حق الإنسان في بيئة نظيفة




البيئة مجال الحياة للإنسان وكافة الكائنات الحية ، وقد خلق اللّه البيئة متكاملة العناصر متوازنة المقادير ، صالحة للحياة، هواؤها نقي وحرارتها متناسبة ومياهها طاهرة  وخضرتها يانعة وغاباتها وافرة ، ولكن حصل الخلل في تكامل هذه العناصر وتوازن هذه المقادير، وتلوث الماء والهواء والتربة ، وارتفعت حرارة الأرض، وتعرضت الحياة فيها للخطر بسبب التلوث والدفيئة وضعف طبقة الأوزون ، والأمطار الحمضية ، وتخلخلت دورات المطر، ونتج عن ذلك أمراض مختلفة ، وتداعيات صحية متعددة ، واختفت أعداد كبيرة من الحيوانات والنباتات ، وازدادت المساحات المتصحرة .
 
 ج. إطار الحق أومداه :
يختلف إطار الحق في البيئة أومداه من حيث الضيق والاتساع بحسب الرؤية السياسية أو الدينية ، ووفقاً للمفاهيم الإسلامية فإن البيئة هي ملك للّه تعالى ، وأن الإنسان مستخلف في إدارتها وتنميتها لصالحه ولصالح من سيخلفه ، وبالتالي فهو ملتزم بحدود الشريعة الإسلامية في ذلك ، فعليه الإحسان وعدم الإسراف وعدم الإفساد ، وبالنسبة للمفاهيم الرأسمالية فإنها تدور حول فكرة تحقيق تقدم الإنسان ورفاهيته ، وانطلاقا من ذلك له الحق في استغلال موارد البيئة لتحقيق أكبر قدر من المتعة لذاته وتنمية شخصيته .
 وعموماً تدور معظم التعريفات للحق في البيئة بين المعيار الشخصي أو الغائي الذي غايته تأمين الوسط الملائم لحياة الإنسان في العيش بكرامة وفي ظروف تسمح بتنمية متناسقة لشخصيته ، وبين المعيار الموضوعي الذي يضع في اعتباره البيئة المتوازنة كونها قيمة في ذاتها ، ومايقتضيه ذلك من صيانة مواردها وتحسين نظمها ودفع التلوث عنها والتدهور والاستنزاف الجائر لمواردها ، ولعل الصحيح كما يقول الدكتور (أحمد سلامة) الموقف الذي يأخذ بالمعيارين معاً استناداً على الطبيعة الخاصة أو الذاتية للحق في البيئة خلافا لحقوق الإنسان الأخرى ، وبذلك فإن الحق في البيئة له جانبان الأول عضوي ، ويخص البيئة ذاتها لأنها وعاء هذا الحق ، بمعنى أن البيئة وموادها لها قيمة ذاتية، فهى الوسط اللازم لبقاء واستمرار الحياة على كوكب الأرض ، وبغير هذا الوعاء لايمكن وجود هذا الحق . والجانب الثاني وظيفي ، وهو يتعلق بالوظيفة أو الغاية الإنسانية لكل الاهتمامات بحماية البيئة ، ومضمونه باختصار أن لكل إنسان الحق في العيش في بيئة سليمة نظيفة، لاتحمل أخطاراً صحية ، وتهيأ مواردها وتصان على نحو يسمح له بحياة كريمة وتنمية متوازنة لشخصيته ، بمعنى أن كل مايصدر من قوانين بيئية وكل مايتخذ من تدابير من أجل صيانتها إنما هو لحماية الإنسان وتوفير وسط ملائم لحياته وتقدمه .
 إلا أن للجانب العضوي أهمية أكبر ، لأن كل اهتمام بالبيئة لذاتها كونها قيمة مستقلة سواء من حيث حمايتها من التلوث أو صيانة مواردها وتنميتها يؤكد تلقائيا حق الإنسان في الانتفاع بها وتحقيق الحياة الكريمة والتنمية المتكاملة له .
 ولكن للحق في البيئة خصائص ينبغى النظر إليها ، أولها الخاصية الزمنية فللزمن دور مهم في تحديد مضمونه ، فهذا الحق لايخص الأجيال الحاضرة وحدها بل الأجيال المقبلة أيضا ، وذلك ينبهنا إلى الواجب نحو البيئة بحفظها وحمايتها للأجيال المقبلة ، وثانيها أنه حق تضامني ، أي يحتاج إلى تضافر جميع الجهود وعلى المستويين الدولي والوطني لحمايته واحترامه ، فلا تستطيع دولة بمفردها كفالة احترام حق الإنسان في البيئة ، وذلك انطلاقاً من وحدة البيئة الإنسانية ، وبأن البيئة أو الطبيعة هي كل لايتجزأ ، وأن ملوثات البيئة لاتعترف بالحدود السياسية بين الدول ، ثم أن لها مصلحة مشتركة في حماية البيئة ، ومن ناحية أخرى فإن الحق في البيئة النظيفة لم يعد حقا فرديا ، بل صار حقا جماعيا، أي هو حق الشعوب ، كحقها ـ أي الشعوب ـ في تقرير المصير وحقها في السلام .
 
 رابعاً: المجتمع الدولي وإقرار حق الإنسان في البيئة النظيفة :
 عندما استفحل الخطر على البيئة بسب التلوث والإفساد الذي لحق بكافة عناصرها ، وعندما شحت مواردها واستنرفت خيراتها وارتفعت حرارتها وتعرضت طبقة الأوزون للهشاشة قرر المجتمع الدولي شعوراً منه بهذا الخطر وإدراكا لهذه الكارثة ان للانسان الحق في بيئة نظيفة وسليمة ، وأن هذا الحق من حقوقه الأساسية ، أسوة بحقه في الحياة وحقه في سلامة بدنه ، وحقه في الحرية واتخاذ القرار والتعليم والتقاضي والتنقل وغير ذلك من حقوقه الأساسية .
 إن قرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبيئة تواترت على اعتبار أن البيئة النظيفة هى حق للإنسان ، وأن هذا الحق يعتبر من حقوقه الأساسية .
 وسنورد استعراضا لهذه القرارات وفقاً لمايلي : ـ
 1ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الأمم المتحدة لسنة 1966 .
 جاء في المادة 12 منه (( إن الدول الأطراف تقر بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه ، ويتم تأمين ممارسة هذا الحق عن طريق تدابير يتعين على الدول اتخاذها من بينها تحسين البيئة الصحية والصناعية)) ومعلوم أن التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية لايتم في البيئة غير النظيفة .
2ـ المؤتمر العالمي للبيئة الإنسانية المنعقد في استوكهولم سنة1972 : ـ
جاء في المبدأ الأول من المبادئ الصادرة عنــه إن (( للإنسان حق أساس في الحرية والمساواة وفي ظروف عيش مناسبة تسمح بحياة كريمة وبرفاهية وهو يتحمل كامل المسؤولية في حماية وتحسين البيئة من أجل الأجيال الحاضرة والمستقبلية)) .
إن هذا المبدأ يرسي بشكل صريح حق الإنسان في العيش في بيئة مناسبة أو ملائمة ، كما أنه يرسي مبدأ آخر هو أن هذا الحق أساسي مقرنا إياه وعلى قدم المساواة بحقوق أخرى أساسية للإنسان مثل حق الحرية وحق المساواة .
 3ـ الإعلان المقدم من اللجنة العالمية للبيئة والتنمية لعام1987(( مستقبلنا المشترك) ، ينص هذا الإعلان على أن من الحقوق الأساسية للإنسان الحق في بيئة ملائمة للصحة والرفاهية .
 وهذا الإعلان كسابقه رفع حق الإنسان في البيئة النظيفة أو الملائمة للصحة والرفاهية إلى مستوى الحقوق الأساسية للإنسان ، كالحق في الحياة والحق في سلامة البدن والحق في المساواة وغير ذلك .
4ـ البروتوكول الإضافي للاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسانية في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن منظمة الدول الأمريكية في سان سلفادور لسنة 1988 . حيث يقرر في المادة 11 منه(( لكل شخص الحق في العيش في بيئة صحية والحصول على الخدمات الأساسية)) .
 5ـ مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية المنعقد في ريودي جانيرو لسنة 1992:
 جاء في المبدأ الأول الصادر عنه (( يقع الجنس البشري في صميم اهتمامات البيئة والتنمية الدائمة ، ويحق له أن يحيا حياة منتجة في وئام مع الطبيعة ))
 ويبدو جليا أن قرار هذا المؤتمر بحق الجنس البشري أن يحيا حياة صحية منتجة متوائمة مع الطبيعة إنما هو تعبير بطريقة أخرى عن حقه في الحياة في بيئة ملائمة ونظيفة.
6ـ إعلان وبرنامج عمل فيينا الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان لسنة 1993.
 ينص هذا الإعلان في المادة 5 منه على أن (( جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة ، ويجب على المجتمع الدولي أن يعامل حقوق الإنسان على نحو شامل وبطريقة منصفة ومتكافئة وعلى قدم المساواة وبنفس القدر من التركيز )) .
 يعطي المجتمع الدولي في هذا القرار حق الإنسان في الحياة في البيئة النظيفة بعداً عالميا مع جميع حقوق الإنسان الأخرى وبشكل لايقبل التجزئة وعلى قدم المساواة معاً .
7ـ تقرير لجنة حقوق الإنسان عن دورتها التاسعة والخمسين لسنة 2003 المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة .
تؤكد هذه اللجنة في تقريرها على أن حماية البيئة والتنمية يمكن أن تسهم أيضا في رفاه البشرية واحتمالات التمتع بحقوق الإنسان ، كما أن الأضرار البيئية يمكن أن تترتب عليها آثار سلبية بالنسبة للتمتع ببعض حقوق الإنسان.
 8ـ ميثاق حقوق الإنسان والشعوب الصادر عن منظمة الوحدة الإفريقية سنة1981.
يقرر هذا الميثاق في المادة 29 منه أن لكل الشعوب الحق في بيئة مرضية وشاملة وملائمة لتنميتها.
9ـ مشروع ميثاق حقوق الإنسان العربي لسنة1986 .
 أكد هذا المشروع على حق الإنسان في بيئة ملائمة في المادة 18 منه التي تنص على أن(( لكل إنسان الحق في بيئة ملائمة خالية من التلوث)) .
 خامساً : التشريعات الوطنية ومبدأ الحق في بيئة نظيفة :
 إذا كانت الاتفاقيات الدولية البيئية تواترت على إقرار حق الإنسان في البيئة النظيفة والملائمة ، والواقع أن قانون حماية وتحسين البيئة الليبي رقم 15 لسنة2003 أشار إلى الحق في البيئة النظيفة.
 ويجدر بالذكر أن بعض الدول العربية ، نصت على الحق في البيئة النظيفة في دستورها ، وهي السودان وذلك في المادة 11 من الدستور السوداني الانتقالي لسنة 2005 التي جاء في الفقرة الأولى منها لأهل السودان الحق في بيئة طبيعية نظيفة متنوعة ...))
بينما تواترت الدساتير الأجنبية على إقرار هذا الحق ، منها الدستور البرتغالي والأسباني والتركي والكوري وغير ذلك .
 سادساً : الشريعة الإسلامية وحق الإنسان في البيئة النظيفة :
 نشير في هذاالمقام بشكل سريع إلى أن الشريعة الإسلامية تؤكد علي حق الإنسان في البيئة النظيفة ، من خلال استخلاف اللّه للإنسان في الأرض ، وتكريمه وتفضيله له على أكثر مخلوقاته ، قال تعالى (( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)) فأصبح لايليق بهذا التكريم وهذه المنزلة إلا البيئة النظيفة الطاهرة ، أي أن البيئة الملوثة لاتليق بقدر الإنسان ومكانته عند اللّه جل في علاه. ومن ناحية أخرى أن البيئة(( الأرض)) وماعليها مسخرة له ، قال تعالى (( اللّه الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وسخر لكم ما في السماوات ومافي الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيت لقوم يتفكرون)).
Comments