مفهوم الغير

من إعداد: ذ.يونس عينان
 
مفهوم الغير

 

المحاور:

 

             I.      وجود الغير

           II.      معرفة الغير

        III.      العلاقة مع الغير

 

تقديم عام:

 

إن الإنسان من حيث هو شخص لا يعيش في عزلة، بل إنه موجود ليعيش مع الأغيار. إن التأمل في مشاعر الإنسان و مواقفه مثل المحبة، الصداقة، الكراهية، التسامح... يدعونا إلى الانتباه إلى أهمية حضور الغير وإلى أن الوجود الإنساني لا يكتمل إلا باعتباره وجوداً علائقيا يفترض وجود ذوات إنسانية تتفاعل و تتواصل فيما بينها.

جاء في معجم أندري لالاند أن الغير " الغير هو آخر الأنا، منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا ، بل بوصفه أنا آخر"

ثم جاء على لسان رائد الفلسفة الوجودية في فرنسا جون بول سارتر (1905-1980) " الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا".

نستفيد من هذا التعريف أن مفهوم الغير يشير على الأنا الآخر الأنا الذي ليس أنا، غنه مطابق للذات و مختلف عنها، وعلى أساس هذه المفارقة في مفهوم الغير تتأسس الإشكاليات الفلسفية المرتبطة بهذا المفهوم و التي يمكن صياغتها في التساؤلات التالية:

Ø      هل يمثل وجود الغير تهديدا أم شرطا ضروريا لوجود الأنا؟

Ø      إذا كانت معرفة الذات تتشكل من خلال وعيها بذاتها، فكيف يمكن معرفة ذات أخرى؟ هل معرفة الغير ممكنة أم مستحيلة؟

Ø      ما طبيعة العلاقة التي تربط الأنا بالغير؟ هل هي علاقة صداقة و تكامل أم علاقة غرابة و تنافر و صراع؟ 

 

                              I.       وجود الغير

 

ماذا يمثل وجود الغير بالنسبة لوجود الذات؟ هل في وجود الغير إغناء أم تهديد لوجود الذات؟

 

Ø   تصور مارتن هايدغر

 

يبين الفيلسوف (الوجودي) الألماني مارتن هايدغر أن في وجود الغير تهديداً لكينونة الذات الخاصة، أما الوجود مع الأغيار يعمل على تذويب التمايزات بين الأنا و الغير إن الوجود المشترك مع الآخرين يزيف الوجود الأصيل للذات كوجود حر، ذلك أن الإنسان في إطار الحياة اليومية المشتركة التي تربطه بالغير يعيش على غرار ما يعيشه الناس ولا يعيش عيشته الذاتية الخاصة، فهو يجد نفسه تحت قبضة الغير و رحمته، يعمل كما يعمل الناس و يقيس الأمور بمقياسهم و يحكم على الأشياء كما يحكمون و باختصار يصبح نسخة من كائن بلا اسم "هو الناس". هكذا يعتبر هايدغر أن الوجود مع الغير في إطار الحياة المشتركة يفرغ الأنا من كينونته الخاصة و يفقده تميزه و خصوصيته و هويته كاختلاف.

 

Ø      تصور جون بول سارتر

 

إذا كان مارتن هايدغر قد اعتبر وجود الغير يشكل تهديداً و تذويبا لوجود الأنا و كينونته الخاصة. فإن الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر سيعتبر أن الغير بمثابة الشرط الضروري لوجود الذات وحصول وعيها بنفسها، إن الغير ليس شيئا، إنه أنا آخر وجوده يمثل جحيما بالنسبة لي، إذ أنه يحد من حريتي وأنا بدوري أحد من حريته. فبين الأنا و الغير صراع جدلي، إلا أن هذا الصراع صراع ضروري، إذ تعمل الذات من خلاله على تحقيق وجودها، و ادراك هذا الوجود كوجود حر..