03 - الحركة العامية أو ( العامة ) ( كومونة باريز في الجبل ) 1889-1890م



لقد كان مجتمع الجبل في هذه الفترة مجتمعا ً عائليا ً : عائلات كبيرة بنفوذها مثل آل الأطرش و عامر و الحلبي , و عائلات أصغر : هنيدي و نصر و أبو عساف و أبو راس , و العائلات الصغيرة تأخذ بتنظيم بعضها مع العائلات الأكبر منها أو مع بعضها لتشكل مجموعة كبيرة تحمي نفسها من تسلط العائلات الأكبر , و لكل عائلة شيخ معترف بنفوذه , و شيخ البلد يرحّل و ينزّل , و يوزع الأراضي و الدور للسكن حسب هواه للذين يستفيد من خدماتهم و دعمهم لمشيخته , و قد تكونت العامة في الجبل من ثلاث فئات هي :

1 – فئة المرابعين الذين يعملون في أراضي المشايخ بحصة من الإنتاج مقدارها ربع الغلة .

2 – فئة المهنيين و الحرفيين و التجار و الفلتية .

3 – فئة الفلاحين الذين يسكنون في بيوت و يعملون في أراضي لا يملكونها لأن المشايخ باستطاعتهم ترحيلهم ساعة يشاؤون و لأبسط الأسباب .

ازداد التناقض بين العامة الكادحين و المشايخ المستغِلين و لم يعد توزع الأراضي على الشكل السابق القادر على حفظ التوازن في المجتمع , ثم جاء سلوك أربعة من الزعماء المستغِلين ليؤجج نار الثورة و يدفع بالحركة العامية لخوض معارك دامية في سبيل الكرامة الإنسانية و رفع الظلم عن الفقراء و تثبيت حق التملك في الأرض بدون ترحيل و هم :

1 – إبراهيم الأطرش الذي ظهر بعد تسلم المقامية كأنه موظف عند الدولة العثمانية ينفذ سياستها ليثبت زعامته .

2 – شبلي الأطرش الذي جاء ينافس إبراهيم معتمدا ً على العامية للوصول إلى الزعامة الأولى .

3 – وهبي عامر الذي حرك العامية في المقرن الشمالي لعزل إبراهيم الأطرش و الوصول إلى الزعامة الأولى .

4 – سعيد نصر في المقرن الغربي ( نجران ) الذي أنشأ حركة العشائر المعارضة لإمتداد الزعامة الطرشانية و محاولة حصرها في المقرن الجنوبي فقط .

و يقول بذلك حنا أبو راشد ( عندما وجد سعيد بيك نصر أن بني الأطرش قد وطدوا زعامتهم في الجبل و أن إبراهيم باشا وضع يده بيد الدولة العثمانية , أبرز حجة فيها إمضاءات جدود كثر من العشائر من إمارة بني بشر , و في مطلع سنة 1886م دعا إلى نجران زعماء عائلات : ( فاضل – القنطار – الحجلي – زهر الدين- كيوان – عزام – عريج – نصر – حمزة – الزاقوت ) و تلا عليهم الحجة و مضمونها :

إن إمارة بني بشر المؤلفة من ثلاثمائة شخص نزلت في كفتين من قرى الجبل الأعلى بحلب , و منها تفرقوا في البلاد بعد أن كتبوا حجة مؤرخة سنة 800م , فوقع عليها نجم الدين و ابن عمه فاضل يعترفان بها أن العشائر المدرجة أعلاه هي من أصل إمارة بني بشر , و أن الحجة ظهرت عند عبد الكريم في حاصبيا , و آل الزاقوت وضعوها معه بصفته شيخ روحاني , و أن سليم كمال و سلمان حمزة من عتيل استحضروا الحجة من بيته في خلوات الكفير من أعمال حاصبيا و ذلك سنة 1885م و من مزاياهم إذا قرروا أمرا ً نفذوه , و بعد أن أطلع عليها المجتمعون وقعوا عليها إمضاءاتهم و زادوا عليها : بصفتنا أبناء عم من لحم و دم نتعاهد أن كل منا يهدر دماءه في سبيل تعزيز أي فرد من أفراد هذه العشائر المتضامنه بالدم و النار , و المعاهدات التي يوقعها هي مقدسة بنظرهم .

كان إبراهيم الأطرش قد استقر في عرمان مع بعض العائلات القوية برجالها و قد جرب التحكم بأمور العامة و انتزع من آل القلعاني السيطرة على مياه حبكي , و أجبر الرعاة و البدو على تأدية ( القلاط ) مقابل إرواء مواشيهم من هذه الينابيع , و لما أقام إبراهيم الجرمقاني وليمة أكبر من وليمته غضب منه و أمره بمغادرة عرمان بحجة منع الإسراف , و كان العامة قد زاد استياؤهم من كثرة السخرة التي يقدمونها للشيخ : تسخيرهم للحصاد , و جمالهم للرجيدة , و غير ذلك من التحكم التعسفي , الذي جعل العائلات تقف بجانب الجرمقاني و تشكوه إلى شبلي الأطرش الذي حضر إلى عرمان للتوفيق بين نجم و العامة , لكنه شجع العامة متأملا ً أن ينقل شقيقه يحيى لزعامة عرمان الغنية بأراضيها و الأموال التي يدفعها الواردون ينابيع حبكي , لكن نجم الأطرش طلب مؤازرة إبراهيم الأطرش شيخ السويداء لمساندته فقوي الخلاف و كان شيخ ملح مستبدا ً بسلطته مثل شيخ عرمان , فجرى اتصال بين الفلاحين في عرمان و ملح و امتان و الهويا , و اجتمع في خربة المجدل ( مجدل الشور ) التابعة لعرمان ستة أشخاص أولا ً هم :

( إسماعيل العطواني و صالح الحلبي من عرمان – صالح غزالة و صالح رزق من ملح – و حمد العيسمي و قاسم الدبيسي من امتان ) و اتفق المجتمعون على البدء بالحركة العامية و دعوا لإجتماع كبير موسع في نفس المكان في نيسان سنة 1888م , و قد وقع المجتمعون البيان التالي :

وثيقة مجدل الشور 80 توقيعا ً :

الحمد لله وحده , سبب تسطيره الإفتراءات و الطمع و التعديات الجارية علينا من جهة مشايخنا , و بما أنهم تعمدوا تنكيلنا و نفينا من محلاتنا و من كامل المقرن بدون تعديات منا و مرادهم محاربتنا بعضنا لبعض , و بما أننا عمرنا القرايا و سكنا بها و تخسرنا خسائر جسيمة عليها , و لنا منذ ثلاثين سنة و بأعظم المشقات خاضعين لأوامر مشايخنا و لتلبية كل شيء لمرضاتهم , و ندفع لصندوق الخزينة العامرة بالأموال الأميرية , و نحافظ على تحسين النظام و على الشرف و الناموس , و في سائر الأحوال , ثم نقدم أنفسنا و نرخص أرواحنا و نسفك دماءنا و نرخصها في سبيل الحمية و الشرف أمام شيوخنا , و مع سلوك هذا السبيل وجدنا قلة الإنصاف منهم فقد قررنا و اجتمعت أراؤنا نحن الواضعين أسماءنا و أختامنا في أدناه على أن نكون متعاهدين متناصرين على كف التعديات عنا , محافظين على صوالحنا و على تمشي الحقوق و تعديل النظام في غاية النهى .

و إننا إذ صار علينا تعدي مثل رحيل أو تغيير أحوال تحل بعماراتنا و تمس صوالحنا الخيرية أو الناموس , نقوم يدا ً واحدة بدون أن يتأخر أحد منا , و على هذا القول الله و نبي الله شهيد , و الذي يهمل معاضدة ربعه من الأربع قرايا المقرين بكتب هذه المضبطة يكون بريء من الله و من أنبيائه و لا يجد شفاعة يوم قيام الساعة بل عليه لعنة منا من الأرض إلى السماء , و يكون رأسه خال من الناموس و الشرف و الحمية و لا له بين الغانمين مقعد و لا في السماء مصعد , بل تكون حرمته أجل منه في سائر الأحوال , و الذي يغير أو ينحرف من طريق ربعه يكون مستوجب بعدل و استحقاق من الله و من العبيد بجميع هذه الشروط المذلة و المشحونة بالإسفاف .

و بما أننا قرينا على أنفسنا جميعا ً و قبلنا كقابلي الحجج على أنفسهم طوعا ً من غير كره و لا إجبار و تعهدنا و تكفلنا بالقيام بمضمون هذه الوثيقة برضى و قبول ألزمنا القيام بموجبها لزوما ً شرعيا ً , و للبيان حرر في 15 شعبان 1306هـ ( نيسان 1888م ) .

حسين صيموعة – قاسم غزالة – خليل كيوان – إسماعيل العطواني – حمد النجم جربوع – صالح الحلبي – حمد الزغير – نجم العطواني – حسن طربيه – يوسف الصفدي – أسعد عزمي – قاسم الشريطي – زين الدين رشيد – قاسم نعيم – إسماعيل الدين – إبراهيم الجرمقاني – محمد العطواني – منصور الدعبل – صياح أبو حامد – محمد أبو دهن – حسين عزمي – علي رزق – رستم مسعود – سلمان القنطار – محمد جابر – حسين بدوي – حمد صيموعة – يوسف الجغامي – بو حمد القاضي – محمود منذر – هزيمة نعيم – أحمد منذر – حمد سليم – حسين الشمندي – عثمان أبو راس – محمد ملاعب –حمود كيوان مراد عماد – محمد العيسمي – حسين نجد – جبر الجمال – قاسم بو سعيد – خطار الأحمد – بشير كيوان – محمد نعمان – علي رافع – علي رشيد – محمد الشعار – فارس الدبيسي – يوسف العيسمي – فارس أبو قانصوه – أمين العيسمي –سلمان العيسمي – محمود جابر – فهد الحلبي – سليمان لأبوه رموش – فارس الشاعر – علي سعيد – فهد أبو عاصي – يوسف جودية – إسماعيل الكريدي – حمد زين الدين – محمد أبو غازي – حسين الشاعر – يوسف بو مغضب – عجاج بو مغضب – علي بو مغضب – بو يوسف الخطيب – قاسم عزيز – عامر الصفدي – حمد قطرب ( 82 توقيعا ً ) .

و لما تأكد شبلي الأطرش من أن قوة العامية التي ضمت الكثير من الزعماء الأقوياء , انضم إلى المعسكر الشعبي و راح يجوب أنحاء الجبل داعيا ً إلى التمرد على الأنظمة الحكومية متهجما ً على الإقطاعيين و تعسفهم و استبدادهم , و قد نال وعدا ً بأن تبقى أملاكه سالمة بأكملها ( ربع أراضي عرى )

و قد ورد في كتاب محافظة السويداء ما يلي : ( إن شبلي الأطرش كان ينافس أخاه إبراهيم على النفوذ في السويداء و يعارضه على انجرافه مع الدولة العثمانية و يعيره من أجل ذلك بلقب ( أبو طربوش ) , و لعل هذه المعارضة استرضاء ً لعواطف الأكثرية من أبناء الجبل التي تكره الأتراك و تسيء الظن بهم , و مهما يكن من الأمر فقد كان لشبلي الأطرش اتصالات كثيرة مع رؤساء الحركة العامية تهدف لتشجيعهم و الإفادة من حركتهم , و لعل من الطريف أن نذكر أنه حرض الفلاحين في قريته عرى على أن يهاجموه علنا ً , و قيل أن هؤلاء تكتلوا فشكلوا قوة أطلق عليها من باب المزاح اسم ( حزب الزمنطوط ) أي رعاع القوم , و راحوا ينددون بالإقطاعية و بتحكم الشيوخ و سوء تصرفهم .

و لكن شبلي الأطرش يهاجم بقصائده حركة العامية و يصفها بالتخريب و الفوضى , لذلك يرجح أن شبلي الأطرش أبدى أول الأمر إرتياحه من مقاومة الفلاحين لبعض أقاربه المنافسين له ثم شجعهم على هذه المقاومة دون أن يتوقع تطورها إلى ثورة شاملة ضد الزعماء كلها , و ربما أدرك كلهم فيما بعد أن نجاح الثورة أمر واقع فأسرع لمسايرتها أملا ً بأن تكون نتائجها عليه أقل ضررا ً و أخف أذى , و هذا ما تحقق بالفعل حيث سمح له الشعب بامتلاك ربع أراضي قرية عرى بينما لم يسمح للشيوخ الأخرين إلا بنصف الربع في القرى التي يتزعمونها , أما فيما يتعلق بأهداف العامية فيمكن أن نجملها فيما يلي :

1 – وضع حد لتحكم الشيوخ و سوء تصرفهم مع الفلاحين .

2 – عدم ترحيل الفلاحين من قراهم و من الأراضي التي يزرعونها.

4 – تطويب الأرض لضمان امتلاكها .

5 – أن يكتفى للشيخ بملكية 1/8 أراضي القرية و هذا ما يسمى بنصف الربع .

6 – أن يكون للفلاحين الحق في تعيين مخاتير يمثلونهم و يهتمون بمصالحهم .

أما الأطارشة الأخرين فقد تصلبوا ضد هذه الحركة لأنها تحد من تسلطهم و تنزع نصف أراضيهم و قد جرى أول اشتباك في قرية ملح في صيف 1888م و أسفر عن مقتل شخصين ثم انتقل القتال إلى عرمان حيث قتل خمسة عشر رجلا ً و إمرأة .

اضطر الأطارشة بعدها للجلاء إلى المقرن الغربي , و في السويداء دام القتال طوال النهار و أسفر عن مقتل أربعين شخصا ً , ثم ارتفع عدد القتلى بعد وصول النجدات من القرى إلى سبعين , و كانت المعارك قد امتدت إلى القرى التي لا يتزعمها الأطارشة في شهبا و الهيت و البثينة ضد آل عامر , و في عراجة ضد آل ناصيف و في لاهثة ضد آل عز الدين حيث قتل ثمانية رجال .

أجمع كافة المؤرخين أن هذه المعارك كانت صورة مصغرة لأول ثورة اشتراكية في هذه المنطقة العربية و قد شبهها بعضهم بكومونة باريز ( أول حركة عمالية في أوروبا ) حيث كانت تهدف إلى تعزيز الكرامة الإنسانية و تحقيق المساواة بين أبناء الوطن الواحد بالأملاك و العلاقات الإجتماعية حتى يكون الجِد و النشاط و مؤهلات الشخص الفردية لا نسبه العائلي هي التي تؤهله للمكان الذي يستحقه في مجتمعه دون الفوارق الطبقية التي لا يجوز أن يكون لها وجود في هذا المجتمع .

و طبق العامة مقررات مجدل الشور فشكلت لجان فلاحية لتوزيع الأراضي و تدبير مختلف الشؤون و تصدوا للمناوشات و دوريات الشرطة و هجمات البدو و الحضر من الجيران المحرَضين من قبل العثمانيين .

و عندما اشتد ضغط العامة على آل الأطرش جلوا إلى المزرعة و ضواحيها و مكثوا فيها أكثر من شهرين, و في هذه الفترة ذهب وفد منهم إلى دمشق يستحث الوالي على نجدتهم.

و يرى بعض المؤرخين أن بعض المسؤولين العثمانيين قد لعبوا دورا ً في ثورة العامية هذه من حيث التشجيع ليس حبا ً بأهدافها و لا إيمانا ً بمبادئها بل أملا ً في إثارة الفتن بين أبناء الجبل و إيجاد النافذة التي يستطيعون منها الدخول إلى هذه المنطقة من أجل السيطرة عليها .

و هكذا وجد الوالي العثماني أن الفرصة سانحة للتدخل و بسط النفوذ العثماني فأعلن استعداده لمساعدة الأطارشة و إعادتهم ضمن الشروط التالية :

1 – أن يقبل إبراهيم الأطرش ببناء قلعة في السويداء .

2 – أن يقبل بتثبيت ملكية الأرض و تطويبها لأن ذلك يزيد من كمية الضرائب التي تجبيها الدولة .

3 – الإعتراف بحق الفلاح في امتلاك الأرض التي يستعملها و عدم ترحيله .

و قد حاول السيد هزيمي هنيدي التوسط بتكليف من الدولة , فرفض العامة وساطته لإعتقادهم أنها خدعة من الوالي و لعدم ثقتهم بإبراهيم الأطرش الذي وافق مع الدولة على بناء قلعة في السويداء لمصلحتها المتعارضة مع مصلحة أبناء الجبل .
Comments