قراءة أنتوبولوجية تاريخية لصورة المرأة في التراث الشفوي للجهة الشرقية

الشعر الملحون البدوي أنموذجا.

مقدمة عامة:

إن البحث في تاريخ المنطقة الشرقية يشبه الغوص في عمق ذاكرة تتحدى الزمن من حيث الامتداد و تضرب بجذورها في عمق الانتماء الجماعي. إن البحث بهذا المعنى ليس مجرد نشاط فكري يروم جمع المعلومات بقدر ما هو نبش عن هوية مقبورة، مهمشة، ومنسية من أجل رش ماء الحياة عليها وإخراجها للوجود من جديد.وفي إطار هاته العلاقة المتبادلة من البعث المتبادل، يمارس الباحث نوعا من الثقافة الإبداعية التي يلتقي فيها التاريخ بالأدب والأنتروبولوجيا بالاجتماع في متعة منقطعة النظير وفائدة نتمناها في المستوى.

لماذا البحث في التراث؟

سألت شاعرا أميا لا يحفظ شعرَه سواه، إن كان ينوي تدوينه فأجابني بالنفي معللا جوابه بكونه لا يثق في أحد يترك له مكنون صدره.

قلت :"هل تعرف أن شعرك قد يموت معك؟

قال :"أفضل من أن يتاجر فيه غيري وأنا أرى...

لهذا الحد، العلاقة شائكة بين المثقف العصري الرسمي المتمكن من أدوات التسجيل والتوثيق والنشر وهؤلاء الحفظة الذين يحملون كنوزهم في صدورهم ويستهلكونها كما يستهلكهم و يهلكهم الزمن.

من هنا فإن اختيارنا التراث الشفوي ينبع من ضرورة حضارية ملحة.يقول الأستاذ العياشي السريوب:" إذا كان الأجنبي قد اهتم بالسرد الشفوي/الأدب الشعبي المغربي، بغية التعرف على العقلية المغربية من الداخل، ومن أوسع أبوابها... ، فإن الباحث المغربي لم يعط هدا النوع من الإبداع قيمة كبرى، ربما لوقوعه ضمن دائرة النظرة التحقيرية التي ترى في كل ما هو عامي وشعبي أدبا صالحا للرعاع والسوقة من الناس وبالتالي لا مكان له في مؤلفاتهم و مصنفاتهم")[1]

إننا لا نعطي في هذا السياق نفس الفهم القدحي للتراث الشعبي بل نرقى به إلى أعلى و أنبل من ذلك باعتباره الذاكرة الحقيقية للناس كما يعيشونها بتلقائيتهم اليومية ودون إكراهات الأضواء والرقابة سواء المخزنية منها أو الثقافية الرسمية.إننا نعتبر أن هاته الإنتاجات الشفوية المتناقلة أبا عن جد لا تطمح في التواجد الخجول إلى جانب الثقافة الرسمية فحسب بل تنافسها وتنازعها المشروعية التاريخية والاجتماعية والحضارية، لأنها أقرب من نبض الناس وألصقها بواقعهم وتاريخهم من غريمتها.فنحن في حاجة إلى دراسة "السرد الشفوي باعتباره يختزن التاريخ الاجتماعي للمغرب."[2]

"إن الاهتمام بالتراث الشفوي الشعبي يدخل في إطار التأريخ للفئات الاجتماعية المنسية، ذلك التاريخ الذي يجعل من المكان فضاءا واسعا لا تظهر فيه الفوارق التضاريسية. أما الزمان فتبدو أهميته خافتة، لأن هذا التراث يحتل قلوب العامة ومخيلتهم، و لأن صفاته تبدو متصلة لا انقطاع فيها"[3]

الهدف من هاته الدراسة هو تسجيل صورة فوتوغرافية للحظة بوح لبعض هؤلاء و تناول بعض الشعر الملحون البدوي بالدراسة الأنتروبولوجية التاريخية انطلاقا من كون " هذا التراث يعكس المكونات الحضارية للإنسان الشعبي باعتبار أنه إحدى الوثائق العملية التي تختزنها الذاكرة الشعبية عبر العصور."[4] وأخيرا إذا كان الأمر لا زال يحتاج لتعليل فإن المغرب باعتباره من بين الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحفاظ على التراث غير المادي 2003 ، يضعنا أمام مسؤولية التجسيد الفعلي لهذا الاهتمام بكل جوانب هذا الموروث داخل إطار التعريف المرجعي لنفس الاتفاقية التي ترى في الثقافة:"كل الأعمال والتمثلات، التعابير، والمعارف- بالإضافة إلى الأدوات والأشياء والمجالات الثقافية المرتبطة بها -التي تعتبرها المجتمعات و الجماعات بل والأفراد جزءا من تراثها الثقافي."[5]

و لعل خصوصية التراث الشفوي داخل التراث غير المادي تكمن في كونه هو الحلقة الأضعف لارتباط استمراريته بالذاكرة الفردية على اعتبار أن الجيل الواحد باختفائه قد يأخذ معه تاريخ مرحلة بكاملها، خاصة مع تلاشي أواصر التواصل من أب لولد ومن أم لبنت وطغيان ثقافة الرقميات حيث أصبح الإنسان يتواصل مع الآلة أكثر بكثير مما يتواصل مع البشر خزان هاته الذاكرة وتحديدا هؤلاء الذين يفوقونه سنا.

 و في هذا الصدد، نحن نعرف مسبقا أن ما نقوم به لا يتعدى كونه قطرة في محيط مما يجب أن يكون من أجل صون جانب وفير من ذاكرة هاته المدينة وجهتها قاطبة لكننا تحدونا رغبة في الغوص حتى العمق إن وفقنا الله في مناسبة أخرى.

منهجية العمل:

سنركز في هذا التحليل/القراءة على العنصرين التالين:

*جانبية المرأة في المخيال الجماعي من خلال تحليل الرموز والإحاءات المتضمنة في هذا المنتوج.

*خطاطة للعلاقات الاجتماعية والتراتبيات وتأثير المحيط الطبيعي، من خلال علاقة الشاعر بالمرأة.

لماذا صورة المرأة بالضبط؟

لأننا ممن يعتقدون أن التمثل الجماعي للمرأة والشكل الذي يراها عليه الشاعر إنما هو رصد من أرهف الزوايا وأكثرها شفافية لواقعها وتفاصيل حياتها الواقعية و/أو المتخيلة، على اعتبار أن المتخيل هو صورة سالبة للواقعي إن لم يكن انعكاسا مباشرا له، وأن هاته الصورة بدورها هي تجلي لكل ما يحيط بها من علاقات اجتماعية وتصورات ثقافية وممارسات طقوسية،.مما يشكل النسيج الحقيقي لثقافة المجتمع بل وحياته اليومية.

.مما لا شك فيه أن الشاعر إذ يتناول موضوع المرأة، مهما كانت الزاوية التي منها أمسك به، إنما يحاول ملامسة أطراف واقعه ببعده الطبيعي و المناخي والسلطوي والاجتماعي والعاطفي....لأن تيمة المرأة هي بمثابة النبض الحساس الذي تقاس به حرارة نبض الشاعر العاشق كما تقاس به حرارة الواقع الذي يعيش فيه.

من هنا فإن بحثنا في صورة المرأة من خلال الملحون البدوي للجهة الشرقية كتراث شفوي إنما هو نوع من ممارسة سؤال الذات المؤرق و الغوص في حرقة الهوية.ببعدها الحضاري بل والوجودي.

إننا حين نأخذ جانبا من ثقافتنا كموضوع للبحث نجد أنفسنا " في موقف أشبه ما يكون بموقف المصاب بفصام الشخصية. فالحدود الفاصلة هنا بين ما هو ذاتي وموضوعي مفروضة وغير واضحة لأن الباحث في تعامله مع موضوعه يتعامل في نفس الوقت مع ذاته، ومفروضة لأنه أولا في معالجته لموضوعه يستعمل أجهزة مفاهيمية أنتجتها ثقافة أمريكية أو أوروبية"[6]

إننا ننطلق من فرضية مفادها "أن العمليات اللاشعورية –تمثلات الغريزة، ميكانيزمات الدفاع، القلق، الهوامات، المخيال...-التي تحكم سلوك الأفراد توجد متضمنة كدلك في سلوك الجماعات أو المجتمع أي مجموع التضاهرات أو الإنتاجات الثقافية التي يمكن اعتبارها بمثابة الأحلام، لها محتوى ظاهري ومحتوى كامن."[7]

هاته هي البوابات المتشعبة: نفسية، اجتماعية، أنتروبولوجية، تاريخية التي سنحاول فتحها في مقاربتنا التي نتمنى أن تكون بداية لبحث جدي وعميق في الموضوع.

سنتتبع الخطوات التالية للوصول إلى ذلك:

أولا: التحديد الجغرافي والأبعاد التاريخية لمجال البحث.

ثانيا: مقاربة تاريخية واجتماعية لشعر الملحون البدوي وانكادي.

ثالثا: استخراج الجانبية الجسدية والنفسية للمراة النموذج وتحليل العناصر الرمزية أنتروبولوجيا.

خامسا: استخراج العناصر العلائقية المحيطة بالمرأة وشاعرها وتحليلها اجتماعيا و تاريخيا.

خلاصة عامة


 الفصل الأول:

التحديد الجغرافي والتاريخي لمجال البحث.

مـقــدمــة:

إننا في هذا البحث نتموقع زمنيا في العشرية الأولى للقرن الواحد والعشرين، ومكانيا في الجهة الشرقية للمملكة المغربية.أما موضوعنا فهو رصد بعض ملامح الشعر الملحون البدوي لهاته المنطقة وتحديد ملامح المرأة فيه قصد تكوين صورة عن التمثلات الجماعية لهذا الموضوع كحمولة ثقافية وتراثية.إلا أن الزمن لا يفهم إلا بالعودة لبعده المتحول والحركي، وهو بدوره الذي يعطي تعاريف محددة للمكان.ففي التقاء التاريخ بالجغرافيا تفهم الثقافة ويعرف الإنسان ككائن اجتماعي محدد المعالم.

ونحن إذ نتناول بالدرس الظاهرة الشعرية إنما نعود بها لأصول نشأتها ومسار تنقلها من حيث تاريخها الاجتماعي، وأصول قواميسها اللغوية، وامتداداتها في المكان، وانتشارها أو انحسارها...رصد حركيتها الداخلية كنص وكمنتوج فردي وجماعي في آن واحد، والخارجية كمحمول تراثي أو كحامل دلالي متعدد الأبعاد.

I- من الناحية الجغرافية والإدارية:

إن تعبير الجهة الشرقية هو تعبير إداري حديث العهد لا يتجاوز عمره عشرات السنين وهو معروف الحدود و محدد المعالم، إلا أننا لسنا بصدد دراسة ظاهرة ثابتة في الزمان و المكان لنعتمد تحديدا ثابتا في الخارطة الحالية. إننا حين نتحدث عن مقاربة تاريخية للجهة الشرقية نجد أنفسنا ملزمون بتعقب تغير تسميتها ومدلولها الترابي والبشري عبر التاريخ.لن نرجع في الزمن لأبعد من المرحلة الاستعمارية لأنه قبلها لم تكن هناك أية حدود واقعية بين المغرب والجزائر وبالتالي فالبلدان كانا يعيشان في شبه امتداد يختلط فيه التاريخ بالجغرافيا بالثقافة والفن .فالظاهرة الإنسانية لا تحد بالحدود الترابية ولا الإدارية فما بالك لو كانت هاته الحدود لا وجود لها أصلا،.لهذا بالضبط نجد أنفسنا محرجون عندما يطالعنا شاعر بذكر شيخه في الكلام ويكون ذا أصل جزائري أو عندما تردد أسماء أماكن جزائرية وأولياء صلاح أو شخصيات نسائية ترمز للجمال مثل شخصية "جازية" المعروفة في التراث الشعبي الجزائري بقصيدة تحمل اسمها وهي"بطلة سيرة بني هلال وتسمى جازية بنت سرحان..."[8] التى تذكر على سبيل الاستشهاد على نموذج الحسن في الجهة الشرقية.المغربية كما في الجزائر.

بخصوص التسمية فإن الاستعمار استعمل مصطلح الشمال الشرقي مند رسم الحدود بين الجزائر والمغرب بعيد اتفاقية لالة مغنية 1907م.وضلت هاته التسمية هي السارية حتى التقسيم الإداري الذي قضى بإحداث الولايات حيث صار اسمها "الجهة الشرقية" وهي تضم المدن التالي وأحوازها: وجدة، بركان، جرادة، الناظور،بوعرفة، فكَيكَ، تاوريرت.

وهي ممتدة تضاريسيا في مفترق الطرق بين مجال جبلي ينتهي "عند قدم الجدار الذي تشكله الحاشية الشرقية للريف والأطلس المتوسط"[9]

 والخط التلي الجزائري. تتميز بانعدام التكتل التضاريسي وشدة التنوع والتجزيء إلى وحدات صغرى بارزة من تلال ومرتفعات وسط السهول.فإذا قمنا بمقطع طولي للتضاريس من الشمال للجنوب نجدها تمتد كالتالي:سهل تريفة،جبال بني زناسن، سهل أنكَاد، جبال الزكارة، سهل مطروح، مرتفعات جرادة، ثم الهضاب العليا التي تصل المنطقة بالصحراء وتحدها. ونلاحظ التوافق التام بين التضاريس واستقرار القبائل فهي تتبع نفس التوالي بين قبائل عربية في السفوح والمنخفضات وأخرى بربرية في المرتفعات.[10]


  II-الجانب التاريخي:

هناك تداخل هام بين العناصر السابقة: الجغرافية والبشرية و العنصر التاريخي باعتبار أن البيئة هي صانعة الإنسان الذي يعد بدوره صانعا للتاريخ. فموقع هاته المنطقة جعلها في ملتقى الطرق بين مد كم هائل من الحضارات تعاقبت عليها وطبعتها كل منها بسمة معينة. "فقد عرفت المنطقة أحداثا مصدرها إما المغرب الأوسط من ناحية الشرق أو المغرب الأقصى من ناحية الغرب وتعرضت - بطبيعة الحال- لتأثيرات حضارية متعددة أمازيغية، رومانية، عربية إسلامية، أندلسية، عثمانية..." [11]

إن الموقع والمميزات التضاريسية كانا نقمة ونعمة في الآن نفسه بالنسبة للجهة الشرقية ووجدة بالخصوص:" فقد خضعت للسلطة المرينية والمرابطية...وهذا ما كان يؤثر عليها تارة بالإيجاب عندما تستقر السلطة فيعم المدينة الرخاء والازدهار نظرا لموقعها التجاري الممتاز وأخرى بالسلب عندما تتصارع دولتان السلطة فتكتسح المدينة ويعمها التدهور والخراب"[12]

إن تارخ الجهة الشرقية هو تاريخ الباب المفتوح على الصحراء وسلالاتها تارة، وعلى البحر وتجارته تارة أخرى، وعلى الشرق ومده تارة ثالثة، وهي يمثابة الممر السالك للنازحين سلميا لكنها القلعة الواقفة للرصد والمراقبة في وجه الغاصبين،

إن هذا بالضبط ما طبع ساكنتها بالتنوع وأغنى ثقافتهم وعزز عمقها.

III- من الناحية البشرية:

إن الموقع المحدد أعلاه لهاته المنطقة، أهلها تاريخيا لتكون معبرا لموجات بشرية متوالية عبر العصور.منها من استقرت وتركت بصماتها أكثر من الأخرى فمن الفنيقيين إلى الرومان إلى العرب المسلمبن إلى العثمانيين إلى...

نفهم مما سبق أن المنطقة تتميز بالتنوع من حيث نسيجها البشري حتى لا يمكن تحديد أصل واحد لساكنتها .فرغم أننا نستطيع العودة في التاريخ لتتبع أصول الجماعات البشرية التي عمرتها إلى أن الظاهرة البشرية - كما يعرف الجميع-ليست ظاهرة ثابتة بل هي في تحول وحركة دائمتين زد على ذلك عامل التلاقح والتداخل عبر الزواج والمصاهرة الذي ساهم في تذويب وصهر العناصر بعضها في بعض بشكل واضح. لكن الأكيد والضارب للعيان هو تعايش عنصرين أساسين يشكلان الأرضية الصلبة للنسيج البشري بالمنطقة وهما :العرب والبربر. إن ما يسعفنا في التمييز بينهما هو اختلاف اللغة أولا ،فالبربر أو الأمازيغ حافظوا في أغلب الأحيان على لغتهم، والعرب جلبوا معهم لغته الخاصة وطوروها عبر الزمن لتتولد عنها لهجات محلية متنوعة.وثانيا، نضرا لاستقرارهم في المجال الجغرافي بشكل مختلف.

يقول النقيب ل فونوا:"..ويصعب بكل تأكيد التعرف بدقة على مختلف الأجناس التي ساهمت في تعمير هذه المنطقة بسبب الامتزاج القوي الذي حدث فيما بينها.فقد تعرضت البلاد إلى عدة غزوات من قبل البربر والعرب على حد سواء، حتى غدا السواد العظم من الأهالي الحقيقيين في عداد من انقرضوا أو على الأقل من ذابوا في كتلة الغزاة.ومع ذلك تسمح الروايات المحلية و بعض الإشارات التاريخية، بالاستنتاج أن السهول هي موطن العرب وأن الجبال سكن بربر زناتة..."[13]

ومهما يكن رأينا في بعض التفاصيل التي وردت في النص أو موقفنا من بعض التسميات المستعملة، فإن هدفنا الاستدلال على المكونات البشرية للجهة الشرقية وفوانو يضل مرجعا مهما في هذا المجال خاصة بفضل الخريطة القبلية التي وضعها سنة 1933لصالح الديوان العسكري والتي سنورد فحواها فيما يلي لتتبع خطى هاته القبائل.

نخلص إلى القول أن عدة قبائل في معظمها عربية أو بربرية تتقاسم التراب الشرقي للمغرب كباقي مناطقه ،وأنه رغم التداخل الذي بلغ حدا مهما بين عناصر هاتين الإثنيتين فإن الفرق لا زال واضحا بسبب الثقافات واللغات وغيرها.


فما هي أكبر هاته القبائل وما أصلها وخصائصها المميزة؟

نجد في كتاب "وجدة والعمالة" تحديدا للقبائل الشرقية وأسمائها ولغة تخاطبها وأصولها التاريخية وحدود استقرارها حتى تاريخ التقرير وكذلك بعض العادات والتقاليد والأساطير الرائجة حولها.ونورد فيما يلي ملخصا لذلك:

1-أهم القبائل ذات الأصل العربي:

أ)أهل أانكَاد:

هم من القبائل العربية وتحديدا قبيلة بني معقل "وينحدرون في نسبهم من ذوي عبيد الله الذي كان أبو حمو الثاني سلطان تلمسان قد أوطن فروعه، حوالي1358م. وتحدد رقعة استيطانهم في هذا التاريخ في سهل أنكضاد الذي تحمل اسمه وقد جمعت بين الترحال والاستقرار على شكل دواوير أو خيام متنقلة على طول الحدود في اتجاه الجنوب.

ب)بني بوحمدون:

يتقاسمون نفس الأصل مع أهل أنكَاد ويستقرون شمال سهل ميسيوين بين جبال بني سنوس بالجزائر وجبال بني يعلا

ج)بنو حمليل:

يتبعون الأصل السابق بحكمهم عرب لكنهم جاؤوا إلى سهل ميسيوين حيث يستقرون من قصر لوداغير بفكَيكَ.

د)بنو مطهر:

يستقرون حول رأس العين بركَنت "بركَم الحالية" ويزرعون ضفاف وادي الشارف.

هـ)المهايا:

هم قوم رحل ينحدرون من قبيلة الاثبج الهلالية وتمتد مضاربهم من النعيمة، بسهل أنكَاد وسيدي موسى على واد إسلي وبركَنت .التحقت بهم بعض الفخدات البربرية والتصق تاريخها بهم.

 ر)بنو وكيل:

تتضارب الأقوال حول أصلهم ، فبينما يزعم رأي أنهم من الشرفاء الدارسة ، يرى البعض الآخر أنهم جاؤوا من الساقية الحمراء.ومنهم بنو وكيل أنكَاد و بنو وكيل العيون وكذلك بنو وكيل تريفة.

ز)السـجــع:

مقامهم بعيون سيدي ملوك وترحالهم حتى مشارف دبدو، معمرين سهل واد زا وتافراطا.

2- أهم القبائل ذات الأصل البربري:

أ)بنو يعلى:

يستوطنون جبال بني يعلى حتى جبل الزكارة ومتسيلة شمالا.حتى أنهم كانوا كلما داهمهم خطر التجؤوا لهذا الجبل . ورغم أصلهم البربري فقد دابوا على التكلم بالعربية تأثرا بمحيطهم ونظرا لعامل الاختلاط.

ب)الزكارة:

يعمرون جبل الزكارة وبعض السهول المحيطة به. تعددت الروايات في شان أصلهم فبينما يربطهم البعض ببني يعلى بحكم الأصل البربري المشترك، يذهب البعض الآخر حتى فرضية الأصل الروماني وبالتالي


المسيحي وقد ساعد على التصاق هذا الوصف بهم كونهم مختلفون من حيث العادات ومنغلقون نسبيا حتى وقت قريب في التاريخ.

ج)بني بوزكَو:

أراضيهم ممتدة بين واد بورديم وواد زا وهم مستقرون يتكلمون اللغة الزناتية. تحيط بهم عدة قبائل جبلية ذات أصل مشترك معهم.

د)بنو يزناسن:

يعمرون الجبال التي تحمل اسمهم ويتعدون إلى سهول تريفة وأنكَاد،ويتكلمون البربرية لكنهم يضمون فخدات عربية ويقال أخرى ذات أصل روماني.[14]

لن نستفيض أكثر في ذكر التفاصيل حول الفخدات والدواوير لتشعبها و كثرتها.سنكتفي بالإشارة للتقسيم الحالي الرسمي بشكل مقتضب

لم تتغير أسماء القبائل ولا مواطنها لكن الاختلاط بلغ حدا لم يعد معه التحديد المجالي واضحا كما كان.كما ساهمت الهجرة المكثفة واتساع المدن إلى نوع من الذوبان ،لكن الملاحظ في الثقافة الشعبية اليومية استمرار هذا البعد بحيث يدخل الانتماء القبلي في تحديد هوية الشخص والحكم على أخلاقه ومدى جديته، فالمرأة أو الرجل عندما يقابلك أول مرة يسالك ليس عن اسمك العائلي بل عن قبيلتك

:"منين أنت فالخوت (أو) فالخواتات؟ " (هكذا يقولون)

نستفيد مما سبق أن المنطقة متنوعة وغنية من الناحية البشرية أان الجانب الثقافي لا بد متأثر بهاته الخاصية فنخلص إلى القول أن التصنيف العام للقبائل بين عربية وبربرية يدعمه تصنيف آخر وهو الذي يميز بين قبائل مستقرة زراعية وأخرى مرتحلة ممتهنة الرعي .فلا بد أن لهذا العامل كذلك تأثير مباشر على نوع اللغة المستعملة في الشعر ودرجة العمق وكدا تعقد أو بساطة الصور.للتأكد من مصداقية هذا الطرح سندأب على اختيار شعرائنا باحترام هذا التنوع فيكون منهم البدو العرب والحضر...


الفصل الثاني.

 الإطار التاريخي والاجتماعي لشعر الملحون و بعض أهم أنواعه

I- تأطير تاريخي واجتماعي للممارسة الشعرية في الجهة الشرقية:

ترعرع الملحون المدني (مقابل البدوي) في العرصات والفناءات المزينة بالخضرة والنافورات (الخصات)، وفي المعامل اليدوية للصناع وفي مخادع النسوة والبنات كما يشهد على ذلك الأستاذ بوزيد الكستاني:"كان الصناع-الخرازة، الدرازة، الدباغة- هم الفئة الاجتماعية التاريخية التي احتضنت فن الملحون وحافظت على ثقافته الشعبية في الحواضر المغربية مند قرون خلت."[15]

فقد ازدهرت هاته الفئات اجتماعيا واستقرت أحوالها المادية بما يدع لها مجالا للبحث عن الترف، كما أن طبيعة ممارسة الصنائع اليدوية الهادئة والنظيفة والممتدة طول النهار ساعد "لمعلمين" على اتخاذ "متعلمين"يساعدونهم زيادة على كون بعض المهن يشترك في أشغالها إضافة إلى الصناع، أهل بيوتهم من نساء وبنات وخدم...فتصير الرغبة في الترويح في نهاية الأسبوع ضرورة عائلية واجتماعية مستحقة ومحبذة لتقوية أواصر الترابط المهنية والعائلية على حد سواء.

وكانوا بذلك:"يقومون بنزهات بحسب الحرف والصنائع، فالدرازة بنزهاتهم، والخرازون كذلك، والدباغون مثلهم[...] يقضون سحابة كل جمعة في الأكل والشرب والإنشاد وما إلى ذلك من قصائد الملحون..."[16]

ولعل هذا ما طبع الملحون المدني برقة الإحساس وتنوع الصور والعمق في تعقب تفاصيل الجمال.فإذا أخدنا -من جديد-التعريف الأنتروبولوجي للثقافة بكونها "ما يأتي بعد الحجة" فإن ازدهار الفن والانصراف له يعبر عن تجاوز الجماعة مرحلة مرحلة البحث عن المتع الضرورية البدائية من أكل وشرب واختباء من البرد والتفنن في البحث عن أسباب المتعة والإمتاع.

أما الملحون البدوي فلم يكن له نفس الحظ، (أو قل أنه كان أكثر حظا بالرجوع إلى أثر ظروف نشأته في روعة قصائده وجمالية موسيقاه الخاصة) ذلك أنه تربى في رحاب الصحاري و السهوب وفي الطرق الوعرة للقبائل الرحالة وهي تبحث عن مستقر تمارس فيه فسحة الحياة، تحت ظلال الخيام في المقيل الحار أو تحت ظل شجرة غير مثمرة، خلف قطيع يدفعه الجوع والعطش أبعد فأبعد .

إنه سليل الشعر العربي الذي حملته قبائل بني هلال وبني سليم في رحلتها الطويلة و تحولها في الزمان و المكان من المشرق، لكنه مع الوقت تخلى عن الفصحى واختار الالتصاق باللهجة المحلية التي تحتفظ -في غالب الأمر- على نفس القوة والبداوة والصلابة والعمق للغة العربية القديمة. إلا أننا كلما تقدمنا في الزمن وابتعدنا عن هاته الظروف الأولى كلما تفسخ الشعر عن البيئته الأولى وتلون ببيئاته الجديدة. فنرى الشاعر من هؤلاء إدا دخل المدينة يصير زائرا مفتونا محكوما باغترابه الذي يزيد كلامه شجنا و نظمه جمالا، أو تحت أسوار أحد الأبواب الخمسة لمدينة وجدة (.لالة "وجدة" هكذا وردت في بعض تلك الأشعار.) وحين يقتحم أسوارها، فإن "القوال" يجوب أزقتها الضيقة يمدح النبي الكريم تقربا من الساكنات ويبث بعض حنينه وصعوبة حاله فتفتح الأبواب الموصدة وتطل المرأة أو البنت بما جادت به من خير المدينة لإكرامه:"لم يكن ذلك تسولا لحاجة مادية بل نوعا من التبادل الاجتماعي بين البدوي الذي عادة ما تكون قرابه مليئة مما باعه في السوق وأهل المدينة إكراما لحب القول أو حب الرسول أو هما معا..."[17] هاته العلاقة مع الحياة اليومية هي التي غذت الشعر فطبعته بمرارتها وحلاوتها لكنه لم يعطها إلا حلاوته وجماله.


ضمن الحوار الطويل والممتع الذي أجريناه مع الأستاذ محمد بن عبد الله مدير مركز الدراسات والأبحاث الغرناطية بوجدة، تعرفنا على تفاصيل لا زال يحتفظ بها في ذاكرته منذ الطفولة فأيقظ فينا فتنة خاصة جعلت كل همنا أن نتمكن من الارتواء أكثر من هاته الكنوز. كان يؤرخ لزمن كان فيه الشعر جزءا من طقوس اليومي،

:"كان البدوي منهم يتكئ على السور الخارجي لباب سيدي عبد الوهاب بعد أن يبيع ما حمله من غلة أو غنم في أحد الأسواق وقد ربط دابته بمقربة منه أو في أحد الفنادق، الوحيد الذي لا ينفصل عنه هو ‘بنديره‘ (دفه) الذي يساعده على محاكاة إيقاعاته البدوية لإطلاق عنان الكلام، يبدأ في القرع عليه بنشوة خاصة ثم يطلق بيتا أو بيتين معلقا على منظر أو على فكرة أو مصليا على النبي وحسب، وغالبا ما يكون الكلام تراشقا مازحا أو هجاءا صريحا لبعض السامعين من صناع او بدو من قرى أخرى أو...الغريب أن الرد كان دائما يأتي من مكان ما وفي نفس السياق.وهذا مما يذل على أن الجو العام كان يطبعه الهدوء، وقلة الحركة وأن الناس كانوا لا يزالون يمتلكون تربية سمعية تسترق الشعر وتنصت إليه بل وتتشربه حتى محاكاة وزنه وقافيته.ما يفتأ الرد أن يجيء من أحد الجالسين أو المارة، فيقول الأول

-:"واش تقول فهاذي يا فلان؟

-:" ثم يرسل بيته، وإذا لم يكن الثاني جاهزا غالبا ما يمتنع بقوله

-:"مازال ما حضرت لبديهة"

بمعنى أنه يبحث عن الجواب المناسب. وإذا حضرت فإنه يطلق الرد لتنساب "معارضات" يغلب عليها الهزل تارة والجد والحماسة القبلية تارة أخرى."[18]

وحسب نفس المصدر، فإن الواحد منهم كان يلقب ب"القوال "كناية على براعته في القول ومنهم الشحاذون والمتسولون الذين لا مورد رزق لهم، وهؤلاء يبدعون في القول طلبا للعطايا فيتأرجحون بين الهجاء والمدح والصلاة على النبي وكل ما يرضي المارة أو الساكنة:"أتذكر مسارهم بين" تلت اسقاقي" وطريق الشرشارة وهم يتلاكزون بالكلام، منهم من لم تعد لهم حرفة ولا عمل فقدم من البادية واستهواه العيش السهل والقول فاحترفه، ومنهم من هو عابر سبيل يحاول أن يجعل مروره ممتعا له وللناس."

قد يسمى "مول القافية" أو "القوال" أو " مول لكلام"...

أما النوع الثالث فهم بني قيل المعروفون بدفوفهم الكبيرة التي لا ينفصلون عنها مهما كان الغرض من خروجهم للمدينة، هم في الأصل كسابة أو أصحاب مال (غنم) يبيعون ما يبيعون في الأسواق وفي الزوال يجوبون الأزقة الضيقة للمدينة، يذكرون الله، ويطلبون العطايا العينية والمال...

كانت هناك فئة وصل ولهها بالقول إلى درجة الانسلاخ عن كل ارتباط عائلي أو مهني وممارسة التجوال والعشق والقول(أحيانا يكون هذا العشق تصوفا وأخرى يكون في النساء) لكنه وله بالجمال المطلق، وتغني بالجانب البوهيمي للحياة، هؤلاء يسمون "لمهابيل" أو "لمجاذيب" أو"لبهاليل" ...

أما عن المناسبات التي يحتفى بها بالكلام فنجد الآتي:

II- -أهم المناسبات والحالات التي كانت تؤطر ممارسة الشعر:

1-الوعــدة:

 وهي موسم سنوي يخصص للاحتفاء بولي صالح عادة ما تحمل إسمه"وعدة سيدي يحيى مثلا"كما تحمل إلى جانب ذلك اسم منظمها من القبائل و تحاول كل واحدة البراعة في الإكرام والفرجة لتبقى صورتها مرتبطة بالخير والرغد في ذهن العامة.

إدا عدنا لمعنى كلمة "وعدة" فإنه من مشتقات الثلاثي "وعد"ومنه"موعد وعِدَة ووعد " والفعل"وعَد" "يعِد" إذا كان الالتزام من جهة واحدة و"واعد"إذا كان الاتفاق، بين اثنين أو أكثر، باللقاء. و"المواعدة " اتفاق على اللقاء وعاهد عليه[19]


المقصود إدا هو التجمع واللقاء كتجسيد لوظيفة مهمة وهي الحفاظ على الكيان القبلي والاجتماعي وتزكيته وتقويته في مواجهة الأخطار الممكنة. و" الوعدة "، في الذاكرة الشعبية كذلك مرادف للوليمة الكبيرة والشبع حتى التخمة والترويح على النفس، فهي كما المهرجان في الثقافات الغربية، مناسبة للخروج عن المألوف لمجازاة النفس على تحملها إكراهات الحياة داخل الجماعة وتعميق الإحساس بالمصير المشترك لديها كما تفيد معنى مستقبليا واضحا حيث يعد طابعها السنوي رمزا للاستمرارية وتسلسل الزمن تعبير عن حياة الجماعة واستشرافها للغد الأفضل.

2-الســوق:

يكون عادة أسبوعيا يحمل اسم اليوم الذي يقام فيه في الحاضرة أو اسم القبيلة إذا كان محليا، والسوق ليس للسلع والتبادل التجاري فقط بل هو مناسبة للاستخبار عن الجديد في كل شيء، وهو مناسبة لنساء القبيلة ليقضين نهارا طويلا في عطلة عن خدمة الزوج، والأطفال لاتهام ما لذ وطاب في المساء فكل ما يأتي من المدينة طيب ومرحب به. فالسوق مناسبة للتواصل بمعناه العام، الغناء، الشعر، الزواج، المتاجرة، ...ملامح متعددة لممارسة واحدة: الحياة الاجتماعية.

3-الحـلـقـة:

يأتي اسمها من شكلها حيث يتحلق الناس في دوائر حول من يهمهم من حكواتي، شاعر، أو بائع أعشاب طبية، أو بهلوان...وغيرها من فنون الفرجة. تكبر الحلقة وتصغر حسب شأن منشطها وغالبا ما لا يكون وحيدا لحاجة الأمر لنظام خاص وحركة دءوبة للإمتاع وجلب الانتباه والمال معا. يشكل الأطفال قلب الحلقة جلوسا وبعدهم يصطف الشيوخ، ثم الشباب وقوفا، يسهر المنشط على الدعوة لاحترام النظام وتكبر مسؤوليته وسلطته كلما زاد المتحلقون حوله. تستثنى عادة النساء فهي مناسبة لتقارب جسدي ورفع للتكليف قد لا تسمح به شروط الحشمة والاحترام المفروضة على الجنس المؤنث. ويذكرنا نظام الحلقة التراتبية الاجتماعية واصطفاف أعضاء القبيلة في حالة التآزر والتراص ضد أي خطر خارجي حيث تذكر هاته الهيأة حالة الجماعة في حالات المواجهة: الدائرة هي الشكل الأقرب للتأكد إلى التضامن التلقائي في حالة هجوم خطر محدق، وهي رمز للتواصل السهل والاستمرارية في كل شيء، كما أنها كناية واضحة عن ربط الأول يالآخر أي الخلف بالسلف وهو المقصد الرئيس للتنشئة. وهكذا فالشباب هم العنصر القوى في النسيج الاجتماعي والأكثر قدرة على رد الخطر، والأطفال والشيوخ هم قلب المجموعة لأنهم لا يقوون على تحمل مهمة الدفاع على أنفسهم والأطفال يشكلون مستقبل القبيلة ورأسمالها البشري الذي لا محيد عنه لضمان الاستمرارية فهم في قلب كل اهتمام وفي مركز دائرة التنشئة والرعاية. أليس هذا من إيحاء ذلك النظام التلقائي والرائع. إن الحلقة بهذا المعنى ممارسة ثقافية للتنشئة بكل المعايير فهي تمرر ،في جو من المتعة الجماعية والتضامن المتبادل، ثقافة شفوية قائمة على العصبية القبلية، والحكايات المشوقة والمغذية لخيال الجماعي من جهة، وتلقن شروط احترام تراتبية السلط الاجتماعية والرمزية لاندماج مثالي في الجماعة.فبالإضافة إلى وظيفة التواصل الطاغية على هاته الفرجة، هناك المحاكاة حيث تمثل الحلقة

قبيلة مصغرة تقوي عند الفرد الإحساس بالانتماء والحماية داخل الجماعة في جو من المتعة والاحتفال والطواعية.

4- مناسبات اجتماعية أخرى:

من عرس وعقيقة وختان ومآثم...كلها لها شعرها الخاص بها وطقوسها التي لا تخلو من دور وسلطة الكلام.

أنموذج العرس الحالي بالشيوخ:

ميمون الشاعر شيخ محترف يعيش على الأعراس وغيرها من الحفلات، سألته أن يصف لي كيف يتم ذلك وفي ذاكرتي تفاصيل حفلة حضرتها مند الطفولة كان فيها شيخ يحسن التبراح وعازفون وراقصة.


 كان جل الحضور سكارى والشيخ يجبر الراقصة على التملق بالحضور بشكل مهين لها حتى تجلب له أكبر قدر من المال.يومها كنت صغيرة جدا لكني بكيت من الغيظ لما تتعرض له الراقصة من تحرش و عنف و قلت

-:"لا يمكن أن تكون هاته تقاليد بلادي"

طمأنني بلهجة بدوية نظيفة وقال

-:" الشاعر المحترم لا يعمل برفقة الراقصة أبدا لأن جمهوره من السماعين الذواقة و المحترمين اجتماعيا."[20]

 شرح لي أن ما رأيته كان نوعا من الفلكلور السوقي ولا يمت للتقاليد الشعرية الشرقية إلا بصلات النسب.

شرح لي أن الحفلة تنشط من طرف الشيخ /الشاعر الذي يلعب دور المايسترو وينسق بين الحضور والفرقة في جو من النتاغم المرح ....يستلزم الأمر على الأقل عازفا على آلة للإيقاع : بندير أو كَلال أو هما معا وآخر يعزف على آلة هوائية:القصبة ...يأتي الجمهور بأحاسيس يتمنى أن يجهر بها الشيخ وهو يدفع من أجل ذلك المال الكثير إذا توفر له، منهم من يعرف مسبقا بعض القصائد ويطلبها بعينها ومنهم من يعطي المعنى أو السياق للشاعر ويطلب منه ارتجال شيء او ذكره مما يعرف.فيقول مثلا

-:"جيبلي على الغربة،

-:"جيب لي على سميت مريم   (مثلا)

وبالإضافة إلى الشعر هناك "التبريحة "و هي عبارة عن موال يثير موضوعا حسب الطلب و يشيد بشخص أو بقبيلته لأنه من دفع مبلغا من المال طلبا في ذلك أو لأن بينه وبين الشاعر ود أو جميل يحفظه له، وقد تكون رسالة واضحة أو مرموزة لحبيب أو غريم أو...فنراه يمد المبلغ مشهرا غياه ويوشوش للشاعر فحوى التبريحة التي يرغب في سماعها.عادة ما يكون الحضور من الرجال بينما تختبئ النساء في مكان يمكنهن من الاستماع وإطلاق الزغاريد من حين لآخر.

التبريحة كلام موزون، مقفى لا يتعدى بيتين أو ثلاثة غالبا ما تبدأ بذكر الله والرسول (ص) كما في المثال التالي:

"باسم الله نبدا باسم الجوادي              سبحان الكريم الدايم مولانا

أرافع السما أخالق لعباد                   وأنت لكريم جود بكرمك لهوانا

و هاته نماذج أخرى كلها فخر ومدح وحكمة:

"خيار الهمة تجي على ولاد النسبة               ولي حر يظهر الي خافي لسناه

صاب بوه و جده و الحيا بيه تربى                ما يفوت ناسه إلا ربي عطاه

أو كذلك:

"خصايل الشنا تجي مرتبه               من هذا لذا كلها يلغى على أصلو

الي راجل راجل ينعر وين تربى        والي رقبة يجيب لعناية لهلو.[21]


التبريحة إذن نوع من "الكرسي"على حد تعبير الملحون وهي لحظة استراحة بين قصيدتين لكنها تتجاوز ذلك بكثير فهي شكل من أشكال التواصل الراقية يلتزم فيها الجميع بنظام خاص السلطة الوحيدة فيه والمطلقة للكلام. فيعجب الإنسان كيف يلتزم كل ذلك الكم من الحضور الصمت ويتشرب الأشعار بكل ذلك الحب.الناس لا زالوا يدفعون الغالى والنفيس لسماع اسم معشوقتهم أو قبيلتهم في قصيدة، ولا زالوا يهددون شاعرا بالسلاح ليرغموه على كف لسانه عنهم أو عن امرأة من قبيلتهم.كل هاته الأمور حدثني فيها وهو يتكلم كأنه خرج من كتاب تاريخي. ذكر قصة قصيدة جميلة سنوردها في التحليل واخبرني كيف دفعت له امرأة جميلة جدا كان زوجها لا يعيرها اهتماما كبيرا لشهرته وغناه فطلبت منه كتابة شعر فيها وفي قبيلتها لتثير غيرته، فعل ذلك تعاطفا معها لأنه على حد تعبيره لا يحب "الحكَرة"خاصة في حق النساء، أدت القصيدة المقصود وتعرض الشاعر للتهديد فكتب قصيدة لمدح القبيلة الغريمة واستعطافها أن ترأف بالشاعر والمرأة.تنفست الصعداء وقلت :"لا زال الشعراء بخير.

هذا أنموذج لعلاقة الشعر بالمرأة على لسان صاحبه ودون إضافات مسرحية.ذكرناه للنزول بالبحث من علياء النظري إلى ساحة الواقع فاكتشفنا أن للواقع فتنته وأن الشعر الملحون لا زال يملك مقومات الثقافة الحية وأنه من المؤسف إدخاله المتاحف الجامدة للفلكلور السياحي وإلباسه حلة السلعة القابلة للتصدير والبيع مع كل ما يباع على أرصفة ساحة سيدي عبد الوهاب. يمكن أن نحلم دون مبالغة بساحة سيدي عبد الوهاب وهي تحكي تاريخ المنطقة على شاكلة أاختها في مراكش "ساحة جامع لفنا"و أن يصبح الشاعر من هؤلاء لا يخجل عندما يمر به إنسان مثقف أو تلميذ بمحفظة أو طالب بكراس بل يدخل معه في حوار ثقافي تراثي راقي يمد جسور الماضي بالحاضر ويعيد النفس لهويتنا التي صار يكتسحها النسيان والتدجين.

هاته بعض المناسبات التي يتلى فيها الشعر الملحون البدوي عبر تاريخ الجهة الشرقية، أوردناها لوضع الأرضية التي يتكئ عليها ليكتسب وجوده مشروعية في الممارسة التلقائية للناس، وخلفية لفهم مدى أهمية الصور والتمثلات فيه ولتعليل ما سيلي من البحث عن خصوصية النوع المسمى بالنكادي وصورة المرأة فيه و كذا التموضع الواقعي للشعر البدوي بين أنواع الملحون بصفة عامة.

فما هي أهم هاته الأنواع و ما مدى تناولها موضوع المرأة ؟

II- أهم الأنواع الشعرية المتداولة في الجهة الشرقية:

1- الجفريات(أوالعروبيات) كمعبر عن الهموم الجماعية في الجهة الشرقية:

لقد أثار انتباهنا أن الجزء المكتوب باللغة الدارجة من الشعر الملحون يسمى ب"العروبي"حاليا فسارعنا إلى تفسير ذلك بكونه من نظم بدو وكونه باللغة البسيطة للعامة، لكننا عندما اقتربنا من الموضوع أكثر اكتشفنا أن للعروبي أصل تاريخي أقدم مما نتصور فهو فعلا يرجع اسما لكونه دارجا منتشرا لدى الفئات العريضة من الناس، لكنه معروف تاريخيا ، حتى قبل عهد التدخل الفرنسي

منحدرا من الشعر العربي القادم من الشرق مع القبائل النازحة خلال.والتي استقرت بالمنطقة الشرقية. فقد انتشرت القصائد العروبية/الجفرية ودأب أصحابها على تناول المواضيع ذات البعد الوطني والاجتماعي مع تحاشي التوقيع على عادة شعراء الملحون. وإذا كان البعض يسميه بالعروبي بالمعنى القدحي قاصدا بذلك ترتيبه في درجة ثانية للملحون الأصيل المعروف الأصل والمرجع وذي البصمة الخاصة لناظمه، فإننا ممن يعتقدون أن توخي الحذر في ذكر الإسم إنما هو لضرورة أمنية سياسية(الخوف من المستعمر أو السلطة) إن هذا إنما أفضل شهادة لالتصاق هذا الفن بالأرض التي أبدعته وبالناس الذين تربى بينهم الشاعر وبالهموم الأكثر مصيرية لوطنهم كافة.


إنها شهادة انتماء  وأصالة أكثر منها دليل تلف نسب وقلة أهمية.

أما عن معنى الجفريات لغة فهي من "الجفر "ومعناه البئر الواسعة العميقة"- حسب الملحوني[22] ،و هي كناية على ما اختفى وتحصن عن النظر. الجفرية عامة قصيدة تميزت بعدم الإفصاح عن اسم ناظمها بوضوح لما قد يجلبه عليه ذلك من أدى، كما اشتهرت بنزوع أصحابها إلى نوع من فنون المستقبليات حتى أنهم وصفوا بالمتنبئين. فكان الشاعر منهم ذو بعد نظر تاريخي ونظرة متفحصة للواقع تمكنه من استقراء بعض الدروس وصياغتها كاستشعار مستقبلي لمن يحيطون به من الناس حتى أن هؤلاء بدؤوا ينظرون له نوع من المتنورين المطلعين على أسرار الغيب(من حوارنا الشفوي مع السيد محمد بن عبد الله)

ورغم اشتهار هذا اللون في بداية القرن العشرين مع الاستعمار إلا أنه "فن قديم بقدم الشعر الملحون، وهو مع الأسف لم يشتهر منه على طول مدده إلا بعض العناوين نظرا لإذاعتها ونشرها بالوسط الحرفي التقليدي، ونظرا لتداولها جيلا بعد جيل، وهي قصائد أو عروبيات يتأمل فيها شاعر الملحون أحوال المجتمع والناس ذاكرا عيوب زمانه ووقته، مشيرا إلى مناكر أهله المنتشرة هنا هناك، معتمدا في نفس الوقت على ‘الرمز‘ وعلى ‘الإشارة‘ و‘التشبيه‘و‘المقارنة‘ وعلى ضروب أخرى من فنون البلاغة والتلاعب بالكلمات"[23]

أما في المنطقة الشرقية، فإن التاريخ يشهد لساحة باب سيدي عبد الوهاب بكونها ظلت مسرحا لفنون الفرجة لمدة طويلة، حتى أن الأستاذ الملحوني يصنفها في نفس مستوى ساحات مصنفة حاليا كتراث عالمي للإنسانية مثل ساحة جامع الفنا، ويذكرها إلى جانبها كمسرحين للملحون الجفري.

 وهو أمر يؤرخ للظاهرة الشعرية بمدينة وجدة ويرفعها من مجرد ترف فني إلى لون ثقافي بالمعنى الأنتروبولوجي للكلمة حيث يتضمن كل ما يتصل بأحوال الجماعة التي ينتمي إليها يؤثر فيها ويتأثر بتفاصيلها ويعبر عنها وبها عبر انصهاره ضمن المنظومة السلوكية اليومية للناس.

"نعم، فعلى مسافة طويلة من التاريخ المغربي نجد أن هذا الفن الشعبي الأصيل كان له منبران في ساحتين مهمتين:

-ساحة باب سيدي عبد الوهاب في وجدة بالمنطقة الشرقية.

-وساحة جامع الفنا بمراكش بمنطقة الجنوب المغربي.ولا يزال أهل الملحون الرحل يتذكرون جفرية سيدي أحمد الوجدي، المكنى (بعنقود الدالية)[24]

و نمثل على هذا النوع بمقطع من قصيد لسيدي أحمد الوجدي المكنى بعنقود الدالية يقول فيها:

"آش يصبرني على النواح أوعدي؟     واش يداوي مجروح كلامو فاح؟

آش يسليني على لقراح، أوعدي؟        واش تعبي ذنبي، ومهادر باح؟

هذا قاصد، وعيوب شلا نهدي  من لا ذاق هجران، يبقى سالي مرْتاح

شغلي دقيق، عامل جهد جهدي عذراوي عاشق، ولا نريد الْقاح! "[25]


نستطيع أن نستخلص من هاته الأبيات أن هذا النوع لم يكن يهتم بالمرأة كموضوع مباشر لنظمه وإن بدا من حين لآخر على شاعر بصمات عشق فهو من النوع العفيف والذي يركز على الهجران وآلامه"عذراوي"(عذري)، "لانريد لقاح"(لايفكر في الوصال).

أما في الوقت الراهن فإننا نصادف نوع الملحون البدوي الذي يسمى كذلك من قبل أهله لارتباطه بالبادية شكلا ومضمونا ولفظا وقاموسا، حيث يحمل كل خصائص الملحون بكونه"مغربيا قحا في ألفاظه ومعانيه وأصيلا في صوره وتشبيهاته، محتشما في قيمه وأخلاقه. ولهذا كان هذا اللون من الأدب الشعبي- بالإضافة إلى ما ذكر -رمزا من رموز الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها، فجاء بديلا عن الشعر العربي حيث أصابه الضمور واعتراه الركود والفتور..." [26]

لكنه لا يشكل امتدادا حصريا للعروبي بحيث يشترك معه في أصل انتمائه للواقع كأي إبداع فني لكنه أكثر تنوعا من حيث المواضيع فهو يجمع بين الاجتماعي النقدي، والعاطفي الصوفي، والغزلي الإباحي،و...

أما النوع الذي قد يجد بحثنا فيه ضالته من حيث الموضوع الأساس الذي يتناوله فهو النكادي الذي اتخذ من المرأة فضاءه الغني الذي يحتوي في سحره كل المجالات الشعرية الأخرى.

2- فن النكادي شعر المرأة بامتياز:

من بين الملحون اشتهرت الجهة الشرقية فن النكادي. وهو كما يدل على ذلك اسمه ، فإنه نشأ في أنكاد بين قبائل بني معقل وبني قيل وأهل أنكاد المتاخمة للحدود الجزائرية المغربية الحالية (.وهم كما بينا ذلك أعلاه من أحفاد بني هلال وبني سليم.)

-:" وهو فن شعري شعبي-زجلي، يتوسل اللغة العربية العامية العربية، وهو عبارة عن قصائد طويلة تغنى بحضور الجماعة، حيث تجمعها المناسبة: عرس، عمل، إزجاء وقت الفراغ...وتعتمد أسلوب المحاورة بين رجلين أو رجل وامرأة وهي قصائد مبيتة، أي تتكون من أبيات ذات شطرين (فراش وغطا، حسب اصطلاح الملحون) ، مما يمثل له ما يلي:

"تخبل عقلي كالمنسج حتى فاهم ما لـقى راس الخـيط

سديت ولا بغا يطلع لي وبقاو اخشابي واقفين مع الحيط." [27]

و لقد استقر اختيارنا على هذا النوع باعتباره شعر المرأة بامتياز. على حد تعبير الأستاذ عبد الصادق سالم :"إذا أردنا تصنيف النكادي حسب الأغراض الشعرية المعروفة [...] فإننا لا نجد بالأساس سوى غرضا واحدا رئيسا هو الغزل. فموضوع المرأة هيمن هيمنة مطلقة على هذا اللون من الأدب الشعبي، حيث نجد الغزل بنوعيه: العذري- العفيف، والحسي- المادي[...] أو الهجاء[...]

(وقد مثل للأنواع الثلاثة على التوالي في الأبيات التالية)

" فيك اما وفيك أختي فيك العمة وفيك جميع الخالاات

                                     شيطانك ديما امعايا واسلبت عقلي ياأميرة لبنات

*" سرحك مزينو بركية يا ديك اللابسا رهيف الكتان

                                          غلب الحرير فالرطوبة ولا حوتة مخلدة فالويدان

" كنت عندي كالتمرة فوق النخلة اخترتك العين

                                   ليوم رجعت خشفة نقبك البوشام لاحك فالطين."[28]


و مهما يكن من أمر فالهجاء هجاء للمرأاة والمدح مدح لها لكن التحليل المتفحص لهاته القصائد على ضوء المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية يجعلنا نؤكد أن المرأة المقصودة ليست دائما امرأة جسدية مخاطبة لذاتها بل هي، في غالب الأمر، بمثابة رمز:" ينطوي على الكثير من الدلالات ويختزل العديد من القيم والمثل الأخلاقية والوجودية والجمالية...فإن المرأة رمز للحياة –مصدر الكينونة، الخصوبة-مصدر الدفء-رمز للجمال المطلق...ولذا فإن حب المرأة والتعلق بها، إنما يعكس حب الإنسان الشعبي وتعلقه بهذه القيم التي تختزلها المرأة في جسدها وروحها، أي في كينونتها كلها."[29]

إن هاته الأنواع الثلاثة من النساء و التي أشارت لها الأبيات أعلاه تتوافق في رأينا مع النماذج الثلاثة للمرأة في عقلية الرجل الشرقي عامة فهي: تارة المرأة/الأم، الجسد المقدس المحتجب عن النظار ورمز الخصوبة والاسقرار وطاعة الله والأعراف القاضية بالعفة والتمنع وبالتالي فهي امرأة بلا جسد.

 وإما المرأة/الغواية وهي شبيهة بالشيطان في ممارستها السحر الذي يفتح أبواب جهنم بالمعنى الاجتماعي والديني كذلك، فإغراؤها خطر على كل الأنظمة والتوازنات القائمة تهدد الأعراف والقوانين التي هي عماد وقوف الكيان الاجتماعي بذاته. لكنها مع ذلك امرأة مرغوبة ولا تقاوم لأنها تمثل سلطة الرغبة الذاتية في الانفلات لسطوة القوانين المحبطة والمقيدة للنزوع الفطري نحو اللذة والمتعة.

أما النوع الثالث المنبوذ فهي المرأة /الساحرة ، الشر المطلق، التجسيد الفعلي لكل الهلع الداخلي القهري الذي يسيطر على الرجل الشرقي المترعرع تحت السلطة الأبوية والقبلية من الرغبة الكاسحة للجسد والسلطة المضادة للمرأة / الشبق التي لا تقهر شهوتها أبدا، فهي ليست موضوع رغبة وحسب كما ينبغي أن تكون بل ذاتا راغبة وفاعلة تعرف المتعة وتتفنن في إغراء من ترغب فيه من الرجال وجر رجله للخطيئة. إن الثقافة الشرقية، على العموم، لا تترك مجالا رابعا لتصنيف المرأة خارج هذا الثالوث المتنافر والمناقض والموغل في الانسجام في نفس الوقت، وتشكل الفواصل المحرجة بين هاته الأنواع المصدر الحقيقي لفتنة الرجل الشرقي البالغة حد الارتباك في شأن التعامل مع الجنس الآخر.

و هو رأي يؤكده معي الباحث محمد كداح حين يقول:"هاته الصورة تتميز بالتناقض والتأرجح :[فهي]

*موضوع جنس/[ومن هنا] التأكيد على البكارة

*الزوجة في صورة الأم .[العفة والتمنع]

*المرأة الشرهة التي لا يمكن إشباعها جنسيا"[30]

كما تصلُب هاته الثلاثية المرأةَ نفسَها في انفصام وتشقق يمنعها من قبول ذاتها كما هي بتفاعلاتها الجسدية و بأبعادها الروحية وإكراهات وضعيتها الاجتاعية والعائلية.

فالنكادي كنوع فني موضوعه المرأة لا يخرج عن الكليشيهات المتداولة التي ترسم وتعيد إنتاخ الجانبيات الثابتة وتوزع الأدوار المحددة مسبقا لكلا الجنسين داخل رقعة المجتمع، أليس هذا بالضبط المعنى السوسيولوجي للثقافة باعتبارها:"مجموع تلك الرموز والمعتقدات، والتصورات والقيم والمعايير، والتكنولوجيات والأعراف والتقاليد والنماذج السلوكية التي تتوارثها الأجيال واحدا عن الآخر وتكون هي محور التنشئة الاجتماعية بحيث تحول الطفل من كائن شبه متوحش إلى إنسان متحضر مندمج قادر على أن يستوعب تلك المفاهيم الثقافية وما تتطلبه من أدوار اجتماعية..." [31]


هذا بخصوص النكادي، أما إذا تناولنا الملحون بصفة عامة فإننا نصادف غرضا شائعا اهتم بتيمة المرأة وهو ما يعرف بالعشاقي وفيما يلي بعض خصائصه:

3-العشاقي: المرأة تجسيد للجمال والعشق المطلقين.

في هذا النوع، يتموضع الشاعر موضع الروح العاشقة المتيمة بالجمال في كل شيء، ويطلق العنان لرؤية رومانسية(بالتعبير الغربي) ترى العالم من خلال ستار الروح الشفاف المحب للكون والناس والله والقيم."فالعشاقي ليس الغزل ولا النسيب ولا الغراميات وإنما "العشاقي".[...]ليس كل شعر عاطفي غزل والعكس صحيح وما كل شعر محبة غرام ويصح العكس، وما كل اشتهاء حب وما كل نزوة هيام وهكذا..."[32]

فما قد يبدو وصفا للحبيبة قد يكون تغنيا بمكان مقدس كالكعبة المشرفة، أو مدحا للرسول الحبيب، وما يعبر عنه بعبارات الوله والتتيم قد يكون حبا صوفيا في الذات الإلهية فالشعر الصوفي يستعمل نفس القاموس اللغوي ونفس المواضع من شوق ولوعة وهجر ووصل ورضا وخصام...وغيرها، فهو يندرج ضمن العشاقي إلى جانب الشعر الوطني الحماسي، وشعر الذي يتغنى بالطبيعة والكون والحياة...هو إدا العشق بالمعنى الواسع والإفصاح عن العالم الرقيق للشاعر في علاقته بباقي العالم.

المرأة هنا ليست حاضرة كجسد لذاته وإنما كعذر للإفصاح عن مكنون الروح وكوسيلة للتعبير على مستوى معين من رقة الإحساس التي قد لا تبدو مقنعة إذا لم يحاكي في التعبير عنها التيمة العاطفية بامتياز"المرأة"فهي بهذا المعنى، لا تحضر كموضوع وإنما :"كفضاء يستلهمه في أغراض شعرية أخرى(...) سواء تحدث عن الإنسان أو تحدث عن الله:[فنجد في وصف الطبيعة]:

"لمطر كبعل يتباها              و الأرض زوجتو فحضاها

بمحاسنو بديعة لجمال تسود

و في الذات الإلهية

زار احبيبي بعد ما جفا          و تبدد كربي

وتيقنت بخاطري صفا           حين بغا قربي

واجدبني بالصدق والوفا                  واقلع عن حجبي

وفي مدح الرسول

ذآه علي بالحب عقلي شاق      واجمار البين اكدات فسفاقي

لو فاض بموجو بحر دفاق      محال يبرد نار اشواقي

....

بي حب الهادي ضي لرماق    هلي نظرا في بهاه برماقي" [33]

خلاصة الفصل الثاني:

مهما يكن من أمر هاته الجولة الممتعة في رحاب التاريخ الغني للملحون و خاصة تلك التي عرجت برياض الأنوثة الخصب فإننا نحتفظ بفكرتين أساس مفادهما:

1- شعر الملحون بكل أنواعه وفي كل مراحله التاريخية  فن مرتبط بالحياة اليومية للناس بشكل جدلي يبرز طابعه ليس  كنتاج اجتماعي وحسب وإنما-وهذا أهم- كمؤثر في الحياة ومؤطر لممارستها داخل المجتمع.

2-أن المرأة حاضرة عبر التاريخ الطويل لهذا الفن إن لم يكن كموضوع لذاته فهي تشكل فضاءا لمواضيع اجتماعية ودينية وثقافية أخرى.


بقي أن نذكر أن صورة المرأة على امتداد التحليل أعلاه لا تنفلت لثلاثية رمزية هي المؤطرة للتواجد المؤنث في المخيال الجماعي المغربي والشرقي بصفة عامة.فيما يلي سننتقل من النظرة العامة الموغلة في التحليل النظري إلى القراءة العملية لبعض النماذج الشعرية لشعراء من مدينة وجدة لنستكشف مدى صحة هاته الفرضية المثبتة أعلاه.وبل ذلك لا بأس أن نذكر بمفادها:

الجانبية العامة للمراة في المخيال الجماعي هي جانبية ثلاثية الأبعاد متنافرة العناصر ومتلائمتها في نفس الآن ومكوناتها كالتالي:

*المرأة /الروح الطاهرة/العفيفة/البكر/التي تجسد صورة الأم والأخت والزوجة المثالية.

* المرأة /الجسد/الغواية/الساحرة/الجذابة/الفاتنة والتي تجسد صورة العشيقة المثالية.

*المرأة/الشيطان/الشبقة/التي تغري لتحطم وتهجر وتنتقل أو (الأرملة السوداء كما في الثقافة الغربية ) .

فإلى أي مدى يعيد الشعر الذي حددناه كمجال لبحثنا هاته النماذج؟


 

الفصل الثالث

دراسة تحليلية لبعض النماذج الشعرية للجهة الشرقية

مقدمة منهجية:

للقيام بهاته الدراسة من جانبها التطبيقي مررنا بالخطوات العملية الآتية:

1-حددنا مجال البحث

2-زرنا الأشخاص المعنيين بالشعر للاستطلاع عن إمكانية توفر المادة وإكراهات الواقع.

3-تعرفنا على الأشخاص الذين يمكنهم التعاون معنا و سجلنا أسماءهم وعناوينهم و هواتفهم.

4-أجرينا حوارات معهم كل حسب مستواه و سجلنا ذلك.

5-استقراختيارنا على أربعة شعراء من أصول مختلفة ولم نتمكن من تمثيلية كل القبائل لكون أغلب هؤلاء الذين وجدناهم من قبيلة لمهاية وكأن المهنة مرتبطة بهاته القبيلة دون غيرها. كان بودنا اخذ عينات من شعراء بربر بنفس العدد الذي أخدناه من الشعراء ذوو الأصل العربي لكن ضيق الوقت وعدم عثورنا بسهولة على بعضهم حالا دون ذلك، نتمنى ان يكون لبحثنا تتمة تمكننا من التوسع في هذا البحر الشيق وان نتدارك هذا النقص الذي لا ينبع من تمييز مسبق ولا غقصاء متعمد للثقافة الأمازيغية بل هو عجز في إمكانياتنا وضيق في الوقت الذي خصصناه للبحث.

6-حصرنا اهتمامنا بالشعر المكتوب في موضوع المرأة و قررنا أن نجمع على الأقل قصيدة لكل شاعر.

7-سطرنا جدولا موحدا لاستخراج الأفكار من القصائد سنورده في المثن.

8-قمنا بقراءة أولية للقصائد

9-خلصنا على قراءة نهائية تقدم الصورة المركبة التي ترسمها كل النماذج مجموعة

10- قارناها بالفرضيات التي طرحناها مسبقا للتأكد من مصداقية تصورنا النظري فيما يخص الصورة التي يقدمها هؤلاء الشعراء عن المرأة.

فيما يلي الجوانب التي سنركز عليها في قراءة القصائد:

أ) الملامح الجسدية والروحية التي يذكرها الشاعر.

ب) الملامح الأسرية والاجتماعية التي يتناولها الشاعر.

 

مادة الدراسة:

الشاعر:السباعي بن ختو

قبيلة لمهاية./

 45 سنة

المهنة:شيخ محترف

إنه شاعر أمي لكنه يتمتع ببديهة سريعة وتلقائية في الإبداع لا نظير لهما.سألته أن يعرض علي بعض شعره لأسجله فطلب مني تحديد الموضوع وعندما فعلت قال المقطع المثبت أدناه(قصيدة1)، أعجبتني فقلت :"بأية مناسبة قلتها؟". فرد ضاحكا:" بمناسبة البحث"، فهمت أنه ارتجلها وأعجبتني فاحتفظت بها.

إنه شيخ محترف لكن أصابعه لا زالت تحتفظ بخشونة الحقول، وجسمه به رائحة القطيع والبادية، لديه بنت عمرها إحدى عشر سنة سألته إن كان سيجعلها تحفظ شعره  فقال أنها تكتبه مند اليوم ويتمنى أن تكون مثقفة وتهتم بالتراث.


 

قصـيـدة1

 

1-نبدا باسم الواحد الحي الدايم            والصلاة على النبي في القـــــــلب حلات

2-بعد صلاة الرسول في قولي ننظم               وسمعو لي نعيد ليــــكم يا خيات

3-في هذا الـــــــتاريخ راني نتكلم                 نسمعكم على الماضي واللي فات-

4-كانت بكري جمال ورحــــــيل مزهزم                  والعطوش مصنعينو للخودات

5-بيزار ومجدول زاخت العــــــارم               فوق صدرها طابعينو خلالات

6-الحنة ولوشام والصاق مــــــبرم                فوق الكعبة دارت الخلخال وجات

7-تقاليد زمان دي يا من تفــــــــهم                يا سامع نعطــــــي تاريخ التراث

8-عياد الفرسان للصيد تنــــــــــجم                يوم الحـــــفلة يزوقوهم بسلاحات

9-الطرحة والسرج بالملفة تخــدم                  والمـــــــــجبوب مزوقينو بالختمات

10-كيركب مولاه في صربو يــحكم              يلبس برنوس حـــــــطة وكلاحات

11-الصلة والجود والراجل يحــــشم              ديك الدنيا نـتتاع بكري فين مشات؟

12-باسم الشاعر دلقصيدة تـــــــــختم             الســـباعي راه نـــــــــاظم دو لبيات.

 

ثانيا:

ميمون سويس

السن :38سنة

المستوى  الدراسي:جامعي

المهنة :شيخ محترف

قبيلة:  لمهاية

ميمون الشاعر، هذا هو لقبه فهو شاعر في كل شيء، في كلامه وفي حياته وفي الدهشة الطفولية التي يتكلم بها عن حياته ، تمنيت لو كان البحث يتسع لتوثيق تفاصيل سيرته الذاتية كإنسان ممزق بين البادية والمدينة وتائه بين شظايا لصور المرأة الضائعة، على أن يكون ذلك بنفس السعادة التي يصف بها تفاصيل يوميه بين الأعراس والجامعة حيث درس الكمياء العضوية وأطلال العرب الرحل في الظهرة و...حياته تصلح لتكون إطارا للتوثيق لجيل بكامله من الناس عايشوا البداوة والمدنية عندما مسخت الأولى ولم تستطع الثانية الإفصاح عن محاسنها.شعره جميل لأنه يحب الحياة ولم ينسلخ عن أصولها الطبيعية في كل شيء.

لغته تتميز بالعمق وتنهل من قاموس كاد ينقرض وهو يستغرب حين أسأله عن معنى بعض الكلمات و يعلق "إنها لغة أجدادك فكيف لا تعرفينها"، بالطبع لا أملك الجواب

قصائده معنونة بأسماء نساء عرفهن أو يعرفهن ويحبهن كلهن باحترام غير معهود.

هو يملك سيارة وهاتف نقال ويحلم بالخارج.سألته ما سيكون مصير شعره هناك؟ فرد "ليس هنا بأفضل حال".

 

:القصيدة2: هــنــد

 

 

1-آش ادا عيني تشــتاه الباهية           واش ادا حـبي ليـها يختار

2-لو غير نظـرة من عين الزاهية                وفـوت آالـمـوت بي تصيار

3-هاد لغـزال لو حضروا الشراية                موحال يطمــع اللي مشرار

4-هاد لغزال عرفــت معنى وهوايا              حتى حبـــــها قلب لقدار

5-مدت لي يـدها لسـلام لكفاية           وطلبت متن الكل تاخد عني لسرار

6-هاد لغزال هيـفا تشــبه فجــازية               كلها وقـــلبو لها يختار

7-هدي عراض شراد قامت لها حيحاية                   تطرد كل ساعة هي مدعار

8-واصـغ في وصاف العذرة بالآية               و من كل حرف ناخد لي معــيار

9-........من نـور البدرين               نخلة في الرمل شـاعت و عـــلات

10-الدور على لكتاف ليســار وليمين            ظلمة قاويــة عفرت وسدات

11-أجي تشوف سيدي نعت الجبين              نجوم السما بانـــت وضوات

12-......يا نعات الحاجب يا زين                مرسوم بالقلم حبـرة ودوايات

13-مرفوعة كالنون مقوس ما بين               هم خانة طبعــــت لوصفات

14-سبحان خالقي سيـدي للعينين                 عينين المــها ـيعرف للنعات

15-و الخد فاكية كتجـمع نصفين                 لب التفاح طيب على الــوملت

16-خلال نيفـها يا عارف الزين                  سبحان خالــقي على الدرجات

17-والورد فــي بسماتــها والياسمين            هدا فمها خاتـم الصفات

18-والعنــق غير الصين منين          منين يندعر وينــطس هسهات

19-حفنـه بالعـــبر لازمو زوج يدين             ـد الريم هدا زاد الكيات

08/09/94

 

قصيدة3:حــليـمــة

 

1-واد قبلني عين وحاجب واشفار                  وسالف للطاليان عمري قصاتو

2-واشفايف بالعكر خاتم باعبار            وسنين العاج طــــبعو صنعاتو

3-عنق الصيني مالفجوع هرب بانهار             والبزول فات عبـــري قبضاتو

4-احليمة بالخير زايخ د الهجار           والخير في اوصافها دا تنعاتو

5-سكنتها بركم هولتني بالتشهار          شريفة مالأصل طلبو حرماتو

20/07/96

 


 

قصيدة:4

 

1سبحان الله بنا وعلا في لحواش               حوش اباها بين لــــجوامع فالجورة

2لغزال الي ساكنة مير الحراش               مبدول اعـــــــــرب أهـتلتو للشهرة

3هاد الريم بنات في قلبي لعشاش              غير نموت ولا الحبس والا السهرة

4يا غزال انت الدار وانتي لفراش                       وزينك ضوا علـي كالقمرة

5عينك كحلة وزايد الحاجب قداش             والسالف مبروم حرة د الـــــشعرة

6الطولة كالخوخ دلا في لحراش               ثمرة على أصــــــل من د الشجرة

 

 

قصيدة5:خديجة :تندرارة

 

1-شاش اقليبي للعرب نعمل روجــة        نمشي نزور مقام سيدس بختو

2-تعجبني د البلاد منظر وبهجــــــة        و كسابة د العرب بالرحلة باتو

3-من الدورة للشط صدو فالدجــــــا         كم قناقات بطحا فلجـــــــــــاتو

4-جحافات مقسمين بكراب وولــجة         و الصوان بماه يفخر تنعــــاتو

5-ناس الجود ملاح يكرمو من جــا         حسراه على ايام فالظهرة فــاتو

6-فرسان البارود واشيوخ الفرجـــة         حق لي ليه الحق د الزهو بداتو

7-لعياد مجردين كدا مسروجــــــــة         و بارود يخر يبعدهم صوتـــــو

8-من يفهم لبيات قسمتو يرجــــــــى        و من لا يعشق لاش تلف حياتـو

9-ينعدو لبطال واخبرهم يســـــــجى        و ايام الجياح كالمزنة فاتــــــــو

10-أيام العشق صاعبة مرة حــــدجة       سال العاشق في كنانــــو حرقاتو

11-دبلتني يا ملاح سلبتي علــــــــجة/منها خوكم راه كـــــثرة تــنهاتو

12-هاد العشق صعيب يخلجني خلجة/عشق العربيـــــات واعرة كياتو

13-يخرجو متلحفات تطبعهم سحجة        و اعيون كوابـــيس فالرقبة ثبتو

14-من تحت لثامات فالضحكة فلجة        و سنين العــاج و الناب وصاطو

15-والصاق المبروم بان على درجة        والغشوة مــــــثل القمر فسحباتو

16-هدا نعتي ليك ولفي خديــــــــــجة      قسمتي فالله طالب حرماتو

04/10/99

 


 

قصيدة 6

مزواري بندالي

60سنة

وجدي

متقاعد/شيخ محترف

بندالي رجل تجاوز سن التقاعد من عائلة وجدية عريقة كما يدل على ذلك اسمه.يتميز حديثه ، عن الآخرين، بالرقة في مخاطبة المرأة حتى تختفي آثار سنه من ملامحه ويصير اكثر شبابا. بلاحظ أن قصيدته تحمل الكثير من سعة المدينة ولطف الجو الحضري فهي تفيض حنانا وألفة على عكس الأخريات

كما أن امرأته أكثر طواعية وانسجاما مع رغباته من البدويات.فنلاحظ انسياب الصور بسلاسة وبدون أي عنف.

 

 

1-يا لايم لا تلوم لمحان قوية                 تفكرت الي انحب في قلبي نبغيه

2-على دا العنوان نكتب برية                نرسم القلب هاكدا نكتب عليه

3-ياروحي يا جوارحي يا عينيا              اسكنت في القلب و العقل ادتيه

4-من غيرك ما اعشقت عذرا سنية         جرح محاني راه ربي عالم بيه

5-كَالت لي يا احبيب مومو عينيا                     هات ايديك بالعهد نوفيه

6-ماغيرك مالي حبيب عندي فالدنيا        من بعد إلى فاق خاطري عندك نفجيه

7-ضلينا من الصباح حتى لعشية            لحبيبة ولحبيب فوق فراش التيه

8-لعبك يا الريم مثل الصبية                 خدك مرشوش بالعكر والشامة فيه

9-بدنك زهدان طاح في قيس عشية         عينك كحلة لا شافت العاشق تكويه

10-اسقيني واسقي لحباب رجل وولية      كاس الحب يدين تتخالف عليه  

11-كاس لعذاب راه يرجع بلية              لا طالب لا اطبيب حاكم ينفع فيه

12-يا عالم العلوم تعلم ما بي                 نتوسل لك بالرسول محمد نبيه

13-تقدر على الميتة ترجع حية              والحي إلا بغا قادر تفَنيه

14-تغفر ذنبي وذنب أمي وأبويا            بندالي طالبك تستاجب ليه

 


قصيدة 7

بومدين المطهري

45سنة

موظف في القيادة.

قبيلة عين بني مطهر

بومدين هو رئيس جمعية"ألوان وفنون من الأدب الملحون" وهو إضافة إلى نشاطه الجمعوي والفني موظف في قيادة.

شعره يحمل بصمات المدينة القاسية. والمراة التي يصورها هي مراة مضادة لكل الأحلام.لم ندرس كل شعره لكن الذي توفر في السوق بحكم انشغاله بعمله طول الأسبوع.غنه يسجل صحوة من نوع ما مقرنة مع القصائد التي سبقته من حيث أوصاف المراة فهي امراة لا جسد لها ولا ألفة في طبعها. لها سلطة خاصة من انقلاب الزمن و اختلال الموازين ، تقابل الضيوف وتكلم الرجال، وتسير امور بيتها، وتشتم م ن يشتمها ....باختصار غنها امرأة عصرية. متحررة. وهي في نظره مخيفة وخطيرة. إنه يؤرخ لقلق الرجل من وضع الجديد للمراة التي لاتدع مجالا للحلم.

 

قصيدة 7

 

1-شفت السارح يحكم في مول الخيمة/ما بقات حشمة ، شوفو لهاذ الوقت الغدار

2-حتى الي كانت يتيمة اليوم ولات حكيمة/تسـير فالضياف والراجــل فالـــــــدار

3-و الي كابر فالخير شفتو يتراما/ ما بقات حشمة  /غلبه الزمان مــا صايب قدر

4-وحتى الوعادي زمان كانت بالقسمة/بالنية والحكمة/ياكل المسكين والزاير والجار

5-وحتى الخير كان بكري يتراما/على البور والما /اكثر الجفاف وغابت لمطار

6-وضمضر اليوم حتى ولد الخيمة/وراحت القيمة/وراه هارب للتسع خايف مالعار

7-وكاين شي ناس ما عندهم كلمة/ما بقات حشمة/غاضك الى عاب كذاب وهضار

8-بصح اليوم غابت الحرمة/ما بقات حشمة /النية مشات رانا في زيار

9-طلبتك يا إله تستر د الأمة وتكثر النعمة واحفظنا يا خالقي وأانت ستار

10-و اعشرنا مع عريس القيامة أبو فاطمة         محمد احبيب مولانا الجبار

-11-أنا درت لكلام للي فوهامة و ناس الحكمة وطالب التسليم لكم يا حضار

 

 

 

قصيدة8

 

1-انت مجنونة وطحت في د البير           عامر اثعابين وعقارب و حْما

2-احـنا ما نظلموش وكبرنا فالخير          ويعرفونا ناس ــن أهل القيمة

3-واصلني لخبار و خممت كثير            قلت أنا نجــاوبك بذ الكــــلــمة

4-هذا صرفي ليك ونزيدك تحذير           بومدين معروف راه على الذمة

5-حتى جوابي ليك درته بالتفسير            قْرَايه مليح يا ذا الــمــســمـــومة

6-وجهت لك قرطاس والمدفع كبير                  و نفصلك طْراف يا بنت الهامة

7-نسقيك الســم درته لـك عصير            و نزيدك ســــروال بلا حزامة

8-و نطــلب الإله والنبي البشير                       تسكني جــهنم يـــــوم القــيامــة

 


 

 

جدول القراءة الأولية:

القصيدة/البيت

العبارة أو الجملة

الشرح اللغوي

ملامح المراة الجسدية/الروحية/ملامح الحياة الاجتماعية.

ق2/ب6

هيفا

رشيقة /هيفاء

الرشاقة والخفة في الحركة

طول القامة/خضرة العود كناية على الشباب/التشبيه بالشجرة إشارة للخصوبة والأنوثة الوافرة

ق2/ب9

 

نخلة فالرمل شاعت علات

طول القامة

ق4/ب6

الطولة كالخوخ دلا في لحراش

قامتها كشجرة الخوخ

 

ق5/ب13

و الغشوة مثل القمر

صفاء السحنة/بشرة الوجه

الوجه الأبيض الوضاح في إشارة للمرأة العربية

ق2/ب11

الجبين نجوم السما...

البياض

ق2/ب12

مقوس بقلم ودوايات

الدقة في الرسم/الحرقص

إشارة للتجميل التقليدي/ الملامح الواضحة والتقاسيم المحددة بدقة.لكن دون مبالغة في الترقيق.

ق2/ب13

مرفوع كالنون

 

ق4/ب5

الحاجب قداش

الحواجب الكثة/الغليظة

ق2/ب7

عراض

الإعراض/الرفض

التمنع وحدة المزاج

نوع من التوحش والبدائيةالتمنع/الحجبة/الحشمة

التمرد/عدم الإذعان للراغبين

المرأة غير الراغبة في الرجل.

ق2/ب7

مذعار

الذعر/الفزع/الهروب

ق2/ب7

شراد

شرد/ابتعد/ تاه

ق3/ب4

ذَ الهجار

كثيرة الهجر

ق6/ب8

لعبك يا الريم مثل الصبية

المرأة الطفلة

صغر السن علامة على الغذرية/من خصائص الزواج عند العرب صغر سن العروسة

الزوجة

الألفة والعشرة والأنس

ق4/ب4

أنت الدار أنت لفراش

إشارة للزواج على السنة والشرع

 

بنات في قلبي لعشاش

بني عشا في قلبي

ق2/ب10

الدور على لكتاف/ظلمة قاوية

الشعر الطويل/شديد السواد

الشعر الطويل /البدائية/الفطرية

البداوة/التوحش/الحرية

في حالة واحدة يتحدث عن الشعر القصير علامة التمدن والهجرة

 

 

 

ق4/5

سالف اطاليان قصاتو

الشعر القصير

ق4/ب5

السالف مبروم حرة د الشعرة

الشعر الغجري المتوحش

ق2/ب2

نظرة من عين الزاهية وفوت ا الموت بي....

نظرة قاتلة

العنف في التصوير/السلاح الناري/إشارة للقنص

العيون على العموم سوداء

تشبه عيون الغزال كبرا وضياءا

ق6/ب9

عينك كحلة لا شافت العاشق تكويه

نظرتك حارقة

ق5/ب13

عيون كوابيس

 

النظرة كطلقة الرصاص

 

ق4/ب5

عينك كحلة

العيون السوداء

ق2/ب14

عينين المها

تشبيه بعيون الغزال

ق1/ب5

زاخت/العارم

الأنيقة/الجميلة/الشابة

الأوصاف العامة:

خفة الدم/الأناقة/البياض/اللإمتلاء/الشباب/

ق2/ب1

الباهية

الوضاحة الجمال

ق2/ب2

الزاهية

المرحة/البشوشة

ق3/ب4

الزايخة

الأنيقة/

ق4/ب4

زينك ضوا

البياض

ق5ب11

علجة

بيضاء الجسم

ق2/ب19

الريم

 

ق6/ب9

بدنك زهدان...

جسمك من بياض الثلج

ق1/ب5

الخودات

الممتلئات/البيضاوات

ق1/ب6

فوق الكعبة دارت.الخلخال وجات.....

الخلخال كحلي للرجل

وصف الساق /لاختفاء باقي الجسم

تفضيل المرأة التي تتحرك/الساق المفتول وليس السمين

ق2/ب15

الصاكَ المبروم..

الساق المفتول العظلات.

ق2/ب8

وصاف العذرة بالاية

البنت البكر

البكارة

العذرية

الاحتجاب/الاحتشام/

ق6/ب4

عشقت عذرا سنية

البكر /المتدينة/المحتجبة

ق5/ب13

يخرجو متلحفات

إشارة للحايك كغطاء للجسم

ق5/ب14

من تحت لثامات..

اللثام أو البرقع للسترة

ق2/ب18

العنق غير الصين مني

 

وصف العنق/علامة على التحرر والخفة في الحركة وإشارة إلى عدم تغطية الراس.

ق3/ب3

عنق الصين المفجوع

عنق الغزال الهارب

ق8/ب1

انت مجنونة .....

المرأة الشمطاء

المرأاة /الشيطان

سليطة اللسان

تتحكم في الزوج

ق8/ب8

تسكني جهنم

جزاؤها النار

ق8/ب2

تسير فالضياف والرجل فالدار

المراة المتسلطة /ذات الشخصية المستقلة

ق4/ب1

حوش اباها بين لجوامع

بيت والدها بجوار الجوامع

الأصل والدين


الأوصاف الاجتماعية:

ق4/ب2

اعرب أهلتو للشهرة

أسرة عربية مشهورة

النسب العربي

ق4/ب6

ثمرة على اصل من د الشجرة.

الأصل الشريف

الصفات الاجتماعية:

الكرم/الجود/النسب الشريف/الفروسية/العروبة/

الارتحال/القنص والصيد/الفرجة/البطولة/الحكمة/الفطنة/

الذوق الشعري/الفصاحة/السلطة للجماعة/احترام القوانين/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التستر خوفا من المجتمع.

 

 

 

 

الخير العميم

 

 

بعض القيم الفاسدة مربطة بانقلاب الزمن مثل غياب الحشمة وحكم عديم الأصل وتسلط النساء.

 

ق5/ب5

ناس الجود ملاح يكرمو من جا..

الكرم والجود

ق5/ب3

صدو فالدجا...

ارتحلوا تحت جنح الظلام

ق5/ب6

اشيوخ الفرجة

الحفلات الجماعية

ق5/ب6

فرسان البارود

الفروسية

ق5/ب6

د الزهو بداتو

الفرجة والاحتفالية

ق5/

لعياد مجردين كذا مسروجة

البارود للصيد وللاحتفال وللقتال

ق5/ب9

وبارود يخر..

 

ق5/ق8

ينعدو لبطال وخبرهم يسجى

الشهامة والبطولةفي القوم

ق4/ب3

من يفهم لبيات

أصحاب الحس الشعري والذواقة

ق3/ب5

غير نموت ولا الحبس

القوانين القاسية على الشرف

ق2/ب3

شريفة مالأصل

شرف النسب

ق2/ب5

مدت لي يدها لسلام لكفاية

عدم مصافحة الرجال.

 

طلبت من الكل تاخذ عني لسرار

تطلب أخباره من غيره

ق2/ب3

محال يطمع لي مشرار

تفضيل ذوي الخلق الطيب

ق1/ب8

عياد الفرسان للصيد تنجم...

الجياد القوية والفرسان البارعة في الصيد.

ق1/ب11

الجود والراجل يحشم

الكرم والحياء والأصل الكريم

ق3/ب5

هولتني بالتشهار..

أزعجتني بالكلام عني وإشهار

ق7/ب4

ياكل المسكين والزاير والجار

الكرم والجود والخير

ق7/ب8

ما بقات حشمة

انقلاب الموازين الاجتماعية

 تبدل الأحوال مع دخول المدينة

قامت لها حيحاية

مراسيم صيد الغزال

إشارة لعادة الصيد لدى البدو

الصين منين ينذعر وينطس

الغزال إذا أصابه الذعر وهرب

صورة من الواقع البدوي

التفتة الغزال وهو يهرب

ق8/ب2

انا ما نظلموش

العدل والشهامة

ق8/ب11

درت لكلام للي فهامة

الحكمة وحب الشعر

التحليل:

I)الصورة الروحية والجسدية للمرأة:

إذا جمعنا شتات هاته الصور التي اشترك في نسجها أربعة شعراء من أعمار مختلفة ومهن مختلفة وقبائل مختلفة سنلاحظ انهم يضعون الخطاطة الأولية لرسم ملامح امراة متخيلة تتردد في كل الشعار الباقية.فما هي ملامحها الجسدية والروحية؟

1-الجانبية الجسدية:

هي امرأة فارعة الطول، رشيقة، لكن رشاقتها لا تصل حد النحالة، فهي ليست سمينة لكنها ممتلئة بما يرضي العين ويملؤها، هي انيقة في لباسها الذي يكون في الغلب طويل ولا يترك من جسمها للعيان سوى الوجه وفي بعض الحالات الشعر.

أ)الوجه والشعر:

وجهها أبيض فلا ذكر للسمرة في هاته النماذج، وبما أن باقي الجسم مغطى فإن الوصف يتركز على الوجه حيث تِخد تفاصيل تقاطيعه: الجبين، العينان ، الحاجبان ، الخدان،الفم، العنق.كما يتناول الشعر بكثير من العناية.

هي امرأة بيضاء الوجه، مضيئة الجبين، محمرة الخدين من الحسن ومن الخجل، عيناها السوداوتان جميلتان إلى درجة الفتك بالراغب فيها فهما "خنجران، مسدسان، رمحان....."، فمها مدور، رقيق الشفتين وأحمرها.

شعرها ينال القدر الكبير من الإطراء فهو طويل، قوي، أسود كالليل، حر، متوحش الجمال، بدائي التسريحة والطبيعة"حرة ذا الشعرة".نجد في ذلك دلالة عميقة لكون شعر المراة كعلامة على الأنوثة الأولية أصبح نوعا من الماضي مع خروج النساء للعمل واستعمال مواد التنظيف الكيماوية التي قظت على هاته الطبيعة البدائية للشعر العربي. كما ان ظهور عادات جديدة لقص الشعر عند المراة وتطويله عند الرجال.فكأن هذا التركيز على الشعر الطويل إنما هو حنين من نوع خاص لشيء كان حتى وقت قريب يميز المراة العربية.

الحالة الوحيدة التي يتحدث فيها شاعر عن شعر مقصوص هي حالة الحبيبة التي ستهاجر لأروبا "و الشعر للطاليان عمري قصاتو" وهي إشارة للتاثيرات الجديدة للهجرة سواء منها الداخلية او الخارجية على هدا الأنموذج الذي أصبح مهددا بالضياع.

ب) الجسم:

إن شعراءنا يفضلون المرأة الناهد ، الطويلة القامة، الممتلئة لكن ليس لحد السمنة، الأنيقة، الخفيفة الحركة.يركزون على وصف ساقها لأنه كل ما قد يروه من جسمها المغطى وهو أمر لم يعد ساريا في شعر اليوم كثيرا حيث انتقل الوصف إل مجالات أخرى اكثر تنوعا.

في هذا الصدد كنا نتوقع ، حسب الذوق السائد الآن، أن تكون المراة الأنموذج ممتلئة حتى السمنة لأن هناك بقايا في المخيال الرجل المغربي والشرقي على الخصوص ترفض الأنموذج الأوروبي للمرأة النحيفو وتعتبرها عيب. لكن إذا عدنا إلى لباس العربية الفضفاض فإننا نتأكد أنها لكي تبدو رشيقة وأنيقة فلا بد لها من نوع من الامتلاء. وان الأمر كغيره من الأوصاف نسبي غير نحدد بمقياس موضوعي واضح فما يصفه الشاعر بالهيفاء قد يكون بمقاييس العصر

2) الجانبية النفسية:

يعرض شعراؤنا ثلاثة نماذج للمراة مختلفة:

أ) ميمون الشاعر والمرأة "الشراد"

يستعمل لفظ الشراد لنعت الشاة او الغزالة التي لا تدعن للقطيع فهي تشرد في سيرها وتتعب السراح والصيادين والقطيع نفسه، وهي هنا كناية عن المراة الحامية الطبع الحادة المزاج المعرضة عن الرجال والمستقلة الشخصية، هي لا تعرض من قلة جمالها ولا من حكم أهلها ولكن لصعوبة الشروط التي تضعها في الرجل الذي قد يستحقها، هي محتجبة عن النظار لعفتها ودينها، واحترامها لجسمها.إنها صورة المراة /الأم التى تكلمنا عنها أعلاه على عكس المراة السهلة المنال التي تثير الغرائز وتتبع الخطى البليدة والسهلة لنوثتها فإن هذا الأنموذج يشع ذكاءا وفطنة وبلاغة.ففي الواقع، نصادف في القبائل التي تمتهن الترحال أوصافا للمراة شحذتها التجربة المريرة للمجتمع المتنقل وأملتها ضرورة التغير مع متطلبات العيش في الخلاء. الاستقرار و لزوم البيت هو الذي يعطي النساء سلوكهن المرن وسلبيتهن أمام الرجل والمشاركة في تجربة الترحال مع الأسرة والزوج تزيدهن صلابة ومعرفة بالحياة وثقة في قدراتهن على تسيير امور ذواتهن.إننا نجد مثالا على هاته النساء في الصحراء حيث المراة تجزؤ على غعلان رفضها لزوج لمجرد انه لا يعجبها، فتقول "ما قبلوهش جنوني"بمعنى ليس نوع الرجال الذي قد يرضي طموحها.

كما أن هناك نوع من النسوة ينهلن من العلم والتجربة والفراسة بما يجعل لهن دورا في التطبيب الشعبي أو غيره مما يعطيهن سلطة خاصة على الجماعة.

المثال الذي يثيره ميمون الشاعر غني و يستحق الانتباه لكونه يخرج عن المالوف ويسجل خصوصية ثقافية تنفرد بها البوادب والصحاري وخاصة ما امتهن أهلها الترحال.

 

ب) بندالي والمرأة المدللة /الطفلة:

يفتح الشاعر الثالث (القصيدة5) المجال لنوع تنبعث منه انوثة خاصة با رائحة البدخ المدني وبتصرفاتها اناقة البيوت الدافقة بالخير واللباس الناعم والعطور. هي لمراة لا تسمح بالوصال فحسب بل تتفنن في مممارسته كراغبة وليس فقط كمدعنة. "لعبك يا الريم مثل الصبية"وهي لا تأبه بالوقت وليست متسرعة وليس وراءها مراقبة"ضلينا مالصبح حتى لعشية"،كما تدخل مع عشيقها في طقوس متقونة وملاطفة يعرفانها.هنا يغيب العنف والنظرة القاتلة والأسلحة النارية من القاموس وتظهر الملاطفات"لحبيبة ولحبيب فوق فراش التيه".

إشارة أخيرة لسلطة الممنوع يجسدها الشاعر في بيتين اخيرين يستغفي فيهما لما بدر منه دون أن يلتزم بالتوبة فالأمر بعيد عن أن يكون ليحدث أول وآخر مرة.العكس تماما"من بعد لي فاق خاطري عندك نفجيه"

.

ج) بومدين/المراة مصدر الشرور:

المرأة عند بومدين شريرة سليطة اللسان جريئة ماكرة متسلطة ...باختصار:هي ليست أنثى بالمعايير التقليدية ولا العصرية.

هناك نكهة مرارة خاصة في حلق الشاعر تصبغ ذوقه وإحساسه بالمراة. فمن خلال الأنموذجان اللذان تناولهما نلاحظ نقمته على المدينة التي سممت كل شيء.فالأخلاق لم تعد كما كانت والنساء كمؤشر على التوازن انفلتن لكل سلطة وعثن في الحياة عبثا وتمردا. إن هذا الغظب المبرر لا يعادله في القوة إلا الحنين الذي يستعصي على النسيان والذي يذكرنا من خلاله الشاعر بالذي مضى من عهد الثقة والأمان والخير الاحترام......

إنه بهذا يضع نفسه في مفترق الطرق بين الماضي والحاضر ويثبت الوضعية المضطربة للإنسان المعاصر للحظة الانتقال من البداوة إلى المدنية.ليتها كانت مدنية كاملة بل هي مبتورة ومشوهة ولقيطة حيث لا تبقي على الماضي كما كان ولا تستشرف الآتي كما يجب ان يكون. إن هذا القلق الذي يعتري علاقة الرجل بالمرأة والعكس بالعكس نابع من اختلال الموازين التي كانت تؤطر الوضع القديم دون إرساء موازين في نفس القوة والصلابة للوضع الجديد فالنتيجة نوع من الضياع حتى على مستوى الحلم.وإذا كان الحلم غير ممكن فذلك أن الواقع قاسي بشكل لا يقاس.

د)بن ختو:المرأة التراث:

يشارك بن ختو صديقه بومدين في هم الحنين لمراة تطل من الذاكرة ولا وجود لها في الواقع. إنه يلطف سخطه بلفحات من الماضي ويتفنن في وصف التفاصيل التي كانت موضع استقرار نفسي لجيله. امراة بمواصفات تطمئن الرجل وتدفع عنه القلق المحذق بالرجل العصري.إن هذا الحنين للتقاليد إنما هو حنين لراحة الطفولة في حضن الم الطافح والغامر بكل معاني الاحتواء والعطاء.أليس داخل كل رجل طفل. داخل كل شاعر هناك طفل حالم وله ذاكرة: هذا هو الفرق الرائع.

 

II)صورة الأسرة والمجتمع:

إن النماذج الأربعة للنساء- أو بالتحديد الثلاثة لأن المرأة المبعوثة من التراث ليست إلا الوجه الأخر للمرأة الحلم المفقود وبالتالي فهي تلخص كل النساء في حسرة وحنين خاصين-.لم توجد مجردة عن إطارها الواقعي بل صورت في إطار عزز صورتها و أرجعها لأصلها الذي أفرزها فالشاعر لا يذكر المرأة إلا كعنصر يظهر بقوة ووضوح واقعه ويشهد عليه.

من الملاحظ أن لأنموذج الأول اقترن بفضاء المجتمع الرحب للعرب الرحل وشهامتهم وهمتهم وتقاليدهم المحافظة ونخوتهم وفروسيتهم وحبهم للكلام العميق المعبر والأصيل كجزء من ممارستهم اليومية. فالعذرية في المرأة تقابلها الفطرية في الخلق العام والالتصاق بالطبيعة في الحياة اليومية وبالتوحش كمرادف للحرية والأصالة والابتعاد عن التصنع. وقسوة القوانين والأعراف على العشاق تقابلها قداسة البيت الزوجي وحرمة الأسرة، وتوازن التراتبيات الاجتماعية بسيادة الحشمة والوقار واحترام الكبير والشريف الأصل وصاحب الحكمة.

إن هذا التبجيل للماضي يجب اخذه بحذر شديد من حيث هو تعبير عن نقمة على الحاضر أكثر من كونه رغبة في إحياء الماضي.فعناصر الماضي لا يمكنها الامتداد خارج إطارها التاريخي الواقعي والناس لا يمكن تجزيء عناصرهم وأخذ ما نريد وترك ما لا نريد فالمراة العصرية لها عيوبها ومحاسنها والمجتمع كذلك لهذا فإننا غذ نقاسم الشاعر من هؤلاء حنينه فإنما نحن نرغب في تأكيد فرضية وضعناها في البداية وهي أن الشعر في تناوله للمرأة كموضع إنما يعبر عن إحباطات جماعية وأحلام وأفراح قد لا تظهر في الحديث اليومي المباشر.

أما الأنموذج الثاني فهو يميط اللثام عم راحة الإنسن الحضري في تناقضات حياته رغم أن الناظر من الخارج يكاد يراها عبارة عن نفاق وتفسخ وإخلال بالخلاق، فالإنسان في المدينة يصير اكثر تسامحا مع أخطائه الخاصة ومع أخطاء الآخرين، و هو من أجل هذا ليس بالضرورة مصنف في حلقة الأشرار والمذنبين، إنه يعلم أن ما يقوم به قد يكون منافيا للدين والخلاق الفاضلة لكنه لا يطمع في ان يكون فاضلا وينعم بالخطأ كما يطلب المغفرة من أخطائه فيما بعد.إن الحضر بهذا المعنى إضافة للبدو بما هي ابتعاد عن التطرف في كل شيء وتهذيب للعنف الغريزي والسلطوي والعاطفي ليصير اقل مباشرة أقل حدة ، وبالتالي أكثر إنسانية.

بالنسبة للأنموذج الأخير فإن المدنية تصير بالنسبة لمن لم يستطع التأقلم معها، بمثابة صفعة لا يقبلها منطقه لأنها لا تترك مكانا لتوازناته القديمة وباتالي تخيفه وترعبه.تماما كما في مثل القصيدة السابعة حيث يقرع الشاعر جرس الخطر فكل اللأشياء التي كانت تشل أحجارا زاوية لبنائه المفاهيمي ضاعت وضاعت معها قدرته على إيجاد مكان لنفسه وقيمة لها.فالحياة الجديدة أنتجت قيما جديدة ليس من السهل تمثلها واستبطانها لأنها تحمل مذلولات تتناقض تماما مع السابقة لها: فالنفاق يصبح أدبا والتلقائية توحشا والاحترام خوفا و...إن تشييع الحشمة بهذا الكل المكرر"ما بقات حشمة" هو تشييع لقيم كان يرتكز عليها الكيان الاجتماعي فالحشمة هي تعريف للخضوع بدون نقاش او تمحيص لسلطة الكبر والقوى والأصلح...وهذا على عيوبه يشكل عامل استقرار في نقس الإنسان الخاضع عن طواعية واحترام ف"الحشمة" هي خليط من الخوف والاحترام والحياء...تمر من أب لإبن فالصغير كما يدعن للكبير ينتظر أن يدعن له ابنه وزوجته و....وعندما تختل إحدى حلقات هاته السلسلة فإن النتيجة هي السخط واللعنة والحلقة الضعف في هاته المعادلة والتي ترد لها كل المصائب لأنها تمردت هي المرأة لأنها الحجرة الأولى التي على خضوعها تأسس الجدار المتراص للتراتبية الأبوية للأسرة التقليدية.

خلاصة أخيرة:

يتضح لنا دون عناء أن هاته النماذج من اشعر الملحون البدوي تقدم صورة عن المرأة والمجتمع بشكل يعكس الآمال والآلام الأحلام وكذلك المخاوف والقلق الذي يهوس أجيالا بكاملها من الشعراء. وليس هؤلاء سوى متكلمون باسم أجيالهم.نلاحظ كذلك، وهذا أمر أثلج صدرنا أن مكانة الشعر لا زالت قوية ومتمكنة في الممارسة اليومية للناس رغم ما يبدو من إهمال لها.

لقد خرجنا من هذا البحث بفوائد تجاوزت بكثير قيمة المعلومات التي يتضمنها وهي كالتالي:

1-تمطنا من طرح مشكلة النسيان الذي يهدد هذا التراث الشفوي في اجتماع لمكونات المجتمع المدني مع مجلس المدينة وكان يحضره السيد رئيس الوكالة الوطنية لتنمية أقاليم الشمال، فكان صدره واسعا بان اقترح علينا المشاركة في تنظيم مهرجان سنوي للتراث الشفوي (للجهة الشرقية)يكون مقر فعالياته بباب سيدي عبد الوهاب. فرحبنا بالفكرة طبعا.

2-شجعنا ميمون الشاعر على طبع أعماله وتسجيلها في أقراص إلكترونية لتكون في متناول الجميع .

3-ربطنا علاقة مع جمعيتين للتراث وسنبقى على اتصال بهما لتعميق التعاون.(جمعية أنغام وفنون من الدب الملحون، الجمعية الوطنية للفنون الشعبية).و كذالك الأمر بالنسبة لمدير معهد الدراسات الغرناطية بوجدة السيد بن عبد الله الذي ربحنا معرفته كتراث متنقل وشجعنا على مواصلة البحث بتعاون مع المعهد.

4-على المستوى الذاتي كانت فائدتنا أكثر بأن اكتشفنا منجما حقيقيا لم يتم نبش إلا بعض الحفر السطحية لإزاحة التراب عنه وقررنا أن يكون هدفا للباقي من مسارنا وأولوية في اهتمامنا..

 

 

 

 



[1] - العياشي السريوب؟ "السرد الشفوي كنز مهدد بالنسيان"، ضمن التجديد العربي (مجلة إلكترونية)، 18 مايو2006

 http://www.arabnewal.com/index.php?rd=AI&AOIO=14275

[2] - نفس المصدر

[3] -نفس المصدر

 [4]  - الأستاذ مصطفى الرمضاني،"ظاهرة سونا في المغرب الشرقي . كلية الآداب ، وجدة،(الندوة )ص675

[5] - بوابة التراث المغربي، وزارة الثقافة المغربية.تاريخ المراجعة:ماي2006.

Http://www.patrimoine-maghreb.info/maroc/rubrique.php3?id-rubrique=43&lang=ar (

[6] - المختار الفاروقي، "زواج إنموقارن من وجهة نظر أنتروبولوجيا القرابة". منشورات عكاظ، غشت 1988، جمعية الجامعة الصيفية بأكادير، ندوة الثقافة الشعبية بين المحلي والوطني، (الدورة الثالثة)، ص. 299.

[7] - محمد كداح، "صورة المرأة من خلال بعض الأشعار الأمازيغية". كلية الآداب بالرباط، منشورات عكاظ، غشت 1988، جمعية الجامعة الصيفية بأكادير، ندوة الثقافة الشعبية بين المحلي والوطني، (الدورة الثالثة)، ص. 183.

[8] - رسم جازية"محمد الفاسي،معلمة الملحون، معجم لغة الملحون. مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية،الرباط، القسم الأول، الجزء الثاني ،ص49

[9] - الأستاذ عبد الله لعوينة ، "تقديم طبيعي عن منطقة المغرب الشمالي الشرقي".ندوة المغرب الشرقي صص21-25

[10] -نفس المرجع.

[11] - الطالبة زكية الطيبي،"قراءة تاريخية لمدينة وجدة من خلال أطباقها الشعبية. بحث لنيل شهادة الإجازة في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول ،/وجدة،2002-2003،ص10)

[12] - الأستاذ مصطفى النشوي، "أثر المتغيرات السياسية والاقتصادية على تطور السكان بمدينة وجدة،"ندوة المغرب الشرقي بين الماضي و والحاضر، الوسط الطبيعي ، التاريخ، الثقافة،منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،1986،سلسلة ندوات ومناظرات،رقم2، صص107-108.

[13] نفس المرجع،ص305.

[14] . ل.فوانو، وجدة والعمالة. ترجمة > محمد لغرايب، الطبعة الأولى، الجزء الأول، الفصل الثاني:القبائل ، السكن والأصول  هنا وهناك.

 

[15] -بوزيد الكستاني،  تاريخ الزجل الشعبي بتارودانت. منشورات عكاظ، الرباط، ص108

[16] - نفس المرجع، ص109

[17] - من حوار مع الأستاذ محمد بن عبد الله مدير معهد التوثيق والدراسات الغرناطية بوجدة.(بإذن منه)

[18] - نفس المرجع

[19] -  أبي الفضل جمال الدين محمد مكرم ابن منضور الإفريقي المصري،رسم "وعد". لسان العرب، .دار الفكر،دار صابر ،الطبعة الثالثة،1994 ،14 جزءا،الجزء الثالث،الصفحة426.

 

[20]- من حوار مع الشاعر ميمون سويس و بإذن منه.

[21] -نفس المرجع.

[22]- عبد الرحمان الملحوني، "المد التاريخي للشعر الوطني الملحون بمنطقتي المغرب الشرقي والجنوب المغربي(أدب الملحون)".مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1986،ندوة المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر:الوسط الطبيعي، التاريخ، الثقافة، 13-14-15 مارس 1986، ص641

[23]- نفس المرجع، ص638.

[24] - نفس المرجع، ص641

[25] - عبد الرحمان الملحوني"معالم من سيرة محمد الخامس من خلال أنماط الزجل الشعبي المغربي مشهد المقاومة"ضمن مجلة المناهل، منشورات وزارة الثقافة المغربية،فبراير2006، ص356

[26] - عبد الرحمان الملحوني،"بين الإبداع والابتداع".دار المناهل للطباعة، ضمن الغزل في الملحون، ملتقى سجلماسة الرابع لفن الملحون إقليم الراشدية، ماي 1991،وزارة الثقافة المغربية.

[27] - الأستاذ عبد الصادق سالم، "الملحون والنكادي:دراسة مقارنة"، المطبعة الجديدة، الرباط، ندوة الملحون والتصوف، ملتقى سجلماسة الثالث لفن الملحون-8-9-10يونيو1990.إقليم الراشدية، صص 70-71

[28] - نفس المرجع ص74

[29] - الأستاذ عبد الصادق سالم، "الملحون والنكادي:دراسة مقارنة"،المطبعة الجديدة، الرباط، ندوة الملحون والتصوف، ملتقى سجلماسة الثالث لفن الملحون-8-9-10يونيو1990.إقليم الراشدية، صص 75.

[30]- محمد كداح، "صورة المرأة من خلال بعض الأشعار الأمازيغية". كلية الآداب بالرباط، منشورات عكاظ، غشت 1988، جمعية الجامعة الصيفية بأكادير، ندوة الثقافة الشعبية بين المحلي والوطني، (الدورة الثالثة)، ص183

[31] -الدكتور محمد كسوس،"ملاحظات حول الثقافة الشعبية في تحولات المغرب الحديث".منشورات عكاظ،جمعية الجامعة الصيفية بأكَادير، الثقافة الشعبية بين المحلي  والوطني ،1-6 غشت 1988،ص33.

[32] - أحمد منهومة"بين الغزل والعشاقي"ضمن ندوة الغزل في فن الملحون، ملتقى سجلماسة الرابع لفن الملحون، ماي 1991، ص7.

[33]  -عبد الصادق سالم، "رمزية المرأة في شعر الملحون"، الغزل في فن الملحون،هنا وهناك،صص36-45.