الأخلاق في الانسان والحتمية القيمية

 

نظرية "الأخلاق في الانسان" للعالم كليفورد كريستنز  والحتمية القيمية


د. عبد الرحمن عزي

يعد د. كليفورد كريستنز(Clifford G. Christians)   أكثر العلماء المنشغلين  بأخلاقيات الإعلام عالميا وذلك لأكثر من أربعة عقود. ولا يخلو تقريبا كتاب أكاديمي معرفي عن أخلاقيات الإعلام بالإنجليزية دون التعامل مع إسهاماته في المجال، ويصفه د. روبرت فورتنر (Robert Fortner)  أنه أب أخلاقيات الإعلام بأمريكا وأن إسهاماته في مجالين: 1)  أخلاقيات الإعلام و2) نقد التكنولوجيا.    

 مارس د. كريستنز تدريس  فلسفة أخلاقيات الإعلام في جامعات "ثقيلة الوزن" من مثل جامعة إلينو  وجامعة  برنستون وجامعة شيكاغو وجامعة أكسفورد وحاضر عن أخلاقيات الإعلام  في خمسة وثلاثين بلد، وحصل على أوسمة تقديرية عن جهوده في هذا المجال من أكثر من جامعة ومؤسسة بحثية، تخصص إحداها جائزة سنوية في أبحاث الأخلاقيات باسمه، وترجمت أعماله إلى اللغات الفرنسية والألمانية والاسبانية والرومانية والبرتغالية والأكرانية  والصينية والكورية.     

وقد  تحدث د. كريستنز، في محاضرة  حول "الاتجاهات الحديثة في أخلاقيات الإعلام العالمية" عن الاتجاه الحديث الخاص بالنظريات التي تستمد مرجعيتها من الظاهرة الدينية ومنها إسهام نظرية أسماء الله الحسنى  في فهم طبيعة الممارسة الأخلاقية في الإعلام خاصة من زاوية ربط الصلة اللغوية والدلالية  بين أخلاقيات الإعلام وأسماء الله الحسنى (انظر محاضرته في رابط هذا الموقع ).

و قد أورد في حوار سينشر بالإنجليزية قريبا  تفاصيل عن قوله أن النظريات الأخلاقية "الكلاسيكية" الغربية  ابتداء من أرسطو إلى جون استوارت ميل قد فقدت مصدقتيها في عصر "العقل العالمي"  (global mind) و يربط ذلك باعتماد تلك النظريات على العقلانية البحتة القائمة على الاستقلالية و"حريتي" ( my freedom)وكونها "محكومة" بالاعتبارات التاريخية التي ولدتها، ثم يتحدث عن نظريته المسماة "بالأخلاق في الانسان"Ethics in Being)  ( بوصفها أحد النظريات الحديثة في أخلاقيات الإعلام.  وكان هذا الحوار فرصة سمحت بتوضيح نظريته التي تتقاطع كثيرا مع الحتمية القيمية رغم اختلاف البيئة الثقافية والاجتماعية والتاريخية للنظريتين . وتحمل نظريته "الأخلاق في الانسان" بعدا "روحيا" تكامليا غير قائم في النظريات الغربية على وجه العموم. ونظرا لأن نص الحوار بالإنجليزية، ارتأينا ترجمة عدد من أفكاره بالعربية للإفادة.

  • يرى د. كليفورد أنه رغم تكوينه بالأساس في الفلسفات الأخلاقية الغربية إلا أن تلك الفلسفات في نظره فقدت مصداقيتها لاعتبارات داخلية وأخرى خارجية. أما الداخلية، فتمكن من نقادها "من الداخل." أما خارجيا فإن ظروف "العولمة" وما يتطلبه التعامل مع الآخر "المختلف" يتطلب تنظير آخر يخرج عن النزعة المركزية الغربية "الامبريالية" المحكومة باعتباراتها التاريخية المحلية .

  • يعتبر أن الفلسفات الأخلاقية الغربية حبيسة النظرة الضيقة للإنسان أي أنه كائنا عقلانيا ليس إلا  (rationalism) بالتركيز على الفردانية والاستقلالية و"حريتى" بعيدا عن الاعتبارات الأخرى. فإذا نظرنا إلى عقلانية "كانت" الأكثر تطورا بالمقارنة مثلا نجدها متأثرة بجو مرحلتها حيث سادت نظرية نيوتن الفيزيائية من أن العالم "مستقر" فجعل، أي "كانت،" قواعد نظريته للواجبات الضرورية  (categorical imperatives) مطلقة في المكان والزمان، وذلك أمر فندته نظرية إنشتاين النسبية في قياس علاقة شيء ثابت بآخر متحرك ونظرية  عدم اليقين (uncertainty theory)  لهيزنبرغ من أنك تستطيع أن تعرف موقع الشيء أو مساره ولكن ليس الاثنين معا.  وطالما كانت المرجعية عقلانية فقط،  يصبح الإطلاق (من المطلق) أمرا مستبعدا للاعتبارات الظرفية التي تحكمه.    

  • أن النظريات الأخلاقية الغربية تربط  (positions)الأخلاق ومنها مسائل: المساءلة (تحمل الفرد مسؤولية ما يقوم به) (accountability)  واتخاذ القرار (decision making)  بمركزية المرجعية العقلانية بينما تربط نظريته (الأخلاق في الانسان) بمركزية المرجعية الروحية  (the human spirit) التي تمثل جوهر الانسان.

 (*) يلاحظ هنا التقاطع بين نظرية الأخلاق في الانسان ونظرية الحتمية القيمية في مرجعية القيم رغم أن نظرية "الأخلاق في الانسان"  تربطها بمسائل معينة نتيجة كونها، أي نظريته، رد فعل للنزعة العقلانية البحتة.    

  •  أدت هذه  النزعة الفردانية الفردانية  بمعناه المنتسب إلى عصر التنوير إلى تحولها إلى المصلحة الشخصية والأنانية ونوع من الحفاظ على الذات.

  •  يرى د. كريستنز نقلا عن الفسيلوف إرنست كاسيرر صاحب مجلدات بعنوان "الفلسفة  بوصفها شكل رمزي" (Philosophy as Symbolic Forms) والملخصة في كتابه "مقال عن الانسان"  (An Essay on Man)  من أن الخيارات التي أعطيت لنا عن الانسان في الفكر الغربي ثلاثة: الانسان ككائن عقلاني، الانسان ككائن بيولوجي والانسان ككائن رمزي، هذا الأخير (الرمزي)  الذي يؤسس العالم ويدخل في مضربات الفانتازيا والخيال. وكلها تعبر عن نظرة قاصرة للإنسان.

(*) ذكرنا سابقا  أن الحتمية القيمية تنظر إلى الانسان بوصفه كيانا أخلاقيا بالدرجة الأولى وأن الاعتبارات الأخرى مثل النفسية والاجتماعية والاقتصادية واللغوية أبعاد مترتبة عن ذلك.  ويمكن قراءة ذلك في قوله تعالي "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا." (الإسراء، 70). وقوله تعالى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم." (الحجرات، 13)          

  • يعتبر د. كريستنز أن نظريته "الأخلاق في الانسان" تنظر للإنسان أنه متكاملا تتفاعل فيه أبعاد متعددة، ويترتب عن ذلك أن ترتبط أخلاقيات الإعلام بالجانب الروحي بالأساس، ويضيف في ذلك أن المنظرين الذي انطلقوا من المرجعيات الدينية قضوا قرونا من الزمن في تعريف الانسان بهذه الكيفية "الكلية."

  • أما بالنسبة للنظرية "الواقعية" (realism) أو الطبيعية (naturalism)   التي ترتبط فقد بالواقع المحسوس (facticity)  دون غيره  والتي تشكك في "الميتافيزقيا (الفلسفة) أو الخالق ( الأديان)، فإن النقاش ينبغي أن يتحول من الجدل حول الواقعية أو ضدها، ومن مجال الأبستمولوجيا (طبيعة الأخلاق في الفلسفة والدين) إلي مجال الواقعية الأنثربولوجيا  (anthropological realism)  (ليس من زاوية الأنثروبولوجيا "التقليدية") وليس من زاوية إنسانية الانسان، أي البحث في المشترك لدى الانسان.  ويري أن الاتجاه الذي يسمى نفسه حاليا في الغرب "بالأرسطوين" الجدد (neo-Aristotelians) حذرون في انتقاء الأبعاد الممكنة في فلسفة أرسطو،  ويشير إلى أن الفيلسوف غادمار في كتابة "الحقيقة والمنهج" (Truth and Methods)   قد بين أن فلسفة أرسطو وإن كانت تركز على "الجسم والعقل" أو "الادراك والتقنية" إلا انها تحمل تضمينا ثالثا يتعلق بالتأويل (hermeneutics)   المشتق من (Hermes)  أي "إله اللغة." وفي دراسة حديثة له (أي د. كريستنز) مع "ستيفن ورد"  بين في السياق نفسه  أن هناك مجال آخر خارج تجربتنا والواقع المحسوس  ويمكن التعبير عنه ميتافزيقيا. ولا يجد د. كريستنز صعوبة أو حرج  في اقتباس مصطلحات ومفاهيم من الإنجيل في شرح رؤاه الأكاديمية مثل اعتماده تفسير "البحث عن الحقيقة" في الإعلام على مفهوم   (Alethia) الذي يعني في تحليله الانفتاح والمكاشفة.   

  • أما في مجال نقد التكنولوجيا، فهو يري أن القراءة المعرفية تتطلب  دراسة ما وراء التكنولوجيا وينتقد تحويل المسألة التكنولوجيا إلى الخبير الباحث  عن الفعالية بعيدا عن الاعتبارات الثقافية والاجتماعية. وهو يرى أن القيم وراء التكنولوجيا هو المجال الذي يمكن أن تحدث فيه الثورة وليس التكنولوجيا في حد ذاتها.  (تعليق إضافي: في دراسته للفيلسوف الفرنسي إلول (Ellul)  يستشهد بنظرة "إلول" من أن التكنولوجيا تحمل فرصا ومخاطر وفق ما  إذا كان الانسان "صاحب السيطرة أو تحت السيطرة،" ذلك أن عدم تغيرنا في مواجهة التكنولوجيا واستخدامها للأفضل وليس للفعالية فحسب يؤدي إلى تغليب كفة التكنولوجيا بالضرورة، أي سلطتها. وقد أوجدت هذه التكنولوجيا  ظاهرة الخبير (الأدري بعالم التكنولوجيا) والباحث عن الفعالية،  الأمر الذي وفر الأرضية لعدم تقبل الأحكام الأخلاقية عن التكنولوجيا. ويري "إلول،" في السياق نفسه "أن إصدار الأحكام الأخلاقية يعد أعلى مستويات التعبير عن حرية الانسان" في حين أن موقف الخبير ليس محايدا مثلما يبدو، فهو محكوم بتكوينه وممارساته وأهدافه).            

  • يرى د. كريسيتنز أن نظريته "الأخلاق في الانسان"  والنظريات ذات المرجعية الدينية تحتاج إلى مزيد من العمل خاصة في مجال أخلاقيات الإعلام بالتزامن مع التغيرات الذي تفرضها التكنولوجيا وواقع الممارسة الإعلامية في مجتمع "العقل العالمي" وهو مقدر لنوعية الكتابات المعرفية  في أخلاقيات الإعلام من نوع نظرية أسماء الله الحسنى للنورسي، وهي دراسة قامت دار النشر المعروفة Routledge  بإعادة نشرها في كتاب يمكن الحصول عليه amazon.com   بعنوان "استكشاف في أخلاقيات الإعلام العالمية" (Exploration in Global Media Ethics) .  وقد حثني على ترجمة مساهمات الحتمية القيمية  في كتاب خاص باللغة الإنجليزية للأهمية، وهو ما أسعى إليه إذا كتب الله وأراد. 

(*) راجع لاحقا الحوار بالإنجليزية في عدد قادم من مجلة الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة

---------------------------------------

دراستنا عن نظرية أسماء الله الحسنى في كتاب من إصدار

 Routledge

http://www.amazon.com/s/ref=nb_sb_noss?url=search-alias%3Daps&field-keywords=Azzi%20Abderrahmane

عودة


Comments