SOCIO ALGERIE

عدد الزوار

للإتصال بنا و إرسال مقالاتكم

التغير الاجتماعي في الجزائر وتأثيراته على القيم

«لماذا تأخر الربيع الجزائري».. قراءة سوسيولوجية في ذهنية التغيير

نبيلة س الجزائر نيوز : 06 - 08 - 2012
تناول ناصر جابي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر، في كتابه «لماذا تأخر الربيع الجزائري» عن منشورات الشهاب، موضوع الثورات العربية الذي ما زال لم يحظ بكل الاهتمام في بلادنا. وقد يقترح الدارس الإمعان في المعطيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمالية للبلاد، التي تعطي للجزائر خصوصية تجعلها في منأى عن التغيير على الطريقة المصرية أو التونسية أو الليبية أو حتى السورية.
يشير جابي بداية إلى مسألة خصوصيات الجزائر في الإنتقال، مركزا اهتمامه على البعد الديموغرافي المقترن بالأجيال السياسية، وإشكالية تداول السلطة بينها، حيث يشعر الجيل الثالث بالضيق حيال الجيل الأول والثاني أيضا، ما يرجح وقوع سيناريوهين: الأول سلمي وهادئ في حالة انسحاب جيل الثورة من الحكم، والثاني عنيف يحصل خارج المؤسسات وتطبعه المواجهة بين الأجيال.
الحركات الاحتجاجية منذ جانفي 2011 في نظر الكاتب: «كررت نفسها، لا سيما في استمرار ضعف أشكالها التنظيمية وغياب الفئات الوسطى والمتعلمين عنها». بتعبير آخر، كل الغضب المعبّر عنه من قبل شباب الأحياء الشعبية لا يتعدى -حسبه- «المرحلة الرمزية»، خاصة أمام غياب الشعارات، غياب الأحزاب والجمعيات لتأطير هذه الحركات، ناهيك عن ضعف التنظيم.
في القسم الثاني من الكتاب (232 صفحة)، يتطرق الباحث إلى مسألة صناعة القرار في النظام السياسي الجزائري، ومنه إلى سيطرة العسكري على المدني، ناهيك عن شخصنة السلطة، وضعف دور المؤسسات كالبرلمان والحزب والحكومة. وقد حلل جابي هذه الجوانب من خلال العودة إلى تطور النظام السياسي الجزائري منذ 1988 إلى 1992 وصولا إلى 2005، وغيرها من المحطات الدالة لفهم العقلية الحاكمة في البلاد.

التغير الاجتماعي في الجزائر وتأثيراته على القيم

بقلم الدكتور: بوعطيط سفيان
قسم علم النفس وعلوم التربية والارطوفونيا
كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية
جامعة 20 أوت 1955 – سكيكدة الجزائر

Résumé
Cette contribution vise à examiner l’évolution des valeurs dans le contexte de la société algérienne ainsi que la négociation qu’on retrouve autour de ces valeurs dans l’histoire récente dans un pays comme l’Algérie et, par extension, dans des pays musulmans qui partagent l’aire culturelle de l’islam. Cette réflexion est faite sur la base de toute une littérature produite sur les valeurs, cadre conceptuel, ainsi que sur les données empiriques d’enquêtes qui ont été menées sur les valeurs
Plusieurs auteurs ont souligné l’évidence que des changements sociaux ont lieu par le fait de l’industrialisation de la société et de son interaction avec les sociétés occidentales. Mais peu d’études ont été réalisées de manière systématique sur les changements au niveau des valeurs
Certains auteurs, qui ont étudié d’autres contextes que celui de la société algérienne, ont avancé l’idée que le changement économique et social ainsi que la modernisation des sociétés en voie de développement passent d’un état où il y a rupture entre les valeurs traditionnelles et les valeurs modernes, et finissent par connaître une convergence de ces valeurs et par la suite le recul des valeurs traditionnelles. D’autres auteurs soutiennent le contraire, et avancent une théorie de persistance des valeurs traditionnelles, malgré les changements apportés par le développement économique
.

مقدمة

التغير الاجتماعي من أهم الظواهر المصاحبة للمجتمع الإنساني بل هو في حقيقة الأمر أهم خصائصه، فالمجتمعات البشرية دائمة التطور والتغير، لان ذلك وحده هو الذي يكتب لها البقاء والاستمرار والنمو. والمجتمعات التي تفقد قدرتها على التغير الكافي والملائم للظروف التي تواجها وتعايشها لا تستطيع أن تقف طويلا أو تتنافس باقتدار وتكافؤ مع حركة المجتمعات.

1- التغير الاجتماعي:

لقد اهتم المفكرون والفلاسفة في مختلف العهود برصد التحولات التي تطرأ في مجال الحياة الاجتماعية ، فكتب عن هذا فلاسفة اليونان ، ومن بعدهم فلاسفة العرب المسلمين، ثم جاء دور مفكري عصر التنوير ومن أتى من بعدهم ، حيث اعتبرت أعمال هؤلاء العلماء رصيداً للمتخصصين في مجال العلوم الاجتماعية المعاصرين .
إنه لمن الصعب تعريف التغير الاجتماعي ، لأن كل شيء في حياتنا عرضة للتغير المستمر و على الدوام، فكل يوم في حياتنا هو يوم جديد ، وكل لحظة تمثل حدثا مستجدا في العمر ؛ وعلى حد تعبير الفيلسوف اليوناني "قليطس" فإن المرء لا يستحم في النهر مرتين، لأن النهر يتغير بجريان الماء فيه، مثلما يتغير الشخص فور إحساسه أو ملامسته لماء النهر، ورغم دقة هذه الملاحظة وصدقها الواقعي؛ فإننا نميل في العادة إلى إسباغ طابع الثبات و الديمومة، ولو لفترات محددة على أنفسنا و على ما حولنا، ورغم ما يحدث من وجوه التغير سواء كانت طفيفة أو كبيرة، فإننا نظل نعتقد أن للنهر شكلا ثابتا، و أن للإنسان و لشخصيته ملامح تبقى على حالها دون تغيير(1).
قبل كل ذلك ؛ إن الفهم الأمثل لهذا المفهوم يجب أن يستند بادئ ذي بدء إلى المرجعية الأصلية المتمثلة في الشريعة الإسلامية وفي كلام الله عز وجل المنزّه عن الخطأ، يتجلى ذلك في قوله سبحانه وتعالى: « إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»﴿11﴾ الرعد.
حيث أخبر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب؛ كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة؛ فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه(2).
وقوله الحق: « ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿53﴾» الأنفال.
وقوله أيضا: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿41﴾» الروم.
إن المتأمل في الآيتين الكريمتين يدرك بأن التغير يأخذ في البداية بٌعدا نفسيا ذاتيا قبل أن ينحو منحى اجتماعيا، حيث يحدث التغير الاجتماعي وفق التصور الإسلامي من داخل الإنسان وبإرادته ووفق اختياره، والله سبحانه وتعالى يعين الإنسان على إحداث التغير الذي اختار بنفسه وبإرادته الحرة ، فالإنسان هو من يحدث التغير وليس مجرد أحد مكونات عجلة التطور التاريخي أو التطور المادي ، إنما هو عامل إيجابي نشط في إحداث التغير وتوجيهه(3) .
إن التغير الاجتماعي كما أشارت الآيات السابقة يبدأ من داخل الإنسان بتغير الأنماط القيمة والعقائدية والمعيارية، فإذا تغير ذلك انعكس على السلوك الخارجي للفرد والمجتمع وبالتالي على النظم والمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، سلباً وإيجاباً(4) .
ولقد أورد القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة التغير الاجتماعي بوضوح في آيات وأحاديث كثيرة وردت بمناسبات عِدّة ، نستدَّل ببعضها :
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم : «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿251﴾»البقرة.
يعنـي تعالـى ذكره بذلك: ولولا أن الله يدفع ببعض الناس, وهم أهل الطاعة له والإيـمان به, بعضا وهم أهل الـمعصية لله, والشرك به, كما دفع عن الـمتـخـلفـين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بـالله والـمعصية له وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك علـيهم لـيجاهدوا معه فـي سبـيـله بـمن جاهد معه من أهل الإيـمان بـالله والـيقـين والصبر, جالوت وجنوده, لفسدت الأرض، يعنـي لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم, ففسدت بذلك الأرض(5).
والآية تدل على أن التغير قانون اجتماعي يبنى على الطرح فمن خلال حركة الوجود والمجتمع يشتد الصراع وتتصادم المفاهيم والقيم ، ويكون البقاء و ورثة الأرض للأصلح، حيث يقول عز وجل لتأكيد هذا المنحى: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴿17﴾» الرعد
ويقول أيضا: « إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿140﴾ » آل عمران
إن مداولة الأيام بين الناس ومن خلال هذا المنظور لا يمكن أن تتأتى إلا من خلال التغير الذي لابد أن يحدث تبعا للصراع الذي يشتد بسبب عوامل التغير الاجتماعي والتي تساعد فيما بعد على التغير الحتمي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا تذب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه فيقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر وليس به الدَّين ، وما به إلا البلاء» متفق عليه.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ليأتيّن على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحداً يأخذها منه ، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلُذن به من قلة الرجال وكثرة النساء» رواه مسلم .
وهذا لم يحدث ولن يحدث إلا من خلال التغير المستمر ، فالتغير ليس أمراً عرضيا طارئا إنما هو صفة الوجود والحياة .
بالإضافة إلى ما ذكر ، تجدر بنا الإشارة إلى أن مصطلح ( التغير الاجتماعي ) قد استخدم أول مرة وبصورة عرضية في كتابات آدم سميث وعلى الأخص في كتابه المشهور " ثروة الأمم " و الذي نشر في القرن الثامن عشر ، لكن لم ينتشر هذا المصطلح ويصبح واسع التداول إلا بعد نشر عالم الاجتماع الأمريكي "أوجبرن" كتابا يحمل هذا العنوان، وذلك في عام 1922، والذي كان يرى بأن التغير هو ظاهرة عامة ومستمرة ومتنوعة ولا لزوم لربطها بصفة معينة ، لذلك وجد في اصطلاح التغير الاجتماعي مفهوما متحررا من التقييم ، ولا يرتبط بصفات موجبة أو صفات سالبة .
لقد اتفق مع أوجبرن بعض الباحثين وعارضه آخرون ، ولهذا تعددت التعاريف بتعدّد وجهات نظر العلماء، وتعقّد الظاهرة نفسها ، وحتى عصرنا الحالي ، لا زال مفهوم التغير الاجتماعي يشوبه الغموض، حيث يرى "أنطوني سميث" و في هذا الصدد و من كتابه المميز عن التغير الاجتماعي أن دراسة ظاهرة التغير سواء كانت اجتماعية أو تاريخية تعتبر ظاهرة واسعة وكبيرة ؛ وهذا ما يجعل نوع من الغموض والتداخل حول وضع تعريف مميز للتغير الاجتماعي، إلا أننا سنحاول عرض بعض التعريفات التي حظي بها هذا المصطلح على الرغم من اختلافها ولا اتفاقها؛ حيث يذهب كل من : "جيرث" و"مليز" إلى أن التغير الاجتماعي هو التحول الذي يطرأ على الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها الأفراد، وكل ما يطرأ على النظم الاجتماعية ، وقواعد الضبط الاجتماعي في مدة زمنية معينة.
يتفق "جنزبرج" مع هذا الطرح ، حيث يرى بأن التغير الاجتماعي هو كل تغير يطرأ على البناء الاجتماعي في الكلّ والجزء وفي شكل النظام الاجتماعي ، ولذلك فإن الأفراد يمارسون أدواراً اجتماعية مختلفة عن تلك التي كانوا يمارسونها خلال حقبة من الزمن.
إن التغير الاجتماعي وفق هذا النحو يصيب البناء الاجتماعي، و يأخذ فقط التغيرات التي تطرأ على سلوكيات الدور الاجتماعي للأفراد دونها تغيرات.
أمّا "روس" Ross، فبدا له أن التغير الاجتماعي، ما هو إلا التعديلات التي تحدث في المعاني والقِيم، التي تنشر في المجتمع، أو بين بعض جماعاته الفرعية.
ويعرفه "ديفيز" على أنه " مجموعة الاختلافات التي تحدث داخل التنظيم الاجتماعي والتي تظهر على كل البناءات والنظم التي تحدث في المجتمع "
أما العالم "بوتوكور" فيعرف التغير الاجتماعي على أنه " تغير يحدث في البناء الاجتماعي متضمنا التغيرات في حجم المجتمع " أو في النظم الاجتماعية خاصة أو العلاقات بين هذه النظم ، الذي يمكن أن يكون جزء من التغير الثقافي.
في حين يذهب "فرنسيس ألين" إلى أن التغير الاجتماعي يتضمن تغيرات في أسلوب الأداء الوظيفي لهذه الأنساق خلال فترة زمنية معينة(6).
كما يرى عبد الباسط محمد حسن بأن التغير الاجتماعي هو كل تحول يقع في مجتمع من المجتمعات في فترة زمنية محددة ، ويصيب تركيبه أو بنيانه الطبقي أو نظمه الاجتماعية أو القيم أو المعايير السائدة أو أنماط السلوك أو نوع العلاقات السائدة ، وقد يكون التغير ماديا يستهدف تغير الجوانب المادية و التكنولوجية و الاقتصادية، وقد يكون التغير معنويا يستهدف تغير اتجاهات الناس وقيمهم وعاداتهم وسلوكهم(7).
إن التغير وفق هذا المنظور هو ليس وليد عاملا واحدا بل مجموعة من العوامل و التي تؤثر وتتأثر في بعضها البعض مكونة نوعا من التفاعل
ويعرَّف أيضا على أنه : " التحولات في أنماط الفعل الاجتماعي و التفاعل الاجتماعي، كما يتضمن كل أشكال التحولات التي تحدث في القيم و المعايير و قواعد السلوك الضابطة لأنماط التفاعل الاجتماعي بين الأفراد (8).
بناء على التعريفات السالفة الذكر والتي ألمّت في مجملها كل الجوانب التي يتضمنها التغير الاجتماعي من تغير حاصل على مستوى الجماعات و السلوكات في الفعل و التفاعل بين الأفراد، و على مستوى كل الأنظمة المجتمعية، نخلص إلى أن التغير الاجتماعي و في بحثنا هذا هو كل ما يطرأ على العلاقات الاجتماعية والنظم والقيم والمعايير والأخلاق والعادات التي يتكون منها البناء الاجتماعي من تبدل وتحول نتيجة مؤثرات وعوامل حضارية واقتصادية وسياسية، والتي من شأنها لها تأثير على الفعل الاجتماعي و التفاعل لدى أساتذة الجامعة عينة الدراسة.

2- علاقة التغير الاجتماعي ببعض المفاهيم :

يرى "هوب هاوس" أن مهمة علم الاجتماع و علماؤه يجب أن تكرس من اجل تحديد المفاهيم التي تربط بين النمو والتطور والتقدم والتغير ، و ذلك عن طريق تطوير نظرياته و إسهامه في زيادة أنماط المعرفة الإنسانية(9).
ولتوضيح العلاقة بين كل من مفهوم التغير و التطور، والنمو والتقدم وغيرها من المصطلحات، علينا أن نحلل طبيعة المعنى الدال لكل هذه المفاهيم :
2-1- التغير الاجتماعي و التطور:
التغير الاجتماعي هو تحول أو تعديل في العلاقات الاجتماعية و في البناء الاجتماعي بدون تحديد لاتجاه هذا التحول و بدون تقويم له، وهو عملية تطويرية أو تغير مستمر يتجه من التجانس أو التماثل في التركيب و الوظائف إلى اللاّتجانس، ويظهر ذلك عند الانتقال من المجتمعات الأولية البسيطة إلى المجتمعات الحديثة المركبة أو المعقدة، أما التطور فيعني التحول أو التعديل في العلاقات الاجتماعية في اتجاه معين ويقترن بالاطراد في تخصص الأعضاء أو الوحدات داخل النسق الاجتماعي و التطور يقوم على أساس العلاقة بين عامل الزمن و بين نشأة الأشياء وتنوعها و اختلافها ، وهذا يعني أن الأكثر تطورا لا بد أن يظهر متأخرا عن الأقل تطورا نتيجة للتغيرات التي تطرأ عليه(10).
2-2- التغير الاجتماعي و التقدم:
يتضمن معنى التقدم التغير إلى الأفضل و يشير إلى عملية مستمرة ينتقل المجتمع بمقتضاها من حالة إلى حالة أفضل، أو يسير في اتجاه مرغوب ، وقد يشمل معناه الأوجه المادية و المعنوية من الحياة الاجتماعية ، كما قد يقتصر على النواحي المادية لسهولة قياسها. و الأغلب أن الحكم على اتجاه عملية التغير يعتمد عادة على معايير يصعب اعتمادها حتى في المسائل المادية من الثقافة(11).
يعني ذلك بأن مفهوم التقدم يشير إلى حالة التغير التقدمي الذي يرتبط بتحسن دائم في ظروف المجتمع المادية واللامادية ، حيث يسير نحو هدف محدد، ويعني ذلك أن كل صورة من صور المجتمعات أفضل بالضرورة من سابقتها.
2-3- التغير الاجتماعي و التغير الثقافي:
يميل علماء الاجتماع إلى التمييز بين التغير الاجتماعي والتغير الثقافي، فأولهما هو الذي يطرأ على العلاقات الاجتماعية، بينما الثاني يعتري القِيم والمعتقدات والمُثُل والرموز الشائعة في المجتمع، غير أن الواقع الفعلي، يشير إلى صعوبة الفصل بين هذَين النمطَين من التغير.
يوجد خلط بين هذين المفهومين و لا تميز بعض النظريات بينهما، و ربما يرجع ذلك للارتباط الشديد بين مفهومي الثقافة والمجتمع، إلا أنه هناك فروق بينهما يوضحها "جودة بني جابر" كالآتي: (12)
فالتغير الاجتماعي يشير إلى التحول في أشكال التفاعل الاجتماعي و الاتصالات الشخصية بينما التغير الثقافي يشير إلى التغير في أنساق و أفكار متنوعة من المعتقدات و القيم و المعايير.
التغير الاجتماعي يحدث في التنظيم الاجتماعي أي في بناء المجتمع ووظائفه و يعتبر جزء من التغير الثقافي، بينما التغير الثقافي يشمل جميع التغيرات التي تحدث في أي فرع للثقافة كالفن والعلم و التكنولوجيا إضافة إلى التغيرات التي تحدث في أشكال التنظيم الاجتماعي و قواعده، و بذلك يكون التغير الاجتماعي نتيجة من نتائج التغير الثقافي.


2-4- التغير الاجتماعي و التطور :
يعرف التطور على أنه التحول المنظم من الأشكال البسيطة إلى الأشكال الأكثر تعقيداُ، وهو النمو البطيء المتدرج الذي يؤدي إلى تحولات منتظمة ومتلاحقة تمر بمراحل مختلفة ترتبط كل مرحل بالمرحلة التي تسبقها.
يتضمن معنى مفهوم التطور أن التغيرات خارجة عن إرادة الإنسان ، بل قد يعتبر تدخل الإنسان أو تنظيماته عاملا معيقا للمسيرة الطبيعية للأشياء.
يستخدم مفهوم التطور في الماركسية ، كما جاء في المادة التاريخية لوصف عمليات التحول الاجتماعي تاريخيا، ويختلف معنى المفهوم هنا من حيث كونه عملية تغير أساسها استغلال الإنسان للإنسان ، ويختلف ه\ا المفهوم عن التقدم في أن ه\ا الأخير لا ينفي دور الإنسان في عملية التغيير(13).

2-5- التغير الاجتماعي و النمو:إ
ذا كان التطور هو التغير الطبيعي للمجتمع ، فإن عملية النمو تعني الزيادة الطبيعية في جانب اجتماعي محدد، كالزيادة السكانية و لا يرتبط مفهوم النمو بحكم تقويمي، بل يعبر فقط عن الزيادة الطبيعية في أحد الأوجه الاجتماعية ، وقد أصبح هذا من المفاهيم المركزية في عملية التنشئة بما يرتبط بالنمو الجسماني و العقلي و الوجداني و الأخلاقي للإنسان(14).
إن النمو هو عملية النضج التدريجي والمستمر للكائن وزيادة حجمه الكلي أو أجزاء في سلسلة من المراحل الطبيعية وهو تغير كمي ، و من الأمثلة على ذلك حجم السكان وكثافتهم والتغيرات في أعداد الوفيات والمواليد ، ويختلف عن التنمية في كونه تلقائياُ ،بينما التنمية عملية إرادية مخططة من الناحية النظرية(15).
2-5- التغير الاجتماعي و التنمية :
يشير مفهوم التنمية بمعناه العام إلى محاولة الإنسان تغيير الواقع و ظروفه لتحقيق وضع مستقبلي تم تصوره سلفا، فعملية التغير هنا قصدية أساسها الإرادة الإنسانية، وما يرتبط بهذه من وعي ودراية وقدرات و تخطيط و أساليب مختارة و تنظيمات، فالتنمية عملية مدروسة منظمة يوجهها الإنسان ولو نسبيا بما يحقق غاياته(16).
أي أن التنمية تشير إلى الجهود المبذولة التي تبذل لإحداث سلسلة من التغيرات الوظيفية والهيكلية اللازمة لنمو المجتمع.


2-6- التغير الاجتماعي والتحديث:
يتضمن معنى مفهوم التحديث التحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث؛ والتحديث عملية تمايز بنائي أي هي نتاج لتمايزات بنائية ، أو الانتقال من مجتمع متجانس إلى مجتمع يقوم على التخصص في الوظائف وتقسيم العمل وانتشار الصناعة ، وإن هذا التحول يتم في أربعة قطاعات اجتماعية (قطاع التكنولوجيا، الزراعة، الصناعة، قطاع زيادة الحراك الاجتماعي والسكاني)،والتحديث عملية تغير اجتماعي يتحول المجتمع النامي بمقتضاها إلى اكتساب الخصائص الشائعة المميزة للمجتمعات الأكثر تحضرا (17).

3- طبيعة التغير الاجتماعي:

يتجلى التغير في كلّ مظاهر الحياة الاجتماعية؛ ما حدا ببعض المفكرين وعلماء الاجتماع على القول بأنه لا توجد مجتمعات، وإنما الموجود تفاعلات وعمليات اجتماعية، في تغير وتفاعل دائبَين.
إن التغير الاجتماعي حقيقة وجودية ، فضلا عن أنه ظاهرة عامة وخاصية أساسية تتميز بها نشاطات ووقائع الحياة الاجتماعية بل أنه ضرورة حياتية للمجتمعات البشرية فهو سبيل بقائها ونموها ، فبالتغير يتهيأ لها التكيف مع واقعها ، وبالتغير يتحقق التوازن و الاستقرار في أبنيتها وأنشطتها ، وعن طريق التغير تواجه الجماعات متطلبات أفرادها وحاجاتهم المتعددة والمتجددة ، وقد لعب التغير دورا ايجابيا في نشأة الكثير من العلوم الطبيعية و الدراسات الإنسانية(18).
و التغير حقيقة تاريخية تتناول كل مقومات الحياة الاجتماعية و تصيب النظم والعلاقات الإنسانية التي تتفاعل وتترابط وتتكامل فيما بينها فكل صورة من صور تغير هذه الحقيقة الوجودية البيولوجية و التاريخية و الاجتماعية يمكن لمسها في كل مجتمع من المجتمعات البشرية.
و هو ليس مقصورا على وقت معين ، ولا فئة معينة و لا مكان بعينه بل هو مرتبط بما يتوفر من عوامل وشروط لإحداث هذا التغيير، ويتسم بالحركية و الديناميكية و السرعة و ذلك تبعا لظروف المجتمعات، وهذا التغير الاجتماعي قد يأخذ مسارا ثابتا أو متذبذبا .
و قد يكون التغير محدود النطاق لا يشمل إلا بعض الظواهر و حالات محدودة الأثر كما يحدث في الموضات و الأزياء وبعض العادات الاجتماعية، وقد يتعداه إلى ما هو أبعد و أعمق و يرتبط بالثورة كمتغير أساسي، و يتضمن معناه تغيرا جذريا شاملا ، وبهذا فالثورة رمز لنهاية نسق قديم و استبداله بنسق جديد(19) .
وفى هذا الصدد، حدد "ولبرت مور Moore" أهم سمات التغير، وذلك كما يلي: (20)
إن التغير يتسم بالاستمرارية والدوام.
يطاول التغير كلّ مكان، حيث تكون نتائجه بالغة الأهمية.
يكون التغير مخططاً مقصوداً، أو نتيجة للآثار المترتبة على الابتكارات والمستحدثات المقصودة.
تزداد قنوات الاتصال في حضارة ما بغيرها من الحضارات، بازدياد إمكانية حدوث المستحدثات الجديدة.
تكون سلسلة التغيرات التكنولوجية المادية، والجوانب الاجتماعية المخططة، منتشرة على نطاق واسع، على الرغم من الجنوح السريع لبعض الطرق التقليدية.

4- صور و أشكال التغير الاجتماعي :

إن عملية التغير عملية ضرورية و لازمة لأي مجتمع لزوم الحياة، ولا يمكن أن يكون هناك مجتمع ثابت ، إذ أن الثبات هو الموت و الانقراض، لأن المجتمعات الإنسانية دائمة التحول و التطور و التقدم، وهذه المصطلحات الثلاثة هي ما نعنيه بالتغير الاجتماعي :

4-1- التحول الاجتماعي: هو أحد أشكال التغير و الذي قد يقع في مجتمع من المجتمعات في وقت محدد من الأوقات و هذا التغير يكون مستمرا في حركته و يأخذ اتجاها واحدا معينا، وقد يكون نحو التقدم إلى الأمام مثل نمو الوحدة الاجتماعية من الأسرة إلى المدينة ثم إلى الدولة، وقد يكون التحول تراجعا أو نكوصا، مثل التغير الذي يصيب بعض مظاهر النشاط الاجتماعي، فبعد أن تتقدم و تتطور إلى مرحلة ما قد تحدث بعض الظروف التي تصيبها بالانحلال فتبدأ في التراجع و التقهقر (21) .

4-2- التطور الاجتماعي: و يأخذ صورة النمو الطبيعي الهادئ الذي يتم تلقائيا في مجتمع من المجتمعات خلال فترة زمنية محدودة دون تدخل مقصود ، والتطور الاجتماعي يحدث تلقائيا نتيجة لتطور الحياة الاجتماعية نفسها من البساطة إلى التعقيد، فهنا لا يوجد تدخل و لا تخطيط- ولكن يحدث عكس ذلك بالنسبة لعملية التقدم فهي تتم بطريقة مقصودة موجهة لإحداث تغيرات هادفة لتطوير الحياة الاجتماعية في المجتمع(22).

4-3- التقدم الاجتماعي : نوع ثالث من التغير وهو تغير يتجه نحو الأمام دائما ، يتجه نحو أغراض و غايات تقدمية مقصودة، مثل التقدم المستمر في ميدان الاختراعات ، وهذا التقدم قد يكون عام فيشمل جميع نواحي الحياة في المجتمع فيحدث تقدم في شتى المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية والفكرية إلى غير ذلك، أو قد يكون جزئيا فلا يشمل إلا بعض الطبقات الاجتماعية أو بعض مظاهر الحياة أو أجزاء من المجتمع .
يضيف مسعد الفاروق حمودة و إبراهيم عبد الهادي المليجي على ذلك صورة أخرى من صور التغير الاجتماعي متمثلة في :

4-4- قد يكون التغير انقلابا ثوريا شاملا: وذلك كما يحدث عادة عندما تقوم ثورة عسكرية أو اجتماعية، فتطيح بالنظم الموجودة و تقيم قواعد و نظم جديدة مستحدثة ، و قد تمثل هذه النظم المستحدثة تقدنا ارتقائيا أي تطورا مصحوبا بتقدم و تحسن و قد تمثل نكوصا و تراجعا إذا كان القائمون بالثورة أو الانقلاب رجعيين أو غير متقدمين(23).
و لأن المجتمعات تتفاوت في أشكال تغيرها، يمكننا تقسيم التغير أو التطور إلى أشكال مختلفة وهي :
التغير البطيء: و يحدث هذا التغير بشكل بطيء جدا وكما هو في المجتمعات البدائية أو المجتمعات المتأخرة حضاريا، وتكاد تكون في حالة شبه جمود، مثل تلك المجتمعات التي تعيش في القرن العشرين و لكنها تتبع القرن الثاني عشر و الثالث عشر ، فالتغير في هذه الحالة هو تغير بطيء جدا حيث أنه لا يوجد مجتمع استاتيكي ثابت ثباتا مطلقا (24).
التغير المتدرج: وهو تغير مرحلي يتكون من تراكمات جزئية لا نستطيع إدراكها في مدى زمني قصير، إلا أنها مستمرة و تحدث بانتظام و تسارع، وهي في الغالب تغيرات كمية لا تؤثر في الكيفية التي يعيشها المجتمع ، تلك التغيرات الكمية تكون بالتدريج و لكنها مع ذلك تؤثر في المدى البعيد في الكيفية، أي في طريقة العيش و الحياة و لكنه لا يٌلاحَظٌ بوضوح (25).
التغير السريع: من السهل على الملاحظ أن يلحظ بوضوح معالم التغير السريع بدون أي جهد و عناء، فالتغير السريع يسير بسرعة كبيرة، ومن أمثلة هذا التغير ما يحدث في المجتمعات الأمريكية و الأوروبية.
إن موضوع أشكال التغير الاجتماعي يرتبط بموضوع اتجاهات و أهداف التغير ، فالتغير لا يكون على نمط واحد طالما أن أهدافه و بيئاته الحضارية تكون مختلفة، وعليه تم تصنيف التغير الاجتماعي أيضا إلى الأشكال التالية:
التغير الاجتماعي الدائري: حيث تنطوي فكرته على مجموعة من المسلمات مفادها بأن الظواهر الاجتماعية مهما تكن أنواعها وصورها تتكرر بين الآونة و الأخرى، وتكرارها يعتمد على الظروف الموضوعية والذاتية التي تمر بها المجتمعات، فالمجتمعات التي تمر بفترات جمود و تخلف و انتكاس تعقبها فترات تطور و نهوض و ازدهار، ثم لا تلبث هذه الفترات أن تنتهي و يحل محلها فترات التخلف و الفوضى وعدم الاستقرار(26).
التغير الاجتماعي الخطي أو الطولي: و تفترض هذه النظرية بأن جميع ظواهر و عمليات و نظم المجتمع تتغير باستمرار و تغيرها هذا يكون نحو أهداف محددة و مرغوب فيها، علما أن هذا التغير لا يتمخض عنه تكرار الحوادث التي وقعت في الزمن الماضي بل يتمخض عنه وصول المجتمع إلى مراحل سامية و متطورة تتميز بالفاعلية و التشعب و القدرة على تلبية طموحات الإنسان و الجماعة(27).
التغير الاجتماعي التطوري: لقد ساد في القرن التاسع عشر خصوصا بعد ظهور كتاب داروين الاعتقاد بأن تغير المجتمعات الإنسانية يخضع إلى قانون التطور، ذلك القانون الذي يجعل حركة التغير تسير عبر مراحل تطويرية متعاقبة تتفاوت درجات تعقيدها و رقيها بصورة متوالية من الأبسط إلى الأعقد.
تغير الانتشار الحضاري: إن للانتشار دوره الكبير في تعجيل تغير المجتمعات ، فلو عاشت مجتمعات الإنسان القديمة في عزلة مطلقة عن بعضها لحرمت من تبادل الأفكار و المعلومات و الاختراعات و لظلت في مستوى التخلف الاجتماعي المادي و العلمي.
التغير الاجتماعي المخطط: و هو ذلك النوع من التغير الذي يتماشى مع مبدأ تدخل الدولة في تنظيم و برمجة شؤون المجتمع و ذلك من أجل تحقيق الصالح العام، فالمجتمع عن طريق الدولة لا بد من وضع أهداف و برامج و مشاريع اقتصادية و تنموية و سياسية و اجتماعية يسير عليها لكي يستطيع تحقيق النمو و التطور المنشودين(28).
ويميز "ريتشارد لابير" أيضا في كتابه" التغير الاجتماعي" بين نوعين رئيسيين من التغيرات الاجتماعية وهما:
التغيرات الكمية: وتتمثل في التغيرات الاجتماعية ذات المستوى الواسع، ويقصد بها الزيادة في حجم السكان وتوزيعه و تركيبته ونمو ظاهرة الاستهلاك في المواد الغذائية و في الطاقة، وعدد المسافرين في العام الواحد وعدد رحلات الطيران وعدد المدارس التي تم فتحها حديثا و عدد القاعات الدراسية و المستشفيات و المراكز الصحية ، أي التحول المتزايد و المتنامي في عدد الأفراد وتنوع حاجاتهم وتباين مصالحهم، واختلاف ميولهم بغض النظر عن نوعيتها و أهدافها (29).
التغيرات النوعية: وهي التحولات التي تحصل في أسلوب التعامل و التفاعل بين أفراد المجتمع داخل تنظيماتهم ، وبمعنى آخر هي كل التحولات أو النقلات في مستوى التفاعل و العلاقات الاجتماعية و في نوع المعايير التي يحملها الأفراد متمشية مع روح العصر الذي يعيشون فيه ، وتخضع للتبذلات المستمرة حسب تحولات أهداف الناس ومصالحهم طموحاتهم.

5- مظاهر وملامح التغير الاجتماعي في الجزائر:

لا يوجد مجتمع لا يتغير ويبدو المجتمع مستقرا ساكنا سائرا في انجاز وظائفه في هدوء طوال أجيال متعاقبة، ولكنه حين يصل إلى درجة من التجمع الحضاري يبدأ في التغير بسبب وجود قوى تعمل لتأسيس نظم جديدة، من أهم مظاهر وملامح هذا التغير ما يلي:
لكل شيء سلاح ذو حدين، كذلك الأمر بالنسبة للتغير، فهناك مظاهر إيجابية وأخرى سلبية
مظاهر التغير الاجتماعي الإيجابية و تشتمل :
- التقدم العلمي و التكنولوجي أدى إلى رفاهية الفرد و المجتمع في مجالات عديدة.
- تحسين وسائل الاتصال وزيادة اعتماد الأفراد و الجماعات على بعضهم البعض، وسهولة التزاوج بين الثقافات.
- النمو الحضاري والتغير العمراني المصاحب للتغير السكاني.
- ظهور قوة للطبقة العاملة.
- الهجرة من الريف و القرى إلى المدن.
- التوسع في تعليم المرأة .
- إدراك أهمية التعليم في تحقيق الارتفاع على السلم الاجتماعي و الاقتصادي وبالتالي:
- زيادة الحاجة إلى إعداد صفوة ممتازة من العلماء لضمان المزيد من الرقي الاجتماعي و الاقتصادي.
- نمو وعي الأفراد بحقوقهم و واجباتهم الوطنية.
مظاهر التغير الاجتماعي السلبية و تشتمل :
- تغير بعض القيم الاجتماعية التقليدية التي كانت تسود المجتمع وتحكم سلوك أفراده، فأصبح مقبولا بعض ما كان مرفوضا و منبوذا من قبل ، و أصبح مرفوضا بعض ما كان مقبـولا و شرعيا من قبل.
- خروج المرأة من دائرة البيت الضيقة إلى مجتمع العمل و الإنتاج، وما أدى إلى بلوغ تطورات خطيرة في حياة المجتمع وقيمه المختلفة، وذلك فيما يتصل بالعلاقات الزوجية و إضعاف لسلطة الزوج في المنزل وقضايا التنشئة الاجتماعية الأخرى.
- زيادة الضغوط و الصراعات النفسية كنتيجة حتمية للعولمة، وما ترتب عنه من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
- تغير الشكل الأسري من الأسرة الكبيرة إلى الأسرة الصغيرة المستقلة اقتصاديا ، وظهور مشكلات العنوسة و التأخر في الزواج.
- تركيز الأفراد على الناحية المادية و إهمال النواحي الروحانية و انتشار اللامبالاة و العبث و التمرد اللاواعي.

6- مصادر التغير الاجتماعي:

إن التغير الاجتماعي لا يحدث اعتباطيا أو تلقائيا أو بدون سبب و غالبا ما تكون مصادر قوية و قاهرة ومؤثرة بشكل مستمر وهادف في التحول و الانتقال من حال إلى حال، وأن الوضع الساكن أو الراكد ما هو إلا مؤقت ومرحلي، وعليه فمصادر التغير الاجتماعي عديدة ، نذكر من بينها:

6-1- الصراع الاجتماعي: وهو يمثل أحد أشكال عدم الاتفاق بين الأفراد في وجهات نظرهم، وذلك لاختلاف مصالحهم وغاياتهم و دوافعهم، مما يجعلهم يدخلون في صراع فيما بينهم ، ينتهي بهيمنة أحدهم على الآخرين، فعلى سبيل المثال لا الحصر الخلافات التي تنشب بين الزوجين حول ميزانية الأسرة أو حول أمور أخرى تتعلق بحاضرها أو مستقبلها ، فهي تمثل عدم الاتفاق بينهما ، مما يفتح النزاع، لا ينتهي إلا بتغير في مواقف أحدهما أو قرار كليهما، وهذا يعد تغيرا اجتماعيا (محدود النطاق )يقع بين فردين .
ثمة حقيقة أخرى تتعلق بمصادر التغير وهي حدوث الصراع داخل الجماعة الواحدة و بالذات عندما يحصل شقاق أو اختلاف بين داخل الجماعة الواحدة ، كاختلاف في وجهات نظر الأعضاء أو عدم التقاء مصالحهم أو تباين أسلوبهم بالتعامل مع رئيس جماعتهم مما يبلور عندهم انفلاتات و افتراقات و تمزقات في رؤاهم أو أحكامهم أو بواعثهم فينشب الصراع بينهم الذي ينتهي بتغير سياسة الجماعة أو نظامها الداخلي أو أحد معاييرها أو أهدافها(30).

6-2- الحروب: مصدر آخر للتغير الاجتماعي وهو يشكل مثالا مأساويا للصراع الاجتماعي و الذي يقود إلى تغيرات اجتماعية عديدة وعميقة و شاملة، إذ يصف (كلاوسوتز) وهو أحد الاستراتيجيين العسكريين الألمان الحرب بأنها ما هي سوى إقناع سياسي عبر وسائل غير سياسية.
يرى" رايت ملز" بأن الصراعات الحربية تولّد تغيرات اجتماعية هائلة، و كأحسن مثال نضربه لتوضيح كيف تكون الحروب أحد وكالات التغير الاجتماعي:"الحرب الباردة" و ما أحدثته من تغيرات رهيبة على الكتلتين الشرقية و الغربية بل و على العالم بأسره.
ومن آثار الحروب كوكالة للتغير الاجتماعي هو معاناة الأطفال في العراق و في فلسطين المحتلة، وفي السودان وموريتانيا ،أطفال بدون مدارس يعانون من سوء التغذية و الأمراض و انعدام المساكن التي تحولت إلى دمار، إلى جانب العشرات من الآلاف من الأيتام وتعدّت المعاناة حتى إلى تجنيدهم في الحروب و الصراعات المسلحة، مما يؤدي بالضرورة إلى المزيد من الأعمال الإجرامية و مضاعفة عدد المعاقين والمرضى و المشوهين وتفشي الأمية، والاضطرابات النفسية والعقلية بأنواعها المختلفة.

6-3- الحركات الاجتماعية : وهي أحد وكالات التغير الاجتماعي، تعمل على تغير البناء الاجتماعي، إذ يكون بعض الناس غير مقتنعين بما يحصل داخل المجتمع من أمور سياسية و اقتصادية، أو عن طريق احتكاكهم يتبلور عندهم شعور و إدراك ورغبة في تأسيس أو تشكيل جماعة اجتماعية منظمة تطالب بتغيير الأمور التي لا تتفق مع قناعاتهم (31).
و لعل أحسن مثال على الحركات المنظمة مجموعة الـ22، وكيف عملت على تغيير الأوضاع المزرية التي كان يعيشها آباءنا و أجدادنا إبان الاستدمار الفرنسي الغاشم، و ذلك بالعمل على تفجير الثورة و النيل من العدو، واسترجاع حرية الشعب المسلوبة.

6-4- العقائد الإيديولوجية: لقد طرح ماكس فيبر في كتابه ( القيم البروتستانتية و روح الرأسمالية ) فكر جديد في تناول عملية التغير بشكل عام , و لتفسير ظهور الرأسمالية و تطورها بشكل خاص , حيث اهتم بأهمية الفكر و القيم في تفسيره بظهور الرأسمالية , بمعنى انه ربط بين ظهور الرأسمالية كنمط حياة عقلاني جديد بتحول في الأفكار و القيم الدينية , حيث تتضمن البروتستانتية قيماً تحتوي على أهمية العمل و النجاح و عدم التبذير , و لعبت هذه الأفكار الجديدة دوراً مهماً في تطوير اتجاهات و أنماط السلوك نحو العمل و عمليات الإنتاج و شجعت بشكل مباشر على تطوير النظام الرأسمالي.
وإن أحسن مثال لتوضيح هذا المنحى تلك القيم و المبادئ و الأخلاق الرفيعة التي أمرنا الله بها على لسان حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، والذي بلغها بكل أمانة وصدق، وغرسها في أصحابه و أتباعه فيما بعد وكيف جعلت منهم قادة ، غيروا أيديولوجية العالم بأسره بمشيئته وحده عز وجل القائل في كتابه الكريم:
« هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿33﴾»التوبة

6-5- القائد الملهم (الكارزما): حيث يتم التغير الاجتماعي من خلال وجود فرد يتصف بالطموح و الرغبة الشديدة في الإنجاز على تقمص الأدوار المستقبلية، حيث يحمل على أكتافه مهمة نقل مجتمعه من المرحلة التقليدية إلى المرحلة الحديثة المتقدمة والمتطورة.
و النبوات الهادية للبشرية إلى طريق الحق ، والكتب المقدسة بما احتوته من عقائد ومبادئ ودوافع أحسن مثال على ذلك، فالأنبياء هم الواسطة بين الله وخلقه، وهم الذين احيوا أمما من العدم وأقاموا دولا وحضارات ، وأبادوا بقدرة الله دولا وحضارات، وكانت كتبهم المنزلة وحركتهم بين الناس من أهم العوامل في تغيير وتفسير حركة تاريخ الإنسانية جمعاء.

7- مراحل التغير الاجتماعي:

إن التغير الاجتماعي يتم تدريجيا عبر مراحل مختلفة ، نذكرها بإيجاز:

7-1- مرحلة التحدّي: وهي نقطة البداية في كل عملية تغير، وتتم من قبل المجتمع التقليدي، وكلما زاد تمسك المجتمع بالمحور القيمي كلما زادت مرحلة التحدّي ، فهذه المرحلة نختلف شدتها ومدتها باختلاف المجتمعات باختلاف ثقافاتها و إيديولوجياتها، فالمجتمعات الزراعية مثلا قد تكون أكثر تحدّي من المجتمعات الصناعية في قبولها لبعض التغيرات.

7-2- مرحلة الانتقال: حيث تتم هذه العملية بالتدريج ، وذلك لبقاء الصراع المشتد بين القديم والحديث، وتعتبر هذه المرحلة من أخطر المراحل على الأفكار، وذلك لأن هذه الأفكار قد تحوي ما يتعارض و قيم الفرد والمجتمع، وبالتالي قد تنحرف إلى أفكار هدامة تطول سائر المجتمع.

7-3- مرحلة التحويل: وهي المرحلة التي يتم فيها إعادة التنظيم الجذري للبناء المتغير من جميع جوانبه(32).

7-4- مرحلة تطبيق الأفكار الجديدة (المرحلة المتطورة): و هي المرحلة أو الحالة الجديدة التي آل إليها التغير، وهي مرحلة تجسيد الأفكار على الواقع وإقامة التنظيم على أسس جديدة نابعة من عملية التغير .

8- ضمانات نجاح التغير الاجتماعي:

يمكننا تلخيص عوامل نجاح التغير في النقاط التالية: (33)
o التخطيط العلمي و أصالة النموذج التصوري للتغير الاجتماعي.
o الدراسة العلمية الشاملة للقيم والاتجاهات و المعايير السائدة، ودراسة العوامل المؤثرة فيها و تقييمها تمهيدا لتقويمها وتغييرها في ضوء ما هو مرغوب فيه عن طريق الأجهزة التربوية والإعلامية وغيرها.
o مراعاة الإطار التكاملي للتغير الاجتماعي للتغير الاجتماعي حتى لا يحدث وهن ثم انهيار وانحلال مادي أو معنوي نتيجة عدم المواكبة بين التغيرات التي تطرأ على مظهر دون آخر.
o تحقيق التكامل بين عنصري الثقافة – العنصر المادي الذي يشتمل وسائل الإنتاج والتكنولوجيا و العنصر المعنوي الذي يشمل النظم الدينية و السياسية و الاقتصادية والأفكار و المعايير و القيم الأخلاقية.
o تحقيق الانسجام والتكامل في التنظيم الاجتماعي أي التغلب على مصادر الشقاق و التشقق و العصبية و التعصب في المجتمع خاصة إذا كان يتألف من عدة قوميات أو طوائف متمايزة.

9- الاستجابات الاجتماعية للتغير:

الاستجابة سواء أكانت محبذة أو رافضة فهي استجابة، ولا ولن تكن واحدة والمجتمع الواحد بل وحتى في الأسرة الواحدة، بل تخضع لمؤثرات وضوابط اجتماعية و ثقافية وأيديولوجية بالدرجة الأساس، فالقبول أو المقاومة لأي تغيير جديد لا يكون عاما على كافة المجتمعات الإنسانية، ومثال ذلك وسائل ضبط النسل التي قبلت من قبل اليابانيين بسرعة ولم يقاوموها، في حين قاومها المجتمع العربي بكل صراحة، ولذلك فالاستجابة نوعين:

9-1- تقبل التغير: إن تقبل الناس لأي إبداع أو ابتكار جديد لا يحدث فجأة أو مباشرة أو تلقائيا بل يمر بصيرورة متألفة من ثلاث ركائز و هي وكما موضحة في الشكل:
المصدر : معن خليل العمر: التغير الاجتماعي، ط1، دار الشروق للنشر و التوزيع، عمان، الأردن، 2004، ص 192.
الإبداع: والذي يعني جهدا خلاقا جيدا يحقق هدفا يخدم المجتمع في حل إحدى مشاكله، وييسر عيشه في حياته اليومية، والإبداع لا يكون موروثا بل مكتسبا من خلال تحرر المبدع من قيود الماضي، مدركا لمشاكل مجتمعه ليخرج بشيء جديد، بل وقد يتعدى ذلك باقتباس واستعارة أفكار من خارج بيئته، فالأزياء النسائية الغربية الحديثة على سبيل المثال كان مصدرها في بادئ الأمر الأزياء التقليدية في إفريقيا و آسيا فكان ذلك بمثال المحفز لإبداع معاصر في المجتمع الغربي.
التحبيذ: و يمثل الركيزة الثانية في عملية تقبل الإبداع، لأنه عادة ما يكون منحرفا عن الأنماط السائدة أو عما هو مألوف أو مستخدم من قبل الناس، أي جديدا إلى حد ما في نظر الأفراد الأمر الذي يستدعي وجود" القبول الاجتماعي" لهذا الإبداع الجديد لكي يتم تحبيذه، وبدون هذه العملية (القبول ثم التحبيذ) فإن الإبداع يكون أمده قصيرا، فيُهمل أو يُِرفض من قبل الناس(34).
التبني: وهي المرحلة الأخيرة التي تفرزها مرحلة التحبيذ ، فعادة ما يقاوم الناس الأشياء الجديدة عليهم ولا يقاومون ما هو مألوف عندهم وما تعودوا عليه، والسلوك الاجتماعي غير الاعتيادي لا يعدونه مناسبا لهم، وعادة ما تحدد التنشئة الاجتماعية ما هو عادي وغير عادي، ما هو مألوف وغير ذلك، وما هو موروث وجديد وغريب أو أجنبي على أفراد المجتمع وما هو عكس ذلك(35).
ولا يكون دوما التبني مطلقا ، بل قد يكون جزئيا، فعلى سبيل المثال بعض المجتمعات العربية(المشرقية)، حيث يقبل رجالها على ارتداء الملابس الغربية ، ولكن بوضع الشماغ (الحطة) و العقال وهي رموز من رموز الزي العربي و التراثي، وهذه الإضافة تدل على عدم التبني المطلق للبذلة الغربية.

9-2- مقاومة التغير: ليس بالضرورة أن يقابل كل تغير اجتماعي بالترحاب و القبول من قبل أفراد المجتمع، بل أحيانا يواجه مقاومة في تقبله، فيتعرقل ذيوعه و انتشاره.
والمقاومة هنا لا تعني الصراع أو النزاع أو الكفاح ، بل عدم قبول أو نفور من، أو رفض ما هو مضاد أو مؤذ أو مهدد أو مضر أو معاكس أو جارح للعواطف أو الأحاسيس أو المزاج أو الذوق أو المصلحة الذاتية، أو عدم تبني أي شيء مجهول الآثار(36) .
فأي شيء جديد يمكن أن يكون هدفا للمقاومة، فقد يكون تجديدا اجتماعيا أو ثقافيا، أو اكتشافا علميا أو اختراعا ميكانيكيا، وبصرف النظر عن نوع الجِدّة، فإن قبولها قد يتأكد في بعض الأحيان بغض النظر عن فائدتها، فهناك دائما معارضة لأشياء كثيرة جديدة(37).
وعليه قد تكون المعارضة وعدم التأييد للتغير هي استجابة سليمة أو متعصبة غير معقولة في آن واحد، وذلك حسب طبيعة هذا التغير أو التجديد أو الابتكار، و حسب اختلاف الأفراد وفروقاتهم الفردية المختلفة من قيم وعقائد وعادات وتقاليد...الخ، ولذلك تنشأ هذه المعارضة أو المقاومة من خلال مصادر عِدّة: اجتماعية و سيكولوجية و ثقافية و اقتصادية .

9-2-1- العوائق الاجتماعية:
قد يٌقاوَم التغير بواسطة أفراد أو جماعات تخشى من فقدان السلطة أو الثروة و النفوذ إذا حدث قبول أي تجديد، فالعقبة العملية أمام أي تغير هي معارضة التجديد بواسطة جماعات قوية منظمة تخشى الخسارة من التغير، ومثال ذلك ما لقاه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عند تأديته الرسالة من زعماء وكبار قريش .
عدم تكامل المجتمع وتجانس تركيبه العرقي أو الطبقي مما يؤدي إلى انقسام المجتمع بصدد التغير، فمن الجماعات ما يؤيد التغيير ومنها ما يعارضه(38)، فاختلاف الأفراد فيما بينهم من حيث الجنس و السن و المستوى التعليمي و الحرفي واختلاف بيئاتهم و عقائدهم الدينية، هذا ما يجعل كل تغير في المجتمع يقابل بتأييد من فئات معينة أو معارضة أو حتى مقاومة من أخرى.
انعدام روح التجديد والابتكار لدى أفراد المجتمع، وسيادة روح اللامبالاة.
العزلة التي قد يعيشها المجتمع أو التي قد يفرضها على نفسه، أو المفروضة عليه من قبل الاستعمار.
الميل إلى المحافظة على الوضع الاجتماعي القائم وخصوصا عندما تتعرض المكانات الاجتماعية للأفراد للضرر وكذلك نتيجة الخوف من التغيير نتيجة المجهول الذي يخافونه(39).
انتشار الجهل و التخلف الثقافي يؤدي إلى عدم التمكن من متابعة كل ما هو جديد في الثقافة المادية و المعنوية مما يؤدي ذلك إلى زيادة التعصب للقديم و التمسك به.
انتشار مجموعة من العادات و التقاليد تتعلق برواسب اجتماعية يصعب الخروج منها ويؤدي إلى ركود ثقافي(40).
انتشار الوعي بالحقوق و الواجبات لدى أفراد المجتمع يكون عائقا كبيرا ومنطقيا مشروعا أمام بعض التغيرات السلبية خاصة التي من شأنها تمس عقائده الدينية و الشرعية، فمقاومة التغير في المجال الإيديولوجي واضحة للغاية، و أحسن مثال مقاومة رجال الدين للأفكار المتعلقة بتحديد النسل.

9-2-2- العوائق الاقتصادية:
قلة الموارد الاقتصادية إذ تكون المجتمعات الفقيرة أقل المجتمعات قابلية للتغيير، وخاصة إذا تطلب التغيير كلفة مالية مرتفعة، فكثيرا ما تكون تكلفة الحصول على شيء جديد و استخدامه عاملا مانعا فيما يتعلق بمن سيقبلون هذا الجديد.
ركود حركة الاختراعات و التجديد بسبب عدم توافر المواد اللازمة للاختراع بسبب كلفتها المالية و انخفاض المستوى العلمي و الثقافي الذي يؤدي إلى الابتكار و الاختراع ، كذلك يمكن أن ينجم الركود عن عدم تشجيع الباحثين سواء من الناحية المادية أو المعنوية.
إن الفائدة الاقتصادية المنتظرة من إدخال تجديد ما تعتبر عاملا هاما يدخل في الموقف اتجاه هذا التجديد، فمن غير المعقول أن يقبل الفرد على أي ابتكار دونما أي منفعة مادية أو اقتصادية يجنيها.
ندرة من قلة من وفرة الموارد و المصادر الطبيعة مثل البترول و الخشب و الفحم و الغاز و الأراضي الزراعية...الخ، كل ذلك من شأنه له تأثير على البناء الاقتصادي للمجتمع فتجعله قادرا على التوسع من عدمه.

9-2-3- العوائق البيئية:
تظهر هذه العوائق في حالة العزلة الشديدة التي تفرضها التضاريس الطبيعية الصعبة على مجتمع ما، مما يعيق حتى تزاوج ثقافته مع أخرى، أو اتصاله مع الخارج بصفة عامة، فكل هذه الأمور تجعل المجتمع فاقدا القدرة على التغير، لأنه نادرا ما يحدث أصلا.

10- مخرجات التغير الاجتماعي:

لا شك في أن للتغير الاجتماعي مخرجات عديدة؛ اقتصادية تتمثل في الإنعاش الاقتصادي أم العكس، ومخرجات أخرى لا تكون واضحة بوضوح هذه الأخيرة، وإنما هي مخرجاته أو من ولاداته الاجتماعية ، و نحددها في العناصر التالية:
النفاق الاجتماعي: هو سلوك غرضي –مصلحي- متجمل يكون صاحبه متزوقا بالماكياج الاجتماعي ليمنح شكله جاذبية اجتماعية مصطنعة، بتعبير أوضح هو تصرف يصدر عن أفراد لا يمتلكون الأهلية و الكفاءة من العمل أو لا يستطيعون الصعود على السلم الاجتماعي فيجنحون إلى استخدام أحد أو جميع أدوات الماكياج الاجتماعي ليظهروا بالمظهر المخالف لحقيقته لكي يرتزقوا و يحصلوا على عسل المال أو السلطة أو كلاهما بطريق لا أخلاقي(41).
الوهن الشخصي: يحدث مثل هذا الوهن عندما يتعرض المجتمع لتغير يحصل بسبب احتكاكه مع مجتمع آخر يختلف عنه ثقافيا و تكنولوجيا فيقلده تقليدا أعمى في زيه ولبسه و مأكله وعاداته ، مما يجعله دونما شك يعيش صراعا بين القديم المألوف و الجديد الدخيل على ثقافته، حيث تختلف درجة هذا الصراع باختلاف الأفراد ومعتقداتهم واتجاهاتهم و بيئاتهم..الخ.
يقصد بالوهن الشخصي ضعف يمس تماسك شخصية الفرد وهبوط في معنوياته نتج عن الاحتكاك بثقافات غريبة دخيلة التي جعلته يجري خلفها باحثا عن قليل من التوافق الاجتماعي ، تاركا خلفه شخصيته تفقد تماسكها وقوتها ، وإدراك الفرد لهذه الحقيقة يزيد من الشعور بالإحباط و الوهن و التوتر.
تفاقم المشكلات الاجتماعية: لا شك في أن العادات والمعتقدات أو الثقافات بصفة عامة الدخيلة على مجتمع ما، تزيد و تضاعف من المشكلات الاجتماعية، لأنه و بكل بساطة نتعامل مع مركب غريب اسمه إنسان، فحين يقبل بعضهم على هذا التغير أو الجديد بصدر رحب، نجد آخرون يرفضونه رفضا مطلقا ، ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه حتما تؤدي هذه المعادلة، إلى حدوث نوع من الصراع مفرزا هو الآخر مشاكلا اجتماعية كثيرة منها: زيادة في حجم الطلاق، تأخر في الزواج، الهجرة بنوعيها الشرعية واللاشرعية، العنوسة، التحرش الجنسي ومخرجاته خصوصا في الأماكن المختلطة...الخ.

11- التغير الاجتماعي في الجزائر وتأثيراته على القيم:

إن الجزائر كغيرها من المجتمعات النامية ارتقت مدارج لا بأس بها في سلم النمو خصوصا بعد العشرية السوداء وذلك بمثابرة حكوماتها على العمل على رفع مستوى رفاهية وكفاية شعوبها من خلال ما تنفذه من خطط لإنعاش اقتصادها . وتندرج هذه الجهود تحت مسمى التغيير المقصود أو المخطط.
إن هذا التغيير مَسَّ هياكل عديدة في إستراتيجية العمل في محاولة بَدَت جِدِّية للحاق بركب الحضارة ، تمثل ذلك خصوصا في جوانب مهمة من بينها : تكنولوجيات الاتصال بأنواعها المختلفة (الهاتف بنوعيه ،فاكس، انترنيت، راديو، تلفزيون) و التي جعلت الجزائر مفتوحة بمصرعيها على العالم بأسره.
هذا الانفتاح حتما أدى إلى نتائج إيجابية على مستوى نمو الوعي و التفكير و إدراك قيمة العلم بصفة عامة، إلا أن هذا التغيير أو التحديث الغير مخطط بما فيه الكفاية و الغير مكيف مع مجتمع عانى من ويلات الاستعمار أكثر من قرن ونصف ولا يزال يتكبد و يدفع ثمن تلك المأساة الإنسانية من أمية وفقر ويٌتم ، كان وللأسف مفروضا علينا، سلعة مجبرين على اقتناءها، و كانت سرعته فوق مقدرة الفرد الجزائري على مسايرته و تحقيق التكيف الملائم مع بيئة هجينة، أصبحت غريبة عنه، وكأنه جهاز للإعلام الآلي موصول بالانترنيت ولا يحمل مضادا للفيروسات، بدى ذلك في كل العلاقات الاجتماعية دون استثناء، فعلى سبيل المثال لا الحصر أصبح خروج المرأة إلى العمل مقتضى العادي عند العامة من الناس، في حين كان هذا الأمر ولوهلة زمنية ماضية وبسيطة غير مسموح به إطلاقا، وكذلك أمور كثيرة لا يمكننا حصرها إلا في قول :" أصبح المقبول و المشروع رمزا للتخلف والتعصب وحتى الخرافة، في حين أصبح يٌرَى لبعض المنبوذ و اللامشروع وحتى المحرم على أنه تحررا من قيود لطالما قيدت الإنسانية، وبين ذلك وذاك، وقف الفرد الجزائري حائرا أيٌسَايرٌ العامة التي يراها في نظره ضالة عن الطريق القويم أم يٌعارِضْ ويٌوْصَفْ بصفات تحرمه بلوغ حاجته الفطرية الملحة للانتماء لهم.
هذا الصراع أدى إلى تدبدب واضح في قيم الفرد الجزائري، و أدخل الجزائر برمتها في دوامة من المشاكل الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية ، بدى ذلك واضحا في تفاقم المشكلات الاجتماعية كالإدمان على المخدرات بشتى أنواعها، والهجرة الغير شرعية التي أصبحت ملاذا للعديد من الشباب ،ومشاكل أخرى كثيرة ومتعددة لا يمكن حصرها.
لقد أحدثت وسائل الاتصال المتقدمة ما يمكن أن نسميه بالصدمة الحضارية في العديد من المجتمعات ويبدو أن هذه المجتمعات خصوصا في الدول النامية وفي المجتمعات المحافظة بما فيها مجتمعنا قد باتت تخشى آثار هذا الاحتكاك الكبير بالثقافات الغربية عنها للدرجة التي دفعت بالكثيرين إلى المناداة بالعودة إلى الماضي، والتمسك بثقافة السلف ونبذ كل المستحدثات أو الأفكار الجديدة، وفي هذا السعي لأخذ بما ينفعنا من المستحدثات والتكنولوجيات الجديدة عبورا إلى العصرية مع الاحتفاظ بجوهر أصالتنا الحضارية وفي إطار قيمنا الدينية والأخلاقية، وهذا لن يتأتى إلا من خلال الدراسة العلمية الشاملة للقيم والاتجاهات والمعايير السائدة ودراسة العوامل المؤثرة فيها وتقييمها تمهيداً لتقويمها وتغييرها في ضوء ما هو مرغوب فيه عن طريق الأجهزة التربوية والإعلامية وذلك لبلوغ تحقيق التكامل بين عنصري الثقافة: العنصر المادي الذي يشمل وسائل الإنتاج والتكنولوجيا والعنصر المعنوي الذي يشمل النظم الدينية والسياسية والاقتصادية والأفكار والمعايير والقيم الأخلاقية.

المراجع:

1. أنطوني جيدانز: علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 2005،ص 105.
2. من تفسير القرطبي للآية 11 من سورة الرعد.
3. محمد بن عبد الله الزامل: التأصيل الإسلامي للتغير الاجتماعي، جامعة الملك سعود، كلية التربية، قسم التربية، السعودية، 2004، ص3.
4. نفس المرجع، ص 4.
5. من تفسير الطبري للآية 251 من سورة البقرة.
6. أحمد زايد: التغير الاجتماعي، ط2، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، مصر، 2000، ص 18.
7. عبد الباسط حسن: التغير الاجتماعي في المجتمع الاشتراكي، في قراءات في الخدمة الاجتماعية لأحمد كمال وآخرون، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1964، ص 49.
8. أحمد زايد، مرجع سابق، ص 19.
9. محمد عودة: التغير الاجتماعي وأساليب الاتصال،القاهرة، ص 55.
10. جودة بني جابر: علم النفس الاجتماعي، ط1، مكتبة دار الثقافة للنشر و التوزيع، عمان، 2004، ص 156.
11. إبراهيم عثمان: مقدمة في علم الاجتماع ، دار الشروق للنشر و التوزيع ، ط1، عمان، 1999، ص 333.
12. جودة بني جابر، مرجع سابق، ص 157.
13. إبراهيم عثمان، مرجع سابق، ص 334.
14. نفس المرجع، ص 335.
15. عبدالرحمن العمري: التغير الاجتماعي، خاص في منتدى الجامعات السعودية، قسم علم الاجتماع، 2004.
16. عبد الباسط حسن، مرجع سابق، ص 53.
17. فريحة أبوبكر علي الزواوي: التغير الاجتماعي والتحديث وعلاقته بتغير الشخصية في المجتمع القروي قرية زلة نموذجا، دراسة لاستيفاء متطلبات درجة الماجستير في علم الاجتماع، كلية الآداب والتربية ،،جامعة التحدي، سرت ، ليبيا،ٍ2008 .
18. أحمد الخشاب: التغير الاجتماعي، القاهرة، 1971، ص 6.
19. مجيد قري، زرقان عزوز: التغير الاجتماعي و إبداعات أدب الشباب، الملتقى الوطني حول التغير الاجتماعي، المركز الجامعي برج بوعريريج، 2009.
20. Moore , W.E. , Social Change , Prentice Hell, New. Jersey, 1963,p152.
21. محمد طلعت عيسى: دراسات في التخطيط الاجتماعي، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1971، ص 11.
22. محمد علي الشناوي: ديناميات المجتمع و التغير الاجتماعي، معهد التخطيط القومي، 1967، ص 3.
23. مسعد الفاروق حمودة، إبراهيم عبد الهادي المليجي: المدخل إلى المجتمع المعاصر نظرة تكاملية، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، ص 34.
24. جودة بني جابر، مرجع سابق، ص 163.
25. المرجع نفسه، ص 164.
26. إحسان محمد الحسن: مبادئ علم الاجتماع الحديث، دار وائل للنشر ، ط1، عمان، 2005، ص 303.
27. نفس المرجع، ص 304.
28. إحسان محمد الحسن: الأبعاد النظرية و التطبيقية لعلم الاجتماع في العراق، دراسة منشورة في جريدة الجمهورية، العدد 2157 بتاريخ 17/10/1983، ص 2.
29. معن خليل العمر: التغير الاجتماعي، ط1، دار الشروق للنشر و التوزيع، عمان، الأردن، 2004، ص 103.
30. معن خليل العمر ، مرجع سابق، ص 113.
31. نفس المرجع، ص 120.
32. جودة بني جابر، مرجع سابق، 162.
33. أحمد الخشاب، مرجع سابق، ص 270.
34. معن خليل العمر ، مرجع سابق، ص 188.
35. نفس المرجع، ص 190.
36. نفس المرجع، ص 198.
37. سناء الخولي: التغير الاجتماعي و التحديث، دار المعرفة الجامعية، كلية التربية، جامعة الإسكندرية، 2003، ص 136.
38. جودة بني جابر، مرجع سابق، ص165.
39. نفس المرجع، ص 166.
40. مسعد الفاروق حمودة وآخرون، مرجع سابق، ص 48.
41. معن خليل العمر، مرجع سابق، ص 271.


Comments