ميثاق الأسرة في الإسلام وبناء المجتمعات الرشيدة

ميثاق الأسرة في الإسلام وبناء المجتمعات الرشيدة

بحث مقدم في مؤتمر الخطاب الإسلامي المعاصر 28 -29/يوليو/2011

اتحاد علماء المسلمين

مقدمته : دكتورة / مكارم الديري

الأستاذ المساعد بجامعة الأزهر بالقاهرة

وعضو اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل

بالمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة

الأسرة هى الوحدة الاجتماعية الأساسية التي تتجسد فيها أركان المجتمع ومقومات بنائه وقوة المجتمع وتماسكه رهن بقوة العلاقات الأسرية وتماسكها وهي في الإسلام تقوم على مبادئ وقيم حاكمة وفق منظومة من الآداب والتشريعات، لتحقيق الأهداف الآتية:

الأول: تحقيق الغاية الكبرى من وجود الإنسان بعبوديته لله عز وجل وإقامة منهجه العادل بين البشر جميعًا والإيمان بأن الله هو المنظم للكون والمشرع له, وأن الإنسان مناط  التكريم والاحترام على سائر المخلوقات منحه العقل والقدرة على الاختياروالتمييز بين الخير والشر.يقول تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء:70] وقال تعالى أيضًا (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، ولِسَاناً وشَفَتَيْنِ، وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد8-10]. وتحقيقًا لرسالة الإنسان في الأرض وهبه الله من القدرات العقلية والنفسية والجسدية ما يجعله أهلاً لهذه الرسالة وأرسل إليه الرسل لهدايته, وخلقه مفطورًا على الإيمان به سبحانه وتعالى ومنحه العقل وإرادة التغيير.

الثاني: تحقيق مجتمع إنساني يؤمن بالسنن الكونية ويحترم الفطرة ويرفض التحول والتغير بما يخالف هذه السنن، ويذكرنا الله عز وجل بتوعد الشيطان ببني آدم في قوله تعالى (ولآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [ النساء119].ومن سلامة الفطرة، الإيمان بالتنوع الفطري في الإنسان مع احترام التنوع في الخصائص وما يترتب عليها من مسئوليات لتحقيق التكامل بين البشر مع الإقرار بأن صلاح المجتمع لا يتحقق إلا باحترام الفطرة والإقرار بالخصائص المميزة لكل من الجنسين من خلال المساواة العادلة التي تقوم على ضوابط وقيم تتعلق بطبيعة الاختلاف الفطري بينهما.

الثالث: الأسرة مجموع بشري مترابط أفراده بعلاقات عاطفيةواجتماعية ومالية وحقوق وواجبات يضبطها الإسلام بحزمة من الآداب والتشريعات تهدف إلى تعميق الروابط الرحمية

ورعاية المصالح العليا للأسرة والمصالح الخاصة لكلةفرد وبين المجتمع فيها في توازن دقيق بين الحقوق والواجبات فصلته الشريعة الإسلامية تفصيلاً. والخطاب الإسلامي للأسرة هو خطاب تجميعي يؤسس على مراعاة الاعتباراتالدينية والأخلاقية والتراحمية، بينما هو في النظم الوضعية هو خطاب تفكيكي تعاقدي شخصي يعزز من حق كل طرف على حساب الآخر، كما يجور على حقوق الأمومة والزوجية وترابط الأرحام بدافع الحريات الشخصية والحقوق الخاصة. خطاب ينظر إلى المرأة خارج السياق الاجتماعي لها كفرد مادي وحيد مستجيب لأهوائه و رغباته الشخصية وليس عضوة في أسرة لها فيها حقوق وعليها واجبات.

ويعد ميثاق الأسرة في الإسلام أهم وثيقة إسلامية حضارية تؤسس لمجتمعات إنسانية متماسكة ومتراحمة وتدعو أهل الفطرة الإنسانية والحكمة النظر إليها بعين الاعتبار وتدعو علماء المسلمين إلى تفعيلها وتبني قيمها وترسيخها في المجتمع.

وهذا الميثاق جهد جمعي تضافر على إنجازه مجموعة من العلماء بدعوة من اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل، التابعة للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بالأزهر الشريف -وتحت رعايتها- ثم تتابع على تحقيقه وتمحيصه أعداد من علماء الأمة ومن شتى بلادها وبقاعها زادوا على العشرين عالمًا.

وميثاق الأسرة في الإسلام يسد حاجة الأمة في أهم مكونات ذاتها وهى الأسرة ويكشف عن عدالة الإسلام ورحمته ويسره وسماحته واعتداله ووسطيته في أمره كله بما في ذلك نظم الحياة الدنيوبة وعلى رأسها نظام الأسرة نواة المجتمع وبذرته ووحدة تكوينه.

هذا وقد قام القائمون على الميثاق باستقاء مواده وبنوده من شريعتنا الغراء الثابته بصريح الكتاب والسنة، والانتقاء والاختيار من تراثنا الفقهي الضخم بمذاهبه من لدن الصحابة والتابعين ومرورًا بالمذاهب الفقهية الأربعة وغيرها، وحرصوا في تدوينهم على الابتعاد عن كل ما هو غريب ومرجوح من الآراء والأقوال إذا ضعف مستنده أو ما كان مبنيًّا على عرف زمانه ثم تغير إلى عرف مستحدث لم يسبق له حكم.

كما حرص العلماء على أن تكون كل مسألة يقررونها لها دليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس, كما حرصوا على مراعاة ظروف المجتمع ومآلات الأحوال لهذه المصالح والمفاسد فجمعت بين الشرع والعقل والسمع والرأي، مع الحرص على أخذ بأيسر وأعدل وأوسط الآراء وأكثرها ملائمة لمقتضيات العصر الحديث مع تجنب مواطن الخلاف بقدر الإمكان.

كما وازنوا في صياغته بين ما هو قطعي وما هو ظني وما هو متفق عليه أو مختلف فيه وبين ما هو ثابت وما هو متغير, ومزجوا بين العقائد والأحكام والأخلاق, فسلوك الفرد والجماعة لابد وأن ينضبط بذلك العقد المنظوم بين الإيمان والإسلام والإحسان, كما اعتدلت صياغة مواد الميثاق بين دور الإنسان كفرد والأسرة كلبنة صغرى، والمجتمع ومؤسساته والدولة ككيان معنوي في وسطية وعدل وحفاظ على الحقوق وبيان للواجبات فلم تغفل دور الفرد وواجبه من أجل المجتمع، كما لم تهمل دور المجتمع وحقه وواجبه في سبيل الفرد.

جاءت مواد الميثاق وفقراته رفيعة المضمون، قوية المنهج، اتسقت فيها أمور الأسرة وشئونها بما يبين ثبات أصولها ورسوخ قواعدها وشموخ مقاصدها في أحكام وآداب ترمي إلى تحصين الأسرة والمجتمع. وجاء ميثاق الأسرة في الإسلام في مائة وأربع وستين مادة وخمسة أبواب:

الباب الأول:

يحدد المبادئ والمفاهيم والقيم الحاكمة للأسرة في الإسلام التي تنطلق من الإيمان بربانية رسالة الإنسان واحترام التنوع الفطري بين الجنسين، وتحقيق المساواة العادلة من وحدة خطاب التكليف والمساواة في الحقوق والواجبات العامة في الأغلب الأعم، مع الاعتراف بالتنوع في الخصائص والقدرات وما يتمايز به البشر جميعًا عن بعضهم بعض وما يتمايز به كل من المرأة والرجل من خصائص فطرية وقدرات بدنية ونفسية تؤهلهم لممارسة أدوار الأمومة والأبوة والزوجية. يقول تعالى: (ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النساء:32], والعلاقة الزوجية تقوم على التكامل بين الذكر والأنثى ولا تستمر الحياة وتعمر الأرض ويتكاثر النوع الإنساني إلا بتلاقيهما وتعاونهما وتكاملهما. ومن هذه الرابطة تتكون الأسرة وهى النواة الأولى للمجتمع الإنساني.

ومن المفاهيم التي يوضحها الباب الأول مفهوم الأسرة والتي تبدأ بالزوجين (ذكر وأنثى) وتمتد إلى شبكة واسعة من ذوي القربى من الأجداد والجدات، والأخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وغيرهم ممن تجمعهم رابطة النسب أو المصاهرة أو الرضاع أينما كان مكانهم ووتتسع لتشمل المجتمع كله.

ويؤكد هذا الباب على أهمية الأسرة كلبنة أولى ووحدة اجتماعية أساسية للمجتمع، ويؤكد أيضًا على مفهوم قيادة الأسرة كأي مؤسسة أو إدارة تحتاج إلى من يدير شئونها والتي تتمثل في قيادة الرجل وهي خاضعة للضوابط والأحكام الشرعية، يقول تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء:34].

وهذه القوامة هي قوامة شورى ومودة ورحمة ورياسة خاضعة لحدود الله في عدم التحكم والاستبداد والاستضعاف، وعلى هذا فإن استمرار الحياة الزوجية واستقرارها, وتحقيق مقاصد الزواج وحفظ مصلحة الزوجة كل ذلك يستلزم أن توقن الزوجة برضا أن القوامة للزوج بحكم الشرع وفطرة الخلق، وأنها شرعت لمصلحة الأسرة واستقرارها، وأن على الزوج أن يفقه الغرض من هذه القوامة التي قررها له الشرع والأساس الذي قامت عليه حتى لا يسيء استعمالها، أو يتعسف في استخدام ما تخوله له هذه القوامة من سلطة.

ويوضح هذا الباب أيضًا أن صلاح المجتمعات لا يتحقق إلا في ضوء الإقرار بالخصائص الفطرية، ويبين رفض الإسلام مخالفة السنن الكونية والشرعية في الدعوة إلى وحدة الجنس ومفهوم النوع الاجتماعي؛ لمصادمته لنواميس الفطرة والخلق وطبائع الاجتماع الإنساني.

ويحدد هذا الباب مفهوم الزواج وتقييده بالرباط الشرعي بين رجل وإمرأة وعدم الاعتراف بأي أنواع من العلاقات خلاف ذلك وتحريم صور الاقتران غير الشرعي بكل صوره ومسمياته.

وفي هذا الباب أيضًا يوضح المقاصد التي يهدف إلى تحقيقها النظام الأسري في الإسلام وهى:

حفظ النسل (النوع الإنساني):

وهو المقصد الأول للأسرة في الشريعة الإسلامية؛ وذلك تعميرًا للأرض وتواصلاً للأجيال، وقد فطر الله عزوجل الرغبة الجنسية في الأبدان لكونها الوسيلة الطبيعية للإنجاب المشروع وليست غاية في ذاتها, وتحقيقًا لهذا المقصد شرع الإسلام الزواج وقصره على الزواج المشروع كما حرَّم العلاقات الشاذة التي لا تؤدي إلى الإنجاب واستئصال الأرحام أو تعقيمها أو إجراء عمليات الإجهاض، إلا لأسباب طبية أو خوفًا محققًا على حياة الأم ولم يجز تنظيم النسل إلا بموافقة الزوجين؛ لأنهما أصحاب الشأن ويرجع إليهما تقدير الضرورة أو المصلحة ولا يجوز إجبارهما عليه خلافًا لأوامر الشرع, ويراعى تنظيم النسل على نحو أن يجعل بين كل طفل وآخر مدة من الزمن يتمكن فيها الطفل من استيفاء الرضاعة كما قال تعالى (وفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، أما التنظيم بمعنى منع الإنجاب كلية فغير جائز شرعًا لتعارضه مع مقاصد الشرع, ومن مسوغات تنظيم النسل في إطار الزوجين الخشية على حياة الأم أو صحتها من الحمل والوضع إذا عرف بالتجربة أو إخبار طبيب ثقة, قال تعالى (ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ).

ومن مسوغات تنظيم النسل أيضًا غلبة الظن لأسباب جدية وقائمة بوقوع حرج دنيوي يفضي إلى حرج في دينه ويرتكب المحظور من أجل أطفاله، قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ)ومن مسوغات تنظيم النسل أيضًا الخشية على الرضيع من حمل جديد بناء على رأي طبيب ثقة.

ومن المقاصد تحقيق العفة والإحصان:

يوفر الزواج الشرعي صون العفاف، ويحقق الإحصان، ويحفظ الأعراض، ويسد ذرائع الفساد الجنسي بالقضاء على فوضى الإباحية والانحلال؛ وذلك بالامتناع عن العلاقات المحرمة شرعًا وتشجيع الزواج باعتباره بابًا من أبواب درء الفساد الجنسي وحفظ الذرية من اختلاط الأنساب وحفظًا لحقوق المواريث ودرءًا لفساد قد يقع في العلاقة الأسرية، وحماية من الأمراض المنقولة جنسيًّا. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الزواج وبين أهدافه فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ".

ومن مقاصد بناء الأسرة حفظ النسب:

إن انتساب الإنسان إلى أصله ونقاء الأنساب وصيانتها من الاختلاط, مقصد للشريعة مستقل عن حفظ النسل، ولأجل تحقيق هذا المقصد حرم الإسلام التبني والزنا، وشرعت الأحكام الخاصة بالعدة وعدم كتمان ما في الأرحام وإثبات النسب وجحده وغير ذلك من الأحكام.

والغالب في استعمال النسب أن ينسب الإنسان إلى أبيه وإذا انقطع النسب عن أبيه -كما في اللعان والزنا- فإن نسب الولد يكون للأم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ولحفظ النسب أبطل الله تعالى التبني، ونسب الأولاد إلى أنسابهم الحقيقية قال تعالى: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [الأحزاب:5].

تحقيق السكن والمودة الرحمة:

وهى من مقاصد الزواج وبناء الأسرة، فيوضح الميثاق أنها تقوم على روح الحب والتعاون بين الزوجين وبين الأبناء وإشاعة روح الثقة والتعاون في السراء والضراء، والعشرة بالمعروف يقول تعالى (وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء:19]، والشراكة في أمور الحياة الزوجية وغير ذلك من الأمور التي تؤلف بين قلوب الزوجين ويقول تعالى:(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ) [آل عمران:195] فالمرأة من الرجل والرجل من المرأة.

حفظ التدين في الأسرة:

وهو من أهم مقاصد بناء الأسرة, فالأسرة محضن الأفراد، لا برعاية أجسادهم فقط بل الأهم هو غرس القيم الدينية في نفوسهم, وتبدأ مسئولية الأسرة في هذا المجال قبل تكوين الجنين بحسن اختيار كل من الزوجين الآخر، وأولوية المعيار الديني والخلقي في هذا الاختيار، وتستمر هذه المسئولية بتعليم العقيدة والعبادة والأخلاق لأفراد الأسرة وتدريبهم على ممارستها، ومتابعة ذلك حتى بلوغ الأطفال رشدهم واستقلالهم بالمسئولية الدينية والقانونية عن تصرفاتهم.

ويتحدث الباب الثاني عن:

مسئولية الأمة عن تكوين الأسرة ومنها تشجيع الزواج الشرعي وتيسير سبله فالأمة الراشدة هى التي تعنى بوضع الخطط والمناهج الصالحة لتشجيع الزواج والتبكير به حرصًا على قوة المجتمع وسدًا لأبواب الرذيلة، وذلك بتذليل العقبات أمام المقبلين على الزواج بحل مشكلاتهم المادية، كالسكن والبطالة والمال، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ويشير الميثاق إلى أهمية الارتفاع بوعي الأمة بإدراك أهمية الزواج في الإسلام والتأكيد على عدم المغالاة في المهور أو الإسراف في حفلات الزواج والتأكيد على أهمية الالتزام بالسلوك والآداب الإسلامية.

ويتحدث أيضا هذا الباب عن عوامل حماية الأسرة كتنمية الوازع الديني والوازع الاجتماعي والوازع السلطاني، وما تشمله من آداب وضوابط وتشريعات وقوانين منظمة للعلاقات الأسرية ومعيار نجاح مؤسسة الأسرة يتوقف على مدى الالتزام بهذه الضوابط.

ويأتي الاهتمام بالوازع الديني عند اختيار كل من الزوجين الآخر على مبدأ الدين وقواعده ترسيخ لهذا البناء واستدامته، وتأتي أهمية الوازع الديني أيضًا بالالتزام بعقد الزواج وضوابطه الشرعية وتبغيض الطلاق وتضييق سبله وأسباب الفرقة وترغيب الزوجين بالحرص على البناء الأسرى بأقصى قدر من الصبر والتحمل، والعمل على إيجاد حلولاً لفض الخلافات الزوجية تضمن عدم التسرع في افتراقهما، ومن عوامل تثبيت الزواج أيضًا وجود النسل وهو مدعاة لعدم إقدام أي من الزوجين على فصم عرى الزوجية وتأتي رقابة الضمير واستشعار رقابة الله عز وجل بالتأثير البالغ على الضمير الإنساني واستشعار رقابة الله والجزاء الأخروي، فيكون ذلك عاصمًا حين تعجز الإجراءات العملية في منع الظلم أو الفرقة بين الزوجين.

أما الوازع الاجتماعي فيحتاج إلى ضبط القيم السائدة والتي تؤثر سلبًا في الحياة الزوجية ومنها تأثر إجراءات الزواج بالعادات والتقاليد، وتدخُّل أهل الزوجين في الزواج، ومدى تأثير الجيران سلبًا أو إيجابًا على الأسرة، ودور المؤسسات الاجتماعية والأهلية وضرورة وجود دور لمؤسسات أهلية تحافظ على الأسرة وتشجع على الزواج والتوعية بالأحكام الشرعية المتعلقة بالأسرة، ورعاية الأمومة والطفولة، وغيرها لتحقيق الاستقرار الأسري.

أما الوازع السلطاني فيتمثل في تقديم الاجتهادات الفقهية في مجال الأسرة، ومعيار نجاح هذه الاجتهادات والتشريعات رهن بقدرتها على حل المشكلات الأسرية والعمل على تيسير سبل التقاضي وحل المنازعات وأهمية دور الدولة في تعزيز قاعدة التكافل الاجتماعي بإقامة نظم للتأمينات الاجتماعية والرقابة الرشيدة علي وسائل الإعلام، وأهمية التنفير في الإعلام من النماذج الأسرية الفاسدة وترويجها لعدم الزواج وغيرها من الدعوات الهادمة لللأسرة والاهتمام بمناهج التعليم -حسب المستوى العمري لكل طالب- عن مفهوم الأسرة وأهميتها وعوامل نجاحها، وذلك وفق الضوابط الشرعية, وعوامل نجاح التشريعات الوضعية رهن بنجاحها في حل مشكلات الأسرة.

وتأتي مسئولية الأمة عن حماية الأسرة من أمرين:

الأول: أنها تحقق مقصدًا شرعيًّا؛ لأن الإسلام يقضي بأن الأصل في الزواج التأبيد وفي الأسرة البقاء

والدوام وتمامًا لواجب التشجيع على الزواج الذي لا يستوفي مقاصده الشرعية إلا ببقاء الأسرة

والزود عنها وحمايتها.

الثاني: حماية تماسكها وقيمها؛ لأن الأمة عندما تحمي الأسرة من عوامل الانهيار والتفسخ إنما تحمي

نفسها وقيمها الاجتماعية.

ومن مسئولية الأمة عن حماية الأسرة أنها تعمل على:

تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات من استيفاء عقد الزواج بتحديد شروط كل من الزوجين في الأحوال التي تسمح فيها الشريعة بذلك ومراعاة للعدالة والتوازن بين حقوق وواجبات كل منهما وفق الأصول والضوابط الشرعية يقول تعالى (ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)[البقرة:228] كما يجب أن يعطي لكل حق وواجب وزنه النسبي وحجمه الحقيقي من الاهتمام.

ومن مسئوليات الأمة أيضًا:

توثيق عقد الزواج بطريق رسمي يحقق مصلحة اجتماعية وشرعية؛ درءًا لإنكار العلاقة الزوجية، وحفاظًا على حقوق الزوجة والأولاد، وأهمية الإشهاد على عقد الزواج وإعلانه وقيد المواليد.

وعلى الأمة أيضًا محاربة الأشكال غير المشروعة للاقتران؛ حماية للقيم الأخلاقية والاجتماعية الفاضلة ومحاربة العلاقات الجنسية وأشكال الاقتران غير المشروعة، فذلك يحمي الأسرة من الانهيار ويحقق لها السعادة, كما يجب على الأمة التصدي للأفكار المنحرفة التي تجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صراع وتنافس وشركة مادية يحقق كل طرف كسبًا بخسارة الطرف الآخر، كما يجب الوعي بأن العلاقة بينهما علاقة تعاون وتكامل.

ويبحث الباب الثالث عن:

مسائل الحياة الزوجية بدءًا بمقدمات الزواج، ثم عقد الزواج وضوابط العلاقة بين الزوجين والحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين وبينهما وبين الأبناء، ومسألة تعدد الزوجات وآداب حل الخلافات الزوجية والطلاق ومن هذه الضوابط والآداب اختيار الزوجين على مبدأ التدين الصحيح والتكافؤ في السن والنشأة والبيئة الاجتماعية وخلوالزوجين من الأمراض المنفرة والأمراض الخطيرة.

ويبحث هذا الباب أيضًا عن حقوق الزوجة عند عقد الزواج ومنها الحقوق المالية وحق الاشتراط في عقد الزواج على زوجها من المباحات مما لا يتنافى ومقتضى العقد، كاشتراط تفويضها في الطلاق مع عدم إخلال بحق الزوج فيه، أو شرط أن تعمل خارج البيت ولها أن تحدد الجزاء المترتب على مخالفة ذلك الشرط وهناك شروط لا يجب الوفاء بها لمنافاتها لطبيعة العقد ولكن يظل العقد صحيحًا كأن يمتنع عن معاشرتها، ومن الشروط ما لا يحله الشرع ويحرمه كاشتراط الزوجة عند زواجها طلاق الزوجة الأولى.

وكذلك يوضح هذا الباب أيضًا الحقوق الخاصة للزوجة على زوجها ومنها الالتزام بتكاليف الزواج والمعاملة بالمعروف وحق النفقة وحق العمل وهو مباح في الإسلام وحقها في إعانته لها في المنزل.

وحق الزوجة على زوجها معاملتها بالمعروف، وهو واجب توجبه الشريعة ومن ذلك مراعاة فطرتها واختلاف نشأتها، ومعاملتها باللين والرفق وتهيئة المسرات البريئة لها وعدم منعها من زيارة والديها ومحارمها إلا في حالة ثبوت ضرر معتبر شرعًا مع الاعتدال في الغيرة عليها دون إفراط أو تفريط.

ومن حقوق المرأة على زوجها حق النفقة وهو حق واجب للزوجة مسلمة أم كتابية والنفقة تكون في الطعام والشراب والمسكن والملبس والعلاج بقدر استطاعته يسرًا أم عسرًا وغير ذلك من الأمور المكلف به نحو زوجته، ونفقة الزوجة على زوجها لها امتياز خاص تختلف عن بقية النفقات على الأقارب وغيرهم في أنها تجب مع استغنائها بمالها، بينما نفقة القريب لا تجب إلا مع إعساره، وحاجته ونفقة الزوجة تجب عند يسار الزوج وإعساره بخلاف نفقة الأقارب لا تجب إلا عند يسار المنفق وأيضًا فإن نفقة الزوجة تجب لها فيما مضى إذا لم يتفق عليها في مدة ماضية ولا يجب لقريب نفقة ماضية.

وحق المرأة في العمل خارج المنزل من الحقوق المباحة شرعًا مع مراعاة التفاهم والتراضي بين الزوجين في حدود مصلحة الأسرة مع تحديد العلاقة المالية بين الزوجين ومراعاة مصلحة الأطفال في التربية والرعاية الصالحة والالتزام بالضوابط الأخلاقية الإسلامية لكل من الرجل والمرأة وهناك حذر على عمل المرأة إذا ترتب على خروجها إهدار أمر هو واجب عليها أو يكون في خروجها للعمل ارتكاب محظور.

ومن حقوق المرأة إعانتها في المنزل، فعلى زوجها أن يعينها وأن يهيئ لها سبل أداء عملها وإحسانه كما يعينها على أداء الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال ولا يشعرها بتبرمه على أداء هذا الدور الوظيفي حفاظًا على المعنى النفسي للمرأة لدى قيامها بعملها، كأن يهئ لها وسائل مواصلات مناسبة للوصول إلى عملها.

وحقوق الزوج عند زوجته منها حقه في طاعتها في المعروف وعدم الإسراف في النفقة وحق الالتزام بآداب الدين ومسئوليتها عن بيتها وأمومتها.

ويتحدث هذا الباب أيضًا عن تعدد الزوجات وضوابطه من اشتراط عدم إظهار الميل لإحدى الزوجات حين التعدد, كما بيَّن مسألة جواز اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج ثم يبين متى يكون التعدد سببًا للطلاق.

فمن ضوابط التعدد أن يحقق مصلحة شرعية أو اجتماعية ومنها معالجة قلة الرجال وكثرة النساء سواء في الأحوال العادية بزيادة نسبة النساء كشمال أوربا, أم في أعقاب الحروب كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية وحينئذ يصبح التعدد ضرورة أخلاقية تقتضيها المصلحة والرحمة وصيانة النساء عن التبدل والانحراف, ومن ذلك أيضًا أن تكون عقيمًا لا تلد، أو بها مرضًا منفرًا فيكون من المروءة أن تظل هذه الزوجة في رباط الزوجية وتعطي للرجل فرصة الزواج بثانية، وقد يكون طغيان الشهوة عند الرجل وعدم كفاية الزوجة الواحدة له سببًا للتعدد.أما اشتراط عدم التعدد حق للزوجة في عقد الزواج ولها أن تحدد الجزاء المترتب على مخالفة ذلك.

وفي الفرقة والطلاق يوضح الميثاق أن انفصام رابطة الزواج بإرادة الزوج المنفردة من المباحات المبغضة في الإسلام وقد شرع للتخلص من زواج لم يتحقق مقصوده الشرعي, وللطلاق ضوابطه وأسبابه وأحكامه تتحدد ما بين الواجب عند عجز الزوج عن إتيان زوجته أو الإنفاق عليها، والمندوب وذلك حين تفرط الزوجة في حقوق زوجها، ومكروهًا إذا لم يكن ثمة سبب يدعو إليه ويكون حرام لو علم إن طلق زوجته سيقع في الحرام. ويحرم الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه وهو ما يسمى بالطلاق البدعي ويدعو الإسلام إلى ضرورة الصبر والاحتمال لكل من الزوجين وأن تعمل التشريعات والإجراءات على تضييق أسباب الطلاق وتعقيد إجراءته.

أما الخلع فيكون من المرأة إذا أبغضت زوجها وأصابها النفور منه ولم تطق صبرًا على الإقامة معه كان لها الحق في الطلاق مقابل التنازل عن حقوقها المالية المترتبة على الطلاق. والخلع في الأصل أن يتم باتفاق الطرفين وإن تعسف الزوج, رفعت الزوجة أمرها إلى القاضي ليحكم بتطليقها طلاقا بائنًا.

ويختص الباب الرابع :

بحقوق الطفل وواجباته، وتشمل المبادئ التي تحكم أمور الطفل وهى تقوم على توازن حقوقه مع واجباته على وجه تتدرج فيه واجباته مع مراحل نموه العقلي والعمري حتى يصل إلى مرحلة المسئولية الكاملة ويضم هذا الباب حقوق الطفل كافة والتي تقابلها واجبات اجتماعية وأسرية سواء في الحقوق القانونية التي يحميها القضاء والحقوق التي تفرضها الدوافع الفطرية والدينية والاجتماعية أو الحقوق السابقة على تخلُّق الطفل جنينًا.

وتضمن فصول هذا الباب: العناية بالطفل منذ تخلُّقه جنينًا، والحريات والحقوق الإنسانية العامة وحقوق الأحوال الشخصية، وأهلية الطفل ومسئولياته الجنائية، وإحسان تربيته والحماية الكاملة من الإيذاء والمساس بالسمعة ومراعاة مصالحه الفضلى .

ومن هذه الحقوق حقوق أغفلتها مواثيق الطفل الدولية، منها حق الطفل جنينًا في الحياة والبقاء والمحافظة على حياته وتحريم إجهاضه وتجريم من يقوم بذلك إلا في حالة الخوف على حياة الأم، ومن هذه الحقوق التي أغفلتها مواثيق الطفل حق الطفل في أن يأتي من زواج شرعي والانتساب إلى والديه الحقيقيين حفظًا لكرامته ونسبه وصلاته العائلية.

ومن ذلك أيضًا ضرورة تلقي الطفل المعاملة الحانية المحققة لمصلحته، ومن هذه الحقوق أيضًا منح الجنين أهلية محدودة تحافظ له على حقوقه المالية التي تقرها له الشريعة الإسلامية مرهونة بميلاده حيًّا، وله أهلية وجوب منذ ميلاده حيًّا تثبت له منذ ميلاده حيًّا حقوقه المالية سالفة الذكر، وكذلك للطفل أهلية أداء للتصرف في حقوقه وأمواله مناطها الرشد العقلي ويندرج التمييز العقلي حسب المراحل العمرية المختلفة.

كما يتضمن هذا الباب الحث على تربية الطفل تربية متكاملة وتكليف الوالدين ومن يقوم مقامهما بتربيته على قواعد الإيمان وطاعة الله وبر الوالدين وصلة الأرحام والتسامح وغير ذلك من الآداب وأن يكونوا قدوة صالحة له مع تعميق شعوره بالمسئولية، وتربيته على العفة واتخاذ السبل والوسائل التى دعا إليها الشرع لتحقيق ذلك وتنمية وعيه بحقائق الوجود الكبرى :من خالق مدبر ,وكون مسخرللإنسان وإنسان صاحب رسالة وحياة إبتلاء في الدنيا تمهيد لحياة جزاء في الآخرة وإعداده لحياة تستشعر المسئوليةفي مجتمع يحافظ على قيمه الدينية والإنسانية .

والباب الخامس:

يشير هذا الباب إلى طبيعة الأسرة في الإسلام وهى أسرة ممتدة إلى شبكة واسعة من العلاقات كذوي القربى ورابطة النسب والمصاهرة وتتسع لتشمل المجتمع كله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً) [النساء:1]

ومن مظاهر العلاقات الأسرية الممتدة: التكافل الاجتماعي

وهو يقوم على مبدأين أساسيين، هما: تحقيق مصلحة الجماعة وتماسكها, والأخوة الإنسانية الشاملة والغرض من التكافل الاجتماعي هو توفير الحاجات الأساسية للناس من المأكل والمشرب والملبس والسكن وتحقيق الأمن والعفة بالزواج وتوفير حاجات الناس الأساسية تجعلهم يملكون حريتهم دون أن يكونوا مقيدين تحت قيد الحاجة الإنسانية.

والتكافل من العبادات المالية في الإسلام، ويتنوع ما بين الزكاة المفروضة والنفقة الواجبة والصدقة التطوعية أو حسب السبب الناشئ عنه هذه الحاجة إن كان مصلحة مشروعة أو قوة قاهرة أو تصرفات غير مشروعة, وتتسع الدائرة لتشمل المجتمع كله بنظام دقيق ليس له نظير حتى أُطلق على الإسلام بحق أنه دين الفقراء والمستضعفين وتعنى كتب الفقه الإسلامي بتفاصيله وأحكامه.

وتتسع دوائر التكافل في الإسلام في دوائر متماسكة الحلقات حتى تستوعب المجتمع كله, فتشمل التكافل المالي والمعنوي والاجتماعي بكل صوره بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الأسر وبعضها وبين الجماعة وأولي الأمر وله آليات عديدة لتحقيقه ما بين فردية وجماعية، وما بين إلزامية وما بين تطوعية.

والمجتمع الإسلامي يقوم على التعاون على البر والتقوى، والتكافل الاجتماعي من أهم صور البر إذ يحقق مصلحة للأمة بما يشيعه من ترابط بين أفراد المجتمع وبما يوفره من دعم قدرة الأفراد على الزواج وبناء الأسر.

ومن مظاهر العلاقات الأسرية الممتدة الاهتمام بصلة الأرحام:

ومعنى صلة الأرحام هى إسداء الخير والبر والمعروف وأداء الحقوق والواجبات والمندوبات لذوي القربى قبل غيرهم من سائر الناس وتشمل الأقربين من ذوي النسب والأصهار.

وصلة الأرحام واجبة في البر والخير والمعروف ورعاية الحقوق وأداء الواجبات والمندوبات، وتتقدم الأم على الأب وسائر الأرحام في الرعاية والاهتمام يقول تعالى:(وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنفال: من الآية 75]، وقطيعة صلة الرحم في الإسلام حرام باتفاق. يقول تعالى: (واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ)[النساء:1]، ودرجات الصلة تتفاوت بالنسبة للأقارب فهى في الوالدين أشد من المحارم، وفيهم أشد من غيرهم.

ومن مظاهر العلاقات الأسرية الممتدة في نظام التكافل النفقة:

والنفقة من أهم وسائل التكافل وهى معلمًا من معالم الأسرة الصغرى والكبرى في الإسلام ومنها نفقة الزوجة والأطفال والنفقة على الفقراء، ونفقة المرأة المطلقة والأرملة وغير المتزوجة فنفقتها واجبة على وليها أوابنها أو أبيها أو أخيها أو قرابتها وذلك إذا لم يكن لها مال أو عمل.

والولاية على النفس والمال من مظاهر التكافل في المجتمع الإسلامي:

وشرعت الولاية على النفس والمال والوصاية والقوامة حرصًا على مصلحة ومال شخص غير كامل الأهلية أو الرشد العقلي نتيجة لصغر سنه، أو عدم استقامة تصرفاته في أمواله، أو لانعدام أهليته أو نقصها؛ لأن المال قوام الحياة ويجب شرعًا حفظه وتنميته.

والميراث في الإسلام أيضًا من مظاهر التكافل في المجتمع الإسلامي:

والميراث ثابت بنصوص صريحة قطعية الثبوت والدلالة ومفصلة تفصيلاً دقيقًا أكثر من أي نظام دنيوي آخر. ونظام الميراث في الإسلام عادل ومتناسق مع الفطرة وواقع الحياة يوزع الأنصبة على قدر واجبات كل فرد في الأسرة فهو يراعي الفطرة، فيقدم الذرية في الإرث عن الأصول وبقية القرابة لأن الجيل الناشئ هو أداة امتداد وحفظ للجنس البشري ومع هذا فلم يحرم الأصول أو باقي القرابات, تبعًا لدرجة القربى ونظام الميراث يقوم على تفتيت الثروة المتجمعة على رأس كل جيل فلا تتكدس في أيدي قليلة، ثابتة كأن تجعل الميراث للولد الأكبر سنًا أو تحصره في عدد قليل.

وتخضع معايير توزيع أنصبة الميراث إلى ما يأتي:

1- درجة القرابة، فالأقرب يأخذ نصيبًا أكبر.

2-الالتزام بتكاليف مالية أكبر، كالأولاد في مستقبل حياته.

3- تفتيت الثروة وعدم تركيزها في يد واحدة.

4- الأنوثة والذكورة لا تدخل في معايير التوزيع.

5- العدالة بين الورثة، بتحقيق التوازن الدقيق بين التزامات الوارث المالية ونصيبه في الميراث والوصية إحدى وسائل التكافل الاجتماعي في الإسلام وهى حق لصاحب المال يوصي بثلثه  إلى من يشاء ممن تربطه به قرابة، أو مودة، أو يتدارك به تقصيرًا في دنياه أو ليزداد به مثوبة  عند الله.

ونظام الوقف في الإسلام من الوسائل التي تحقق التكافل والتآلف وإشاعة روح المودة والرحمة في المجتمع، ومعنى الوقف في الإسلام حبس المال عن التداول في حياة الواقف وبعد مماته بهدف التصدق بثماره ومنافعه في وجوه الخير وهو صدقة جارية تخدم النواحي الإنسانية وسد حاجة الفقراء والمعدمين كاللقطاء، واليتامى، والمقعدين، والعجزة، والعميان، ولتزويج الشباب، وللتعليم، ولتقديم ما يخص الرضع من حليب وسكر، وعلى السقايات والمطاعم الشعبية لتوزيع الطعام على الفقراء، ولمن لا يجدون سكنًا، وللمرافق، وللحيوان، وللجهاد، وللذرية، وغير ذلك من وسائل الخير في المجتمع.

ويلعب الوقف دورًا هامًا في تحقيق الإنجازات العلمية والحضارية في بلاد الإسلام فقد كان له دورٌ في نشر العلم والمعرفة بالوقف على المدارس والمساجد والمكتبات العامة والكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم وعلى طلبة العلم من غذاء ومسكن وغيرها, كما كان أيضًا من يوقف ماله على المراصد الفلكية ودور الحكمة والمستشفيات التعليمية لتعليم الطب والتمريض وتطوير علم الصيدلة والكيمياء وعلم النبات.

كذلك ساهم الوقف في حفظ مبادئ الإسلام ورقي المجتمع الإسلامي ونشر الإسلام والدعوة إليه ومقاومة عملية التبشير، والهدم الفكري والنفسي الموجه إلى بلاد الإسلام من أعدائها.

إن ميثاق الأسرة في الإسلام المستمد من القرآن الكريم، وسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والمهتدين به من علمائنا المبجلين ليس دستورًا لتنظيم شئون الأسرة في الإسلام فحسب، بل هو أيضًا وثيقة حقوق إنسان للمرأة تحافظ لها على كرامتها في أسرة تحميها وتكفيها راحتها وحاجتها دون بذل الجهد والسعي إلى العمل، إن هى أرادت ذلك وفي الأسرة تجد أمنها واستقرارها في حياة هادئة ورعاية من الآباء، أو الأزواج، أو الأرحام، هكذا هيء لها الإسلام.

وميثاق الأسرة في الإسلام دستور إلى كافة المؤسسات والمجتمعات يستهدف استقرارها ونمائها، وإشاعة روح الحب والتعاون بينها، وفي القلب منها مؤسسة الأسرة.

وأسأل الله عز وجل أن يهيئ للأمة الإسلامية كل الخير بهذا الميثاق وأن تعنى بتطبيقه على واقعها الاجتماعي والأسري وأن تمكن له في مجالاتها التعليمية والتشريعية, وأن يكون خطوة فعلية نحو توحيد مدونة في شئون الأسرة في العالم الإسلامي.

Comments