يوم دراسي تحت شعار:

علم النفس المعرفـي
سيكولوجية الطفل ما بعد بياجي
 إعداد محمد الهيسـوفي   ولمبرد خالد
 
من أجل تحميل المقالة وأيضا وثائق توضيحية word  من هنا
                     
1- ما هو علم النفس المعرفي؟
2- أصول علم النفس المعرفي وعلاقته بالعلوم المعرفية:
1.2-  سيكولوجيا الجشطالت.
2.2-  علم النفس اللغوي: نموذج شومسكي.
3.2- البنائية التكوينية: نموذج بياجي.
4.2- الذكاء الاصطناعي.
5.2- الأنثروبولوجيا المعرفية.
6.2- الاتجاه البيوعصبي.
3- علم نفس الطفل من خلال المعرفية التعددية :
1.3-  رفض فرضية البنيات الكلية الكونية.
2.3-  لا خطية مسارات النمو وتعدد آليات الاشتغال الذهني.
3.3-  مرونة الهندسة الذهنية والكفاءة المبكرة للطفل.
4.3-  دور المطامعرفية.
4- ملحق

حركة الزمن دواليب تتحرك باستمرار نحو الأمام، ومع هذه الحركة قد يصبح كل جديد قديما. وتاريخ علم النفس في تطوره لم يخرج عن هذا القانون، بل يمكن اعتباره تاريخا لتعاقب مدارسه واتجاهاته، بحيث أن كل اتجاه جديد سعى إلى نسخ وتجاوز ما سبقه. ومن هذا المنظور تعتبر النزعة المعرفية بمثابة اتجاه سيكولوجي جديد حاول بسط سيطرته على مجال علم النفس.
فقد عرفت السيكولوجيا تطورات أحدثت تغيرات على مستوى العناصر الأساسية لبناء هذا العلم.
على مستوى الموضوع: من الروح إلى الشعور إلى السلوك إلى هندسة الذهن.
على مستوى المنهج: من التأمل إلى الاستبطان إلى الملاحظة والقياس إلى الحساب والتقييس.
على مستوى الاتجاه: من الفلسفة إلى الشعورية إلى السلوكية إلى المعرفي
1- ما هو علم النفس المعرفي؟
علم النفس المعرفي أحد اتجاهات علم النفس، موضوعه السيرورات والآليات العقلية الهادفة إلى الحصول على المعرفة.
تنصب المقاربة المعرفية في السيكولوجيا على دراسة السيرورات الذهنية والمعالجة المعرفية للمعلومات، من خلال التركيز على أربع مستويات هامة من المعالجة:
الاكتساب،
التخزين،
الاسترجاع،
الاستعمال.
سواء كانت هذه المعالجة معقدة مثل التعامل مع الذرة، أو بسيطة كتلك المتعلقة بكيفية تغيير عجلة السيارة.كما يهتم علم النفس المعرفي بكيفية تشغيل عمليات ذهنية متنوعة من قبيل الإدراك والفهم والذاكرة (cognition,1997 (
أما المعرفانية cognitivisme فالمقصود بها نوع من البراديغم العلمي الذي يتخذ من الذهن في معناه الواسع بما في ذلك الأفكار والتمثلات والمقاصد والذكريات والصور الموضوع الجوهري للسيكولوجيا (أحرشاو،2008، 7) هذا البراديغم يقوم على الفرضية التالية :" الإنسان في عمقه يشكل هو أيضا نوعا من الحاسوب" حيث إن ذهنه يشتغل تبعا لمبادئ الحاسوب.
والمعرفية إذ تماثل بين الحاسوب وذهن الإنسان فلكون هذا الأخير هو الآخر يستقبل المعلومات من المحيط ويعالجها ويعيد بناءها واستثمارها في حل المشكلات ( أحرشاو، 2008، 11)
من منظور السيكولوجيا المعرفية أضحى النشاط الذهني باعتباره معالجة معقدة للمعلومات  بديلا للسلوك الذي أصبح فقط أداة ونقطة انطلاق لبلوغ حقائق أبعد، وهي حقائق مفترضة غير مدركة بل مستنبطة مثل(التمثل، المعرفة، القصدية، الوعي...) وعكس السلوكية ذات النزعة التجزيئية فإن السيكولوجيا المعرفية توحد بين مختلف الوظائف النفسية من إدراك وذاكرة وتعلم لغة وذكاء، وتعتبر الإنسان كنظام لمعالجة المعلومات يحول المعلومات ذات طبيعة فيزيائية إلى معلومات ذات طبيعة تمثلية ذهنية.
لقد كانت الصورة الكلاسيكية التي قدمها عن نفسه عبارة عن حقل مجزأ إلى قطاعات من الأنشطة والوظائف، أما السيكولوجيا المعرفية فتميز بدورها في النشاط  الذهني بين عدة وظائف لكن تدرسه كنظام كلي موحد مترابط العناصر، وهذا التصور كان واردا من قبل عند الجشطالتية والتكوينية التي اعتبرت الذهن بنية ونسق منظم إلا أن هذه المعرفة البنيوية التكوينية لم تفسر اشتغال هذا النظام ولا الإجراءات التي يستخدمها في حين أن المعرفية تقدم مقاربة وظيفية للمعرفة إذ أن دراسة النشاط الذهني هي دراسة اشتغال هذا النظام المعرفي من فهم واستدلال وحل مشكلات و وضبط ومراقبة للأنشطة الذهنية ( أحرشاو، الزاهر، 2001)
2- أصول علم النفس المعرفي وعلاقته بالعلوم المعرفية:
1.2-  سيكولوجيا الجشطالت:
ظهرت مدرسة (الجشطالت) على يد ثلاثة من السيكولوجيين الألمان وهم كوهلر Kohler ،
فرتايمر Wertheimer،
كوفكا Koffka ،
وتعني كلمة Gestalt بالألمانية الكل المتكامل الأجزاء أو الشكل.
يعتقد أنصار مدرسة الجشطالت أن الظاهرة النفسية عبارة عن وحدة كلية وشكل منتظم وليس مجموعة من العناصر، كما يركزون على الوحدة الطبيعية للوظائف العقلية، ويقدمون أمثلة عديدة تؤكد أن إدراك الإنسان للواقع لا يتم بتحليل الأشياء إلى أجزاء، بل بإدراك هاته الأشياء ككل. فمثلا إدراك اللحن الموسيقي لا يتم عن طريق تحليله إلى نوبات، فإذا بعدت النوبات عن بعضها البعض بمسافة معينة فلا يمكن إدراك اللحن، فاللحن ليس الأصوات ( النوبات) بل إنه شيء آخر غير الأجزاء التي يتكون منها.
نفس الأمربالنسبة لإدراك الأشكال، فمثلا المثلث أو المستطيل يتكونان من خطوط، لكن صفة مثلث أو مستطيل غير موجودة في كل خط من هذه الخطوط، بل هي صفة ملتصقة بالمجموع الكلي لهذه الخطوط. وعلى هذا الأساس فالأجزاء تكتسب صفاتها من الكل، كما أن الكل ليس ترابطا لأجزاء.
وكانتقاد للسلوكية ترى الجشطالتية أن الإدراك ليس تسجيلا بسيطا للمعلومات الواردة داخل المثيرات بل هو استنتاج لما في البنية. فالإدراك لا يمكن مماثلته بآلة التصوير، ونحن لا ندرك كل ما نراه، إذ أن فردين أمام نفس الصورة يمكن أن يصدرا استجابتين مختلفتين (الغرضاف وآخرون، 1992) فإذا كان العالم السلوكي سكينر يعتبر أنه من الأهمية بمكان أن نسأل عددا من الناس ماذا تعني لهم لوحات معلقة على جدران إحدى المدارس حيث تكون الاستجابة المتوقعة هي (بالنسبة لي تذكرني بهولاندا) فإن ما لم يتوقعه سكينر هو أن استجابة آخر يمكن أن تكون ( أشعر أن اللوحة معلقة على نحو منخفض).
2.2- علم النفس اللغوي: نموذج شومسكي:
بخلاف مظاهر التبسيط التي اتسمت بها النظرية السلوكية خاصة في نسختها الكلاسيكية، فإن النظرية التوليدية مع نوام تشومسكي اتخذت من ظاهرة اللغة وعوامل اكتسابها الموضوع المعقد المتمثل في كفاءة المتكلم، هاته الكفاءة لا تنطبق على المتكلم الراشد الذي يمتلك جميع خصائص اللغة، بل تنطبق أيضا على المتكلم الطفل أيضا.
فالإنسان حسب تشومسكي لديه استعداد قبلي فطري لتعلم الصياغات النحوية والتراكيب اللغوية. واللغة هي نظام معقد من الرموز والمعاني ينتجها الفرد بطريقة فطرية خارج أية مراقبة واعية، وقد قدم تشومسكي مجموعة من الحجج منها:
 حجج من نوع بيولوجي: حيث إن الإنسان وحده هو الذي يكتسب اللغة لكونه يتوفر على استعداد فطري لهذا الاكتساب.
 حجج من نوع لساني مفادها أن معرفة لغة ما تعني أساسا معرفة بنياتها العميقة، وحيث إن هذه البنيات بخلاف البنيات السطحية غير قابلة للإدراك فإن اكتسابها لا يتم بشكل امبريقي، فالطفل يكتسبها دون مواجهتها على شكل مثيرات (أحرشاو، 1997)
يرى تشومسكي أن الكفاية اللغوية معرفة موجودة داخل دماغ كل متكلم للغته الأم، بمجرد امتلاكها تسمح له على نحو غير واع أن يفهم وينتج عددا غير محدود من الجمل الجديدة. فاللغة تنمو فينا بشكل طبيعي، والنموذج الذي يوضح نظرية شومسكي هو الحاسوب الذي سبقت برمجته ولم يعد بحاجة سوى إلى التوصيل الكهربائي (غاردنر،1998)
لقد انتهى تشومسكي بآرائه هاته، إلى أن اللسانيات نظام معرفي واحد من علم النفس المعرفي.
3.2- البنائية التكوينية: نموذج بياجيه
إذا كان الاتجاه اللساني الفطري اختزالا بيولوجيا، وإذا كان الاتجاه السلوكي اختزالا لعوامل التنشئة الاجتماعية، فإن بياجيه قدم تصورا بديلا يعرف بالاتجاه التكويني البنائي. هذا الاتجاه يسلم بوجود استعدادات ومؤهلات بيولوجية ذاتية تتطور نتيجة التفاعل والاحتكاك مع الموضوع ( الصراع المعرفي le conflit cognitif ) الشيء الذي يؤدي إلى إيجاد علاقة توافق و تكيف مع المحيط من خلال ما يسمى بالتوازن)  (JEAN-Marie Dolle,1988
 
يؤكد بياجيه أن المعارف ليست استجابات ترابطية بسيطة، وإنما انتظام وفق خطاطات ذهنية. فمعرفة موضوع ما، هي الفعل فيه من أجل تغييره، إنها استيعاب الواقع في بنية التحويلات، وهذه البنيات هي التي ينشئها الذكاء من حيث هو امتداد مباشر للفعل، وتنظيم للواقع على مستوى الفكر وليس نسخه.
لقد اعتمد بياجيه على مقاربة بنائية من خلال تتبع سيرورة تكوين المعارف عند الطفل التي تنمو وتنتقل من مستويات دنيا إلى مستويات عليا، هاته السيرورات النمائية تبدأ من الأفعال الحس- حركية الأولى إلى العمليات الأكثر تجريدا، وتقسم إلى أربعة مراحل:
• مرحلة الذكاء الحسي الحركي (من الولادة إلى سنتين):
يلاحظ أن الرضيع يمارس نشاطا حسيا حركيا، يتكون من خلال عمليتي الاستيعاب والتلاؤم مع المحيط دون القدرة على التمثل والتفكير، ولعل ما يميز أيص هذه المرحلة هو ذلك التمركز حول الذات. فبالنسبة لطفل هذه المرحلة لا وجود لمكان أو أشياء مستقلة عن ذاته. فكل المواضيع هي عبارة عن سلسلة من الأماكن غير المنسجمة والمتمركزة حول ذاته.
• مرحلة العمليات قبل الإجرائية ( 2 – 7 سنوات ):
تتميز بتكوين الوظيفة الرمزية الدلالية، وهذه الوظيفة تسمح بتمثيل الأشياء والأحداث غير المدركة عن طريق التذكر وبفعل الترميز.فالوظيفة الرمزية تمكن الذكاء الحسي الحركي من الامتداد ليصبح فكرا. وتنعت هذه المرحلة أيضا بمرحلة الذكاء الحدسي لأن الطفل يصدر أحكاما غالبا ما تأخذ بعين الاعتبار بعدا واحدا للموضوع  وتغفل أبعادا أخرى، وأطفال هذه المرحلة غير قادرين  على قلب أو عكس الأفعال عقليا. وتتميز هذه المرحلة بانسلاخ الأنا من مركزيتها بشكل أعمق، فبعدما كان الطفل أول الأمر يرجع كل شيء إلى جسمه هو، ينتهي به الأمر إلى تشكيل مجال زماني مكاني وسببي، بحيث لا يعود جسمه سوى شيء من أشياء أخرى متصلة بنسيج من العلاقات. (جان بياجي"علم النفس وفن التربية"-ترجمة محمد بردوزي-)
• مرحلة العمليات المشخصة ( 7- 12 سنة ):
يستطيع الأطفال في هاته المرحلة قلب الأفعال عقليا، لكن تفكيرهم العملياتي محدود بالأشياء الماثلة فعلا في الحاضر والتي يخبرونها على نحو عياني ملموس، ويمكن توضيح طبيعتها باكتساب الطفل لأنواع مختلفة من العمليات العقلية كالترتيب والتصنيف والانعكاسية والعلاقات والاعداد، لكن في ارتباط بما هو ملموس، لأن تفكير الأطفال لم يرق بعد إلى التعامل مع الفرضيات أو حل المشكلات بالتعميم والنقل من موقف لآخر أو استنتاج العلاقات النسبية بين الأشياء)  (Dolle,1988.
• مرحلة العمليات الصورية ( حوالي 12 سنة فما فوق)
يصبح المراهق في هذه المرحلة قادرا بشكل تلقائي  على التعامل مع الفرضيات والاستدلال عبر قضايا لغوية واستخدام الأدوات الذهنية دونما حاجة إلى ارتباطها بما هو واقعي، هذه المرحلة تشكل بداية التفكير الفرضي الاستنباطي والقدرة على اتخاذ القرارات بطريقة الاستقراء والاستنباط ومعالجة المشكلات بشكل قضوي ومنظم ونسقي.
4.2- الذكاء الاصطناعي.
لقد أحدث التطور في مجال الذكاء الاصطناعي ثورة في عدة مجالات من ضمنها السيكولوجيا المعرفية، حيث أصبح بإمكان الحاسوب أن يقوم بمجموعة من المهام، كلعب الشطرنج المبرمج، والقيام بعمليات استدلالية كانت فيما مضى حكرا على الإنسان. في نهاية الخمسينات قام هربرت سيمون Herbert Simon الباحث السيكولوجي الأمريكي رفقة معاونيه بمجموعة من الدراسات حيث توصلوا إلى نتائج من الأهمية بمكان في مجال دراسة الظواهر السيكولوجية وعلاقتها باستخدام الحاسوب.هاته البحوث مكنت فيما بعد من ظهور بعض النظريات المعرفية في السيكولوجيا، من ضمنها نظرية معالجة المعلومات.
ويمكن تحديد الذكاء الاصطناعي باعتباره يحيل أولا على الميدان الهندسي، وثانيا على ميدان المعرفة والبحث، ولا مراء أن الهدف الأساسي للذكاء الاصطناعي هو إنتاج أجهزة تقوم اصطناعيا بأنشطة ذكية ومعقدة، وتطوير برامج تمكن الحاسوب من حل المشاكل بالشكل الذي نلاحظه عند الإنسان، وبفضل الأبحاث في الذكاء الاصطناعي أضحى بإمكان الباحثين تمثيل الاشتغالات الذهنية للإنسان التي لم تكن قابلة للملاحظة المباشرة من قبل، وأصبح الدماغ بمثابة جهاز مادي من بين أجهزة أخرى كالحواسيب، وسمح ذلك بإظهار ما يميز خصوصية الذكاء الإنساني مقارنة مع الآلات ( cognition,1997,p :19-26)
5.2- الأنثروبولوجيا المعرفية.
بالنسبة للأنثروبولوجي الأمريكي Stephen Tyler  فإن الأنثروبولوجيا المعرفية تروم فهم مبادئ التنظيم التي تحكم الأشياء والتصرفات والانفعالات كظواهر ذهنية، بحيث إن الدراسة في هذا الحقل الجديد من البحث لا تنصب على هذه الظواهر في حد ذاتها، بل على كيفية إدراكها وتنظيمها في أذهان الناس ( Dortier نقلا عن أحرشاو،2005،ص:51)
فالأنثروبولوجيا المعرفية تدرس الكفاءات المعرفية التي تنتج بواسطتها المجتمعات الثقافة، وتحاول فهم الكيفية التي تصل بها هذه المجتمعات إلى تفييء وتصنيف الكائنات والأشياء في فئات محددة.
ففي دراستهما حول إدراك الألوان قارن Paul Kay وBernt Berlin أسماء الألوان المتداولة في مختلف الثقافات الأوربية والأمريكية والأفريقية والآسيوية، حيث استنتجا وجود مجموعة من أسماء الألوان تبعا لطبيعة اللغات وحياة القبائل والشعوب. حيث إن كل شعب يتوفر على لائحة غنية من ألوان بعينها، ولائحة فقيرة من باقي الألوان. فشعب الاسكيمو الذي يعيش باستمرار في بيئة جليدية، يختزن في معجمه اللغوي مجموعة كبيرة من أسماء اللون الأبيض، في حين أن هنود الأمازون يحتفظون في قاموسهم اللغوي بمجموعة من أسماء اللونين الأخضر والبني (أحرشاو،2005،ص:52) هذا يدل أنه ليس هنالك تفييء كوني واحد، بل إن التفييء والتصنيف على صعيد الألوان - مثلا- يختلف بحسب التغاير البينثقافي.
مثل هاته الأبحاث الأنثروبولوجية، ساهمت بشكل كبير في دعم السيكولوجيا المعرفية المعتمدة على البراديغم التعددي المنتقد للتصورات التي تقول بوجود بنيات ذهنية كونية يخضع لها كل الناس.فاختلاف التمثلات الثقافية دليل على أن الإنسان يتوفر على أنواع متعددة من الآليات المعرفية متصلة بنمط حياة الشغب الذي ينتمي إليه.
6.2- الاتجاه البيوعصبي.
عرف هذا الاتجاه تطورا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، خصوصا بعد التطور الذي عرفته الدراسات السيكولوجية في مجالي الدماغ والأعصاب، حيث انصب اهتمام الباحثين في هذا المجال على فهم علاقة السلوك البشري بالتكوين الفسيولوجي للفرد، والتغيرات التي تطرأ داخل الدماغ، ودور الجهاز العصبي والغدد. وقد ساهمت عوامل عدة في تطور هذا الاتجاه منها التقدم التكنولوجي في البيولوجيا والفسيولوجيا والطب والثورة العلمية في مجال كيمياء الدماغ، واستخدام التقنيات العلمية المتطورة في فحص الدماغ.
ففي مجال كيمياء الدماغ توصلت الأبحاث العلمية إلى وجود بعض المواد التي يفرزها الجسم، والتي لها تأثير كبير على سلوك الفرد. ومن بين هاته المواد نجد مادة اندروفين  Endrophins وهي مادة مخدرة ينتجها الدماغ، ولها أثر في التحويلات العصبية المساعدة على التخلص من الألم وضبط المزاج.
بالنسبة للاتجاه البيوعصبي فإن الدماغ البشري غاية في التعقيد، نظرا لتكونه من بلايين الخلايا العصبية، وفهم تصلافات الإنسان رهين فك طلاسم العلاقات التي تجمع هذه الخلايا العصبية.
ومن أجل تشخيص الاصطرابات الدماغية استخدم الباحثون في الاتجاه البيوعصبي الكثير من التقنيات العلمية المتطورة (الفحص الإشعاعي المحوري بواسطة الحاسوب - التصوير المغناطيسي الرنيني -  الفحص الاشعاعي الانبعاثي المعتمد على الجزيئات الالكترونية الموجية) هاته التقنيات وفرت معلومات وافرة عن نشاط الخلايا العصبية في مناطق محددة من الدماغ، الشيء الذي وفر للسيكولوجيا المعرفية الكثير من المعطيات حول العلبة السوداء للإنسان، والتي تلافى السلوكيون الاقتراب منها.
كما أدت هذه الأبحاث إلى فهم الكثير من المشاكل المتعلقة باصطراب الكلام، حيث ثبت أن الاختلال الذي يقع في منطقة بروكا Broca يؤثر على التلفظ بالكلام. أما التلف في منطقة ويرنيك Wernicke فيؤثر على جميع مظاهر الفهم اللغوي لكن الفرد يستطيع تركيب جمل بطريقة عادية (Dehaens-Lambertz,sciences cognitives,2003)
3- علم نفس الطفل من خلال المعرفية التعددية :
1.3  -  رفض فرضية البنيات الكلية الكونية.
لقد كان بياجيه يراهن على وجود بنيات ذهنية عامة ذات طبيعة منطقية وكان نمو الذكاء عنده خطيا تراكميا، بحكم ارتباطه تنظيميا بتتابع المراحل ليبلغ التقدم، وهذا ما يصطلح عليه بنموذج السلم le modèle d'escalier حيث إن كل درجة من درجات السلم يقابلها تقدم كبير في تكوين القدرات العقلية بدءا من الذكاء الحسي- الحركي إلى الذكاء الصوري القضوي، بحيث إن جميع أطفال العالم يمرون بنفس هده المراحل وبنفس التقطيع العمري الزمني، إلا أن هذا النموذج تعرض لانتقادات من طرف السيكولوجيا الجديدة(Houdé,2005)  التي لم تتمكن من إثبات وجود بنيات ذهنية عامة ذات طبيعة منطقية كما أوضح بياجيه أو بنيات نحوية كونية كما اعتقد تشومسكي(cognition,1999).وعلى هذا الأساس يدعو فيشر Ficher و ايموردينو يانغ Immordino-Yang إلى تجاوز جميع الدراسات النمائية التي ظلت وفية لأطروحة بياجيه، لأن هذا الأخير لم يقدم لنا جوابا مقنعا عن التباينات القائمة بين عدد من الأطفال ينتمون إلى نفس الفئة العمرية، في إنجازهم لنفس المهام ، كما أن نظريته لم تقدم تفسيرا لبعض الظواهر الملاحظة من قبيل نجاح الطفل في الاحتفاظ بمادة الشكولاطة وعدم توفقه في اختبار الاحتفاظ بمادة البلاستيك.وعلى هذا الأساس أصبح الحديث عن ذات نسبية محلية تتباين أنشطتها من ثقافة إلى أخرى ومن سياق إلى آخر عوض الحديث عن ذات إبستيمية منطقية كونية.
ومن بين العوامل والمتغيرات المؤثرة في النمو من منظور السيكولوجيا المعرفية القائمة على البراديغم التعددي نجد ما يلي:
 متغيرات بين-فردية: رغم التشابه الملاحظ بين أطفال نفس المرحلة العمرية فإن ذلك لا ينفي وجود اختلافات فيما بينهم في طبيعة استراتيجياتهم المعرفية.
 متغيرات ضمن-فردية: نفس الطفل غير محكوم بنفس الإيقاع النمائي ولا ينهج نفس أسلوب الاشتغال المعرفي، فتمكن الطفل من سيرورات التفييء المنطقي لا يتزامن بالضرورة مع تمكنه من سيرورات معرفية أخرى كالاحتفاظ والترتيب واللغة.
 متغيرات بين-سياقية: يوجد تباين في الأنشطة الذهنية للأطفال بحسب نوعية السياق والوضعية وطبيعة المهام التي يواجهونها.
 متغيرات بين-ثقافية: أثبتت الدراسات السيكولوجية الحديثة أن الأطفال المنتمين إلى ثقافات مختلفة لا ينجزون بالضرورة مهمة ما، باستخدام نفس الاستراتيجيات المعرفية  المعتمدة من طرف الطفل الغربي، وغير محكومين بنفس المسار النمائي الذي يمر منه هذا الأخير ( خباش،2004)
2.3- لا خطية مسارات النمو وتعدد آليات الاشتغال الذهني.
تنظر المعرفية التعددية إلى المسار النمائي كمسار متنوع الأطوار والآليات، ومتعدد السيرورات، سواء بالاعتماد على التحليل الميكرونمائي أو الماكرونمتئي، حيث أثبتت العديد من الدراسات أن النمو المعرفي ليس استبدالا واختزالا شموليا لبنيات سابقة بأخرى جديدة وفقا لمسار نمائي واحد، بل متشعب في مسالكه (Lautrey,1991) يعرف أحيانا التواءات وانعراجات عن طريق تعلم الأطفال الصغار آلية كف Inhibition الاستراتيجيات الإدراكية غير المناسبة، وتكوين نظريات حول الطريقة التي يفكرون بها، والطريقة التي يفكر بها الآخرون من حولهم ( Houdé,2005)
أما حسب سيكلرSiegler  فيمكن تشبيه نمو المعارف والاستراتيجيات بالموجات المتشابكة، فمع التقدم في العمر وتنوع خبرات الأطفال تتباين استراتيجياتهم، حيث أن استراتيجية يعتمدها الطفل في سن مبكرة تصبح أقل تداولا في حين تظهر استراتيجيات جديدة تكون أكثر حضورا ومنها ما يظل حضورها ضعيفا، بينما تعرف أخرى تذبذبا بين الظهور القوي والانحدار المفاجئ (خباش،2004)
 
نموذج تنافس الاستراتيجيات الذهنية عند سيكلر Siegler
حيث يؤكد سيكلرSiegler  أن الطفل يتوفر على عدد من الاستعدادات الاستراتيجية الذهنية المختلفة والمتنافسة، فالطفل يقوم بالتقدير والعد، بالاستعانة بأصابع اليد، أو إيجاد النتيجة عن طريق الذاكرة بخلاف نموذج السلم لبياجيه، حيث ينتقل الطفل بشكل فجائي من مرحلة إلى أخرى وبالتالي فبالنسبة لـ  Siegler فإن كل استراتيجية ذهنية أشبه بموجة تقترب من الضفة مع العديد من الأمواج لحل المشكل الحسابي، والطفل من خلال اكتسابه للتجربة يتعلم كيف يختار هذه الطريقة أو تلك للوصول إلى الحل ( أحرشاو وآخرون،2008)
3.3-  مرونة الهندسة الذهنية والكفاءة المبكرة للطفل.
في الوقت الذي اعتبر بياجيه الطفل الصغير مجرد كائن حسي حركي فإن الدراسات التي تمت مؤخرا كشفت عن امتلاكه لكفاءات متنوعة ذات طبيعة مجردة (Vaillé,2005)" وذلك من قبيل:
 قدرة الطفل على التفييء الصنافي: فقد توصلت الدراسات في السيكولوجيا المعرفية التعددية إلى أن الطفل بدءا من شهره التاسع يستطيع تفييء موضوعات تنتمي إلى ميادين مختلفة (حيوانات، نباتات، أدوات منزلية) فالطفل يرفض تعميم فعل شرب الماء على السيارة ويقبل تعميمه على الأرنب أو القط،  وهذا دليل على قدرته على تمييز صنف الحيوان عن باقي الأصناف ( Mandler نقلا عن خباش 2004).
 يمتلك الأطفال منذ شهرهم السادس كفاءة حسابية مبكرة تجعل منهم أطفالا فلكيين يستطيعون اكتشاف الكون بأذهانهم في سن مبكرة، ويستطيعون إنجاز عمليات رياضية تتجاوز الذكاء الحسي الحركي الذي تحدث عنه بياجيه.
 قدرة الطفل الصغير على التمييز بين الكلمة واللاكلمة، والقدرة على إدراك العلاقة الاعتباطية القائمة بين الكلمة ومرجعها، وذلك إذا ما وضعناه في وضعيات لسانية ملائمة (خباش2004)
حيث يمتلك الطفل بشكل مبكر نظامين لمعالجة المعارف، الأول مفهومي مجرد والثاني امبريقي واقعي( Astolfi 2008).
هذا النظام المعرفي يتميز بنوع من المرونة المعرفية التي تترجم إلى إمكانية تعميم معارفه وتصوراته على عدد من الميادين، ولتبيان طرائق اشتغاله يلجأ العلماء إلى مواجهة الطفل بوضعيات مشكلة غير مألوفة تحرجه معرفيا وتدعوه لاستحضار إجراءات ذهنية واستراتيجيات معرفية سبق ان اعتمدها لكن في سياقات وميادين أخرى.
4.3-  دور المطامعرفية.
تعرف المطامعرفية باعتبارها مجموع المعارف التي يملكها الفرد حول نظامه المعرفي الخاص، وبالمراقبة والضبط الذي يمارسه على هذا النظام. وقد أجريت أول الأبحاث على الذاكرة وتوسعت بعد ذلك لتشمل الفهم والتواصل والتعلم، فأصبح الحديث يدور حول مطافهم، مطاتواصل، مطاتعلم.بل تعدى ذلك ليدل على كل نظرية ساذجة حول الذهن، وللمطامعرفية أهمية بالغة في التمييز في السيرورات السيكولوجية بين العمليات المعرفية المتعلقة بتمثلات أشياء العالم الخارجي/الداخلي و العمليات الماوراء معرفية المتعلقة بتمثلات هذه العمليات المعرفية نفسها (Vergnaud et autres 1994).
وإذا كان بياجيه يراهن على سيرورة الانتقال من المعارف الملموسة إلى المعارف المجردة فإن المطامعرفية مع كرميلوف سميث Karmilof-smith  و فلافل Flavell تتأسس على فرضية الانتقال من المعارف إلى المطامعارف (أحرشاو،الزاهر،2001)
وقد ميز فلافل Flavell بين ثلاث أنواع من المطامعارف: مطامعرفية خاصة بالأشخاص،كأن يقول الفرد: لدي ذاكرة جيد، ومطامعرفية تابعة للمهام(مثال: يمكن أن نعرف أن قراءة نص يتعلق بميدان لا نعرفه جيدا يتطلب وقتا أكثر مما يتطلبه نص يتعلق بميدان مألوف)، ومطامعرفية تابعة للاستراتيجيات تتمثل في قيادة ومراقبة الاستراتيجيات المعرفية والإجراءات الخاصة المطبقة في حل مشكل ما.
و أثبتت التجارب السيكولوجية أن الأطفال المتوفرين على مطامعرفية مرتفعة وقدرات ذهنية ضعيفة يحلون مشاكل في مستوى عمرهم بسرعة أكبر من التلاميذ الذين يتوفرون على قدرات ذهنية مرتفعة ومطامعرفية ضعيفة رغم أنهم كلهم يستعملون نفس الاستراتيجية.
لقد اتجهت المطامعرفية نحو إثبات أن الإنسان كنظام لمعالجة المعلومات، يحول المعلومات ذات الطبيعة الفيزيائية إلى معلومات ذات طبيعة تمثلية ذهنية، وما يختزنه ذهن الإنسان ليس هذا الإنتاج وحده، بل كذلك النشاط الذهني الذي أدى إلى هذا الإنتاج، وهذا ما يفسر لنا أن تعلم الإنسان لا يكمن فقط في إضافة معارف جديدة(كم) بل يتعدى ذلك إلى تنظيم وتشكيل هذه المعارف في بنيات(كيف) على شكل خطاطات إجرائية ونماذج ذهنية تفييئية(علوي،2003) تساعده على استخدام استراتيجياته استخداما دقيقا بحسب خصوصية المهام، وطبيعة المشكلات التي تواجهه.
المراجع:
 أحرشاو الغالي(2005)"العلم والثقافة والتربية"الرباط، منشورات مجلة علوم التربية.
 أحرشاو الغالي، الزاهر أحمد(2001)"التمدرس واكتساب المعارف عند الطفل" البحرين، مجلة العلوم التربوية والنفسية:1
 أحرشاو الغالي وآخرون(2008)"سيكولوجية الطفل- مقاربة معرفية-" مطبعة النجاح الجديدة.
 أحرشاو الغالي(1997)"الطفل واكتساب اللغة"الرباط، مجلة علوم التربية، ع14.
 جان بياجي"علم النفس وفن التربية"(ترجمة محمد بردوزي)1986الدار البيضاء، دار توبقال للنشر.
 هاورد غاردنر(1998)"طبيعة اللغة والفكر، مواجهة بين شومسكي وبياجي"(ترجمة أحمد أوزي) الرباط، مجلة علوم التربية، ع 14.
 هشام خباش(2004)"استراتيجيات التفييء التعددي ونظرية الطفل الذهنية حول الكلمة" أطروحة لنيل الدكتوراه في علم النفس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس.
 علوي إسماعيل(2004)" نمو التمثلات المطادلالية للجملة عند الطفل" أطروحة لنيل الدكتوراه في علم النفس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس.
 جماعي(1992)"في طرق وتقنيات التعليم-من أسس المعرفة إلى أساليب تدريسها" الدار البيضاء، سلسلة علوم التربية، عدد 7.
• Jean Pierre Astolfi (2008)"la saveur du savoir" ESF Editeur.
• Gerard Vergnaud et autres (1994)"Apprentissages et didactiques, ou en est-on?" Paris, Hachette éducation.
• Heléne Vaillé(2005)"l'intelligence de l'enfant: les théories actuelles "Sciences humaines,NO164.
• JEAN-Marie Dolle(1988)"pour comprendre Jean Piaget"  Toulouse, Pensée Privat.
• Olivier Houdé(2005)"la psychologie de l'enfant"Puf,Que sais-je.
• Collectif "cognition" (1997) revue internationale en science cognitives et traduction. NO1.
• Collectif "cognition" (1999) revue internationale en science cognitives et traduction. NO2/3.
• Dehaens-Lambertz (2003)" la science cognitives:mieux comprendre le cerveau en développement" Sciences cognitives.
 
من الدراسات السلوكية - السلوك الخارجي ...إلى دراسة العمليات الداخلية المعرفية في علم النفس المعرفي
علم النفس المعرفي، الاهتمام والمهام:
يعتبر علم النفس المعرفي ذلك المجال العلمي المتخصص في علم النفس والذي يدرس المعرفة cognition[34]. ولقد جاء علم النفس المعرفي خلال العقود الأخيرة ينطوي على موقف منهجي ونظري أكثر اعتدالا عن ذلك الموقف الذي كان يمثل نموذج الاشتغال العلمي الصارم لسنوات 50 و60[35]، وهو بالخصوص النموذج التجريبي الإمبريقي.
أما بالنسبة إلى بدايات تشكل المجال الجديد وقيام المشروع العلمي فيه، فإن الأمر يرتبط بحدث نشر العالم أولريك نيسر U.Neisser لمؤلفه علم النفس المعرفي Cognitive psychology سنة 1967[36] (الذي يعتبره البعض بمثابة حجر الزاوية في التاريخ الحديث لعلم النفس)[37]. إذ سيبرز علم النفس المعرفي بكونه توجه جديد لعلم النفس نحو دراسة النشاطات الداخلية للفرد، العقلية منها بالأساس، وذلك في تقابل مع النشاطات الخارجية الخاضعة للملاحظة المباشرة، وهي النشاطات التي شكلت كلاسيكيا معنى للسلوك[38].
من هذا المنطلق إذن، سيتجه النظر إلى الدور الإيجابي النشط والفعال للفرد في تفاعله وتعاطيه مع المثيرات الداخلية والخارجية، والتي يتم التعبير عنها بالمعلومات. إنه نشاط يقوم به الفرد من خلال عمليات التجهيز والتدبير والمعالجة لهذه المعلومات، على اعتبار أن الفرد بخصوص هذه العمليات هو بمثابة أداة ذاتية النشاط والفعالية[39]. لما لهذه العمليات من أهمية في حياة الإنسان بشكل عام.
في هذا السياق، فإن منظور علم النفس المعرفي يقوم على افتراض أساس مفاده أن السلوك هو نتاج لكم المعرفة ونوعها وتنظيم هذه المعرفة تنظيما ذاتيا أو موضوعيا ونظام سيرورة المعلومات لدى الفرد واستراتيجياته المعرفية والتي تحمل أهم خصائص التناول المعرفي[40].
تبعا لهذا الافتراض يكون الفرد هو عبارة عن نسق من معالجة المعلومات الذي يحول المعلومات ذات طبيعة مادية إلى معلومات ذات طبيعة ذهنية أو تصورية[41]. ومن ثم فالسلوك تكون له إذن، أسباب عقلية، أي أنه بالنسبة إلى المنظور المعرفي هناك سببية مباشرة بين الحالة الذهنية والسلوك، وهذه السببية هي التي يتعلق الأمر بدراستها[42] وإعطائها الاهتمام المناسب.
الفكرة المحورية بالنسبة إلى هذا المنظور[43]، تفيد بأن الإنسان يمتلك خاصية فريدة حيث تسمح له بفحص المضامين والدلالات الذهنية بكيفية استبطانية[44]. فالإنسان تبعا لذلك يساهم في تفسير التصرفات والسلوكات من منطلق دينامية ذاتية داخلية.
بالنسبة إلى الموقف العلمي إذن، فإنه من الممكن تفسير سلوكات الفرد وفق طريقتين: سواء بإثارة الحالات الذهنية أو بإبراز تأثير تعزيزات وإشراطات المحيط الخارجي. هاتين الطريقتين من الواضح أنها شكلت القاعدة التي انبنت عليها مقاربتين ستسودان في دراسة سيكولوجية الأفراد: سيكولوجية تعتمد التفسير من الداخل وسيكولوجية تعتمد التفسير من الخارج[45]. إنها بمثابة ثنائية التصقت بمجال علم النفس عبر مختلف المحطات التاريخية، حيث طبعت هذا المجال بنوع من المد والجزر.
علم النفس المعرفي كما يظهر من خلال التوجه الذي أراده له مؤسسوه والداعين إلى إقراره وأيضا من خلال شروط تاريخية للنظر والممارسة العلمية، نشأ كرد فعل على علم النفس الذي كان تحت هيمنة السلوكية Béhaviorisme، وعلى الخصوص فيما يطرحه ويدعو إليه منظور هذه الأخيرة عند تحليل السلوك وتفسيره بأن هناك حدودا لا يمكن تجاوزها. على أساس أن علم النفس بحسب هذا الاتجاه تنحصر مهمته في كونه لا يجب أن يهتم بدراسة الشعور أو الوعي، ولكن الاهتمام بدراسة السلوك ذاته الصادر عن الأفراد والذي يمكن ملاحظته وقياسه باستخدام الطرق الموضوعية، كما أن منظورها من حيث التقليد العلمي الذي أرسته يرتكز على دراسة السلوك comportement في ضوء مجموعة المثيرات والاستجابات التي ترتبط بالمواقف السلوكية للفرد، وليس النظر إلى علم النفس على أنه علم دراسة للصور والأفكار التي تدور في عقل الفرد. إن السلوكية وفق هذا المسعى إذن، تهتم بالأحداث والوقائع الملاحظة، أي ما يقوم به الإنسان أو يفعله خلال تفاعله المستمر مع البيئة. ومن هذا المنطلق فإن السلوك يمكن تناوله علميا من خلال معادلة المثير والاستجابة.
لقد كان العلماء والباحثون الذين ليسوا على اتفاق مع السلوكية أو أولئك الذين خيبتهم هذه الأخيرة، يتحدثون قليلا وبحذر (أو لا يتحدثون مطلقا) عن العقل والعمليات المعرفية أو الأنشطة العقلية المشابهة[46]، وذلك لأن السلوكية حرمت التفكير في تلك الموضوعات، كما عملت على محاربة وإقصاء أي شكل من أشكال الاهتمام بتلك الموضوعات والقضايا. إذ عالج السلوكيون الناس وكأنهم عبارة عن "صناديق سوداء" يمكن فهمها ببساطة فقط من خلال معالجة وقياس المثيرات الداخلة فيها والاستجابات الخارجة منها.
أما تمرد علماء النفس الذين سيؤسسون لما سيعرف بعلم النفس المعرفي على النموذج السلوكي، فهو للتأكيد على أن علماء النفس يجب أن يصلوا إلى فهم ما يجري داخل "الصندوق الأسود"، وبصفة خاصة العمليات العقلية[47].
لقد أتى علم النفس المعرفي إذن، للتأكيد على أهمية الظواهر والوقائع التي تحصل بين المثير والاستجابة، أي تلك العمليات والسيرورات العقلية التي تكون فاعلة على مستوى الصلة بين المثير والاستجابة، حيث يكون لها دور مهم إن لم يكن جوهري في الدلالة على فعل ونشاط الإنسان. وبذلك يتطلب الأمر الأخذ بالاعتبار عدد من المتغيرات والعوامل الوسيطة التي تسمح بتحويل معادلة المثير والاستجابة من طابعها الميكانيكي والتقليدي إلى معادلة حيوية ونشطة تتمثل في المعالجة Traitement. في هذا السياق أيضا سيأتي اعتماد مفهوم المعلومة[48] ليأخذ مكان مفهوم المثير الذي لم يعد يفي بالغرض، إذ صار مفهوم المعلومة بمثابة مفهوم أساسي في علم النفس المعرفي. أما النشاط العقلي لدى الإنسان، وهذا هو المقصد بالنسبة إلى المنظور الجديد، فإنه يعمل على تدبير ومعالجة هذه المعلومة لتحويلها إلى أشكال ومظاهر سلوكية[49] يتحقق من خلالها التفاعل والتوافق مع البيئة.
هكذا يتبين أن تعارض علم النفس السلوكي، أي علم النفس ذي الاتجاه السلوكي وكل مقاربة سيكولوجية تتناول العمليات العقلية هو أساسا تعارض بين المفاهيم المتعلقة بالسلوك وتلك التي تفيد ما هو عقلي معرفي[50].
لا شك أنه من أجل فهم طبيعة التجديد العلمي الذي حصل مع علم النفس المعرفي، لا بد من "وضعه في سياق دينامية البناء المفهومية المسترسلة، وعند ذلك لا يمكن الحديث عن اكتشاف علمي كحدث منعزل يتم في لحظة محددة بتدقيق وفي استقلال عن ذلك السياق"[51]. على هذا الأساس فإن قيام علم النفس المعرفي لم يحدث دفعة واحدة أو بكيفية منعزلة، حيث إن هناك مجموعة من الشروط التاريخية والفكرية التي كانت بمثابة عوامل مهيئة مؤطرة لما سيؤول عليه الأمر حاليا. بطبيعة الحال مع الأخذ بالاعتبار تلك الشروط العامة التي صاحبت قيام العلوم المعرفية.
وهكذا فإنه يمكن قراءة بروز هذا المجال السيكولوجي ضمن سياق تاريخي يتوزع على أربعة مراحل[52]، وهو سياق طبع التطور من علم النفس العام إلى علم النفس المعرفي، كما أنه يعكس جدلية نوعية في مسار علم النفس بشكل عام.
ـ المرحلة الأولى: تقترن باستقلال وانطلاق السيكولوجيا العلمية، وتميزت من خلال ما كان متاحا من دراسات تتعلق بالملكات والقدرات العقلية، كما أن الاهتمام اتجه إلى دراسة الإدراك الحسي مع اعتماد المنهج الموضوعي والإبقاء أيضا على منهج الاستبطان، إنها مرحلة نشطت خلالها حركة القياس العقلي ومحورها الأساسي الذكاء.
ـ المرحلة الثانية: تميزت باكتساح الاتجاه السلوكي لمجال علم النفس، وقد تمحورت الدراسات فيها حول التعلم والكشف عن العمليات التي تتحكم في اكتساب وصيرورة السلوك، مثل الإشراط والتعزيز باعتبارها عمليات تلعب دورا أساسيا في تحقيق توافق الفرد. هذه المرحلة شهدت أيضا قيام مدرسة الجشطلت Gestalt التي عارضت بشدة أطروحات السلوكية وانتصبت كمنافس قوي سواء على مستوى المنظور أو المقاربة، حيث أبرزت الطابع الكلي في تفسير السلوك على حساب الطابع التجزيئي. الجشطلت سعت إلى جعل الإدراك بمثابة الموضوع المركزي بالنسبة إلى علم النفس. كما ألحت هذه المدرسة على النظر إلى كل من الشعور والحياة العقلية من أجل فهم سيكولوجية الإنسان.
ـ المرحلة الثالثة: ستشكل منعطفا مهما في تطور علم النفس، حيث ستطبعها نشأة الاتجاه المعرفي. وهو اتجاه قام على معارضة ومواجهة أطروحات السلوكية بكيفية رئيسية، وقد انبنى في البداية من روافد متعددة تتجلى في تيارات ثلاثة[53]:
1-تيار ركز على البنيات العقلية: ومن مكوناته نظريات الجشطلت وبياجي وتشومسكي. فبالنسبة إلى الجشطلت أنها أولت أهمية بالغة للعمليات العقلية في النشاط الذهني، وجعلت النظر إلى الحياة العقلية باعتبارها أنساقا وأنظمة. فيما يتعلق بأعمال بياجي، كانت تندرج تحت تسمية "علم النفس المعرفي"، وهي الأعمال التي أنتجت نظرية قوية ومتكاملة حول النمو العقلي والمعرفي. أما تشومسكي فإنجازه في مجال اللسانيات التوليدية والتحويلية سيفيد قطاعات مهما في النشاط العقلي والذي هو قطاع اللغة.
2-تيار يعتبر أن النشاط العقلي هو نشاط يتمثل في معالجة المعلومات، وأن المعرفة تتحدد من خلال هذه المعالجة. وهذا الطرح نشأ على شاكلة تقابل بين العمليات التي يقوم بها الحاسوب من جهة والإنسان من جهة ثانية، أي بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني وذلك من حيث القدرة على معالجة المعلومات. ثم إن هذا التيار سيطبع بقوة مجال علم النفس المعرفي المعاصر.
3-تيار أخير ركز على دراسة الطريقة التي يعالج ويدبر بها الإنسان مختلف المعلومات وذلك من وجهة تجريبية، أي من خلال تجارب مختبرية وأبحاث أساسية دقيقة. فالاهتمام هنا اتجه إلى عمليات الانتباه من حيث الإمكانات والطاقة والمحدودية التي تتوفر عليها الذاكرة في اشتغالها.
لقد لعبت هذه التيارات دورا مهما في قيام الاتجاه المعرفي، وأسست الرصيد الفكري والعلمي لما سيكون عليه هذا الاتجاه[54]، بل أيضا الأرضية والأساس لما ستتشكل منه إلى حد ما العلوم المعرفية لاحقا.
ـ المرحلة الرابعة: تعتبر مرحلة متقدمة فيما يخص الاتجاه المعرفي، وستنشط خلالها العلوم المعرفية بفعالية كبيرة، الأمر الذي سيعزز من مركز علم النفس المعرفي. ستتعمق دراسة معالجة المعلومات سواء الرمزية أو غيرها، وذلك بتناولها على مستوى التمثلات المعرفية ومن خلال عمليات الفهم والاستدلال والتأويل. تميزت هذه المرحلة إذن، بدراسة وتحليل أشكال الاشتغال المعرفي للعقل الإنساني. إلى جانب إعطاء أهمية للاستبطان كطريقة تفيد في الكشف عن عدد من الوقائع التي لها حضور معين في هذا الاشتغال. وبذلك تسجل عودة إلى اهتمامات مؤسسي علم النفس خلال أواخر القرن 19، خاصة فيما يتعلق بالنشاط الذهني[55].
يتبين من خلال هذه النبذة حول المراحل التي طبعت السياق التاريخي لنشأة وتطور علم النفس المعرفي، بعض العوامل المؤثرة، والتي ستشكل منعطفا هاما بالنسبة إلى مجموع حقل علم النفس، وبخاصة فيما يتعلق بمجال الممارسة العلمية والاشتغال النظري[56]، لدرجة سيحل معها إقرار مفاده أن علم النفس من دون علم النفس المعرفي أصبح شيئا لا يمكن تصوره في الوقت الحالي[57].
يرتكز الاهتمام في علم النفس المعرفي، كما تتم صياغته في الفترة الراهنة وحسب مشروعه العلمي، على السعي نحو فهم وتبيان النشاطات العقلية التي يقوم بها فرد معين باعتباره بمثابة فاعل acteur (وليس مجرد مستجيب) وذلك من أجل تحقيق توافقه مع المواقف والظروف التي يواجهها[58]. وهذه النشاطات وما تعكسه من عمليات تتراوح من البسيط إلى المعقد، وبالتالي فالمسألة تمتد بالنسبة إلى الاشتغال العلمي إلى طرح نماذج والبرمجة لتعلم الفرد وإكسابه مهارات كاستثمار للنشاطات العقلية المختلفة. ومن ثمة فما هو سيكولوجي وذهني هو نوع السلوكات المدروسة. إنها تلك التي تسمح بالمعارف[59]، أو بتجسيد وتشكيل وتصريف هذه المعارف.
إن مواقف المراجعة وإعادة النظر الأساسية التي أدت إلى نوع من الإفلاس بخصوص النظريات التفسيرية التي كانت السلوكية تمثل النموذج القاعدة كما يبدو من خلال السياق التاريخي وجدلية الصيرورة بالنسبة إلى العلم السيكولوجي، يبقى المحرك الرئيسي لها والأكثر تمثيلية في الاشتغال العلمي هو الاتجاه المعرفي[60]. وهو الاتجاه الذي شكل منظورا جديدا في علم النفس. تجلت هذه المواقف إذن، في الاهتمام بالإشكاليات المتعلقة بالأنطولوجيا وبالإبستمولوجيا الأساسية لعلم النفس. بمعنى أنه على المستوى الأنطولوجي يتم الانتقال من الصيغة التي تعتبر علم النفس هو علم السلوك[61] وذلك في اتجاه التجاوز، بحيث إن النشاط العقلي هو الذي يجب أن يكون محط الاهتمام، ومن ثم فإن علم النفس ضمن هذا التصور يهدف إلى أن يكون علما لما هو موجود أو يقع خلف السلوكات الظاهرة. على المستوى الإبستمولوجي فعلم النفس المعرفي يطرح باعتباره بمثابة توجه إبستمولوجي يتعلق بموضوع علم النفس ذاته[62].
بيد أن نوعية هذه الاهتمامات والمشروع العلمي الذي أسست له، لم تمنع من كون كثير من الباحثين والدارسين يرون أن أهم الصعوبات التي تواجه البحث في هذا المجال تتمثل في أن كافة العمليات المعرفية كوقائع وسيرورات تبقى غير محسوسة وغير مرئية[63]. والحال أنها من الإشكاليات التي تطرح سواء بصيغة أو بأخرى، بحيث تقترن بها مساءلات من قبيل ما إذا كانت معرفة هذه الوقائع ممكنة وقابلة للتحقق، باعتبار أن الملاحظة التي تفترض وجود هذه الوقائع تظل عمليا متعذرة، وهو الأمر الذي كان يرفضه ويعترض عليه الاتجاه السلوكي[64]. أي أن كل ما يرتبط بالفرد وتستحيل ملاحظته، فإنه لا يرقى إلى موضوع المساءلة العلمية. بطبيعة الحال، فالطرح المعرفي لا يتقيد بهذا الموقف، حيث إنه سيستأنس بطريقة الاستبطان في سبيل البيان ومن أجل محاولة التغلب على مثل تلك الصعوبات، ولكن من دون الاستسلام لإغراءات هذه الطريقة[65]. إذ إنه، بحسب هذا الطرح، يمكن للاستبطان إلى جانب التجارب التي يجريها علماء النفس على الأفراد، أن يؤدي إلى نتائج قيمة تفيد بما يمكن للعقل الإنساني أن يحتفظ به بسهولة، وكذلك أي استنتاجات يمكن أن يخرج بها العقل الإنساني[66].
من نتائج النقلة النوعية التي حصلت مع العلوم المعرفية سواء على المستوى العلمي أو على المستوى الإبستمولوجي، أن المحور النظري في علم النفس المعرفي سينتقل من مفهوم السلوك المرتبط بالسلوكية وبالتراث المفاهيمي الذي صار كلاسيكيا إلى مفهوم المعرفة ومرفقاته من الأدوات المفاهيمية الجديدة. ذلك أن مجال علم النفس المعرفي ستحصل ضمنه قناعة مفادها أن العلم السيكولوجي بفعل التقدم الحاصل ومستويات النظر والاشتغال لا يجب أن ينحصر في معالجة الظواهر والسيرورات النفسية أو العقلية من حيث العلائق والروابط بالوقائع الخاضعة للملاحظة، ولكن ضرورة التوسع في الاهتمام بالوقائع الغير خاضعة للملاحظة والعمليات المفترضة من مثل: التمثل والاعتقاد والقصدية والوعي أو الشعور. إنها تلك العمليات التي لا يمكن تقديم فهم وتفسير بشأنها فقط من خلال تعبيراتها ومظاهرها الخارجية. فتوسيع الاهتمام على هذا الأساس طبعا سوف لن يكون على حساب الضبط المنهجي، بل في ظل الالتزام بالموضوعية والطريقة التجريبية[67].
بالنسبة إلى علم النفس المعرفي، حتى أنه حينما يتعلق الأمر بتحليل السلوكات القابلة للملاحظة لدى فرد معين وذلك في موقف معين (على غرار المنطق المعتمد في علم النفس التجريبي)، فإنه يمكن أن يتم وفق ما يتعلق بالمعارف والمعتقدات لدى هذا الفرد فيما يخص الموقف، وكذلك وفق المعالجة العقلية التي يقوم بها هذا الفرد بشأن هذه المعارف والمعتقدات[68]. أي الكيفية التي يتفاعل بها مع الموقف وما يعبر عنه من إدراكه وتفاعله هذا. مقاربة من هذا النمط من الاشتغال تسعى إلى توضيح هذه المعارف والطريقة التي عولجت بها. وهو النمط الذي سيعيد صياغة الممارسة البحثية في اعتبارها لموقع السلوك/الفرد وعلاقته بالموقف/البيئة.
ما من شك أن علم النفس المعرفي منذ قيامه كمجال له كيانه الخاص، اتخذ اتجاها يتمثل في كونه لم يتخل عن الشروط المميزة للعلم والتي تتجلى أساسا في الموضوعية والتجريب والتحقيق[69]. إلى جانب المعنى الذي يعكسه اعتبار علم النفس المعرفي أنه الشكل الراهن الذي تتخذه السيكولوجيا العلمية، وذلك على الخصوص من حيث توفر شروط المسعى العلمي[70]. من ناحية أخرى، فإن علم النفس المعرفي حسب طبيعة المجال ونوعية المهام المعني بها، يمكن أن يتحدد فقط من خلال الإشكاليات والقضايا التي يعالجها وليس من خلال الطريقة المستعملة لهذه المعالجة، أي أنه يمكن تمييزه بالأساس من حيث موضوع الانشغال لا من حيث أسلوب الاشتغال. بمعنى آخر، إن تحديده يقوم على الموضوع وليس على المنهج. هذا ليس معناه أنه لا يعير أهمية للمنهج، بل له مكانته التي تساهم في تحقيق المشروعية العلمية.
هذه الوضعية لم تمنع بدورها من أن تطرح عدد من الأسئلة الإبستمولوجية والمنهجية بالنسبة إلى هذا المجال كما هو الشأن بالنسبة إلى علوم المعرفة عامة، وذلك بالرجوع إلى ما كان مرفوضا من قبل السيكولوجيا العلمية فيما يتعلق ببعض القضايا وأشكال التعاطي معها[71]. ليس معنى هذا، أن ما كان غير مقبول تناوله علميا أصبح مقبولا والعكس بالعكس، بل كل ما في الأمر هو أن قضايا تترجم النشاط العقلي لم يكن مستساغا جعلها كموضوع لعلم النفس، وهي المسألة التي صارت ممكنة مع المنظور المعرفي. فمن تداعيات تجاوز الممنوعات التي كانت ملقاة على الإشكاليات الذهنية، أنه سجلت عودة إلى موضوعات مثل دراسة الصور الذهنية التي كانت منتشرة في بداية القرن العشرين. وقد تطور البحث في هذا الموضوع خلال السبعينيات مع المقاربة المعرفية، وهو الأمر الذي كان غير مستساغ وغير وارد البحث فيه فقط قبل عقد من تلك الفترة[72]، ويكفي التذكير في هذا الصدد بالصعوبات والانتقادات التي رافقت ظهور كتاب بياجي: الصورة الذهنية لدى الطفل سنة 1966. فهذا التطور سيفسح المجال للقضايا الذهنية أن تأخذ نصيبها من الاهتمام العلمي، خاصة في البحث السيكولوجي الأساسي. المقاربة المعرفية إذن، على عكس المقاربة السلوكية تنطلق من فكرة تفيد وجود وفاعلية الحالات الذهنية. ومن خلال مضامين هذه الحالات الذهنية وتجلياتها يمكن تفسير التصرفات الإنسانية[73].
ما يطرح من ملاحظات بخصوص قضايا الموضوع يطرح أيضا بالنسبة إلى المنهج، فليس بجديد القول إن التجريب شكل منهج السيكولوجيا العلمية بامتياز مع الإقصاء التام للاستبطان. وهو الإقصاء الذي عملت المقاربة المعرفية على رفعه واعتماد طريقة الاستبطان باعتدال (أي دون السقوط في الذاتية) إلى جانب المنهج الأساسي الذي هو التجريب. ثم إن المسألة لا تتوقف عند حدود تبني المنهج التجريبي، ولا أدل على ذلك من استعمال تعبير علم النفس المعرفي عوض تعبير علم النفس التجريبي أصبح رائجا في كثير من الأعمال والمؤسسات العلمية[74]. بل أكثر من ذلك، إذ هناك من يذهب إلى الجمع في مفهوم واحد: علم النفس التجريبي المعرفي باعتباره مفهوم مرادف للسيكولوجيا العلمية[75].
إن المزاوجة بين ما هو معرفي وما هو تجريبي كمسعى أو كطريقة اشتغال ليس بالمطلق أو النهائي، إنه بدون شك ليس سوى فعل ارتباط تاريخي مرحلي. بحيث إن علم النفس التجريبي يتحدد بالأساس من خلال المنهج وليس من خلال الموضوع[76]، بينما يبقى الموضوع هو المحدد الأساسي له في علم النفس المعرفي. مظهر آخر للارتباط والمزاوجة يتمثل في أن الظواهر والقضايا التي كانت تشكل تقليديا موضوعات علم النفس التجريبي (مثل: الإدراك، الذاكرة، اللغة، التعلم..) هي نفسها التي يعالجها علم النفس المعرفي. مع انفتاح هذا الأخير على قضايا ذهنية، في حين تم تسجيل قصور علم النفس التجريبي في دراسة المعرفة[77]، و على الخصوص في دراسة العقل وعملياته.
يهتم علم النفس المعرفي أساسا بدراسة مجموع الوظائف المعرفية التي تتمثل في النشاطات العقلية، بحيث إن هذه الوظائف يتم اعتبار أهميتها من خلال اشتغالها الفاعل والنشط لدى الإنسان. ثم إن الإنجازات الراهنة لهذا الفرع العلمي أثبتت أن تبني علم النفس عامة للمنهج التجريبي هي بمثابة مكسب جد مثمر ومصدر إغناء علمي[78].
موقف مماثل يحصل مع العلوم العصبية neurosciences، حيث إنه بنعت علم النفس المعرفي كمجال علمي يدرس العقل، تأتي إثارة مسألة العلاقة بين العقل والدماغ[79]. على اعتبار أن العقل هو نشاط الدماغ، وهو النشاط الذي من المعروف ولا ريب في ذلك، أن سنده يبقى عصبيا، بينما يتم التعاطي معه من حيث اعتباره بكيفية وظيفية[80]. فكما بينت العلوم العصبية (التي هي طرف في العلوم المعرفية) صيرورة اشتغال الدماغ في انسجام مع التكوين العضوي، سمح البحث السيكولوجي بتبيان دور التنظيم الذي يضفيه نظام العقل على المدركات[81] والمواقف. ثم هناك مظهر آخر يميز التوجه الذي ينخرط فيه كل من المجالين العلميين. علم النفس المعرفي ومن باب المهام التي يسعى إلى أن ينشط فيها ضمن مشروعه العام، فإنه يعطي لنفسه كبرنامج النزول مما هو منطقي إلى ما هو بيولوجي، بينما العلوم العصبية تقترح الصعود من البيولوجي إلى المنطقي[82]. ينضاف إلى ذلك، أنه بالنسبة إلى البحث السيكولوجي تمثل مجموع السيرورات التي تحتويها الحياة العقلية كوحدات للاشتغال المعرفي، ينظر إليها بصيغ طبيعية وهي تقترب من الاشتغال العصبي[83].
جل المشتغلين بعلم النفس المعرفي من علماء وباحثين يعتبرون أن سلوك الفرد هو على الأقل قائم على ما لدى هذا الفرد من معرفة cognition[84]. بمعنى أن سلوكه هذا هو دائما محكوم بما يعرف أو ببنائه المعرفي. فالبعد المعرفي إذن، يشكل أحد المحددات الهامة للتعامل مع الموقف الذي من خلاله وعلى ضوئه يحدث السلوك أو يكتسب، مع ما يتضمن هذا الأخير من عمليات نشطة في التعامل المعني.
المنظور المعرفي يعتبر بديهيا أن كل معرفة تفترض الانتقاء والتأويل للمعلومات التي يستقبلها ويحصل عليها الفرد، وبالنسبة إلى العقل أو التفكير فإن كلاهما يقتضي العمل باستراتيجيات، من نموذج حل المشكلات مثلا، التي تتوافق مع كل موقف ووضعية[85]. أما فيما يتعلق بالأخصائي في علم النفس المعرفي (وهو اختصاص في الاشتغال العلمي الأساسي يمتد أيضا إلى الممارسة النفسانية، بحيث صار لما يعرف بالعلاج المعرفي Thérapie cognitive مكانه المتميز ضمن أشكال العلاج النفسي)، يتجلى دوره في إظهار وإثبات ما يقع داخل "الصندوق الأسود" للعقل. شغله الشاغل إذن، يتبدى في البحث من أجل فهم طبيعة الحالات الذهنية من مثل التمثلات représentations والصور images والمفاهيم concepts وغيرها التي تؤثث التفكير لدى الفرد، وكذلك توجه التصرفات والسلوكات[86].
على مستوى البحث إذن، فالاشتغال يتجه إلى ممارسة نوع من التحليل "الوظيفي" لمثل هذه العمليات العقلية[87]. كما أن الاهتمام ينصب على عدد من القضايا من قبيل:
ـ المعرفة من حيث صيرورتها والتنظيم وفق البناء المعرفي للفرد.
ـ تجهيز وتصريف ومعالجة المعلومات من حيث أنظمة التجهيز وطبيعة اشتغالها.
ـ استراتيجيات التجهيز والمعالجة التي تتوقف فاعليتها على خصائص البناء المعرفي للفرد[88].
بصفة عامة، مجال علم النفس المعرفي يزخر بعدد من المهام والأهداف الخاصة التي تستهدف اشتغال العقل لدى الإنسان، كما تجدر الإشارة إلى أن الازدهار الذي عرفه هذا المجال وأيضا بالنسبة إلى الأطروحات والنماذج المعرفية، قد ساهم فيه التطور الحاصل في قطاع تكنولوجيا الحاسوب والمعلوميات[89]. في هذا الإطار، لا مندوحة من القول بأنه من بين مختلف المجالات العلمية والفكرية التي تتشكل منها العلوم المعرفية، يتميز علم النفس بوضع خاص[90]، وذلك لاعتبارات منها:
ـ أنه تأثر "بالثورة المعرفية"، وذلك بالاستعارة من المجالات العلمية المجاورة[91] سواء على مستوى المفاهيم أوأدوات الاشتغال.
ـ قوة المكانة التي أصبح يحتلها داخل الحقل العام لعلم النفس من جهة، ومن جهة أخرى ضمن نظام المعارف والعلوم بصفة عامة.
ـ أنه يشكل في الواقع إدماجا للمظاهر العامة والارتقائية والاجتماعية في أبعادها السلوكية والعصبية الفيزيولوجية[92].
ـ أنه عمل على جمع وتوحيد عدد من المباحث التي كان لها تقليديا مكانها ضمن مجالات مختلفة من علم النفس مثل: الإدراك والانتباه والذاكرة واللغة والنشاطات العقلية، وذلك داخل فضاء مستقل للبحث وهو المتعلق بالمعرفة، ومن ثم جعلها موضوعا خاصا به[93].
ثم إن هذا الوضع الخاص الذي يطبع مجال علم النفس المعرفي، لا يعفيه من أنه على مستوى تحديد الهوية العلمية يبقى تقريبا مرادفا لتعابير متنوعة ومعقدة شيئا ما، من نوع: دراسة وتحليل جمع وتخزين ونقل ومعالجة المعلومات لدى الإنسان.
مفهوم المعرفة:
إن كلمة معرفة cognition قد حلت محل كلمة معرفة Connaissance-knowledge من دون أن تلغيها أو تعوضها، ولكن من أجل شغل موضوع فحص علمي وقيامها كأداة مفاهيمية متميزة. فعلى الرغم من أصل الكلمة اللاتيني cognitio، أنها أتت من الإنجليزية[94] بنفس البناء، وذلك بفعل ظروف استعمال المفهوم والعلوم المؤطرة له. هكذا يكون بروز الكلمة وانتشارها بقوة جاء مع النقلة التي حققها علم النفس المعرفي بصفة خاصة والعلوم المعرفية بصفة عامة. ثم إن ازدهار الكلمة يجد تفسيره بدون شك من كونها تتضمن إحالة على نشاط الفرد الذي يعرف ويكتسب معارف. بينما هذه الأخيرة، أي المعارف فهي تشير بالأساس إلى منتوج هذه النشاطات[95]. وهي النشاطات في مجملها التي تساهم لدى الفرد في تنمية المعارف والحفاظ عليها وكذا استعمالها، كما أنها نشاطات تتفاعل على مستوى عمليات الإدراك والذاكرة والتعلم واللغة.
إن التمييز بين الكلمتين إذن، يجد معناه إلى حد ما في العلاقة بالدماغ cerveau، حيث إن المعرفة cognition هي بمثابة النشاط الأساسي للدماغ سواء من وجهة بنيوية أو من وجهة وظيفية[96]، بينما المعارف connaissances فهي مجموع نواتج ومحصول هذا النشاط. وبالتالي يمكن القول بداهة أنه ليس هناك من معرفة إلا حيثما يوجد دماغ[97].
في هذا السياق يمكن اعتبار المعرفة بمثابة مجموع النشاطات والآليات التي ترتبط بالمعارف وبالوظيفة التي تعمل على تحقيق هذه المعارف. بمعنى أن المعارف تبقى هي هدف أو وظيفة المعرفة[98]، سواء اشتغلت هذه النشاطات بكيفية سوية أو أصابها بعض الاختلال والاضطراب، الشيء الذي ينعكس بشكل من الأشكال على شخصية الإنسان. فقد امتدت الاهتمامات السيكولوجية لهذا الجانب أيضا، ذلك أن الأمراض العقلية وجدت مقاربة لها في علم النفس المرضي psychopathologie وهي المقاربة المعرفية التي أصبح لها صيت في هذا الإطار[99]، كما أن العلاج النفسي المعرفي صار بدوره ممارسة علاجية لا مناص منها.
خلاصة القول إنه ما عدا هذا الجناس اللغوي الذي يحيط بمفهوم المعرفة والذي يتطلب أحيانا التوضيح والبيان، لا بد من التذكير بأن المعرفة اعتبرت بمثابة لفظة جديدة وذلك في استعمالها من حيث الإشارة إلى النشاط المعرفي[100].
يتضح بشكل عام أن المعرفة تدخل في كل ما يمكن للإنسان أن يعقله أو يمارسه في حياته، كما يتبين كذلك أن كل ظاهرة نفسية لدى الإنسان هي ظاهرة معرفية[101]. ومن ثم فإن مجال المعرفة يطابق بكيفية جلية وظيفة كبيرة وأساسية ومتطورة لدى الإنسان، حتى وإن كانت بادية لدى بعض الأنواع الحيوانية بحجم معين. إنها الوظيفة التي تستهدف البقاء والوجود، كما أنها عبارة عن قدرة ومهارة حيوية لمعرفة العالم وتمثله والتفكير فيه ومن خلال ذلك الفعل فيه[102].
من الملاحظ أيضا أنه عوض استخدام مفهوم الوظائف، فإن البعض من الباحثين عاد ليستعمل من جديد مفهوم الملكات facultés العقلية أو المعرفية[103].
في نفس السياق المتعلق بمجال المعرفة، هناك مفهوم الجهاز المعرفي appareil cognitif[104]، وهو من المفاهيم المستحدثة والتي أخذت مكانا لها في معجم العلوم المعرفية سيرا على نفس التقليد المعمول به في علوم أخرى تدريس الإنسان بكيفية عضوية أو وظيفية، من مثل مفهوم الجهاز العصبي في العلوم العصبية وعلم النفس الفيزيولوجي ومفهوم الجهاز النفسي في التحليل النفسي إلى غير ذلك.
في هذا الإطار يبدو أن الجهاز المعرفي تنوعت بشأن النظر إليه مقاربات، وذلك من زاوية اهتمام كل واحدة والأهمية التي توليها لأحد الجوانب الذي تعتبره محددا أساسيا لهذا الجهاز. وهذه المقاربات ترتبط كل واحدة منها بفئة من الباحثين في المجال المعرفي[105]، فهناك إذن:
ـ من الباحثين من يعتبر الجهاز المعرفي بمثابة مرادف للدماغ، وعليه فالأمر يتعلق بدراسة المكونات العصبية للدماغ والنشاط المتولد عنها.
ـ بالنسبة إلى البعض الآخر، الجهاز المعرفي هو أساسا نظام لمعالجة المعلومات على شاكلة اشتغال الحاسوب، وذلك وفقا لبرنامج محدد وبنفس منطق العمليات التي تقوم عليها المعالجة الآلية للمعلومات.
ـ بالنسبة إلى الآخرين، فالجهاز المعرفي هو موضوع صوري، يقتضي التمييز فيه للمؤهلات والمهارات المجردة.
إنها المقاربات التي من أجل تبيان خصوصيتها وطبيعة اهتمامها، تطلق عليها تسميات المقاربة الصورية والمقاربة الوظيفية والمقاربة الآلية. وتبقى هذه المقاربات بمثابة طروحات تفسيرية نوعية[106] رغم التمايز الذي يصنفها، لكنها تتكامل وذلك باجتماعها حول نفس الموضوع: الجهاز المعرفي. وتبقى هذه المقاربات
أيضا أساسية سواء في خصوصية كل واحدة أو في تفاعلها، وذلك لدراسة مختلف النشاطات المعرفية من الاستعدادات مرورا بالسيرورات إلى دينامية الفعل والاشتغال.
الصيرورة والآفاق:
التطورات التي عرفها علم النفس خلال العقود الأخيرة –والتي لازالت ديناميتها قائمة ومستمرة- يبقى محركها الأساسي وبدون منازع هو علم النفس المعرفي[107] وبالتالي نتج عن هذه التطورات مجموعة من الإنجازات منها:
ـ إعادة تشكيل المجال العام لعلم النفس والانفراجات التي حصلت في المجالات الفرعية، حيث يبدو علم النفس الاجتماعي مثلا مجالا نموذجيا لهذا الانفراج، فالصيغة التي صار بها هذا المجال هي أنه مجال معرفي بامتياز[108].
ـ تحديث خطابه وأشكال اشتغاله العلمي، بما في ذلك من تداعيات على الممارسة وتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية بالمعارف والعلوم.
ـ انتقال الدراسة لديه من الاهتمام بالوظائف والقدرات العقلية والنفسية إلى الاهتمام بعمليات المعالجة (وليس العلاج)، مع التركيز على الشروط والظروف الواقعية التي تتم وفقها هذه العمليات.
ثم إن هذه التطورات التي كان وراءها علم النفس المعرفي، قابلها بطبيعة الحال تطور علمي وما رافقه من تطور تكنولوجي ومعلوماتي[109]. في هذا الاتجاه لا بد من الإشارة إلى أن المقاربة المعرفية فيما يتعلق بتفسير السلوك بوجه عام، يعتبرها أغلب المشتغلين والباحثين بمثابة الأسلوب الأكثر ملاءمة لفهم الكثير من أساليب النشاط العقلي التي يمارسها الإنسان في كثير من مواقف حياته[110]. وهو الأمر الذي ترتب عليه أن علم النفس صار سيكولوجيا العقل، في حين أن السلوكية أرادته سيكولوجيا السلوك[111].
من ناحية أخرى، فهذه التطورات والتحولات الخارجية والداخلية التي حصلت مع المنظور المعرفي خاصة بالنسبة إلى علم النفس، هي بمثابة مظاهر تشترك في الإحالة على سؤال مآل هذا المجال في سياق سوق العلم على غرار المكانة التي كانت له وفق النسق السابق. على اعتبار أن الحدود التقليدية بين علوم الطبيعة من جهة وعلوم الإنسان والمجتمع من جهة أخرى (وهي العلوم التي شكلت دائما فضاء الانتماء بالنسبة إلىعلم النفس) لم تعد قائمة كما كانت في الماضي. فالمسألة إذن، التي يمكن طرحها في هذا الصدد، نعرض لها كالتالي: كيف هو موقف مختلف العلوم التي لها تقاليد مع علم النفس من المسار الذي اتجه فيه هذا الأخير؟ وهل سيعيد علم النفس تنظيم علاقاته بتلك العلوم بناء على مقتضيات هويته الجديدة؟ وهل سيتم استبعاد علم النفس من طرف العلوم الإنسانية الأخرى، وخاصة العلوم الاجتماعية إلى جانب العلوم الطبيعية، أو أن انشقاق العلوم المعرفية سيؤدي إلى إعادة تنظيم أكثر جذرية للروابط بين العلوم الإنسانية ومضامينها[112]؟
هذه جملة أسئلة على سبيل الذكر لا الحصر، قد نجد بعض عناصر الإحاطة بها وذلك من زاوية الأسس التي قامت وفقها العلوم المعرفية بشكل عام. بحيث إن التنظيم يقوم على تجميع بين علوم لها أهداف تتقاسمها أو بعض الميادين المشتركة أو بعض التجانس الذي يتوقف على أنماط الاشتغال سواء من الناحية المنهجية أو من الناحية الإجرائية. فهي إذن، عبارة عن مجموعات[113]، تتشكل منها الحقول العلمية.
هذا الشكل يقدم خطاطة تنتظم وفقها العلاقات والروابط بين عدد من العلوم والمعارف، وذلك حسب ثلاثة مجموعات رئيسية:
بالنسبة إلى المجموعة الأولى، تتكون من الفلسفة وعلم النفس واللسانيات. برنامج اشتغالها يستهدف العمليات المعرفية "العليا"، والتي يشكل الاستدلال عمودها الفقري، كما أن نشاطها تنتج عنه المعارف التي تبقى خاصية يتميز بها الإنسان إنها مجموعة علوم الإنسان.
المجموعة الثانية و تجمع العلوم العصبية والفيزياء والرياضيات، فهي تستهدف العمليات المعرفية "الدنيا"، وعلى الخصوص العمليات الحسية والإدراكية، والتي تنتج عنها مهارة معينة. إنها مجموعة العلوم الطبيعية.
فيما يتعلق بالمجموعة الثالثة، فهي تضم المعلوميات والذكاء الاصطناعي. ما يهمها هو الآفاق الصورية والاشتغال التطبيقي على قدرات الآلة والمادة التكنولوجية. هذه المجموعة تمثل علوم الهندسة[114].
هذه إذن، ملامح لبعض الوجهات التي تنتظم وفقها العلوم المعرفية، كما أن تجميعها في أقطاب ثلاثة هو من أجل تبيان مستويات التعاطي مع القضايا وأنماط الاشتغال التي تميز كل مجموعة، وبالتالي فإن ما تجتمع حوله كمشروع موحد يتمثل في موضوع المعرفة cognition. أما بالنسبة إلى علم النفس المعرفي ضمن هذا الوضع، فإنه يمكن ألا تكون له "مملكة خاصة"[115]به، على الرغم من الموقع المتميز الذي يحتله تاريخيا وعلميا ضمن الفضاء المعرفي.