هَدِير الضَّمير:


اليَوْمَ صِرتُ يَتيمًا يَا أُمِّي "

مِنْ مُخْتَارَات حَنان

نَعَمْ يَا أُمِّي !

 وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ صِرْتُ يَتِيمًا , وَعَرَفْتُ مَعْنَى اليُتْمِ وَذُقْتُ مَرَارَتَهُ وَأَدْرَكْتُ كَمْ يَحُسُّ اليَتِيمُ بِلوْعَةِ الفِرَاقِ وَقَسْوَتِهِ , وَأَدْرَكْتُ ذَلِكَ جَلِيًّا بَعْدَ مَوْتِكِ يَا أُمِّي.

يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ اليَتِيمَ يَا أُمِّي, هُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ , وَلَكِن.... عِنْدَمَا انْتَقَلَ أَبِي إِلَى رَحْمَةِ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ بِمَرَارَةِ اليُتْمِ مِثْلَمَا شَعَرْتُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِكِ بِالرّغْمِ مِنْ مَكَانَتِهِ الجَمِيلَةِ فِي قَلْبِي .

اليَوْمَ أَحْسَسْتُ بِطَعْمِ اليُتْمِ بَعْدَ وَفَاتِكِ بِالرّغْمِ مِنْ أَنِّي تَخَطَّيْتُ عَشَرَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنَ السِّنِينَ . وَصِرْتُ يَسْتَبِدُّ بِيَ الحُزْنُ لِفُرَاقِكِ , وَيَمُورُ الأَسَى مَوْرًا فِي رُوحِي ويَتَمَلَّكُنِي الإِحْبَاطُ لِمَا يَلُوبُ فِي الوُجْدَانِ مِنْ دَافِقِ الشُّعُورِ المَرِيرِ ؟

فَهَلْ يُصَدِّقُ النَّاسُ أَنَّنِي صِرْتُ يَتِيمًا بَعْدَ هَذَا العُمْرِ يَا أُمِّي !

 

نَعَمْ يَا أُمِّي !

افْتَقَدْتُ بِفَقْدِكِ نَبْعَ الحَنَانِ الذِي كَانَ يَفِيضُ بِهِ قَلْبُكِ , وَالذِي كُنْتُ أَعُبُّ مِنْهُ وَأَنَا كَبِيرٌ , بِمِثْلِ مَا كُنْتُ أَرْشُفُ مِنْهُ وَأَنَا طِفْلٌ صَغِيرٌ , أَوْ وَلَدٌ غَرِيرٌ.

يَقُولُونَ إِنَّ الصَّغِيرَ يَتَأَلَّمُ يَا أُمِّي عِنْدَمَا يَصِيرُ يَتِيمًا , لَكِنَّ نِعْمَةَ النِّسْيَانِ تَمْحُو طَعْمَ اليُتْمِ كُلَّمَا تَقَدَّمَ العُمْرُ بِالإِنْسَانِ , إِلا أَنَا, فَإِنَّنِي أَحِسُّ بِمَرَارَةِ اليُتْمِ كُلَّمَا تَقَدَّمَ بِي العُمْرُ, وَذَلِكَ لأَنَّنِي صِرْتُ يَتِيمًا عَلَى كِبَرٍ , فَكَانَ حَجْمُ اليُتْمِ أَكْبَرَ , وَلأَنَّ الصَّغِيرَ يَنْسَى بِتَقَادُمِ الأَيَّامِ , فَكَيْفَ يَنْسَى الكَبِيرُ وَقَدْ عَاشَرَ السِّنِينَ وَعَصَرَتْهُ الأَيَّامُ وَتَقَلَّبَ فِي مُهِمَّةِ الحَيَاةِ الوَاسِعَةِ ، وَغَالَبَ أَمْوَاجَهَا المُتَلاطِمَةَ .

مَا أَقْسَى وَقْعَ اليُتْمِ عَلَى قَلْبِ اليَتِيم يَا أُمِّي !

وَمَا أَشَدَّ أَلَمَ الفِرَاقِ !

وَمَا أَحَرَّ دُمُوعَ الوَدَاعِ الأَخِيرِ يَا أُمِّي !

 

قَلْبُ الأُمِّ نَبْعُ الحَنَانِ

 

فَلا تُصَدِّقُوا أَنَّ الكَبِيرَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ حُضْنِ أُمِّهِ وَلَوْ صَارَ أَبًا , أَوْ حَتَّى لَوْ صَارَ جَدًّا. فَحُضْنُ الأُمِّ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ أَرْجَاءِ الكَوْنِ , هَكَذَا يَشْعُرُ الصَّغِيرُ وَهُوَ يَلْقَفُ ثَدْيَ أُمِّهِ عِنْدَمَا تُرْضِعُهُ بَعْدَ أَنْ تَضَعَهُ فِي حِجْرِهَا وَتَضُمَّهُ إِلَى حُضْنِهَا.

وَكَمْ يَحِسُّ الصَّغِيرُ بِالاطْمِئْنَانِ, وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى وَجْهِ أُمِّهِ عِنْدَمَا تَرُوحُ تُرْضِعُهُ الحَلِيبَ المَمْزُوجَ بِالحَنَانِ وَالمُحَلَّى بِالرِّفْقِ وَالأَمَانِ .

هَكَذَا يحس الكَبِيرُ وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى وَجْهِ أُمِّهِ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ عَلَى رِضَاعَةِ الثَّدْيِ , وَلَكِنَّهُ صَارَ يَحْتَاجُ إِلى دِفِءِ المَشَاعِرِ وَفِي مَرْحَلَةِ الرُّجُولَة, بَلْ وَالكُهُولَة , أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى حَنَانِ الأُمُومَةِ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ .

 

أُمَّاهُ!!!!!

حَتَّى بَعْدَ أَنْ كَبِرْتُ وَصِرْتُ أَبًا ثُمَّ جَدًّا, فَمَا نَضَبَ مَعِينُ حَنَانِكِ وَمَا اسْتَغْنَيْتُ يَوْمًا بَلْ لَحْظَةً وَاحِدَةً عَنِ الارْتِشَافِ مِنْ هَذَا النَبْعِ الثَّرِيّ , الذِي ظَلَّ يَدْفُقُ حَتَّى آخِرَ العُمْرِ يَا أُمِّي.

 

هَكَذَا كُنْتِ يَا أُمِّي, فَكُلَّمَا كَانَتْ تَعُضُّنِي مُشْكِلَةٌ أَوْ تَعْتَرِضُنِي مَسْأَلَةٌ أَوْ يَلُمُّ بِي هَمٌّ أَوْ يُدَاهِمُنِي أَلَمٌ , فَإنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَجِدُ بَلْسَمًا لِكُلِّ الهُمُومِ وَالآلامِ غَيْرَ حَنَانِكِ , أَلْجَأُ إِلَيْهِ وَأَسْتَمِدُّ مِنْهُ العَزِيمَةَ وَالثَّبَاتَ يَا أُمِّي.. كُنْتُ أُسْرِعُ إِلَى نَبْعِ حَنَانك أَرْتَوِي مِنْهُ فَتَفِيضِينَ عَلَى قَلْبِي فَيْضًا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ التِي تَشْرَحُ لِي صَدْرِي وَتُيَسِّرُ لِي أَمْرِي , فَيَسْتَقِرَّ بِي القَلْبُ وَأُحِسُّ بِالأَمَانِ وَالاطْمِئْنَانِ يَا أُمِّي.

 

أُمَّاهُ! لَقَدِ افْتَقَدْتُكِ يَا أُمِّي, وَبِفَقْدِكِ خَسِرْتُ مَا يَخْسَرُهُ الأَيْتَامُ مِنْ مَشَاعِرِ الحُبِّ الصَّادِقِ وَمِنْ نظرَاتِ العَطْفِ المُؤَجَّجِ بِمَشَاعِرِ الأُمُومَةِ التِي لا تَعْدِلُهَا مَشَاعِر صَادِقَةٌ ، وَالتِي لا يُمْكِنُ أَنْ يُعَوِّضَهَا شَيءٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يَا أُمِّي .

 

كُنْتُ آتِيكِ فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ الوُلُوجِ فِي مُعْتَرَكِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ , فَأَجِدُ الوَجْهَ البَشُوشَ المُتَهَلِّلَ بِنُورِ الأُمُومَةِ الذِي هُوَ بَعْضُ نُورِ خَالِقِ الإِنْسَانِ وَالأَكْوَانِ , فَأَسْتَضِيءُ بِقَبَسٍ مِنْ نُورِ وَجْهِكِ السَّنِيِّ يَا أُمِّي, وَكُنْتُ أَرَدِّدُ دَائِمًا مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ القَرَوِيُّ فِي أُمِّهِ مُخَاطِبًا رَبَّهُ :

لَمْ تُغَيِّبْ جَمِيعَ وَجْهِكَ عَنَّا        لَكَ فِي الأُمِّ جَانِبٌ مَنْظُورْ

 

كُنْتُ أَعُودُ إِلَيْكِ فِي المَسَاءِ , بَعْدَ يَوْمٍ مِنَ الجِدِّ وَالكَدِّ وَالعَنَاءِ وَمُعَانَاةِ قَسْوَةِ الحَيَاةِ , فَأَرْتَاحُ يَا أُمِّي كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَى وَجْهِكِ الطَّافِحِ بِالحَنَان , فَأَنْتَشِيَ وَلا أَعُودُ أُحِسُّ بِأَعْبَاءِ الحَيَاةِ , وَلا أَعُودُ أَهْتَمُّ بِهُمُومِهَا وَلا تُرْهِبُنِي غُيُومُهَا يَا أُمِّي .

 

أَلْتَفِتُ إِلَى سَرِيرِكِ الذِي خَلا مِنْ جَسَدِكِ الطَّاهِرِ , فَتَنُوشُنِي مَشَاعِرُ الإِحْبَاطِ وَتَصْدِمُ ضَمِيري لَوْعَةُ الفِرَاقِ وَتَدْفُقُ الذِّكْرَيَاتِ ,يَا أُمِّي , بِمُرِّهَا وَحُلْوِهَا , فَأَجِدُ أَنَّهَا كَانَتْ حُلْوَةً كُلَّهَا , لأَنَّكِ كُنْتِ مَصْدَرَ حَلاوَتِهَا , وَكُنْتِ نَبْعَ طَلاوَتِهَا يَا أُمِّي العَزِيزَة .

 

أَحِسُّ بِرُوحِكِ الصَّافِيَهِ تَحُومُ حَوْلَنَا كَأَنَّهَا تَحْرُسُنَا , وَتَدْعُو لَنَا بِالخَيْرِ العَمِيمِ , وَالبَرَكَةِ فِي الأَرْزَاقِ وَطُولِ الأَعْمَارِ وَهُدُوءِ البَالِ . هَذَا الدُّعَاءُ الذِي تُرَدِّدِينَهُ كَأَنَّهُ تَمِيمَةٌ شَفَوِيَّةٌ نَضَعُهَا فِي قُلُوبِنَا بَدَلَ أَنْ نُعَلِّقَهَا فِي الأَعْنَاقِ يَا أُمِّي .

 

أُمَّاهُ!!!!!

وَقَفْتُ هَذَا الصَّبَاحِ عَلَى قَبْرِكِ فَلَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسِي عِنْدَمَا جَاشَتْ مَشَاعِرِي وَطَافَتْ بِيَ الذِّكْرَيَاتُ الغَالِياتُ , وَعُدْتُ إِلَى مَرَاحِلِ الطُّفُولَةِ وَعَرَّجْتُ عَلَى مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ وَوَصَلْتُ إِلَى مَرْحَلَةِ الكُهُولَة يَا أُمِّي , فَلَمْ أَسْتَطِعْ مُغَالَبَةَ الدَّمْعِ الذِي غَلَبَنِي وَرُحْتُ أَجْهَشُ بِالبُكَاءِ وَكَأَنِّي يَتِيمٌ صَغِيرٌ يَبْكِي أُمَّهُ التِي فَارَقَتْهُ قَبْلَ لَحَظَاتٍ وَهُوَ فِي أَمَسِّ الحَاجَةِ إلَيْهَا. لَقَدْ أَحْسَسْتُ بِمَعْنَى اليُتْمِ وَأَدْرَكْتُ أَنَّنِي صِرْتُ يَتِيمًا يَا أُمِّي , وَرُحْتُ أُرَدِّدُ مَا كَتَبْتُهُ لَكِ فِي جَرِيدَةِ القُدْسِ في 12\4\1995م

إِنَّ يَوْمًا لَسْتُ أَلْقَاكِ بِهِ           لَهُوَ يَوْمٌ لَيْسَ مِنْ عُمْرِي !!