا خاصة) مولع بتقليد الغالب (بتعبير ابن خلدون). أما نظرية الحتمية القيمية في الإعلام فليس مقصدوها العالم الغربي وإنما الدراسات الإعلامية في المنطقة العربية الإسلامية التي تشكو ضعف التنظير الإعلامي القيمي والحضاري والتسيب المنهجي (باستثناءات محدودة) إضافة إلى استهلاك "مفاهيم الآخر" بوعي محدود، فقوة أي مجتمع بإفكاره المتميزة وليس باستهلاك منتجات غيره الجاهزة.  أما مستوى القيمة فهناك جانب إنساني يتقاطع مع الآخر وذلك من أسس نظرية الحتمية القيمية في الإعلام. وعامة، ينبغي النأي عن التفكير بثنائية "نحن" و"الغرب" وإنما التركيز على الإبداع والامتداد إلى الآخر والتركيز على القيم الانسانية العالمية في عالم القيمة.

------------------------------------------------------------------------

السؤال 4 : سيد علي التجاني:

تطرقت إلى دراسة الأخلاق وعلاقتها بنظرية الحتمية القيمية في الإعلام، وكما نعلم أن كل الفلسفات والأديان لها قيم. وسؤالي هل نظرية الحتمية القيمية محدودة بالمجتمعات الإسلامية أم هي تدخل في نطاق العولمة؟ وكيف لهذه القيمة مواجهة القيم غير الإسلامية أو بصفة عامة الغزو الثقافي الغربي كالإلحاد....

نظرية الحتمية القيمية تنطلق من البعد الحضاري الخاص بالمنطقة العربية الإسلامية ولكنها ليست حصرا على المنطقة إذ تحمل أبعادا إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا. إن الإبداع في أي مجال يبدأ محليا ثم إذا ارتقى ولمس جوانب عند الآخر اتخذ صبغة إنسانية. فلو أخذنا أي قيمة ولتكن "الوفاء بالوعد"  فإن هذه القيمة  التي أكد عليها النص القرآني في شكل أمر يمكن تطبيقها دون استثناء بغض النظر عن الظروف والأحوال فتصبح حينئذ قاعدة إنسانية عالمية تتجاوز حدود الزمان والمكان، و قس على ذلك. أما التعامل مع الشر (بدل من استخدام تعبير قيم غير إسلامية)  فيكون سنة التدافع بين الخير والشر، فالخير يحمل في طياته قوة نوارنية تمكن حاملها من تجاوز الأهواء الشريرة. 

---------------------------------------------------------------------

السؤال 5:  عبد القادر عثمان:


هل بالإمكان الاستغناء عن النظريات الغربية في ظل وجود نظرية الحتمية القيمية في الإعلام؟


نظرية الحتمية القيمية في الإعلام مثلما أشرنا أكثر من مرة لا تقصي النظريات الأخرى بل تتعايش معها وتجادلها بالتي هي أحسن، وإنما تتميز عنها وتستمد قوتها من البعد الحضاري والواقع الاجتماعي الثقافي وأبعادها الانسانية.

يمكن الاستفادة من النظريات الغربية بشرطين: أولا: الوعي بخلفياتها وأسسها التاريخية والمعرفية والاجتماعية، أي أنها ليست "محايدة،"  فتعبير "النظرية"  يعنى رؤية معينة للواقع والمحيط،  فمثلا فلو انطلقت من نظرية الاشباعات والاستخدامات،  فإن  أسئلتك وانشغالاتك ستتوجه بالضرورة إلى ما يرغب فيه الجمهور "دون الرسالة،"  ولو انطلقت  من النظرية التنموية لدانيال لرنر فإنك ستجد نفسك تفكر بأن التقاليد بل والدين "عائقا" في التنمية بمفهوم تلك النظرية، وقس على ذلك (انظر دراستنا باللغة الإنجليزية عن الإعلام التنموي: الكفاءة القيمية في عصر المعلومات).  وثانيا: التركيز على أدواتها وليس مضمونها، فالأدوات عندما تستخدم بوعي  تحمل بعد الحيادية النسيبة أما المضمون فمحكوم بالسياق. ما يسود في بعض أدبيات نظريات الإعلام باللغة العربية "نقل" و"استهلاك" دون الشرطين السابقين. وفي نظرنا، فإن نظرية الحتمية القيمية تقدم رؤية أصيلة و مغايرة  وتغني عن الكثير من الأتعاب التي يتعرض لها الباحث الذي يجهد نفسه في دراسة ما يوجد لدى الآخر ثم يكتشف أن ذلك لا ينسجم مع سياقه القيمي والحضاري. ومن جهة أخرى، فإن نظرية الحتمية القيمية في الإعلام مثلما أشرنا أكثر من مرة لا تقصي النظريات الأخرى بل تتعايش معها وتجادلها بالتي هي أحسن، وإنما تتميز عنها وتستمد قوتها من البعد الحضاري والواقع الاجتماعي الثقافي وأبعادها الانسانية.  وبمعنى آخر، فإن نظرية الحتمية القيمية في الإعلام لمن يريدها وليست لمن لا يريدها، والكل حر في اختياره.    

---------------------------------------------------------

الأسئلة 6، 7، و8

السؤال 6 (الأمين زياني)
ماهي أهم الانتقادات التي وجهت للنظرية؟ وما هي أسباب وأهداف هذه النظرية؟

السؤال 7 (عادل ك. و عيسى ميلودية) هل لقيت نظرية الحتمية القيمية رواجا واسعا؟ هل كان لهذه النظرية انتقادا؟

السؤال 8 (محمد الأمين ترياقي)
إن لكل نظرية أسباب وأهداف. هل لنا ذلك للنظرية القيمية؟ ماهي أهم الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية؟

تشترك هي الأسئلة في موضوع: ما هي أبرز الانتقادات الموجهة لنظرية الحتمية القيمية في الإعلام؟ 

  

تاريخيا، فإن الفلسفة والدين والعلم والنظريات مجالات معيارية بالدرجة الأولى.

أنشغل بعملية إنتاج مفاهيم متجددة تعين على "كشف" وليس "اكتشاف" الحقائق الكامنة في طبيعة الرسالة الإعلامية من زاوية قربها من أو ابتعادها عن القيمة وأثر ذلك على البنيات والرواسب الثقافية في المنطقة العربية والإسلامية  إضافة إلى إبراز الجوانب الانسانية "العالمية" في هذا الطرح "القيمي" و"الأخلاقي."  وأخصص وقتا "مقبولا" بالمقارنة للرد على "النقد" عندما يكون مشروعا.  وتأتي أغلبية الأسئلة الموجهة إلي في شكل أسئلة تطلب المزيد من الشرح والتوضيح، وذلك يمثل الأولوية بالنسبة لي إذ أن هذه الأسئلة تدل على اهتمام بالغ بهذا الطرح ولا شك أن السائلين من الطلبة والباحثين "الشباب" يجدون في هذا التنظير ما يمس "كائنهم الأخلاقي" وخصوصية واقعهم الاجتماعي والثقافي وتفاعلهم مع الآخر(العولمة)، ويكون هذا العامل الأساس في استمرارية هذا الانشغال والأسئلة الواردة... ولا أزعم أنني قدمت إجابات كافية ووافية لكل الأسئلة ولكنني متيقن أنني طرحت الأفكار الملائمة في دراسة الظاهرة الإعلامية محليا و في سياق العولمة...     

ولم أتلقى في الحقيقة نقدا كثيرا حول النظرية وإنما يمكن تقسيم ما يمكن اعتباره نقدا إلى صنفين:

أولا:  النقد من الخارج (من خارج النظرية)  وهو من صنف "من جهل شيئا عداه" أي نقد ليس مبنيا على قراءة تذكر لنصوص النظرية كالقول أن هذه ليست نظرية أو أن هذا الطرح غير مقبول أو غير مجدي أو غير ملائم أو لا أرغب فيه أو أكرهه وما شابه، وهذا النقد لا يحتاج إلى الرد لأن صاحبه يجهل الموضوع أو قد يحمل سوء نية مسبقة قائمة على الرفض من أجل الرفض أو عدم التسامح مع من يحمل أفكارا مغايرة أو قد يكون بدوافع أيديولوجية أو تكون  من حالة نفسية مرضية (بفتح الراء) وما شابه، الخ.

ومن المعروف أكاديميا أن النقد بالمطلق ليس له قيمة معرفية وإنما النقد يكون في العلاقة مع فكرة محددة وفي السياق الذي وردت فيه بناء على قراءة متأنية ونزيهة.  والحاصل أن قيم النقد وأدب الحوار عندنا ليست متطورة وشروطه غير متوفرة كثيرا ومنها: أن يكون النقد أخلاقيا، أي

أ) يكون مبنيا على قراءة ومعرفة كافية بالموضوع محل النقد. وفي الآية الكريمة: "ولا تقف ما ليس لك له علم." (1)
ب) أن يكون أمينا في تلك القراءة وليس من نوع "تحريف الكلم عن مواضعه."
ج) أن يكون بنائيا، أي يسهم في بناء المعرفة وتطويرها وليس من نوع الذي يسعى إلى "الهدم" ومن باب "خالف تعرف" دون
تقديم البديل. 
د) أن يكون نزيها، بأن يهدف إلى إثراء المعرفة وليس الإساءة إلى الآخر أو تحقيق مآرب شخصية.. 

والنقد في مجمله أمر سهل، إذ يمكن لأي شخص أن ينتقد أي شيء. أما البناء فلا يقدر عليه إلا القلة. فإذا كثر النقد قل البناء. وبالطبع فإن النقد البناء مطلوب ومشروع.

ويذهب باحثون متمرسون أمثال الفيلسوف الأمريكي  "سانتيانا"  (George Santayana)إلى القول بأن النقد الحقيقي يتطلب أولا التعاطف مع الموضوع محل النقد، وبدونه يغيب الفهم وتكون النتيجة "سوء الفهم." ويضرب لذلك مثلا بنفسه أنه عندما حاول دراسة "الظاهرتية" نقديا اتخذ منهجا نزيها، أي فهم الظاهرتية من الداخل ولم يكن ذلك ممكنا إلا بنوع من التعاطف(empathy)   مع النظرية. ويضيف، وعندما سلكت هذا النهج أصبحت ظاهرتيا، يقول في ذلك "لم أفهم الظاهرتية إلا بعدما أصبحت ظاهرتيا."  فالفرد لا يقدر على فهم شيء يحمل عنه أفكارا "نمطية مسبقة" أو يكرهه أو لا يرغب فيه، وذلك ما نقرأه في النص القرآني من ربط الهدي بالتقوى في قوله تعالي  "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين،" ((2 أي أن هناك شروطا لدى المتلقي (التقوى)  حتى تستقر الفكرة لديه ويتقبلها (هدي الرسالة). وبتعبير آخر، فإن القيمة تحتاج إلى صفاء القلب أولا.       

ثانيا: النقد من الداخل (من داخل النظرية) وهو من الذين قرأوا نصوص النظرية أو أغلبها و تبنيت لهم جوانب قاصرة  أو غير بينة في النظرية فكانت إسهاماتهم وتساؤلاتهم متميزة  ومن زاوية أكاديمية بنائية إن صح هذا التعبير. ويدخل في ذلك ملاحظات "شفوية" أو "مكتوبة" من طرف باحثين وكتاب أمثال د. السعيد بومعيزة، د. نصير بوعلي (3) ، د. زهير إحدادن، د. محمود قالندر، د. أحمد عبدلي د. علي قسايسية،   د. رقية بوسنان وأ. محمد عبد الكريم وأ. باديس لونيس وآخرين (انظر مثلا مدونة الأستاذ باديس لونيس التي فتحت بقبل فترة نقاشا حول النظرية). ونذكر من هذه الانتقادات:

  • أن تسمية "الحتمية" جبرية وتقلل من حرية تناول المواضيع بكيفيات "مغايرة." وقد أجاب د. نصير بوعلي بإسهاب على هذه النقطة ووضح ذلك أيضا أ. عبد الله قاسم. ويمكن أن نضيف بالقول أن الحتمية تعني اعتبار القيمة المحرك الأساس في فهم الظاهرة الإعلامية بمكوناتها (المرسل، الرسالة، الوسيلة، المتلقي) وتأثيراتها على البنيات الاجتماعية والثقافية في سياق حضاري معين. فالمرسل يحتاج إلى "خلفية و"تكوين "قيمي أخلاقي" حتى تكون ممارسته الإعلامية قيمية أخلاقية، فكل قرار يتخذه المرسل أو المؤسسة الإعلامية في مقاربة الواقع في أصله قرار ذو طبيعة  قيمية أخلاقية. أما الرسالة فأصلها كلمة قيمة: "الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء." (4) والملتقي يتفاعل نظريا – وعندما يكون واقعه سويا – بناء على مرجعية قيمية أخلاقية. ويكون تأثير الاعلام على المكون الاجتماعي الثقافي بناء على أثر تلك الوسائل على النظام الأخلاقي والحضاري ككل.

  • أن أهمية هذه التسمية تكمن في لفت الانتباه إلى متغير أساس مستقل (القيمة) وبدون هذه التسمية تتحول القيمة إلى متغير إضافي أو تابع، فالواقع من يحتاج إلى الارتقاء للقيمة حتما وبالضرورة،  ولا تخضع القيمة إلى تشوهات الواقع. فالقيمة تتجاوز حدود الزمان والجغرافيا، أي أنها مستقلة على المتغيرات الظرفية وتتخذ أبعادا إنسانية "عالمية" مثلما أسلفنا.   

  • ولو دققنا في النظريات الكبرى من نوع  (macro)  فإن أغلبها يحمل نزعة حتمية أي يركز على متغير ثقيل (وهو ما يميزها) مثلما شرح ذلك د. نصير بوعلي. فالظاهرتية مثلا تركز بالأساس على المعاني الذاتية التي يحملها الفرد حول تجربته، أي حتمية ذاتية إن صح هذا التعبير ولا تنشغل كثيرا بالمتغيرات الأخرى، والنقدية تركز بالأساس على البنية الاقتصادية، أي حتمية اقتصادية. ويندر أن تجد نظرية تتعامل مع كل المتغيرات بالتساوي وإلا لم تعد نظرية وإنما عملية جمع و صف وتكديس، وذلك أمر سهل في متناول الخاصة والعامة...   

  • ومثلما هو معروف في "أدبيات العلاقات العامة والتسويق،" فإن الفكرة عندما تنتشر تكتسب إرثا مرجعيا وتصبح "علامة مسجلة" يفضل الإبقاء عليها حفاظا على ذاك الإرث حتى وإن تطلب الأمر التحديث والتطوير في جوانبها الفرعية . ومن ثم فلا ينبغي في نظرنا التوقف أكثر من اللازم عند الاسم لأنه اسم مسجل نظريا والمهم مضمون النظرية...

  • أن النظرية معيارية بينما "العلم" يدرس الواقع دون غيره. إن القول بأن العلم "يدرس الواقع دون الاعتبارات القيمية والأخلاقية" موقف معياري بدوره وليس موقف "محايد" على ما يبدو في الظاهر. فلو قلنا أنه على مهندس "القنابل المتفجرة" أن يركز على إنتاج تلك الأدوات (الواقع) دون الاعتبارات "القيمية الأخلاقية"  المترتبة على الدمار الذي ستحدثه تلك الأدوات على الانسان فإن هذا الموقف يعد معياريا، أي يستثني البعد الانساني الأخلاقي في إنتاج تلك الأدوات. وتاريخيا، فإن الفلسفة والدين والعلم والنظريات مجالات معيارية بالدرجة الأولى. فالفلسفة الإغريقية انشغلت بالأساس بقيمة العدل والأديان كتب قيمة (من القيم) تناولت وأجابت على قصور الانسان في إدراك سر وجوده "أفحسبتم أنما خلقانكم عبثا" (5) ومهمته في عبادة الخالق "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (6) وبوصف هذا الانسان خليفة الله في الأرض. و قد قال النورسي في ذلك أن "من وجد الله فقد وجد كل شيء،"  و"كل شيء يبدأ من الله سبحانه وينتهي إليه." (7) أما الفصل بين الدين والعلم فظاهرة غربية مردها الصراع "المعروف"  بين الكنيسة والحقائق العلمية التي بدأ العقل يدرسها بعيدا عن هذا القالب العقائدي "الجامد" (إن صح هذا التعبير) و لم يحدث هذا الصراع في الحضارات الأخرى. وقد تلونت العلوم الانسانية والاجتماعية بهذا الاعتبار فأقصت المعيارية (لأسبابها المنطقية الظرفية) وحولت الانسان إما إلى كائن نفسي غرائري (علم النفس) أو اجتماعي (علم الاجتماع) أو اقتصادي (علم الاقتصاد) أو سياسي (علم السياسة) أو لساني (علم الألسنية)، الخ. بينما الانسان كائن أخلاقي بالدرجة الأولى ولكن سلوكياته ذات أبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، الخ. ومن ثم أمكن القول أن القيم والأخلاق أساس أي علم. والحاصل أن حيز هذه الإجابة لا يسمح بالإسهاب في النقد الموجه إلى العلوم الانسانية والاجتماعية (الغربية أساسا) من المفكرين الغربيين أنفسهم و لا بأس من ذكر أربعة منهم (اثنان من المحدثين كان لي فرصة التعامل مع أفكارهم عن قرب) لأغراض التوضيح فحسب. فقد تحدث "ميشال فوكو" عن مفهوم "القطيعة الأبستمولوجيا" في التاريخ  وافترض أن هناك مراحل تاريخية تولد قطائع ابستمولوجية في طبيعة المعرفة واعتبر أن بداية ظهور العلوم الانسانية في الغرب (القرن التاسع عشر) قطيعة ابستمولوجية إذ تحول الانسان لأول مرة في التاريخ إلى "موضوع دراسة" في جوانبه المذكورة أعلاه وتساءل عما إذا كان ممكنا أن يكون الانسان باحثا(object)   وموضوع بحث (subject) في نفس الوقت. أما "ماكس فيبر"  فقد بين أن السلوك الاقتصادي المتمثل في الرأسمالية (أي تأسيس الرأسمال واستثماره وترشيد استهلاكه) إنما هو انعكاس لمفاهيم الديانة المسيحية في شقها "البروتستانتي" وخاصة مفهومي النداء (calling) والقدرية (predestination)  وذلك في مؤلفه المعروف "الأخلاقيات البروتستانتية وروح الرأسمالية" (8).  ويرى "هالموت واغنر" المؤسس الثاني (مع زمليه ألفريد شوتز) للظاهرتية الاجتماعية في آخر كتبه "ظاهرتية الوعي وسوسيولوجية الحياة اليومية" (9) أن الغرب يكون قد استنزف كل ما يمكن قوله عقلانيا عن "وعي الانسان،" وعليه توجب الأمر التوجه شرقا (الحضارة الشرقية)  بحثا عن الجانب الروحي الكامن في هذا الوعي. أما كريستنز كليفورد "المتخصص الوحيد حاليا" في أخلاقيات الإعلام العالمية فيرى أن النظريات الأخلاقية الغربية قلصت الانسان في جانبه العقلاني البحت والمستقل وأقصت امتداد الانسان مع الآخر وأبعدت الجانب الروحي في فهم الجانب الأخلاقي في الممارسة الإعلامية. (10) وللعلم، فإن كتابه  المشترك مع آخرين بعنوان (Ethical Communication)  يتضمن فصلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يعني أن السنة النبوية أصبحت جزءا حتى وإن كان يسيرا من أدبيات الإعلام الأكاديمية في الغرب...                               

  • أن الواقع معقد ويصعب معالجته بمتغير واحد. يمكن القول أن الواقع ليس معقدا وإنما مركبا، فهناك مستويات من التحليل لأي ظاهرة، فلو اتخذنا منهجا استقرائيا  (inductive) بدأنا بالجزء (الملوس والمحسوس) وهو الافتراض الأساس في المنهج الإمبريقي (الذي فقد الكثير من المصداقية في العلوم الانسانية)   ثم يأتي المستوى العقلي (العقل) في التفسير والتحليل والمقارنة وأخيرا يأتي مستوى القيمة المرجعية، أي المجال القيمى الأخلاقي والروحي المستمد من الدين في هذه الحالة. ويكون هذا المستوى الأخير المتغير الأساس والثقيل. ولو اتخذنا منهجا استنباطيا (deductive)  بقينا في نفس الطرح وقلبنا المعادلة فقط. فالقيمة تعلو في تفسير الظواهر (ولا يعلى عليها). وتأتي المتغيرات الأخرى مكملة وتابعة وظرفية ومؤقتة إلى حين. ولو فرضنا أن الواقع معقد، فإن القيمة سبقت الواقع فتصبح المرجع في تفسير هذا التعقد. وهذا المعنى نقرأه في الآية  الكريمة "ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم." (11) أي أن قساوة قلوبهم من أنفسهم وتعقدها (إن صح هذا التعبير) إنما من ابتعادهم عن القيمة وليس لمتغيرات أخرى إضافية قد تكون حاضرة كأن يكون هؤلاء قد انغمسوا في قضايا الحياة الدنيا أو شغلتهم أموالهم (البعد الاقتصادي)  وأهليهم (البعد الاجتماعي)، الخ.

  • أما أسباب النظرية وأهدافها فهي مذكورة في تقديم كتابنا "دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز" (12) وكتابنا "نظرية الحتمية القيمة في الإعلام" (13)

    الهوامش:

  1. سورة الإسراء، الآية 36

  2. البقرة، 2.

  3. د. نصير بوعلي، مفاهيم نظرية الحتمية القيمية في الإعلام عبد الرحمن عزي: مقاربة نقدية، المستقبل العربي، العدد 422، نيسان، 2014. 

  4. إبراهيم، 24.

  5. المؤمنون، 115.

  6. الذاريات، 56.

  7. انظر دراستنا: د. عبد الرحمن عزي، "أخلاقيات إعلامية غي الرؤية النورسية النورانية،" مجلة الحكمة، العدد 5، مارس 2011.

  8. Protestant Ethics and the Spirit of Capitalism

  9. Phenomenology of Consciousness and Sociology of the Lifeworld

انظر في ذلك أيضا:

Azzi Abderrahmane, “Phenomenological Sociology: On Wagner’s Reflections on Schutz,Annales de  L’Universite d’Alger, No. 6 (2) , 1991-1992.

10. من كتبه:

Responsibility in Mass Communication
Interpretive Essays
Teaching Ethics in Journalism Education
Good News: Social Ethics and the Press
Communication Ethics and Universal Values
Moral Engagement in Public Life: Theorists for Contemporary Ethics.
Normative Theories of the Media
Handbook of Mass Media Ethics
Ethical Communication: Five Moral Stances in Human Dialogue
Ethics for Public Communication
Media Ethics: Cases and Moral Reasoning
Communication Theories in a Multicultural World

11.الحديد، 16.

12. د. عبد الرحمن عزي، دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثالثة ، 2013.

13. د. عبد الرحمن عزي،  نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، الدار التونسية للنشر، تونس، 2011

 

---------------------------------------------------------------------

السؤال  9 ( من أحمد  ن.)  

لم أسمع بهذه النظرية إلا حديثا وحاولت البحث عن كتاب يفيدني في الأمر فلم أجد في المكتبات شيئا عن ذلك، وحيث أن وقتي في الدراسة والعمل قليل فهل ترشدني إلى كتاب أو دراسة واحدة تلخص لي كل ما أحتاجه في الموضوع  ونشكرك على ذلك.

القراءة السريعة عادة ما تكون على حساب الفهم المتعمق. ومع ذلك، فكتابنا "نظرية الحتمية القيمية في الإعلام،" من إصدار الدار المتوسطية للنشر ، تونس، 2011  يكون كافيا لكم . ويمكن مراسلة تلك الدار على العنوان في موقعنا والدار المذكورة تشارك باستمرار في معارض الكتب ومنها معرض الكتاب الدولي بالجزائر.      

 ----------------------------------------------------------------------------


      السؤال 10 :  (من بلقاسم بوطرفاية)

هل نجاح الرسالة الإعلامية ينحصر في محتوى الرسالة وشكلها أم يتعداها إلى المرسل فالوسيلة فالمتلقي فالأثر وضمن نظام اجتماعي وبعد حضاري؟


        كل العناصر المذكورة، ويمكن الرجوع في ذلك إلى كتابنا: علم الاجتماع الإعلامي، من إصدار الدار المتوسطية للنشر، تونس، 2010 حيث أن فصول الكتاب وردت بالشكل الذي ذكرتموه

-----------------------------------------------------------


     السؤال 11 : (من رقية لقلوق: سنة ثانية إعلام واتصال)

قلت سابقا أنك تسعى لاحقا إلى تطوير بعض أدوات البحث المنبثقة عن هذه النظرية (نظرية الحتمية القيمية). سؤالي: هل وصلت إلى ما تسعى إليه؟  


ورغم أن المنهجية الإمبريقية البحتة قد تعرضت في الأدبيات الغربية إلى نقد واسع بفعل "أنها تحكم على الواقع من حيث الظاهر دون غيره،"  فإن استخدام "الكم والكيف معا" يغني عن هذا الجدل في الدراسات الإعلامية...


نعم إلى حد كبير، ولعلك تشيرين في ذلك إلى كتابنا "منهجية الحتمية القيمية في الإعلام" حيث سعيت فيه إلى الربط بين النظرية والمفاهيم والأدوات المنهجية ربطا معرفيا ومن ذلك استخدام مقياس ع.س.ن. للقيم في تحليل المضمون أو دراسة الجمهور وقد ظهر عدد من الأبحاث والرسائل الجامعية التي اعتمدت أو استفادت من هذه الأدوات... وقد فضلت أن يقوم الباحثون المهتمون أنفسهم بتطوير هذه الأدوات التي تتنوع وفق الحالة ولكن مع كثرة السؤال أجبت وفق ذلك. ويمكن للباحث أن يتخذ  منهجا كميا وكيفيا في نفس الوقت، الأول يعرض بيانات الواقع إحصائيا والثاني يربطها بسياقها الاجتماعي والحضاري. وقد تتشابه الأدوات الإحصائية التي يمكن التدرب عليها بسهولة نسبية بينما تتوقف الأدوات الكيفية على إمكانيات الباحث من حيث سعة معارفة  وتنوع تجاربه وقدرته على النفوذ إلى الأبعاد "الخفية" في الظاهرة. ورغم أن المنهجية الإمبريقية البحتة قتد تعرضت في الأدبيات الغربية إلى نقد واسع بفعل "أنها تحكم على الواقع من حيث الظاهر دون غيره،"  فإن استخدام "الكم والكيف معا" يغني عن هذا الجدل في الدراسات الإعلامية...  
--------------------------------------------------------------------

     السؤال  12   (من ميلودية عزوز)  

      من خلال نشر نظرية الحتمية القيمية،  ماهي أغلب الصعوبات والعراقيل التي واجهتكم؟ وما هي أهم إنجازات النظرية؟ وهل يمكن القول أن النظرية جاءت كرد  على مارشال ماكلوهان الذي صمم   على الوسيلة في نقل الرسالة.

أي عمل جديد يواجه تحديات في البداية ولكن إذا كان الانسان يعمل فيما يرغب فيه ويتعلق به فإن تلك التحديات تتحول إلى فرص

أي عمل جديد يواجه تحديات في البداية ولكن إذا كان الانسان يعمل فيما ويرغب فيه ويتعلق به فإن تلك التحديات تتحول إلى فرص، وأنا أحس أنني محظوظ أنني أعمل في مجال يرضي الله سبحانه، أي القيم وليس في مجال آخر. ومثلما جاء في حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) "كل لما يسر له." وهذا الحظ نقرأ معناه أيضا في حديث آخر: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به."   وقد تطورت نظرية الحتمية القيمية في الإعلام بشكل تدريجي وامتدت عقدين من الزمن انطلاقا من البيئة المحلية وتفاعلا مع الآخر، وليست ردا على نظرية أخرى. و بالفعل،  قام عدد من الباحثين مثل أ. د. نصير بوعلي  وأز محمد هاشم  وأ.بداني فؤاد  بإجراء مقارنات أكاديمية ومعرفية بين نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ونظرية الحتمية التقنية  لماكلوهان فأحدثوا نقاشا معرفيا ثريا ساهم في مزيد من الانشغال بظاهرة القيمة في الإعلام.   

 ------------------------------------------------------

السؤال 13  (من  لقلوق رقية – سنة ثانية إعلام واتصال)  

أنت قمت بتأسيس نظرية الحتمية القيمية في الإعلام. سؤالي 1) هل ترى بعد انطلاق هذه النظرية نجاح لها في الجامعات العربية والإسلامية؟ وما هي هذه الجامعات والمدارس  وس 2) ما هي ردود فعل الغرب (الدارسين الغربيين) على هذه النظرية؟

 

إن أهم ما حققته نظرية الحتمية القيمية في الإعلام في نظرنا يتمثل في جعل القيمة محور الانشغال في دراسة الإعلام وذلك متماشيا مع القاعدة العلمية المعروفة بقاعدة "التركيز،" (The Law of Focus)  أي إذا أردت أن تبدع في شيء فعليك أن تركز عليه وتلفت الانتباه إليه، وما يأتي بعد ذلك فتفاصيل ولا تستطيع أن تعرف أو تحدد المدى الذي تصل إليه تلك الفكرة الإبداعية.....            

 

الباحث مثلما ذكرت يكشف عن الحقائق بناء على درجة وعيه وإمكانياته وأدواته ولا يسعى إلى النجاح، وإذا ما تحقق نجاح لمثل هذا العمل فيكون نتيجة مثلما نقرأ ذلك في الآية الكريمة "إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا."  والواقع أنني أتلقى باستمرار كما معتبرا من الرسائل من طلبة وباحثين من جامعات متعددة  يسألون ويطلبون العون في أبحاثهم انطلاقا من افتراضات نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، ويكون هذا الانشغال كافيا في الحكم على أهمية هذه النظرية. أما البيئة الجامعية السائدة في المنطقية العربية والإسلامية فليست حاليا بتلك الصحة الكافية التي تسمح بالانشغال بمثل هذه الأفكار باستثناء جامعات محددة  نخص بالذكر لا الحصر الجامعات التي نظمت مؤتمرات حول نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، أي جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة وجامعة مستغانم وجامعة الأغواط، وهناك مؤسستين (جامعة ومعهد دراسات) طلبا مني طرح ديبلوم في الإعلامي القيمي انطلاقا من إسهامات الحتمية القيمية في الإعلام  والمشروع  في صدد الإنجاز إذ من  الواضح فإن التنظير عادة ما يحتاج إلى تكوين معرفي ميداني والأفضل أخذ العلم من أفواه العلماء مثلما يقال . أما التأثير على الدارسين الغربيين (المتخصصين خاصة في أخلاقيات الإعلام) فأرى أن ذلك تكليف أكبر من طاقتنا لاعتبارات عدة منها أ)  أن الدارس الغربي قد لا يرى جديدا يأتيه من خارج سياقه "المتطور" و"الرائد،" ب) أن هذا الدارس كثيرا ما يحمل أفكارا نمطية حول الإسلام  والتي (أي الأفكار النمطية)  تغذيها الحروب والأزمات في المنطقة العربية والإسلامية، فالمنطقة حاليا  ليست بيئة لإنتاج الأفكار.  فالتأثير الأساسي يأتي من خلال دفع الواقع  "المتردي" إلى القيمة  فيصبح مثالا قابلا للاهتمام والاقتداء. وبمعنى آخر، فإن التأثير الحقيقي يأتي من القول بالممارسة،  وعادة ما يكون الحكم كذلك، أي على الممارسة بالدرجة الأولى.  وقد وجدت المحيط الأكاديمي الأمريكي أكثر تفتحا في تقبل الرؤي من خلفيات أخرى ، وتعد مثلا  تعليقات د. كرستنز كليفورد المتخصص العالمي في أخلاقيات الإعلام العالمية  في شأن جهود الحتمية القيمية في الإعلام كافية في هذه المرحلة.  ومن أخرى،  فإن مخاطبة  الآخر (أي الغرب) والتعبير عن الخصوصية أو العالمية يحتاج إلى مجموعة من شروط غير متوفرة حاليا ومنها أن ينطق واقعك بما تدعو إليه، أن تخاطبه بلغته، والأهم أن تكون في مستواه. فالطرح  يحتاج أن يكون علميا دقيقا وصارما وليس "عاطفيا" أو "عموميا"  أو بلغة لا يفقهها. والقاعدة، أن الأفضل بل وحتى الجيد يصل في نهاية المطاف أيا كانت الصعوبات.  إن أهم ما حققته نظرية الحتمية القيمية في الإعلام في نظرنا يتمثل في جعل القيمة محور الانشغال في دراسة الإعلام وذلك متماشيا مع القاعدة العلمية المعروفة بقاعدة "التركيز،" (The Law of Focus)  أي إذا أردت أن تبدع في شيء فعليك أن تركز عليه وتلفت الانتباه إليه، وما يأتي بعد ذلك فتفاصيل ولا تستطيع أن تعرف أو تحدد المدى الذي تصل إليه تلك الفكرة الإبداعية.....  

------------------------------------------------------------------


السؤال 14 : (من رقية لقلوق – سنة ثانية إعلام واتصال)

لقد اتفق بعض الباحثين على أن المشكلة الرئيسة في مجال الإعلام والاتصال تتمثل في نقص النظريات الجيدة. سؤالي 1) ما رأيك في هذا الاتفاق؟ 2) ما هي أهم وأشهر النظريات العربية الإسلامية في مجال الإعلام والاتصال؟ (وإن كان هناك نظريات فما هي؟)


السؤال 15: (من مياقة مباركة)

هل نظرية الحتمية القيمية مبنية على قيم الدين الإسلامي؟ وهل الإعلام القيمي هو الإعلام الإسلامي؟


السؤال 16: من ( ب. أ)

هل النظريات العربية في الإعلام أثرت في الإعلام الغربي؟  


السؤال 17: من (ح. س)

إن أي علم من العلوم الانسانية مثل علم الاتصال والإعلام يكون قائما بالأساس على الجانب النظري وعلى الجانب المنهجي المتبع في الوصول إلى الحقائق. وبما أن الدراسات في المنطقة العربية والإسلامية لعلم الاتصال والإعلام ليست فيها الكثير من التنظير نود أن تطلعنا على مساهمة نظرية الحتمية في المجال.


يمكن إعادة تشكيل هذه الأسئلة بالطريقة التي يمكن الإجابة عليها فيكون السؤال: ما هي الاتجاهات النظرية للإعلام القيمي في المنطقة العربية والإسلامية؟  


تتميز نظرية الحتمية القيمية في الإعلام عن الاتجاهات المذكورة في أنها  1)  لا تتوقف عند مستوى النص بل تنتج مفاهيم جديدة انطلاقا من النص وتفاعلا مع الواقع، 2)  تتجاوز مستوى الوعي بالمشكلة إلى مستوى وضع أسس ومفاهيم التنظير الجديد المتميز من الناحية الحضارية و 3) تنقل مسألة القيمية من المجال الدعوي (أو الفقهي ) إلى المجال الأكاديمي العقلاني و 4) لا تقصي الآخر (الغرب) وإنما تتفاعل معه وتستفيد من أدواته  


يمكن تحديد أربع اتجاهات نظرية للإعلام القيمي في المنطقة العربية والإسلامية؟

اتجاه الإعلام الإسلامي، وهو الأقدم، إذ يعود إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي وقد انتقل إلى رحمة الله معظم الرواد الأوائل لهذه الاتجاه،  وما تزال بعض الامتدادات المحدودة لهذا الاتجاه في الجامعات التي تتوفر على أقسام الدعوة والإعلام.  (انظر التمييز الذي حددناه بين الإعلام الإسلامي والحتمية القيمية في الإعلام في إجاباتنا على أسئلة طلبة جامعة الأمير عبد القادر – في هذا الموقع)

اتجاه أسلمة المعرفة ويقودها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وتتركز إسهامات هذا الاتجاه على العلوم الانسانية والاجتماعية من خلال المجلة الأمريكية للعلوم الاجتماعية الإسلامية ولم يتناول هذا الاتجاه كثيرا مجال الإعلام.  (انظر تحليلنا لهذا الاتجاه في إجاباتنا على أسئلة طلبة جامعة الأميرعبد القادر – في هذا الموقع)

اتجاه الباحثين الإعلاميين الأسيويين باللغة الإنجليزية:  وتعد إسهامات هؤلاء،  أمثال صديقي دلنواز وأحمد دلنواز ومحمد يوسف، رغم قلتها أكثر دقة وثراء بحكم عامل اللغة والاحتكاك مع الأدبيات الإعلامية الغربية (قريبا: دراستنا بالإنجليزية عن صديقي دلنواز يرحمه الله) وقد نشر هؤلاء في أكثر من مجلة أكاديمية باللغة الإنجليزية في آسيا وأمريكا.  

نظرية الحتمية القيمية في الإعلام (و قد تفاعلت هذه النظرية  نقديا مع الاتجاهات المذكورة أعلاه  إضافة إلى النظريات الغربية  في المجال) .

وتتميز نظرية الحتمية القيمية في الإعلام عن الاتجاهات المذكورة في أنها  1)  لا تتوقف عند مستوى النص بل تنتج مفاهيم جديدة انطلاقا من النص وتفاعلا مع الواقع، 2)  تتجاوز مستوى الوعي بالمشكلة إلى مستوى وضع أسس ومفاهيم التنظير الجديد المتميز من الناحية الحضارية و 3) تنقل مسألة القيمية من المجال الدعوي (أو الفقهي ) إلى المجال الأكاديمي العقلاني و 4) لا تقصي الآخر (الغرب) وإنما تتفاعل معه وتستفيد من أدواته  (أنظر أيضا   إجاباتنا على أسئلة طلبة جامعة الأميرعبد القادر – في هذا الموقع). 

السؤال 18  (من أمحمد لقدي، أستاذ وإعلامي)

مشروع السمعي بصري  على الأبواب، ما أثر النظرية التي أسستموها (في الجانب الشكلي) على مشروع تعدد   القنوات الجزائرية الخاصة، وهل يمكن أن تنجح في محيط يفتقر إلى أبجديات العمل الإعلامي المحترف في بلادنا؟

السؤال   19(من السعيد جعيدل ، ماجسيتر علم اجتماع تخصص تنمية الموارد البشرية)

الإعلام مرتبط تطوره بالتطور الاجتماعي ونمو الوعي الفكري الانتاجي في المجال الإعلامي ضمن إطاره الواقعي، والنظرية في عمق مدلولها المعرفي ومغزاها تسعى لازدهار المجتمع بكل مكوناته. وعلى أساس ذلك، هل في المجتمعات العربية عامة والجزائر خاصة يمكن بناء نموذج تنظيري إعلامي يساهم واقعيا في تطوير المجتمع – في ظل التقيد والتضييق الحاصل؟

السؤال 20 (من خديجة طوبال)

في عصر المتناقضات والتناقضات ما تعليقكم على سطوة الإعلام الاستعراضي على الإعلام القيمي. وما قيمة القيمة في ظل هيمنة الصورة و المؤثرات الصوتية والإعلام المرئي. وما هو موقعكم من تأثير الإعلام الاستعراضي على تراجع القيم.؟

السؤال 21 (من حسيني نريمان)

س1) ما هو تقييمك للمستوى الإعلامي في الجزائر، س2) ما رأيك في فتح مجال السمعي البصري وظهور قنوات إعلامية خاصة. وس3) كيف تجد مستوى الطلبة مقارنة بطلبة جامعات الدول الأخرى وخاصة أنك درست في العديد من الجامعات؟

السؤال 22 (من عبد القادر عثمان)

كيف يتم تطبيق نظرية الحتمية القيمية في مجال الإعلام. هل لقيت النظرية ترحيبا من طرف الإعلام الجزائري ودول أخرى؟

تشترك هذه الأسئلة في محور ما أثر نظرية الحتمية القيمية على الممارسة الإعلامية؟   

 

إن نظرية الحتمية القيمية من أكثر النظريات التي يمكن أن تأثر بشكل إيجابي وأساس على الإعلام وخاصة من جانب الممارسة الإعلامية.

وسائل الإعلام بمفهوم نظرية الحتمية القيمية تعبير مركب من المرسل والرسالة والوسيلة والمتلقي والتأثير والسياق الاجتماعي والبعد الحضاري.  ويكون البعد الحضاري غائبا إلى حد كبير فانعكست هذه الحلقة المفقودة (الوعي الحضاري) على العناصر الأخرى المكونة لتلك الوسائل.

ومن جهة أخرى، فإن وسائل الإعلام عندنا وعامة محكومة بالاعتبارات السياسية أو التجارية، أما الاعتبارات الأخلاقية فمحدودة مع الاختلاف في الدرجة (المحدودية) من مؤسسة لأخرى ومن مجتمع لآخر. وبتعبير آخر، فإن هذه الوسائل ليست حاليا "كائنات أخلاقية." فكيف يمكن لمؤسسة يندر فيها الجانب الأخلاقي أن تؤسس مجتمعا أخلاقيا؟ وأزعم أن نظرية الحتمية القيمية من أكثر النظريات التي يمكن أن تأثر بشكل إيجابي وأساس على الإعلام وخاصة من جانب الممارسة الإعلامية.

وكلما ارتبط الانسان بالحقائق أصبح أخلاقيا أكثر، فخشية الله سبحانه تأني من العلم بالحقائق.  وقد دلت دراسات في الغرب مثلا أن الوعي الأخلاقي عند الأطباء أكبر بفعل احتكاكهم اليومي بمعاناة الناس وآلامهم، وينطبق نفس الشيء على المحامين لكثرة إدراكهم لمشاكل الناس ونزاعاتهم بالأخص على القضايا المادية ، الخ. أما الإعلاميين فيكون موقعهم في الوسط (المرجع: قريبا دراستنا عن مواثيق الشرف الإعلامية: نحو مرجعية قيمية متجددة). ويعود هذا الوعي "المتوسط" إلى أن علاقة الإعلامي بالواقع (الحقائق) ليست دائما مباشرة وإنما "رمزية" عن طريق اللغة الصحفية أو الصورة أو الفيديو خاصة مع تطور الانتاج الإعلامي بالاعتماد على الاستديو بالدرجة الأولى. هذا التحليل لا يكون كافيا على اعتبار أن كل عنصر من عناصر وسائل الإعلام (السبعة) يحتاج إلى تحليل خاص. ولو ركزنا على المرسل (الصحفيون)، فيمكن القول أن وعيهم الأخلاقي على نسبيته أكبر من وعي مؤسساتهم بفعل قربهم من الحقائق الميدانية بالمقارنة.  هذا الافتراض يرتبط أيضا بالنظرة إلى المرسل (الصحفي) على أنه (أو أنها) إنسان قبل أن يكون صحفيا، فيأخذ رصيده من التنشئة (والتكوين) الأخلاقية إلى الممارسة الإعلامية وفق الظروف أو القيود التي تحكم تلك الممارسة. وحديثا، يمكن القول أن مصادر التنشئة الأخلاقية قد تقلصت وأن جزء ا من الإعلام يقوم بتنشئة معاكسة. إن مؤسسة "العائلة الحديثة " مثلا  لم تعد مصدرا "مهما" في التنشئة الأخلاقية، والتعليم يتوجه أكثر نحو الجوانب العلمية والمهنية "البحتة" وليس إلى إعادة صياغة الانسان وصقل شخصيته أخلاقيا بالضرورة. وأقسام الإعلام والاتصال بالمنطقة العربية والإسلامية ليس فيها الكثير من التكوين الأخلاقي بالمفهوم العلمي والمهني... وبناء عليه، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. و نحسب أن نظرية الحتمية القيمية في الإعلام تسهم في تصحيح هذا الوضع غير السوي ولاشك أن الجانب القيمي في الممارسة الإعلامية  "علم" يحتاج إلى دراسة وتكوين في شكل دراسة جامعية أو ندوات أو ورشات، الخ. أخذا بيعن الاعتبار أن الأمور لا تتم بشكل جزئي ولكن في سياق إعلامي واجتماعي وحضاري متكامل.

أما بالنسبة لتعدد القنوات التلفزيونية الخاصة، فذلك لن يغير من المشهد الحالي كثيرا بسبب أن الدافع تجاري والعبرة بالمضمون وليس بالوسيلة. وما حدث في تجربة القنوات التلفزيونية الخاصة خاصة في المشرق العربي أنها أصبحت في مجملها ترفيهية بامتياز وتعيد بث البرامج الترفيهية (مثل الغناء والرقص) من جديد في غياب الانتاج الإعلامي الأصيل بشتى مجالاته. إنك لو حصرت حاليا الانتاج الإعلامي النوعي "الموجود" و الذي يمكن أن يسهم في بناء المجتمع ماديا وحضاريا فإنه لا يكفي ربما لإنشاء قناة تلفزيونية واحدة. إن نظرية الحتمية القيمية تدعو إلى مزيد من الأخلاقيات وليس إلى مزيد من الوسائل التي تعيد بث نفس البضاعة الاستهلاكية الترفيهية والغرائزية.

أما مستوى طالب الإعلام في الجامعة الجزائرية فقد غبت عن الجامعة الجزائرية لأقرب من عشرين سنة ويصعب علي تقدير الموقف بشكل دقيق. وإذا اعتمدت على تجربتي الخاصة فيمكن القول أن الطالب الجزائري يتميز بشغف أكبر للعلم والمعرفة ويحمل استعدادات للنقاش والجدل بالمقارنة. وقد سمعت أساتذة يشكون من ضعف مستوى الطالب وانشغاله بعلاماته دون غيرها وتراجع آداب المتعلم في السنوات الأخيرة، وتلك ظاهرة قد تكون عالمية. وقد وجدث في تدريسي أن الطالب الأمريكي يتميز بالانضباط في الدراسة واحترام الوقت والتصرف بشكل مهني مع أستاذه، وهو يركز على اكتساب المعرفة بوضوح ودقة و لا ينشغل كثيرا بالنقاش والنقد. أما الطالب الماليزي فيتميز بالانضباط الأخلاقي ويحرص على أن لا يصدر منه أي سلوك خارج عن قيمه وثقافته. وقد تفاجأت مرة أنني وجدت نفسي مع أستاذين فقط نراقب امتحان يحضره حوالي أربعمائة طالب أو يزيد. فالطلبة على كثرهم جلسوا بأدب شديد ولم يلتفت أحدا لآخر ولم نسمع لهم همسا حتى أحسست أننا في موكب جنازة ومن ثم فهمت لماذا كان عددنا من الأساتذة المراقبين قليل. فالانضباط الأخلاقي مسألة داخلية عندهم وليست بوجود المراقب. أما الطالب في منطقة الخليج فيركز على "الحفظ" ولا ينشغل بالتحليل أو النقد لاعتقاده أن الأستاذ أدرى بهذه المسائل. والأمر يختلف من شخص لآخر ومن حالة لأخرى وإنما هذه انطباعات عن تجربة ذاتية ليس إلا رغم اشتراك الطلبة عامة فيما يمكن تسميته بثقافة الطالب...
---------------------------------------------------

السؤال 23: (من الزبير برغون)

هل يمكن للباحث ذو التوجه السوسيولوجي تبني نظرية الحتمية القيمية في تحليلاته للظاهرة الاتصالية الإعلامية؟

الجمهور ليس كائنا "تاريخيا" أو "اجتماعيا" ثابتا يحتل سلما اجتماعيا أو يتصف بديمومة اجتماعية  أو تاريخية (مثل العصبية أو الطبقة أو الأمة)   وإنما كيان ينشأ في العلاقة مع وسيلة إعلامية ثم يزداد أو يقل ويتبدل أفراده و ينتقلون من وسيلة لأخري بل وقد يكون الفرد عضو في جمهور أكثر من وسيلة، ومن ثم فإن الفئة الاجتماعية أكثر أهمية "سوسيولوجيا" من الجمهور.

 نعم، ويمكن مثلا إدخال البعد الاجتماعي بدراسة تأثير وسائل الإعلام على القيم وفق كل فئة اجتماعية، فقد يكون هذا التأثير مختلفا بالسلب أو الايجاب من فئة اجتماعية لأخرى. ومن المعروف أن الباحثين في الإعلام يدرسون "الجمهور" وليس "الفئة الاجتماعية." فالجمهور ليس كائنا "تاريخيا" أو "اجتماعيا" ثابتا يحتل سلما اجتماعيا أو يتصف بديمومة اجتماعية  أو تاريخية (مثل العصبية أو الطبقة أو الأمة)   وإنما كيان ينشأ في العلاقة مع وسيلة إعلامية ثم يزداد أو يقل ويتبدل أفراده و ينتقلون من وسيلة لأخري بل قد يكون الفرد عضو في جمهور أكثر من وسيلة، ومن ثم فإن الفئة الاجتماعية أكثر أهمية "سوسيولوجيا" من الجمهور. وقد طرحت مفهوم المخيال الإعلامي أداة في تجاوز القصور الكامن في استخدام تعبير "الجمهور."  انظر في ذلك الدراسة الحديثة:

د. مرزوقي بدر الدين، الرأي العام والعصبية والشوري: قراءة أبستمولوجيا في بعض طروحات المفكر عبد الرحمن عزي، مجلة الصورة والاتصال ، العددان 1 و2، سبتمبر 2012، ص. 287-308

ومن جهة أخرى، هناك توجه  من داخل  علم الاجتماع لدراسة القيم، انظر في ذلك كتابات الزملاء د. الرشيد ميمون ود. محفوظ السماتي ود. رشيد بوسعادة من قسم الاجتماع بجامعة الجزائر. والأمر نفسه قائم في علوم أخرى مثل علم النفس (انظر في ذلك دراسة د. الجيلالي بوحمامة من قسم علم النفس بجامعة الكويت عن علم النفس الأخلاقي، الخ.   
----------------------------------------------------------------------------
 

السؤال 24 (من زبدة بشرى)

ما هي الخلفيات التي استدنتم عليها والتي شكلت الأرضية الفكرية لميلاد نظرية الحتمية القيمية. وكيف كانت ردة فعل الدارسين الإعلاميين؟

السؤال 25 (من بلقاسمي الطاهر)

ما هي أسس هذه النظرية؟ وما هي المناهج التي بنيت عليها، وما آثارها على تثقيف الشباب؟

السؤال 26 ( لم يرد الاسم)

ما هي القيمة التي تدور في فلكها نظرية الحتمية القيمية وكيف يمكن للنظرية (الحتمية) أن تصبح "براديغم" عالمي إذا كان مصدر القيمة الدين؟

السؤال 27 (من التومي زهير)

ما هي الأسس الأولى التي انطلقت منها نظرية الحتمية القيمية في الإعلام؟

السؤال 28  (من أمحمدي كريمة)

ما هي فرضياتها وأدواتها المنهجية  القائمة عليها هذه الحتمية القيمية؟

 

إنك لو دققت في عدد من النظريات الفلسفية الغربية  مثل التي نجدها عند الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت أو عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أو المؤرخ الإنجليزي أرنست طوينبي فإنك تجد أنها فسرت المواقف والسلوكيات والتاريخ الانساني انطلاقا من الظاهرة الدينية ولكنها استخدمت لغة المنطق والأسلوب غير المباشر  بل والميتافزيقية  حتى تكون أفكارهم مقبولة من الذين "ينكرون" عامل الدين.

تشترك هذه الأسئلة في أنها استفسارية وقد أجبت عنها في كل من مقدمة "كيف نقرأ نظريتنا؟" في كتابنا "دراسات في نظرية الاتصال: نحو فكر إعلامي متميز." من إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت ، وكتاب "نظرية الحتمية القيمية في الإعلام"  من إصدار الدار المتوسطية  للنشر بتونس.  وكان تأليف الكتاب الأخير بفعل هذه  الأسئلة الاستفسارية.    

أما الجوانب الأخرى في الأسئلة فتكون الإجابة كالتالي:

بالنسبة لردة فعل الدارسين الإعلامين تجاه النظرية  فيمكن القول مثلما جاء في الآية الكريمة "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير" (فاطر، 32).

أما كون المصدر في القيمة الدين "يتنافى" مع العالمية، فقد يبدو الأمر كذلك ظاهريا إذا نظرنا إلى الدين من زاوية الممارسة "المشوهة" من أفراد أو مجتمعات في وضع غير سوي حيث "القيم" معطلة بتعبير مالك بن نبي يرحمه الله، فيبدو الدين في هذه الحالة مسألة محلية. أما أصل الدين والقيم التي يحتويها فعالمية، أي للعالمين. وفي الآية " وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سبأ، 28) ويكون الشق الثاني من الآية "ولكن أكثر الناس لا يعلمون"  دليل واضح على أن هذا الإدراك لا يمكن الوصول إليه بسهولة. إنك لو دققت في عدد من النظريات الفلسفية الغربية  مثل التي نجدها عند الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت أو عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أو المؤرخ الإنجليزي أرنست طوينبي فإنك تجد أنها فسرت المواقف والسلوكيات والتاريخ الانساني انطلاقا من الظاهرة الدينية ولكنها استخدمت لغة المنطق والأسلوب غير المباشر بل والميتافيزيقية حتى تكون أفكارهم مقبولة من الذين "ينكرون" الدين.  وكان مالك بن نبي بالمناسبة  قد تأثر بفكر طوينبي في  دراسته للدورة التاريخية والحضارية.  وهنا يستذكرني موقف أنني قدمت مرة محاضرة عن الحتمية القيمية بمركز الشيخ زايد للتراث والتاريخ بمدينة العين باستخدام الأسلوب غير المباشر،  ولما انتهت المحاضرة قام د. محمد يونس صاحب كتاب "الخطاب الإسلامي في الصحافة العربية" وقال بأنه على توافق مع جاء في المحاضرة بنسبة 99% ولكن توجد نسبة 1% لا يطمئن إليها وهي أنني لم أتناول مصدر القيمة. ولما أشرت له أن ذلك مذكور في شريحة "الباوربونت" التي عرضتها عليهم ولكنني لم أتوقف عندها ولم أذكرها في المحاضرة فعرضت الشريحة مرة ثانية  وهنا قاطعني بالقول أن توافقه  أصبح الآن  100%. والعبرة من ذلك كله أن فعالية الأسلوب المباشر أو غير المباشر يتوقف على بيئة الباحث ومدى تقبلها أو رفضها للأفكار المطروحة.

 ------------------------------------------------------------------

السؤال 29 (من سحنون لامية)

ذكرت أن من شروط النظرية مثل نظرية الحتمية القيمية في الإعلام "الانتشار." هل لك أن تحدد لنا شروط أخرى تركز عليها هذه النظرية؟ 

الأمر يختلف من مجال لآخر (العلوم الطبيعية، العلوم الانسانية، الخ.)  لكننا نجد في الأدبيات الأكاديمية شروطا عامة نذكر منها:

  • أن تكون كلية (أي شاملة) (holistic)   تستطيع أن تتناول أكثر من ظاهرة جزئية ويمتد مجالها لأكثر من ظاهرة

  • أن تكون متسقة (systematic) و لا تحمل الكثير من التناقضات خاصة في مفاهيمها. وقد لخص د. نصير بوعلي هذا الشرط بشكل بليغ عندما ذكر أن ما كتبته في شأن نظرية الحتمية القيمية في الإعلام دراسة واحدة فقط والباقي شرح لتلك الدراسة. 

  • أن تكون مبنية على أسس قائمة وممتدة في المعرفة (substantiated) ويعنى ذلك أن تكون على دراية بالمجال وتاريخه. و تستند نظرية الحتمية القيمية في الإعلام في هذا الشرط إلى الإرث الحضاري الممتد وأقربها فكر مالك بن نبي والنورسي والورثيلاني، الخ وواقع الإعلام في المنطقة من جهة ثانية والنظريات الغربية في المجال من جهة  ثالثة.

  • أن تكون شارحة للظواهر (explanatory)  أي أنها تستطيع أن تقدم فهما خاصا للظواهر التي تدرسها أو تشير إليها، وتأخذ بعض النظريات سمة السبب والنتيجة، أي أن السبب الفلاني يؤدي إلى النتيجة الفلانية كالقول أنه كلما كانت الوسيلة الإعلامية قريبة من القيمة كان أثرها إيجابيا على المتلقي والعكس.

  • أن تحمل صبغة التوقع (predictive)   أي تستطيع أن تتوقع النتائج المستقبلة لافتراضاتها...

  • أن تكون قابلة للاختبار (tested)   من خلال دراسات وأبحاث، ومن هنا أتى مرجعنا: "منهجية الحتمية القيمية في الإعلام ومقياس ع.س.ن  للقيم: من إصدار الدار المتوسطية للنشر....

ويمكن إضافة شروط أخرى كما وأنه ليست كل هذه الشروط ضرورية كلها في أي نظرية...  

 -------------------------------------------------------------

السؤال 30 (من رنان أشواق)

لماذا أجريتم مقارنة بين النظرية الحتمية القيمية والحتمية التكنولوجية؟ ولماذا اخترت هذه الألفاظ (المخيال الإعلامي، الرأسمال الرمزي، الخ) رغم قدرتك على استعمال ألفاظ سهلة المنال؟

السؤال  31 (من جعفر محمد)

كل نظرية تقوم على مفاهيم واضحة مما يسهل أجرأتها في البحث العلمي. ولكن أظن أن مفاهيم نظرية الحتمية يشوبها نوع من الغموض، وحتى الباحثين الذين حاولوا تقديمها في كتبهم وأبحاثهم ما هي إلا اقتباس لما هو موجود في كتب عبد الرحمن عزي. أعتقد أن هذا يقف حائلا لاعتماد النظرية كمدخل للأبحاث العلمية. ما قولكم؟

وإذا نظرنا إلى الكتابات التي يقدمها الأساتذة أو الأبحاث التي يجريها الطلبة في إطار نظرية الحتمية القيمية في الإعلام  فنلحظ بدون شك التطور النوعي المستمر في السنوات الأخيرة إن في المفاهيم أو الأدوات. وأعتقد أن هذه الكتابات والأبحاث ستصبح صارمة وراقية في السنوات القليلة القادمة بفعل التراكم المعرفي والممارسة....  


أي تنظير يحمل بعض الغموض في البداية ولكن مع الممارسة تتضح الأمور، ومثلما يقول المثل الأمريكي "المثالية في الممارسة" (practice makes perfect). ويحكى أن الفيلسوف الألماني "هيغل" كان يحاضر يوما فيما كان يعتقد أنه "واضح."  ولما انتهى من محاضرته،  فتح المجال للمناقشة،  فتردد الحضور من الكلام عدا طالب واحد كان على قدر كاف من الجرأة فطرح سؤاله. فما كان من الفيلسوف إلا أن علق باقتضاب شديد على السؤال وانصرف. ولما سأله زملاؤه من الأساتذة عما إذا لقيت محاضرته الفهم المطلوب من طلبته أجاب: لم يفهم محاضرتي سوى طالب واحد وهذا الطالب أساء فهمي! وإذا نظرنا إلى الكتابات التي يقدمها الأساتذة أو الأبحاث التي يجريها الطلبة في إطار نظرية الحتمية القيمية في الإعلام  فنلحظ بدون شك تطور نوعي مستمر في السنوات الأخيرة إن في المفاهيم أو الأدوات. وأعتقد أن هذه الكتابات والأبحاث ستصبح صارمة وراقية في السنوات القليلة القادمة بفعل التراكم المعرفي والممارسة. وما يميز نظرية الحتمية القيمية في الإعلام أنها عمل جماعي، والإسهام المباشر وغير المباشر الذي يقدمه الأساتذة والطلبة كبير وعظيم. فقد ساهم هؤلاء في شرح وتوضيح "الغموض" الذي ذكرتموه أو نظموا ملتقيات وندوات أو أجروا أبحاث ميدانية ومن ذلك إسهامات د. نصير بوعلي ود. السعيد بومعيزة،  د. محمود قالندر ،  د. حسان موهوبي،  د. بشير كردوسي،  أ. د. أحمد عزوز ،  د. العربي بوعمامة ، د. فلة بن غربية ،  د. ساعد هماش ،  د. سعدي  وحيدة ،  د. بدر الدين زواقة ،   أ.  لبجيري نورالدين، د. أحمد  عبدلي،  أ. هند عزوز  ،   أ. جمال بوعكاز ،   أ. ليلى فيلالي،   أ. إلياس طالبي ،  أ. وسيلة مراح،  أ. زرزايحي زوبير،    أ. ياسمينة بونعارة،   أ. رقية بوسنان،   أ. وحيدة بوفدح باديسي، أ. محمد البشير بن طبة ،  أ. الطارق عامر ،  أ. وردة بوجلال،   أ. محمد عوالمية،  أ. محمد حمدي عبد الفاتح،   أ. محمد هاشم الكريم ،  أ. يحي تقي الدين،  أ. شهر زاد سوفي،  أ. منال كبور،  أ.  سعاد عيساني ،  أ. بلغيثية سميرة ،  أ. غالم عبد الوهاب،  أ. باديس لونيس،  أ. شفيق إيكوفان،  أ . ياسين قرناني ،  أ. بدر الدين مرزوقي ،  أ. أحسن خشة،   أ. مسعود بوسعدية، الخ.  

تتمة الأسئلة  في

       

يمكن مراسلتنا على:


Comments