مفهوم التاريخ




التأطير الإشكالي لمفهوم التاريخ:

ليس الإنسان كالحيوان يعيش لحظته الحاضرة ضمن دائرة
زمانية مغلقة ومحدودة انه يتمتع بقدرة على تمثل ماضيه واستيعاب حوادثه
وذلك ليحسن قيادة مصيره ومستقبله.
إن التاريخ يتدرج تحت لواء العلوم الانسانية ويختص في دراسة الانسان في
ماضيه ويتأثر هدا الماضي فيه ولم تتسن له هذه الدراسة إلا باكتشاف الكتابة
التي جعلت الانسان ينتصر على النسيان والزمن وكذلك الموت وأصبح بمقدوره أن
يدون خبراته وأن ينقلها من جيل لآخر ومن مكان لآخر ومن عصر لآخر.فامتدت
الجسور بين الأجيال والأزمنة.
إن مفهوم التاريخ يشكل بعدا أساسيا من أبعاد الوجود البشري. فالإنسان لا
يوجد بوصفه شخصا فقط ولا يوجد في علاقة تفاعلية مع غيره فقط بل وجود
تاريخي متعين في الزمان والمكان وجود تاريخي يصنعه الإنسان غير أن هدا
الوجود يصنع الإنسان أيضا.وتتولد عن هذه المفارقة في الوجود التاريخي
للإنسان الإشكالات التالية:
كيف يمكن أن تكون معرفتنا بالتاريخ معرفة علمية وموضوعية؟ 
هل تفيدنا هذه المعرفة في الكشف عن منطق التاريخ وسيرورته؟
هل الإنسان فاعل تاريخي وصانع له أم أنه خاضع له؟.




المعرفة التاريخية


إشكالية المحور.
كيف يمكن أن تكون معرفتنا بالتاريخ معرفة علمية وموضوعية؟
إذا كانت المعرفة التاريخية تسعى إلى تحديد معالم الماضي
باعتباره مجموعة من الوقائع التي حصلت في زمان ومكان محددين فإن استحضار
هذا الماضي ليس عملية سهلة لأن ذلك يقتضي توفر منهج خاص يعيد بناء الظاهرة
التاريخية انطلاقا من الوثائق التاريخية ولكن مع ذلك يضل بناء معرفة دقيقة
بالماضي يواجه عائق المسافة الزمنية التي تفصل الماضي عن الحاضر والتي
تجعل إدراك معاني ودلالات سلوكات وإنجازات الذين عاشوا قبلنا عملية صعبة
مما يتطلب استعدادا ذهنيا خاصا واحتياطا منهجيا كفيلا.
إن موضوع المعرفة التاريخية إذن يطرح إشكالية منهجية تتعلق أساسا ببناء المعرفة التاريخية وما تطرحه من صعوبات منهجية وهذا هنري مارو الذي يجعل المعرفة التاريخية هي معرفة علمية منظمة وصارمة ومخالفة لأي معرفة أدبية وطوباوية وأسطورية....لأنها معرفة خاطئة ومزيفة.
ولكن في مجال المعرفة التاريخية لا وجود لماضي خالص فكل ماض هو ماض مستحضر فقط فحسب ريمون ارون
المعرفة التاريخية هي إعادة لماضي انقضى وجوده ولا يمكن للمعرفة به أن
تكون إلا معرفة مبنية عبر بحث وتنقيب وتحقيق بواسطة الوثيقة والمؤرخ
ولكنها ليست أحداثا عشوائية بل منظمة ومعقولة ولكن رغم ذلك تبقى دائما
معرفة بعدية وجزئية ومؤقتة.إن معنى الماضي لا يتولد إلا في إطار علاقة
نقدية تباعديه تحاول ما أمكن الاقتراب من الماضي غير أنها لا تدركه بصفة
نهائية لهذا تبقى معرفة نسبية وهذا ما جهل غاستون غرانجي ينظر إلى المعرفة
التاريخية كإعادة لبناء الماضي فقط وكإديولوجيا لم ترق بعد إلى مستوى
المعرفة العلمية الموضوعية. 

التاريخ وفكرة التقدم


إشكالية المحور.
هل تفيدنا هذه المعرفة في الكشف عن منطق التاريخ وسيرورته؟
يقود التاريخ من حيث هو تسلسل للأحداث الماضية إلى
تساؤلات عن منطق التاريخ هل هو تقدم أم تكرار؟هل هو تقدم محكوم بضرورة أم
أنه يسير تحت رحمة الصدفة؟
إن فكرة التقدم تفرض علينا الوقوف عند هيجل الذي يرى التاريخ ليس بمثابة
ساذج لما يقدمه رواة الأحداث وليس أيضا تاريخ نظري يريد تفسير الوقائع
واستخراج العبر والدروس من الماضي بل إن التاريخ الحقيقي هو التاريخ
الفلسفي الذي يهيمن على الوقائع وينظر إليها من وجهة نظر غير مقيدة
بالزمان ذلك أن العقل هو جوهر التاريخ والعقل يحكم العالم ولهذا يرى هيجل
أن كل حدث من أحداث التاريخ إنما جرى وفقا لمقتضيات العقل.ومن هنا
فالتاريخ تطور ونمو لمنطق باطن لم تكن الشخصيات التاريخية غير أدوات
لتحقيقه دون شعورها بذلك.
إن التقدم التاريخي يحكمه منطق المتناقضات والاصطدامات والحروب والثورات
التي تؤدي إلى وضع للأمور أصدق وأفضل أما فترات الهناء والرخاء والسلام
والخلو من التناقض فهي ليست عصورا تاريخية. فالتاريخ الكلي هو تقدم الشعور
بالحرية. غير أن المادية التاريخية التي قد عد قواعدها كارل ماركس و انجلز
تنتقد هذا التصور المبني على صيرورة مثالية مجردة وتفسر أحداث التاريخ على
أساس العوامل المادية وحدها وهي ترجع أساسا إلى عوامل اقتصادية ف ماركس
وانجلز ينظران للتاريخ وللمجتمع على أنهما مسارح لعمليات تجرى وفقا لمنهج
الديالكتيك إن التحول من الموضوع إلى نقيض الموضوع ليتألف منهما في مرحلة
ثالثة مركب موضوع.
إن التاريخ هو عملية حركة وتغير من النقيض إلى النقيض يقول ماركس و انجلز
إن التصور المادي للتاريخ وتطبيقه الخاص على صراع الطبقات في العصر الحديث
بين البروليتاريا والبرجوازية ليسا ممكنا إلا بفضل الديالكتيك إن التاريخ
عموما حسب ماركس يتقدم بين قوى الإنتاج وينتهي هذا التناقض بميلاد مجتمع
جديد وبالتالي تاريخ جديد وحتى ريمون ارون نفسه
ينظر للتاريخ كتقدم نحو الأمام وذلك من خلال الاحتفاظ بنشاطات الجيل
السابق وتجديدها إنه تقدم يحكمه النشاط الإنساني المتراكم والمتسم بالطابع
العلمي.
ولكن كلود ليفي ستراوس وجه انتقادا حادا لفكرة التقدم
فالقول بما يعني قبول تصنيف وترتيب يسلم بهيمنة النموذج الغربي وبكونية
تكذبها الأنثروبولوجيا.فالمجتمعات ليست مطابقة بإتباع نفس المسار التطوري
الخطي بدعوى ضرورة التقدم لأن هذا الأخير لا يكون دائما منظما ومتواصلا بل
إن التاريخ والإنسانية جمعاء لا تشبه في تقدمها مطلقا الفرد الذي يصعد
سلما حيث يضيف في كل حركة من حركاته خطوة جديدة لتلك التي حققها.بل تشبه
لاعب النرد الذي يتوزع حضه على مجموعة من المكعبات التي يراها كلما قام
برميها مبعثرة على السجاد ومؤدية إلى حسابات مختلفة.فتراكم التاريخ لا يتم
سوى من فترة إلى أخرى وفق الطفرات والقفزات التي ينضاف بعضها إلى البعض
لكي تشكل تركيبة ملائمة. 

دور الإنسان في التاريخ

إشكالية المحور
ماهو دور الإنسان:هل الإنسان فاعل تاريخيي؟بمعنى هل هو صانع للتاريخ أم خاضع له؟
يمكن اعتبار التساؤل عن دور الإنسان في التاريخ
استمرارا للتساؤل عن منطلق التاريخ بصيغة أخرى. فالتاريخ هو أحداث ووقائع
تقف ورائها اختيارات وقرارات.فهل يعني هذا أن الإنسان فاعل تاريخي حقا؟.
...فهناك التصور الهيجلي
الذي يرى أن الإنسان مجرد وسيلة في يد الضرورة أو بالأصح في يد العقل أو
الروح الموضوعي الذي يوجهه ليحقق غايته حتى لو كان هذا الإنسان
عظيما.فالعظيم يصنع التاريخ بقدر ما يصنع التاريخ هذا العظيم.
وإذا نظرنا إلى تصور سارتر
للتاريخ لوجدنا أن التاريخ في رأيه إنها هو قصة تسجيل الفعل البشري لذاته
في صميم الواقع المادي وحينما يتحدث سارتر عن الممارسة أو البراكسيس فهو
يعني به كل نشاط بشري هادف أو كل فاعلية إنسانية ذات دلالة. فالإنسان هو
الوجود الذي يملك 
إمكانية صنع التاريخ ولا تظهر هذه الإمكانية إلا
بظهور العملية الديالكتيكية ومعنى هذا أن التاريخ لم يبدأ إلا حينما جاءت
بعض الأحداث غير المتوقعة فعملت على التي عملت على إظهار ضرب من التصدع في
حياة الناس ومن تم فقد تسببت في حدوث ضرب من التناقض وحينما حاول البشر
العمل على تجاوز هذا التناقض خلقوا مؤلفا جديدا كان من شأنه تغيير عللهم
وهكذا يظهر التاريخ إلى عالم الوجود.والحق أن أهم سمة تميز الإنسان في رأي
سارتر هي قدرته على تجاوز أي موقف كائنا ما كان ولهذا يؤكد سارتر أن البشر
لا يصنعون تاريخهم إلا بفضل عملية التجاوز المستمرة التي تسمح لهم
بالامتداد إلى ما وراء ظروف حياتهم فالأحداث البشرية في رأي سارتر لا تقع
نتيجة لأي مخطط خارجي سابق كما أنها لا تندرج مطلقا تحت أي نظام محدد أو
مقدر سلفا وكأن تفسيرها قائم منذ الأزل في لوح محفوظ ولكن المفكر والسياسي
الإيطالي ميكيافلي
يرى عكس ذلك فهو يقول بأن الأحداث التاريخية يحكمها القضاء والقدر وأن
الأمور تجري وفقا لمشيئة الحظ غير أنه لا يتوقف عند هذا الحد فالإنسان
بدوره قادر على تغيير ومواجهة هذا القدر بفضل إرادته القوية وهكذا
فمكيافلي يربط التاريخ والأحداث بمكونيين أساسيين هما الإنسان والقدر

Comments