الصحيح في تاريخ المغرب والجزائر

 



حوار في التاريخ مع الأستاذ زهير إحدادن، شيخ أساتذة الإعلام في الجزائر



-الصحيح في تاريخ المغرب

أو تحرير التاريخ المغاربي من النزعة الاستعمارية


- تاريخ الصحافة مدخل أساس  في فهم تاريخ الجزائر المعاصرة


حاوره أ.د. عبد الرحمن عزي


يملك الأستاذ الدكتور زهير إحدادن شغفا خاصا بالتأريخ وأنت تتحدث معه تشعر بحسه التاريخي وقدرته على تتبع الأحداث التاريخية وترتيبها وتبسيطها والعناية بتفاصيلها بشكل لا يقدر عليها سوى المؤرخ "الراسخ." ويذكر د. زهير أنه أراد في شبابه التخصُّص في التاريخ لكن الأساتذة الفرنسيين آنذاك (فترة الاحتلال) "عقَّدوا" عليه الأمر فتوجه إلى تخصُّص آخر. ولما انشغل بالصحافة ممارسة أثناء الثورة ثم دراسة وتدريسا بعد الاستقلال عاد إلى التاريخ من زاوية تاريخ الصحافة (انظر مؤلفه المعروف: تاريخ الصحافة الأهلية في الجزائرباللغة الفرنسية) (Histoire de la Presse Indigene des Origines jusqu au 1930).

الأستاذ زهير إحدادن من مواليد  1929 بسيدي عيش ببجاية ( شرق الجزائر) وخريج المدرسة الجزائرية وكلية الآداب بجامعة الجزائر وحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة السربون. انضم إلى حزب الشعب الجزائري في الأربعينيات وكان عضوا في هيئة تحرير صحيفتي "المقاومة الجزائرية" و"المجاهد" أثناء ثورة التحرير أواخر الخمسينيات. وبعد الاستقلال، تقلد مناصب عليا في وزارتي الثقافة والإعلام والتعليم العالي وتكفل بإدارة أول مدرسة في الصحافة بالجزائر باسم المدرسة الوطنية العليا للصحافة مما يجعله شيخ الأساتذة الإعلاميين في الجزائر (رغم أنه لا يرغب في مثل هذه التسميات.) وللأستاذ عدة مؤلفات منها باللغة الفرنسية: صحافة الأهالي في الجزائر، من الأصول إلى سنة 1930 (Histoire de la Presse Indigene des Origines jusqu au 1930) ، أبحاث حول تاريخ الجزائر(Regard sur l’Histoire de l’Algerie) و بجاية في عصر بهائها 1060-1555(Bejaia a l’Epoque de sa Splendeur -1060-1555)  وأخيرا الصحيح في تاريخ المغرب والجزائر   (l’Histoire Decolonisee du Maghreb: L’Algerie de 1510 a 1962) .               

يرى الأستاذ إحدادن أن المؤرخين الغربيين كتبوا عن تاريخ المغرب من زاوية استعمارية إما بنفي وجود تاريخ مستقل للمنطقة أو تزويره أو تجاهل حقائقه التاريخية. وركَّزوا في ذلك على فترات احتلال المغرب، وليس تاريخ المغرب مع اهتمام خاص، لاعتبارات معروفة، بالفترة الرومانية. ويدفعنا ذلك بإلحاح إلى إعادة كتابة هذا التاريخ وتفكيك افتراضاته بنظرة إبداعية ووطنية تنم عن حب الوطن ليس من زاوية تقديم حقائق جديدة فحسب ولكن أيضا بإعادة قراءة الأحداث "المعروفة" برؤية وطنية أصيلة مغايرة.  ويكشف الأستاذ إحدادن في هذا الحديث على الكثير من "المغالطات التاريخية" ومنها أن السكان الأصليين من الأمازيغ لم تكن لهم حضارة أو دولة مركزية أو أن أصولهم من الغرب أو من الشرق أو أن دخول الأمازيع في الإسلام لم يكن عن طواعية أو أن عهد الأتراك كان احتلالا أو أن الاحتلال الفرنسي أنهى السيادة الوطنية. ويتعرض الأستاذ إحدادن إلى  تلك العلاقة  "المثيرة" بين الصحابي عقبة بن نافع والملك كسيلة ويبين  أن الكثير من الكتابات التاريخية لم تتساءل عن سبب الكمين الذي نصبه الملك كسيلة لعقبة بن نافع ولماذا الملك كسيلة وقومه اعترضوا سبيله في شمال بسكرة وقتلوه في 63 للهجرة . و يذكر المؤرخون  إسهامات عقبة بن نافع  بإسهاب، وهذا لا يعترض عليه الأستاذ  إحدادن ، بل الأستاذ يقدم لنا الوجه الآخر لهذا الصحبي الشهير وبموضوعية ودقة تاريخية. ويخلص الأستاذ إحدادن إلى القول بأن أغلبية السكان الجزائريين أمازيع وإنما هناك من تعرًّب فنسي لغته الأصلية وهناك من احتفظ بها لظروف جغرافية تاريخية فأصبح يطلق عليهم أمازيغ أو بربر، و لا يوجد فرقا إثنيا بين هؤلاء وهؤلاء وإنما هم من أصل واحد وإن تنوع لسانهم في التاريخ المعاصر. ويضيف الأستاذ إحدادن إن إزالة "العقدة" أو "الخوف" تجاه هذا التاريخ بطريقة نزيهة وشجاعة كفيل بحل الكثير من القضايا العالقة في حياة الجزائريين.         

ويقوم تحليل الأستاذ إحدادن على نقد كتابات المؤرخين الفرنسيين من جهة وكتابات المؤرخين الجزائريين والمغاربة على قلتهم من جهة أخرى على النحو التالي:

المؤرخون الفرنسيون والغربيون: لم يهتم المؤرخون الأوربيون بمنطقة المغرب والجزائر على الخصوص إلا بعد 1830، ولعل أول كاتب أوربي انشغل بتاريخ مدينة الجزائر رجل الدين الإسباني "دياغو" (Diego Haedo) الذي مكث في مدينة الجزائر بين سنة 1578 و 1581 سعيا منه إلى إطلاق سراح المعتقلين من الاسبانيين آنذاك. وكانت كتبه عن مدينة الجزائر والجزائر عامة تحمل رغم تحيزها ملاحظات وصفية تفصيلية بحيث أصبح هذا الكاتب المرجع الأساس عن الجزائر لعدة قرون خاصة فترة الأتراك.  ويقول "دياغو" عن مدينة الجزائر "أنها قديمة جدا وتعود إلى فترة عهد سيزار (August Cesar) " وأن الملك جوبا (Juba)  هو من بناها." ويكرِّر ذلك الكاتب تاسي (J.P.Laugier de Tassy) الذي كتب سنة 1725 من أن كاليغولا (Caligula)  قسم مملكة الجزائر، أي موريتانيا القيصرية، إلى مقاطعتين كانت أحدهما موريتانيا القيصرية التي سماها "جوبا" بجول سيزاريا (Jol Cesaria) أو جولية سيزاريا(Julia Cesaria)  ، إشارة إلى مدينة الجزائر. ويرى الأستاذ إحدادن أن الجهل بالمنطقة جعل هؤلاء الكتاب يقعون في التباس بين مدينة الجزائر ومدينة شرشال (Sesaree) وهو الخطأ الذي  اكتشفه لاحقا كتاب آخرون مثل "بربروجر" و "مونيرو" الذي ترجم كتاب "دياغو:"  "تيبوغرافية وتاريخ الجزائر العام" (Topographie et Histoire Generale d’Alger) " ويغذي هذا الجهل "الكراهية" التي ولدتها الحملات الصليبية والقبض على أعداد كبيرة من المسيحيين في حوض البحر الأبيض المتوسط مما جعل هؤلاء المؤرخين والرأي العام في أوربا عامة ينظرون إلى الجزائريين على أنهم أناس "متوحشين وهمجيين." وبدأ المؤرخون الفرنسيون مع بداية الاحتلال سنة 1830 يهتمون بتاريخ الجزائر طول القرن التاسع عشر واستعانوا في ذلك بالوثائق الموجود باللغة العربية والمستعربين. وكان لترجمة "سلان" (Slane) لابن خلدون ومساهمات "أوربان" (Thomas Urbain)  وغيره من العسكرين والمترجمين أمثال بربوجر(Berbrugger)  و ساريت (Carette)  وجرامونت (Grammont) وفيرود(Ferraud)  وميرسيي (Mercier)  أثره في تسليط الضوء على المرحلة التركية وبداية فترة الاحتلال الفرنسية واستكمل ذلك جسال (Gsell) و شارل  أندري جوليان ( Charle Andry Julien)  في القرن العشرين.

المؤرخون الجزائريون والمغاربة:  يري الأستاذ زهير إحدادن  أن مؤلف المؤرخ الجزائري مبارك الميلي بعنوان "تاريخ الجزائر" اعتمد على ترجمة كتابات المؤرخ الفرنسي جسال (Gsell) وكرر افتراضات هذا الأخير من أن دراسة تاريخ البربر يتم من خلال تاريخ الأمم الأخرى التي سيطرت على المنطقة. وتضمن مؤلف الميلي ابتكارا جديدا يتمثل في تقسيم تاريخ الجزائر إلى فترتين: ما قبل وما بعد "الاحتلال العربي،" وهو يستعمل تعبير "الاحتلال" على النحو الذي نجده في كتابات المؤرخين الفرنسيين، بينما الحقيقة التاريخية تتطلب استخدام تعبير الفتح "الاسلامي" على اعتبار أن مكون الإسلام كان الأساس في هذا الفتح. ويصل الميلي تقريبا إلى نفس الزعم الذي يُقرَّه المؤرخون الفرنسيون من أن البربر لم يكونوا قادرين على تكوين سلطة مركزية والتوحد في دولة مستقلة خلال تلك العصور، ويضيف أن البربر تعودوا خلال هذا التاريخ على عدم التوحد والفوضى.

أما المؤرخ الجزائري الآخر توفيق المدني، فقد ركز على مرحلة الأتراك وبَّين أن المرحلة التركية ليست باحتلال مثلما تذهب إليه الروايات الاستعمارية وإنما الأتراك جزائريون تحت ولاية الخلافة العثمانية مثل غيرهم من المسلمين  بمحض إرادتهم، وكان لهؤلاء الأتراك الاستقلالية والحرية في اتخاذ القرارات بالمنطقة. ويضيف توفيق المدني أن الوجود التركي حمى المنطقة لمدة ثلاثة قرون من الهجمات والتحرشات الغربية المستمرة على طول سواحل الجزائر وتونس.   ويُعد المؤرخ الجزائري شريف صالحي أول من شكك في طروحات المؤرخين الفرنسيين الغربيين في كتابه "إزالة النزعة الاستعمارية على التاريخ"  (Decoloniser l’histoire) .  ويتهم المؤرخ صالحي في تحليله اعتماد هؤلاء المؤرخين على محددات ثلاث: أ) التضاريس الجغرافية التي تكون قد سهلت النزعة المحلية وصعبت الوحدة السياسية رغم أنه يمكن ملاحظة أمثلة واضحة عن الوحدة السياسية والقوة البحرية في المنطقة. ب) العرق: إذ نجد أن المؤرخين الغربيين أمثال قسال سيتفاني (Stephanie Gsell)  و قوثييي (Gauthier)   و جوليان (Julien) و لاسو (lassus)  وبرثييي (Berthier)  وكامب (Camps) يعتبرون أن المجتمع المغاربي المعاصر مشابه للمجتمع البربري القديم بغض النظر عن قرون من التاريخ المتلاحق المتجدد. وعامة، فهم ينظرون إلى هذا المجتمع أنه "بدائي" وذو أشكال أولية من التنظيم الاجتماعي وأنه يملك "شخصية سلبية" إضافة إلى غياب الأصالة (originality)  والإبداع. ج) المحدد الاجتماعي: إذ يعتمد المؤرخون الفرنسيون أمثال (Gauthier) على أنه صراع بين البدو والحضر وأن هذه البداوة ساهمت في إنهاء السيطرة الرومانية والبيزنطية بالمنطقة – و لم يستطع هؤلاء المؤرخين بفعل ذلك قراءة الجوانب الفاعلة في حياة البدو وبالأخص حبهم الشديد للحرية والاستقلال.  وهذه المحددات الثلاثة التي تنتهي إلى القول بتأخر المجتمع الجزائري في التمدن والتنظيم والشخصية تمهد إلى إعطاء الطابع الحضاري للاستعمار الفرنسي بداية  من 1830.   وكتب المؤرخ المغربي عبد الله العروي في مؤلفه "تاريخ المغرب" سنة 1970  يقول أن  التاريخ السائد في المرحلة الاستعمارية تأريخ حظوظ سيئة (malchance) للمغرب، أي سوء حظ في عدم الاستفادة من القيم الحضارية للفترة الرومانية، سوء الحظ في قبول الإسلام، سوء الحظ في التعرض لآثار الحملة الهلالية،  وسوء الحظ في التحول إلى قاعدة للخلاقة العثمانية... وأخيرا سوء الحظ في وجود مؤرخي المناسبات ... وفي نظر العروي، فإن المغرب خلال تاريخه لم يدرس سوى عبر محتليه الأجانب ومن ثم سعى إلى تقديم تقسيم جديد لتاريخ المغرب بدءا من تاريخ المغرب تحت السيطرة قديما إلى تاريخ المرحلة الاستعمارية حديثا رغم استعانته بأدوات ماركسية أي الحديث عن الاقطاعية والاقتصاد بوصفه المحرك الأساس في التاريخ.    

ويقترح الأستاذ إحدادن خمس مراحل في تاريخ المغرب والجزائر على النحو التالي:


المرحلة الأولي: المرحلة الغابرة - (من عصور ما قبل التاريخ إلى بداية تاريخ القديم وظهور الحضارة  الفرعونية "5000 ق.م.")

المرحلة الثانية: المرحلة القديمة - (من بداية تاريخ الفراعنة 5000 ق.م.  إلى الفتح الإسلامي 647)

المرحلة الثالثة:  مرحلة الفتح الإسلامي - (من الفتح الإسلامي 647 إلى الجزائر الحديثة 1510)

المرحلة الرابعة: مرحلة الجزائر الحديثة  - (من 1510 إلى 1830)

المرحلة الخامسة: مرحلة الجزائر المعاصرة (من 1830  إلى 1962)    

          

كان لقاؤنا مع الأستاذ إحدادن تلقائيا لا يخلو من "الطرافة" حول تاريخ المنطقة، فهو يعتقد أن التركيز على الحقائق رغم مراراتها أحيانا كفيل بتحقيق المصالحة مع الذات والآخر. وهو يرى أن المغالطات بل والخرافات الكثيرة السائدة التي "لصقت" بتاريخ المغرب في الماضي والحاضر تحتاج إلى النزاهة والشجاعة في دراستها وبيان الحق من الزيف باعتماد أسلوب المنطق والدليل والقراءة النابعة من حب الوطن والمجتمع الذي قدم إسهاما حضاريا كبيرا للإنسانية ، وإن كان مطموسا، عبر تاريخه القديم والمعاصر. وهذا نص الحوار:             

 

س 1: لقد أعدتم ترتيب مراحل تاريخ المغرب (le Maghreb)   بطريقة جديدة غير مألوفة في كتب التاريخ وقسمتها إلى فترات بدءا بفترة ما قبل التاريخ (ما قبل تاريخ الفراعنة) إلى الفترة المعاصرة التي تمتد إلى 1962 وما بعدها. هل يمكن أن تحدثنا عن هذا المراحل؟


د. زهير إحدادن:

نعم، شرحت ذلك في كتابي الأخير (l’Histoire Decolonise du Maghreb)    والذي يمكن ترجمته باللغة العربية "بالصحيح في تاريخ المغرب." وجاء هذا التصنيف الجديد رد فعل على ما كتبه المؤرخون الفرنسيون والغربيون عن تاريخ المنطقة. فقد تناولوا تاريخ المغرب بوصفه تاريخ الاحتلال الأجنبي للمغرب، فتحدثوا عن الاحتلال القرطاجي ثم الروماني ثم الوندالي- البيزنطي ثم الإسلامي (ويسمونه العربي) ثم التركي ثم الفرنسي. وعليه،  فهذه المراحل تقوم على النظر إلى الداخل من خلال الخارج (أي الاحتلال). وأنا قلت بغير ذلك إذ أن هذه المراحل الخاصة بالاحتلال، وبغض النظر عن الطريقة التي تمت بها دراستها،  تمثل فقط ثلاثة قرون من أصل خمسين قرنا من تاريخ المنطقة. فتاريخ منطقة المغرب يمتد إلى عصور ما قبل التاريخ، أي قبل تاريخ الفراعنة.  وبمعنى آخر، فعندنا خمسون قرنا من التاريخ والمؤرخون الفرنسيون  والغربيون تناولوا فقط ثلاثة قرون من الاحتلال وتناسوا وتجاهلوا سبعة وأربعين قرنا من تاريخ المنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه أين نحن وماذا كنا نفعل خلال هذه القرون السبعة والأربعين التي تمثل حسابيا 94% من تاريخ المنطقة؟ وقد بحثت في هذه القرون الطويلة "المنسية" ووجدت أن التاريخ متواصل وتتخلله مراحل بارزة على النحو التالي:

المغاربة أسسوا حضارة متطورة منذ عصور ما قبل التاريخ (قبل الحضارة الفرعونية) ولكن المؤرخون الفرنسيون ينسبونها إلى أسلاف يونانيين حسب زعمهم 


المرحلة الأولي: المرحلة الغابرة - (من عصور ما قبل التاريخ إلى بداية تاريخ الفراعنة "5000 ق.م."): 

وتبدأ من مرحلة ما قبل التاريخ إذ تدل آثار الهياكل البنائية المسماة ب  (les dolmens) الموجودة في الجزائر(الهوقار والتاسيلي)  وغيرها من مناطق المغرب من غرب النيل  إلى المغرب الأقصى على تطور حضاري وعمراني معتبر بحكم تنوع أشكال تلك الهياكل وعلوها.  يضاف إلى ذلك "النقوش" والرسوم" المكتشفة في الجدران والمغارات  والتي تعد بمثابة كتابة إذ أنها تتحدث عن الحيوانات والإنسان ولباسه وأسلحته، وكلها تدل على الذكاء والرقي الذهني والمعرفي في تلك الفترة. وهذه الآثار إنما هي مغربية بربرية أصيلة وليست مثلما يذهب إليه المؤخرون الفرنسيون أمثال بالوت(Ballout)  وجوليان(Julien)  و (Gsell)  جسالو(Marcelle) مرسال الذين ينفون - بنظرتهم الاستعمارية ودون أدلة علمية مقنعة - إمكانية المغاربة في إنتاج هذه المآثر الحضارية ويفترضونها أنها وصلت إلى المغرب عبر أروبا بل أن مرسال Marcelle  يؤكد أن هذه الآثار العملاقة تعود وبدون تقديم إثبات علمي  إلى أسلاف البربر، أي الإغريقيين في نظره. 

             

س: هذه كانت أشكال تعبيرية بالصور، هل كانت هناك كتابة أبجدية في تلك المرحلة؟


د. زهير إحدادن:

كانت رسومات فقط في هذه المرحلة والنقوش المصرية كانت أيضا كذلك.

المرحلة الثانية: المرحلة القديمة - (من بداية تاريخ الفراعنة 5000 ق.م.  إلى الفتح الإسلامي 647):

وتبتدئ هذه المرحلة مع التاريخ المصري القديم إذ أن كل ما نعرفه عن الأمازيغ في هذه الفترة يأتينا من الكتابات المصرية.  هذه المرحلة تتحدث عن أحداث مكتوبة وعن ملوك الأمازيغ (البربر) والحروب مع الأمازيغ. وتنقسم هذه المرحلة إلى فترتين:

  1. الفترة الأولى وتخص ما قبل 900 سنة (ق.م.) ، وقد ظهرت في هذه الفترة عدة دول ومماليك أمازيغية (منطقة طرابلس، جنوب تونس، الجنوب الشرقي للجزائر، وسط الجزائر (أو ما يسميه الرومان بنوميديا ومنها مدينة "سيرتا")، غرب الجزائر، والمغرب الأقصى)، والكتابات المصرية تتحدث عن هذه المماليك وملوكها وحروبها مع الفراعنة. ونذكر من هذه المماليك مملكة ليبو(lebou)  (غرب النيل وليبيا الشرقية)  ومعظم سكانها من أمازيغ التاسيلي الذين هاجروا إلى المنطقة بعد مرحلة التصحر "الشديد" الذي شهدته منطقة التاسيليى والهوغار قبل هذه الفترة. وقد سعت هذه المملكة مرارا مثلما يرد في كتابات دريتون (Drioton) و فوديي (Vaudier) الوصول إلى النيل وخاضت معارك مع الفراعنة أمثال الفرعون "سينيفرو." أما المملكة الثانية فتقع غرب المملكة السابقة وتمتد إلى غرب تونس وشرق الجزائر وسكانها من الأمازيغ المشاوشة وكان من أشهر ملوكها كيبر (Keper)، وخاضت هذه المملكة بدورها حروبا مع الفراعنة رمسيس الثاني والثالث، الخ. وقد استوطن الكثير من المشاوشة على النيل ودخلوا الجيش المصري وأسسوا الدولتين الفرعونيتين 21 و 22. وأما المملكة الثالثة فتسمى مملكة أمازيغ (Maxiens)  وتمتد من غرب تونس وشرق الجزائر إلى منطقة الصومام بوسط الجزائر.  وتبعها في فترة تاريخية لاحقة ممالك أخرى نذكر منها مماليك ثيديس (Tiddis) ومكاسا (Megasa) ودوقاDougga) ).  والجدير بالذكر أن الكتاب والمؤرخين الفرنسيين والغربيون ينسبون أسماء المدن التي لا يعرفون معانيها مثل تيبازا (Tipaza) و تمقاد (Timgad)  وتلمسان (Tlemcen) وغيرها إلى الرومان بينما هي أسماء أمازيغية معروفة. فمملكة  ثيديس )أي القرية الصغيرة) تركت آثار حضارية عريقة في شكل معالم عمرانية ضخمة (les dolmens)  نسبها هؤلاء الكتاب خطأ إلى أسلاف أوروبيين،  وحدث وأن نشرت وزارة اِلإعلام والثقافة دراسة سنة 1972 عن هذه المنطقة ووجدت أن الآثار الرومانية قد بنيت فوق الآثار الأمازيغية.  وإذا فقد كانت للفراعنة حروب مع الشرق وحروب أخرى مع الغرب (أي مع الأمازيع). وأحيانا كان الأمازيغ يتغلبون على الفراعنة ويستقرون في مصر. وشيئا فشيئا، تكونت جالية  أمازيغية كبيرة  في مصر (وتمصرت إن صح التعبير-التعبير من إضافتنا) ودخل أفرادها في الجيش المصري بل وأحدثوا انقلابا حيث تأسست الدولة الفرعونية الواحدة والعشرين والثانية والعشرين من الحكام الأمازيغ.  والغريب في الأمر أن الكتابات المصرية تشير إلى أنه بدءا من هذه المرحلة (تأسيس الدولة 21 و22) أصبحت العلاقة بين الفراعنة والأمازيغ ودية جدا.  وأرى بناء على ذلك أن تأسيس قرطاجة وانتقال ملكة الفينيقيين ومن معها من الشرق إلى منطقة شمال تونس كان بمباركة وتغطية من الدولتين الفرعونيتين الأمازيغيتين 21 و22.  وعندما وصل هؤلاء الفينيقيين إلى شمال تونس، رحب بهم الملك الأمازيغي بتلك المنطقة باسم "إيابون" (Iapon) وأجر لهم منطقة لممارسة التجارة وظلوا تحت حمايته يقدمون الولاء ويدفعون رسوم التأجير خمسة قرون إلى أن اشتد عود قرطاجة فتمردت.          

الفترة الثانية (من 900 ق.م. إلى الفتح الإسلامي 647): وتبدأ هذه المرحلة من تأسيس الدولتين الفرعونيتين الأمازيغيتين 21 و22 إلى الفتح الإسلامي:  وقد حدث في هذه الفترة الاحتلال الروماني ومن ثم فإن وثائق هذه المرحلة تشمل أيضا الوثائق الرومانية ولكن بالطبع من زاويتها. وبمعنى آخر، فإن الاحتلال الروماني كان "عثرة"  في تطور تاريخ المنطقة ولم يكن بدايتها مثلما يظهر ذلك في كتابات المؤرخين الفرنسيين والغربيين. وفي هذه الفترة اشتد النزاع بين قرطاجة والروم وكان كل واحد يبحث عن حلفاء أقوياء له في المنطقة. وهنا يأتي دور ماسينيسا الذي كان وفق الكتابات الرومانية قويا ومهابا وتعيش دولته التطور والازدهار. وقد تحالف ماسينيسا في البداية مع قرطاجة وخاض حروبا معها ضد روما في إسبانيا، ولكن قرطاجة رأت في نفوذ ماسينيسا تهديدا لها فانقلبت عليه وتحلفت مع دولة "سيفاكس" في الغرب الجزائري فتحول  ماسينيسا إلى الحرب ضد قرطاجة فأضعفها وأنهكها وهو الذي لعب الدور الأكبر في إسقاط قرطاجة وأنهى الرومان المعركة مع قرطاجة بفعل ذلك واعتبروا أن الفضل في إسقاطها يعود إليهم. وقد شهدت دولة ماسينيسا في هذه المرحلة ازدهارا من حيث تأسيس وحدة سياسية والتعامل بالند مع كل من قرطاجة والروم إن في المجال السياسي والاقتصادي أو العسكري وهو ما يتم استثناؤه بالتركيز على "الحضارة الرومانية" دون غيرها، بل أن ماسينيسا هو الذي هزم قرطاجة فعليا وليس الرومان مثلما يرد في كتابات المؤرخين الغربيين...        

المرحلة الثالثة:مرحلة الفتح الإسلامي- (من الفتح الإسلامي 647 إلى الجزائر الحديثة 1510):

وقد تحدث ابن خلدون كما ينبغي عن هذه المرحلة وكان منصفا في سرده وتناوله لأحداث المنطقة في تلك الفترة. ولم يخرج المؤرخون الفرنسيون كثيرا عما أورده ابن خلدون،  إنما كانوا يسمون تلك الدول التي ظهرت بعد الفتح الإسلامي دولا عربية بينما هي دول أمازيغية. وقد تميز الفتح الإسلامي بمرحلتين: المرحلة الأولى التي أسلم فيها الأمازيغ في المجمل عن طواعية،  والمرحلة الثانية التي وقعت فيها نزاعات ومعارك ومنها تلك العلاقة المأسوية بين الصحابي عقبة بن نافع والملك الأمازيغي كسيلة والتي كان الأثر السلبي على تلك المرحلة من الفتح الإسلامي وقد شرح المؤرخ ابن الحكام و ابن خلدون تلك العلاقة بشكل دقيق. ونحن باعتبارنا نمتلك الروح الاسلامية نخشى من المساس بأعمال مثل هذا الصحبي المعروف ولكن....

 

س: التاريخ هو التاريخ بإيجابياته وسلبياته


د. زهير إحدادن

نعم ونزعتنا الوطنية تدفعنا إلى النظر إلى هذه المسألة بطريقة موضوعية. الصحابي عقبة بن نافع، غفر الله له، تصرف بعيدا عن الروح الإسلامية بإثارة النعرة القومية والبحث عن الغنائم إرضاء للخليفة حيت أنه و بعد أن أقاله الخليفة معاوية وأعاده يزيد بن معاوية،  تسبب في تأزم الوضع وحدوث معارك لم تكن ضرورية في تلك المرحلة. والقصة معروفة في كتب التاريخ... التاريخ الجزائري يجب أن يكتبه أصحابه بنزاهة وإخلاص ، أما إذا كتبه غيرهم، فيزيِّفونه ويؤوِّلونه بطريقتهم ووفق ما يهدفون إليه بعيدا عن إنصاف التاريخ وشعوب المنطقة. 

    

س: الشيخ الحسين الورثلانية في رحلته "نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار" تناول العلاقة بين الصحبي عقبة بن نافع وكسيلة وسرد الوقائع بحياد دون إعطاء رأي (أو حكم)  في الموضوع ربما خوفا من هذه الروح الإسلامية، وقد نقل ذلك بدوره عن ابن خلدون.


د. زهير إحدادن:

ابن خلدون نشأ وعاش في بيئة أمازيغية وقد تجول وبحث وعايش الدول الإسلامية  التي ظهرت بعد الفتح الإسلامي في الأندلس والمغرب الأقصى وتلمسان وبجاية وكتب بإنصاف وموضوعية كبيرة عن تلك الفترة. والعرب الذين وصلوا إلى المنطقة بما في ذلك الحملة الهلالية كانوا بأعداد قليلة نسبيا ومعظمهم انصهروا مع سكان المنطقة، أي تبربروا، ولم يعد لهم كيان مستقل عن سكان المنطقة. وكان هناك مؤرخ آخر ابن عبد الحكام ، قبل ابن خلدون،  تحدث بإسهاب عن المراحل الأولى من الفتح الإسلامي بقيادة عمر بن العاص للمغرب وذكر أن منطقة تونس كانت تحت سيطرة بيزنطية وجنوب تونس وجنوب شرق الجزائر تحت حكم مملكة جراوة  (منطقة الأوراس) والتي كانت متحالفة مع بيزنطة. أما منطقة وسط الجزائر فكانت تحت حكم مملكة مغراوة (تيسمسيلت، شرشال، تلمسان) وكانت في عداء مع بيزنطة. وعندما علم ملك مغراوة  واسمه "صولت بن وزمار"  بأمر الجيش الإسلامي ومعركته مع بيزنطة جنوب تونس اتصل بقادة هذا الجيش وبعث وفدا وقابل الخليفة عثمان ابن عفان رضي الله عنه وتعرف على الإسلام، وعلى إثرها، أبدى ملك مغراوة أعجابه واستعداده لقبول الإسلام دون الحاجة إلى الفتح وشرع في نشر الإسلام في المنطقة، وهكذا لعبت مملكة مغراوة الدور الأساس في نشر الإسلام في وسط الجزائر وغربها والمغرب والأندلس.


س: هل كانت مملكة مغراوة تعتبر أن تحالفها مع قادة الفتح الإسلامي آنذاك سندا لها ضد الوجود البيزنطي بالمنطقة؟

 

إن الأمازيغ تقبلوا الإسلام عن طواعية ونشروها بتفاني وإخلاص من تلقاء أنفسهم، وأقبلوا على اللغة العربية لدراسة الإسلام والتعمق في معانيه وأبدعوا في ذلك بالكتابة والعمل به.


د. زهير إحدادن:

نعم، وكانت مملكة مغراوة متحالفة طول هذه الفترة مع الدولة الأموية في الشرق وهي التي ساعدت على فتح الأندلس. واستمرت مملكة مغراوة في هذا الدور إلى أن قضت عليها مملكة أمازيغية أخرى، أي الدولة الحمادية.  وبمعنى آخر، فإن الأمازيغ تقبلوا الإسلام عن طواعية ونشروها بتفاني وإخلاص من تلقاء أنفسهم، وأقبلوا على اللغة العربية لدراسة الإسلام والتعمق في معانيه وأبدعوا في ذلك بالكتابة والعمل به. أما مملكة جراوة (جنوب شرق الجزائر) فإنها لما رأت انهزام البيزنطيين في جوب تونس وتأسيس مدينة القيروان بتونس وقبول مملكة مغراوة الإسلام في وسط الجزائر وغربها تقبلت بدورها الوضع ودخلت في الإسلام. ومن ثم كانت كل المنطقة المغاربية من شرق تونس إلى المغرب الأقصى قد دخلت الإسلام قبل مجيء حملة الصحابي عقبة بن نافع.  وما يدل على ذلك أن الصحابي عقبة بن نافع، بعد نزاعه مع كسيلة وملوك أمازيغيين آخرين، تحرك إلى غاية شواطيء المحيط الأطلسي دون أي مقاومة ولم يحتك على ما يبدو بمملكة مغراوة وسط الجزائر حاليا والتي كانت كلها مسلمة في ذلك الحين. ويمكن القول حينئذ أن الأمازيع أسلموا من تلقاء أنفسهم وعن قناعة وليس نتيجة معارك محدودة أو مناوشات هنا وهناك.  وتذكر الروايات التاريخية أن الخليفة  معاوية في المشرق  عَّين الصحابي عقبة بن نافع على مدينة القيروان ولكن الخليفة أقاله لسوء إدارته وعيَّن بدله ابن  مهاجر (ابن دينار) الذي أحسن إدارة العلاقة مع السكان المحليين وطوَّر علاقات ود مع مملكة مغراوة  واستقدم كُسَيْلَة أحد ملوك البربر الذين أسلموا في هذه الفترة من تلمسان وجعله مستشارا له. وعندما تغيَّر الخليفة معاوية  في المشرق وأتى ابنه يزيد،  أعاد تعيين الصحابي عقبة بن نافع من جديد على القيروان فقام بوضع كل من ابن مهاجر وكسيلة في السجن ثم أخذهم معه بحثا عن النفوذ والغنيمة ، وحدث أنه في موقعة طالب الصحابي عقبة بن نافع من كسيلة  أن يذبح له كبشا لإهانته على ما يبدو –وهو مسلم مثله رغم حداثة إسلامه-  فقام كسيلة بذلك عن مضض ولكنه كان يمسح لحيته إشارة إلى توعده بالانتقام بينما فهم من حوله أن هذا السلوك يدل على بربريته... فكان أن تسلل كسيلة من الجيش وجمع قومه من حوله. ولما عاد الصحابي عقبة بن نافع من حملته غربا،  نصب كسيلة كمينا له شمال بسكرة أدى إلى مقتل الصحابي عقبة بن نافع يرحمه الله ،  ثم انطلق كسيلة إلى مدينة القيروان واحتلها مدة من الزمن... وبعدها، أمر الخليفة مروان بن الحكم زهير بن قيس باستعادة القيروان وانتهت حملته باستعادة القيروان ومقتل كسيلة بدوره، ولكن الضرر قد حدث وشكت القبائل الأمازيغية في نوايا القائد الجديد فالتفت مرة أخرى حول الملكة الكاهنة... وبمعنى آخر، فقد كان للصحابي عقبة بن نافع، غفر الله له،  "مظالم"  ذكرها المؤرخون أمثال ابن عبد الحكام  وذلك ما عكر صفو هذه المرحلة وأودت في النهاية بحياته وحياه خصومه في آن واحد... ونحن نذكر هذه الحقائق إنصافا للتاريخ، أما الصحابي عقبة بن نافع فغفر الله له والأمر يومئذ لله ...وهذه الحقائق لا يأتي ذكرها في الكثير من الوثائق التي كتبت عن هذه المرحلة...


س: إن تعدد الروايات عن الأمازيغ وأصولهم وقلة المؤرخين الجزائريين ساهمت في إضفاء "الغموض" على تاريخ الجزائر والمنطقة عامة، فإذا أخذنا الكتابات باللغة العربية،  فإنها تربط "الأمازيغ" بالمشرق كالقول أنهم من أصول "كنعانية" أو أصول "يمنية" أي من العنصر "الحامي" بينما نجد أن كتابات باللغة الفرنسية تربطهم بأوروبا أي بالجنس الآري. وحديثا، ظهر كتاب من "مجلدين" بعنوان "موسوعة الأمازيغ" لصاحبه أحمد بن عمر وفيه يبني طرحه على أن الأمازيغ  من أصول مصرية ويستدل في ذلك بوجود منطقة غرب النيل باسم سينوة التي ما تزال تتحدث بالأمازيغية...فهل ترى - وفي غياب مؤرخين متمرسين بالمنطقة - أن المجتمع الجزائري من الشعوب التي تشكو غموضا في تاريخها؟  


د. زهير إحدادن:         

لماذا لا يقول هذا الكاتب (إشارة إلى أحمد بن عمر) العكس، أي المصريين من أصول أمازيغية، أي لماذا يفترض دائما أن الأمازيغ أتوا من مكان ما شرقا أو غربا  وليس العكس، أي انهم سكان أصليون و هم الذين تحركوا إلى هذا المكان أو ذاك. وقد عالج ابن خلدون هذه الأقوال في شأن أصول البربر وفندها واعتبرها نوع من الخرافات...


س: هل تعتبر أن الانشغال بأصول الأمازيغ من زاوية "من أين أتوا؟"  يعود بالدرجة الأولى إلى أن قلة المؤرخين الجزائريين ومن ثم فإن من لا يروي قصته يترك الرواية للآخرين لروايتها كيفما شاءوا؟


د. زهير إحدادن:

هناك مسألة قلة المؤرخين الجزائريين، ولكن المسألة أكبر من ذلك وتخص المسخ  التي تعرض له الأمازيغ أنفسهم في فترة من التاريخ وبالأخص في فترة الفتح الإسلامي.  فقد كانت قبائل أمازيغية تنسب نفسها إلى عائلة الرسول صلى الله عليه وسلم لأغراض الحكم أو "إحساسا بالضعف،" وبيَّن ذلك ابن  خلدون ذلك حيث أن الحكم في مذهب أهل السنة يتطلب الانتساب إلى قبيلة قريش فأصبحت قبائل أمازيغية بأسرها تنسب نفسها إلى تلك القبيلة طمعا أو لضرورة الحكم. و تعد الدولة المرينية (نسبة إلى بني مرين –من تلمسان إلى المغرب الأقصى- بعد الدولة الموحدية )  مثال على ذلك. فالمرينيون من أمازيغ زناتة ( جنات حاليا) الذين ينتسبون إلى أبي الوديد. وقد عاشوا في منطقة فاس ثم توسعوا وحاربوا دولة الموحدين إلى أن استولوا على مراكش، عاصمة الموحدين، وأقاموا دولتهم، الدولة المرينية، وعاصمتها فاس. وقد أقاموا علاقة تعاون مع الدولة الحفصية ( نسبة إلى بني حفص) في تونس وتوسعوا في بقاع كثيرة بالأندلس. ودامت هذه الدولة من 1292 إلى 1420 وخلفهم من بعدهم أعمامهم بني وطاس. وتنتسب الدولة الزيانية ( نسبة إلى بني زيان )، أوبني عبد الوديد،  بدورها إلى المرينيين من أمازيغ زناتة. وهؤلاء أسسوا الدولة الزيانية نسبة إلى مؤسسها إغمراسن بن زيان والتي أسست مدنية تلمسان حوالي سنة 1233 واتخذتها عاصمة لها، و كان في علاقة جيدة مع دولة الموحدين إلى أن اشتد عوده فانقلب عليه الموحدون وهزموه ولكنه لم يستسلم فقام بإعادة تأسيس الجيش والإدارة وتطوير مدينة تلمسان التي شهدت نهضة علمية وفنية وقانونية كبيرة. وأقامت هذه الدولة علاقة توازن مع كل من الدولة الحفصية في تونس والدولة المرينية في الغرب ودامت إلى سنة 1510. والشاهد في هذا العرض أن فقهاء الدولة الزيانية أتوا مرة إلى مؤسسها إغمراسن بن زيان، والذي لم يكن يعرف اللغة العربية جيدا وكانت شؤون الحكم تتم باللغتين العربية والأمازيغية، فاقترحوا عليه كتابة تاريخه بحيث ينسب إلى قريش، فنظر إليهم....


ابتسام وتوقف ...

ورد عليهم: إذا كان من قصدكم ذلك "الحكم" فقد وصلنا إليه بحد السيف، أما إذا كان قصدكم الجنة فهذا أمر يخص الله سبحانه

وكانت هذه هي الطريقة المتبعة إلى كتابة تاريخ القبائل الأمازيغية الحاكمة، فحدثت أشبه ما يكون بالفوضي في هذا وما تبعه من تشوه ما نزال نعاني منه إلى يومنا هذا.

أما المثال الثاني فيتعلق بدولة الأدارسة بالمغرب. فعندما وصل العباسيون إلى الحكم في المشرق، طاردوا الشيعة وكان من بين من فروا إلى المغرب إدريس الذي ينتمي إلى عائلة علي وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم واستقر مع قبائل أمازيغية: الأروبة ومكناسة التي كانت حذرة من السلطة المركزية بالمشرق وبالأخص قبيلة الأروبة التي  ينحدر منها كسيلة. وقد احتضنته تلك القبيلة وعينته ملكا لها وزوجته بامرأة أمازيغية منها باسم كنزة واتخذ من منطقة أوليلي القريبة من مكناس مقرا للدولة الجديدة، غير أن العباسيين تابعوه ومات مسموما بعد ثلاث سنوات فقط من الحكم. ولما ولدت زوجته ابنا سمي بإدريس الثاني وهو الذي أسس دولة الأدارسة وعاصمتها فاس. وقد توسعت دولة الأدارسة شرقا  إلى تلمسان وحدود مملكة مغراوة وجنوبا إلى مملكة برقواتة وشمالا إلى منطقة الريف. وقد تطورت مدينة فاس إلى مدينة روحية وتجارية واستقبلت أفواجا كثيرة من المهاجرين من المشرق والأندلس ثم سقطت على يد الدولة الفاطمية سنة 909.  والشاهد في ذلك أن الكثير من هذه القبائل تنسب إلى قريش بفعل وجود شخص واحد على رأس دولتها من عائلة على بن أبي طالب... ومن ثم وقع خلط في التاريخ وتشوهت رواياته بفعل ذلك مثلما أسلفنا وأصبحنا نخاف من القول أننا أمازيغ ... وقد أدى هذا الربط بين دولة الأدارسة وأصل قائدها الأول إدريس إلى ظهور ما يسمي بالشرفاء "والمرابطين" الذين يقولون بارتباطهم بعائلة الرسول صلى الله عليه وسلم من باب هذا الخيط الرفيع، أي مؤسس الدولة، وليس انتمائهم الاجتماعي، وسعى الكثير بعدها إلى رسم خريطته العائلية لإحداث هذا النسب بغض النظر عن الحقائق التاريخية والاجتماعية.  


س: تقصد من ذلك ان المماليك التي حكمت في الفترة التي أعقبت الفتح الإسلامي كانت في الكثير من الأحيان تنسب نفسها إلى عائلة الرسول صلى الله عليه وسلم لأغراض الحكم على حساب الحقائق التاريخية واستمرت رواية النسب هذه وسادت في الكتابات التاريخية ولم يحدث هناك تصحيح يذكر...


د. زهير إحدادن:

أبدا، لم يحدث هناك تصحيح، بل أن هناك مؤرخون أمثال مبارك الميلي يتحدث على بني هلال وكأنها جيوش ضخمة أتت إلى منطقة المغرب فغمرته واستولت على كل شيء ولم يبق من البربر إلا أعدادا محدودة هنا وهناك. وهذا خطأ كبير. والحاصل أن أعداد الهلاليين الذين لم يكن هدفهم "التعريب" بقدر ما كانت حركتهم انتقام من الملك الفاطمي المعز، كانت محدودة والكثير منهم انصهروا مع السكان الأصليين وتبربروا. وبالمثل، كان هناك من تعرَّب من الأمازيغ بفعل تعلقهم بالإسلام.  وقد ذكر ابن خلدون أن عدد الهلاليين في أول معركة مع الملك المعز  جنوب تونس لم يتجاوز ثلاثة آلاف وأن حملة المعقل التي تلتها كان عدد الهلاليين مائتين، وهذه الأعداد لم تغير كثيرا في التركيبة السكانية والتنظيم الاجتماعي إلا بشكل محدود. وقد تزامن الحضور الهلالي مع حدة الصراع القائم في المنطقة بين الدولة الزيرية والدولة الحمادية مما أوجد وضعا غاب فيه الأمن و الاستقرار لمدة قرنين في شمال ووسط المنطقة إلى أن ظهرت دولة الموحدين بقيادة عبد المؤمن فوضعت حدا لذلك للفوضة والسيطرة الهلالية آنذاك. وقد ذكر المؤرخ  الإدريسي الذي عاش أواخر عهد الهلاليين وتجول كثيرا في المنطقة  أن الهلاليين كانوا يستقرون في مناطق متقطعة وبالأساس في المنطقة الشرقية حيث وقعت المعارك مع المعتز. ويذهب ابن خلدون الذي كتب بعد قرنين من الإدريسي بأن الهلاليين العرب كانوا يعيشون سلميا في عدة مناطق من المغرب وأنهم في طريق الاندماج مع السكان المحليين آنذاك.            


س. هل تعتقد أنه مع تطور تكنولوجيا الاتصال وظهور الإعلام الاجتماعي، أصبح الوعي بهذا التاريخ من ذي قبل، وقد يكون صحيحا أنه ليس أن هذا التاريخ لم يكشف بعد عن كل شيء ولكن هناك تطور من أجل فهم أفضل لهذا التاريخ...


د. زهير إحدادن:

كان التخوف أن يعتبر الجزائريون المتحدثون بالعربية أنفسهم عربا، أما لو اعتبر هؤلاء أنفسهم من أصول أمازيغية  فقد تم حل المشكلة برمتها ولم يعد هناك فرق المتحدث بالعربية أو الأمازيغية، فكلهم من أصل واحد وإن اختلفت اللغة التي يتحدثون بها لظروف تاريخية  معروفة ... وألاحظ أن هناك تطور إيجابي في هذا الإطار حيث أن الكثير من الجزائريين المتحدثين بالعربية مثل منطقة جيجل وتلمسان وغيرها يعتبرون أنفسهم أمازيغ ويفتخرون بذلك... ومما يعقد الوضع أيضا وجود بعض المتعلمين المتحدثين بالأمازيغية على قلتهم ممن يعتبرون أنفسهم عربا جهلا بهذا التاريخ...


س. كيف كانت التغيرات السياسية والصراعات المذهبية في المشرق تؤثر على حياة الدول التي سادت في المغرب خلال القرون التي سبقت الفترة اللاحقة، أي التركية والتي تسمونها بفترة الجزائر الحديثة؟  


د. زهير إحدادن: 

نعم، كان التأثير كبيرا حيث أن الأمويين كانوا ينتسبون إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وقضاتهم يشترطون في الخلاقة الانتساب إلى عائلة قريش. أما العباسيين فيأخذون شرعيتهم بانتسابهم إلى عم الرسول عباس رضي الله عنه. و يأخذ الشيعة هذه الشرعية بانتسابهم إلى على رضي الله عنه وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.  وأخيرا، فإن الخوارج يرون الخلافة بالتوافق مع المسلمين عامة دون معيار الانتساب. وكان كلما تعرضت أحد هذه الاتجاهات إلى الاضطهاد وبالأخص الشيعة والخوارج وجدت لها ملاذا آمنا عند الأمازيغ في المغرب بحكم ميلهم إلى الحرية ونوع من الديمقراطية في تسيير أمور حياتهم.  فدولة الأغالبة في تونس كانت تمثل امتدادا لسلطة العباسيين في المشرق، أما الدولة الرستمية التي أسست مدينة تيهرت (تيارت حاليا) بالجزائر  فكانت من الخوارج وأسسها ابن رستم من فارس وأمه من قبيلة جنوب غرب الجزائر،  وتعد دولة الأدارسة بالمغرب  شيعية نسبة إلى إدريس القادم من المشرق وكذلك دولة سجلماسة بالمغرب.  وتأثرت الدول الاسلامية الأخرى بتلك الأحداث في المشرق مثل الدولة الفاطمية والزيرية (ذات التوجه الشيعي) والدولة الحمادية التي تبنت التوجه السني  ودولة المرابطين ذات التوجه المالكي، الخ...      


س- كيف تقيم مرحلة الفتح الإسلامي بتنوع دوله والنشاط العلمي والفقهي والفني والتجاري الذي تخلل هذه الفترة الطويلة نسبيا تاريخيا؟ 

 

أثرت الدول الإسلامية في منطقة المغرب الحضارة الإسلامية والانسانية بتفتحها وتعاملها الإيجابي مع الآخر


د. زهير إحدادن: 

كانت هذه الفترة من أكثر الفترات ازدهارا معرفيا وثقافيا وفنيا وسياسيا وروحيا في تاريخ المنطقة. فقد أسست هذه الدول استقرارا ومناخا "متفتحا" ساهم في إثراء الحضارة الإسلامية والانسانية مجالات الفلسفة والعلوم والدين والآداب والفنون وتفاعلت المنطقة بإيجاب مع المشرق والأندلس والتراث الانساني على غرار الفلسفة والتصوف.  فمثلا استمرت دولة الأغالبة بالقيروان أكثر من قرن وكانت القيروان تضاهي مدن دمشق وبغداد في العلوم الدينية والآداب  وظهر فيها شخصية "سحنون" الذي تجاوزت صيحته الامام مالك في المنطقة الاسلامية آنذاك.  أما الدولة الرستمية ذات التوجه الشيعي والتي استقرت بتيهرت (تيارت حاليا) فقد مارست نوع من الأسلوب الديمقراطي في الحكم وتبنت، وخاصة أحد فروعها، أي الإباضية، أسلوب التسامح مع السنة والشيعة والتوافق بين الديني والدنيوي. ودامت الدولة الحمادية  بالشرق الجزائري  بدورها أكثر من قرن وكانت عاصمتها بجاية مركزا  للعلوم والثقافة للعالمين الإسلامي والمسيحي.  وشهدت دولة الموحدين التي دامت أكثر من قرنين نهضة معرفية وعمرانية في شتى المجلات بقيادة شخصيات مغاربية قوية مثل ابن تومرت وعبد المؤمن بن علي، الخ. و تركت الدولة الحفصية آثارا حضارية ما زالت قائمة إلى يومنا هذا... والموضوع تناولته كتابات تاريخية أخرى بالتفاصيل...               

المرحلة الرابعة: مرحلة الجزائر الحديثة  - (من 1510 إلى 1830):

بدأت في هذه المرحلة تتشكل الجزائر بوصفها كيانا مستقلا يحمل خصوصيته مع بداية فترة استقدام الأتراك إلى الجزائر. وتشمل هذه الفترة الوجود التركي من بدايته سنة 1510 إلى بداية الاحتلال الفرنسي سنة 1830.


س: ألا يكون تقسيمكم لفترات تاريخ المنطقة والجزائر وأخص الفترتين التركية و الاستعمارية الفرنسية عودة إلى تأريخ المنطقة انطلاقا من الخارج. وبمعنى آخر، هل كانت العوامل الخارجية أكبر من الداخلية في تحديد تاريخ المنطقة خاصة ابتداء من القرن 16؟  


د. زهير إحدادن:

لا أبدا. الأمر يحتاج إلى تصحيح مرة أخرى، فلم يكن هناك احتلال تركي وإنما الفترة التركية كانت فترة جزائرية بامتياز.


س: هل يعود الأمر إلى واقع أن الأتراك والجزائريين ينتمون إلى نفس المعتقد؟   

 

الفترة التركية لم تكن احتلالا وإنما فترة جزائرية بحتة ولدت دولة الجزائر الحديثة  


د. زهير إحدادن:

أكثر من ذلك، فإن الجزائريين هم من استنجد بالأتراك لمقاومة وطرد الاحتلال الاسباني لوهران وبجاية. فقد شهدت هذه الفترة أواخر الدولة الزيرية بتلمسان والتي كانت متحالفة مع الاسبان، وكان الاسبان قد احتلوا وهران ثم بجاية والجزر المقابلة لمدينة الجزائر ولم يكن بإمكان سكان الجزائر عامة بفعل غياب دولة مركزية وحالة الضعف التي سادت المنطقة مقاومة الاحتلال الاسباني بأسطوله وآلياته العسكرية المتطورة. وأثناءها، التقى سكان جيجل وبجاية وطالبوا من الأخوين الأتراك: خير الدين(بربروس) وعروج المساعدة في طرد الاسبان من هذه المدن، وقد استجاب الأخوين لاعتبارات الأخوة وقادا المعارك ضد الوجود الإسباني في الجزائر. وكان الإخوان خير الدين وعروج يملكان أسطولا بحريا صغيرا وقويا في البحر المتوسط وساهما في نقل المضطهدين من المسلمين في الأندلس إلى شمال إفريقيا إضافة إلى أنهما كانا يمارسان التفتيش على السفن الغربية التي تمر على شواطئ شمال إفريقيا. وقد كانت بداية قدوم الأخوين من بجاية حيث حاول عروج اقتحامها من البحر فلم يفلح في البداية وفقد ذراعه في المعركة وانسحب إلى جيجل.  وبعدها، اتصل بهم سكان مدينة الجزائر وطالبوا العون خاصة وأن الاسبان يعدون لاحتلال المدينة فاستجاب الأخوين خير الدين وعروج مرة أخرى.


س. كانت استجابتهم بدافع الأخوة والإسلامية


د. زهير إحدادن:

نعم كانت بدافع إسلامي. ولم يكن  للأخوين جيش ومن ثم اتخذوا من سكان جيجل وبجاية جيشا لهم وتمكنوا من طرد الاسبان من الجزر المحيطة بمدينة الجزائر والتي كانت محطة ارتكازية كان الاسبان يلقون من خلالها القنابل على مدينة الجزائر. وقد توجه عروج غربا ودخل تلمسان حيث فر منها حاكمها إلى إسبانيا. ولما عاد عروج،  نصب له كمين من حاكم تلمسان والإسبان  فقتل (بضم القاف) في طريق عودته إلى مدينة الجزائر. ومن ثم بقي خير الدين قائدا على المنطقة في مواجهة التحرشات الإسبانية على طول سواحل الجزائر.  ولما استطاع أن ينظم المقاومة ويحقق الاستقرار والأمان، جمع سكان مدينة الجزائر وخاطبهم بأنه وقد تم طرد الاسبان و تكوين جيش قوي بأليات ومدافع قادرة على مواجهة الإسبان  فقد أدى أمانته وانتهت مهمته وحان موعد رحيله.  فهل هذا كلام "محتل؟" ولما رفض سكان المدينة رحيله ذكرهم بأنه جندي فقط و لكن إن قبلوا بولائهم لسلطان الخلافة أخبر الخليفة للنظر في ذلك. فأبدووا موافقتهم وولاءهم وبعدها أصبح خير الدين ممثل السلطان بالجزائر...أما الكتابات الغربية فسعت إلى تشويه صورة الأخوين خير الدين (بارباروس: أي صاحب اللحية البرتقالية بالإيطالية: إضافتنا) وعروج و تصفهم أنهم "قتلة متوحشين متعطشين للدماء" بسبب أنهما عادا الاحتلال الاسباني وهزموه مع السكان المحليين في أكثر من معركة خاصة أثناء محاولة النزول مرتين على شواطي مدينة الجزائر لاحتلالها. وقد اعتمدت تلك الكتابات على الكاتب الاسباني "هيدو" (Heado) الذي صاغ روايته من هذه الخلفية في محاولة لإيجاد العداء بين الأخوين والسكان المحليين. إن العودة إلى مذكرات خير الدين الموسومة "بالغزوات" تبين أن جهوده في مقاومة الاسبان نابعة من نزعة وطنية جزائرية مستقلة غير متأثرة حتى بشؤون الخلافة العثمانية آنذاك. ] إضافتنا: ما تزال معظم المصادر الغربية ومنها الموسوعات تذكر أن الأخوين خير الدين وعروج من أكبر القراصنة "المتوحشين" في التاريخ المعاصر[ . 

 

س: ذكر الشيخ الحسين الورثيلاني في رحلته "نزهة الأنظار" من أن الأتراك كانوا يفرضون ضرائب  أثقلت، مثلما يقول،  كاهل السكان المحليين في المناطق التي مر بها، لكن لم يكن لهم تدخل في تفاصيل حياة الناس وإنما كانوا محصورين في مراكز حماية محددة...


د. زهير إحدادن:

قد يكون ذلك قد حدث ولكن بشكل جزئي وقد ينسب إلى القائمين بجمع تلك الضرائب. ولم يكن للأتراك وجود كبير بل كانوا يعتمدون في الحكم على الفقهاء والأعيان في كل منطقة (أي القايد) من أمثال بن قانة و علي شريف. وما يدل على مكانة الأتراك في نفوس الجزائريين أن القسنطينيين ما يزالون يذكرون أحمد الباي في أغانيهم...إن هؤلاء الأتراك كانوا جزائريين.  ومن ثم يتعين تصحيح تاريخ هذه الفترة واعتبار الفترة التركية فترة جزائرية. ونظرا للتطور الذي حصل في المنطقة بقيادة خير الدين في مجال الإدارة والتنظيم الاجتماعي والتقسيم الإداري (وهران، الجزائر، المدية، قسنطينة)  وبناء جيش قوي، فإن هذه المرحلة تعد مرحلة الدولة الجزائرية الحديثة. وكانت هذه الدولة عصرية تضاهي الدول الأوربية على الجهة الأخرى من البحر المتوسط. فقد كانت الجزائر في القرن 16 أفضل من بعض الدول الأوروبية وكان لويس الرابع عشر يتودد إلى هذه الدولة الناشئة. وقد أقامت هذه الدولة علاقات تجارية مع عدة دول ومنها أمريكا إضافة إلى امتلاكها أسطول بحري مهاب. وكانت العلاقة بين الدايات في الجزائر وفرنسا "جيدة" في البداية حيث كانت فرنسا تعادي إسبانيا وأنجلترا وصقلية، وكان الأتراك يعترضون على معظم السفن في البحر المتوسط عدا السفن الفرنسية بالاتفاق مع هذه الأخيرة. واستمر الوضع إلى أن جاءت قضية الديون والصفقات التي كان يعقدها يهوديان جزائريان. وقد حاول الداي حسين صاحب الشخصية القوية والمبدئية حل القضية بالتراضي لكن قنصل فرنسا في الجزائر استفزه فوقعت حادثة المروحة الشهيرة. وقد توجهت فرنسا قبل غزرها للجزائر إلى الخليفة العثماني فشكت على الداي حسين فما كان من السلطان إلا أن عزل الداي وعين شخصا آخر في مكانه. ولما وصل هذا الشخص إلى الداي حاملا معه "الفرمان" بتعيينه طرده الداي حسين ولم يعترف به كونه جزائريا الآن. وهكذا، غزت فرنسا الجزائر بمباركة من السلطان الخليفة نكالة بالداي حسين وتضحية بشكل فادح بمصلحة الأمة. ويمكن قراءة ذلك في المرآة لدحمان خوجة وغيره. والمهم في ذلك أن هؤلاء الأتراك تصرفوا  بوصفهم جزائريين وليس بوصفهم ممثلين للخلافة العثمانية.        

المرحلة الخامسة: مرحلة الجزائر المعاصرة 1830-1962 :  

تمتد هذه الفترة من الوجود الفرنسي سنة 1830 إلى الاستقلال سنة 1962


س: لماذا سميتم هذه الفترة بالجزائر المعاصرة رغم أنها كانت فترة احتلال استعماري؟


لم تفقد الجزائر سيادتها أثناء الوجود الاستعماري في الجزائر وظل تاريخها مستمر كما كان و ما يزال


د. زهير إحدادن:

الأمر يحتاج إلى تصحيح مرة أخرى، فتاريخ الجزائر كان مستمرا وإنما هذه الفترة التي تسمى مجازا بفترة الاحتلال كان عثرة في تاريخ الجزائر مثلما كان الوجود الروماني في منطقة المغرب عثرة أخري في تطور تاريخ المنطقة... ثم أن "الاحتلال" الفرنسي للجزائر لم يكن كاملا إلا سنة 1881، وحتى أثناءها لم تفقد الجزائر سيادتها وإنما كانت حاضرة في حياة الناس ومقاومتهم المستمرة لهذا الوجود. فعندما احتلت فرنسا مدينة الجزائر سنة 1830، ظهرت إثرها دولة جزائرية في تلمسان وكانت ذات سيادة ومستقلة. وعندما استنجد الداي حسين (داي مدينة الجزائر) بأحمد باي (باي مدينة قسنطينة) لمقاومة الاحتلال الفرنسي لمدينة الجزائر استجاب، ولما لم يستطع قلب الأوضاع عاد إلى قسنطينة ومعه ثلاثة آلاف من جند الداي حسين إضافة إلى من تبعه من السكان. وفي قسنطينة، أعلن دولته هناك. وبعدها، ظهرت مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري في الغرب الجزائري وكانت له السيادة على كل تلك المنطقة. وظهرت شخصيات بطولية أخرى قاومت الامتداد الاستعماري وضمنت السيادة في تلك المناطق مثل بوزيان في منطقة الأوراس وزعموم ولالانسومر في منطقة القبائل والشيخ بوعمامة في الجنوب الجزائري، الخ.  واستمرت هذه السيادة تتجسد في عدة مناطق في الجزائر بعيدا عن التواجد الاستعماري إلى انتهاء مقاومة الشيخ بوعمامة سنة 1881. ما حدث أن الوجود الاستعماري "كسر" الوحدة الوطنية ولكنه لم يستولي على السيادة التي ظلت للجزائريين إلى الاستقلال. أما الوحدة الوطنية فقد استعادها الجزائريون مرتين، أثناء مؤتمر أحباب البيان سنة 1942.


س: تقصد من ذلك أن الحركات الوطنية التي كانت "منقسمة" قبل هذا التاريخ توحَّدت في هذا المؤتمر...


د. زهير إحدادن:

نعم.. أما المرة الثانية فكانت في أول نوفمبر 1954 عندما تحققت الوحدة الوطنية في الميدان...


س: هل تعتبرون أن تاريخ الصحافة في الجزائر هي مصدر أساس في فهم تاريخ الجزائر المعاصرة؟  


د. زهير إحدادن: 

نعم، وبالأساس مع ظهور صحافة الأهالي بداية بصحيفة "المنتخب" بقسنطينة أواخر القرن التاسع عشر. أما قبلها فقد كانت الصحف تابعة للإدارة الاستعمارية وتتحدث عن سياساتها وليس من زاوية تاريخ الجزائر إضافة إلى أنها كانت تحمل شتى أنواع التزييف والمغالطات...


س: هل يدخل في ذلك صحافة المعمرين التي استمرت إلى قبيل الاستقلال؟


د. زهير إحدادن: 

يمكن دراستها ولكن بحيطة وحذر شديدين لأنها كانت عن حياة المعمرين وليست عن حياة الجزائريين إضافة إلى ما كانت تحمله من تزييف ومغالطات بدورها..            


س: أين نضع فترة ما بعد الاستقلال في هذه التصنيف، هل هي امتداد للجزائر المعاصرة أم فترة جديدة مغايرة...


د. زهير إحدادن:

لم أتناول هذه الفترة حيت أنني انسحبت من المجال السياسي بعد الاستقلال ولست من الفاعلين في هذه الفترة. وما يزال الخوف من هذا التاريخ قائما مثل ما يقول المؤرخ أبو القاسم سعد الله يرحمه الله. فعندما نخاف من التاريخ، نترك الآخرين لكتابته فيكتبونه "مزيفا" وبتوجه "ايديولوجي" خالي من النزعة الوطنية الصادقة والنزيهة. وأرى أننا لم نفك الكثير من العقد التي تعيق تطور المجتمع الجزائري، وعقدة التاريخ إحداها، ولكن هناك عقد أخرى وأساسا عقدة الدين وعقدة اللغة. وهناك تكون مهمة الباحث الأكاديمي "النزيه" و"الشجاع" أساسية في تفكيك هذه العقد وتنوير المجتمع والدفع به إلى الرقي الحضاري والمساهمة في الحضارة الانسانية. 

   

س: شكرا جزيلا لكم على هذه الاجابات والتوضيحات المنيرة والمثيرة...


د. زهير إحدادن:

شكرا لكم على إثارة هذه الأسئلة الجدلية وإعطائي فرصة التعبير عن نظرتنا وتحليلنا لتاريخ المنطقة والجزائر في الماضي والحاضر.

للتعليق أو الإثراء راسل azziabd@yahoo.com  


التعليقات:
  

د. خالد زعموم، أستاذ العلاقات العامة
  

 حوار غني بالقراءة النقدية لتاريخ الجزائر، سيما أن هذا الأخير تشوبه بعض المعلومات والحقائق المشوهة، ذلك أن الإستعمار الفرنسي قد سعى لنشر الكثير من المغالطات التاريخية بهدف تبرير سياساته الإستعمارية المبنية على العنصرية والإقصائية.

 من خلال هذا الحوار القيم نستشف عمق المعلومات التاريخية التي قدمها البروفيسور زهير إحدادن وقدرته على إبراز دور التركيبة السوسيوديموغرافية والجغرافية لسكان المنطقة وتحكمها في سيرورة الأحداث التاريخية.

 كما أن معرفة البروفيسور إحدادن بالخصوصيات والسمات الأثنية والثقافية للمجتمع الجزائري قد مكنته من إبراز الدور الذي لعبه سكان الجزائر من الأمازيغ والعرب في ترسيخ قيم الإنتماء والوحدة الوطنية التي كانت المحرك الأساسي لثورة الأمير عبد القادر والثورات الشعبية ونضال الجمعيات والأحزاب الوطنية إبان العهد الإستعماري وثورة نوفمبر 1954.

Prof.Aissa Bensedik
Directeur de Recherche au CREAD
Enseignant Chercheur à l'Université d'Alger2:


j'ai trouvé le document sensationnel, d'une richesse et d'une clarté irréprochable, notre histoire est tellement truquée intentionnellement par les pseudo politicien qui n'ont rien connu des bases pour la construction d'un pays souverain où les citoyens vivent en parfaite harmonie avec leur histoire: c'est cela la richesse d'un pays que nous avons perdu.


أ.د السعيد بومعيزة أستاذ علوم الاتصال

مدير جامعة البليدة 2


حوار جرئ يكشف عن معلومات جديدة تخص مسألة معقدة للغاية وتثير الكثير من الجدل بين هذا الفريق وذاك. وهي معلومات تذهب عكس ما تعلمناه في المدرسة أو حتى الجامعة. محتوى هذا الحوار يمكن أن يكون خطوة في سبيل إعطاء الجواب الشافي والكافي للسؤال المحير بالنسبة لكل جزائري مهتم بالتاريخ: من يكون الجزائري؟


للتعليق أو الإثراء راسل azziabd@yahoo.com  

عودة إلى الصفحة الرئيسة

Comments