حضور دريدا .. بقلم محمد سمير عبد السلام
محمد سمير عبد السلام

حضور ديريدا

محمد سمير عبد السلام

ربما تكمن الصعوبة في استخدام استراتيجيات ديريدا(1930-2004) إلى التوتر الذي يعتري المعرفة أو الفلسفة العلمية ، لأنه من خلال  الادعاء المعرفي الشمولي يصبح التفكيك استراتيجية علمية لإثبات التناقض من نموذج النص ذاته، والذي يدعي إطلاق مفهوم العلمية على خطابه. فكثير من النقاد والعلماء يرفض هذه الحركة بناء على الحفاظ على الصورة الأولي للخطاب دون الخروج الكامل من وجود التفكيك كحدث، ولكن بإقصائه دوما إلى الهامش انطلاقا من مفهوم القيمة، أو الحفاظ على حدود المعرفة أو نظرية للأدب مغلقة على ذاتها وهكذا.وأطرح هنا ثلاثة أسئلة حول مستقبل التفكيك الدريدي ومدي قبوله على مستوي القراءة أو التحامه بالمجتمع، هي:

(1)                                          ما هي أسباب المواقف المتعارضة مع التفكيكية عند النقاد والمفكرين العرب؟

(2)                                          كيف يتم تعديل مفهوم التفكيك من داخله، وما مدي علاقته بالسياسة والمجتمع؟

(3)                                          ما طرائق التحام التفكيك بالفكر أو النص الأدبي العربي؟

 

 

 

 

 

ترتكز المواقف المعارضة لديريدا على عدد مختلف من الأسس ، وكل منها يقبل التناقض أو التفكيك لخطابه بدرجة مختلفة ، فبينما يكون الحفاظ على المعني بصورة أحادية التوجه عند د/ عبد العزيز حمودة في المرايا المحدبة و غيره، يصبح تكوين النص الذاتي، والحر هدفا لمقاومة التفكيك( رغم الإقرار بعدم وجود صورة نقية) أحادية عند د/ مصطفي ناصف في( اللغة و التفسير و التواصل).

 

إن منطلقات الحفاظ على النص أو المعني لا تختلف كثيرا من وجهة نظر التفكير المركزي/ ولكن الحفاظ على النص ينطوي على إقرار ضمني بالتوجه الإبداعي بينما يصير منطلق الحفاظ على مدلول أو معني خارج النص، بعيدا عن قيمة الإبداع في اللغة أو النص.

 

وأذهب إلى أنه رغم تداخل التفكيك مع ما سبقه من خطابات فإنه يقدم رؤية جديدة بناء على أمرين:

الأول: وهو وعي التفكيك بالتناقض ، ومواصلة حركة الاختلاف التى تتخلي عن الخطاب التقليدي للمعرفة والذي كان كثيرا ما يضع القيود أمام انفتاح النص، وتفسيره.

الثاني: يمتد القارئ التفكيكي بعلامات النص التقليدي ولا يدعي الخروج الكامل عنها، فقراءة ديريدا لأفلاطون وروسو ودي سوسير وهوسرل تثبت ذلك التداخل، وليس حالة الانفصال.

 

        إن التفكيك يستبدل ما سبقه، وينتشر فيه في الوقت نفسه بتغيير الخطاب السابق، وإن الفوضى التفسيرية التي يري البعض أنها خارجة، أو مفروضة على النص، هي في أصل بنيته ، وهو ما تكشف عنه استراتيجية التفكيك في مساءلة النص من داخله، كما أنه ليس للنص أى سلطة في إنطاق الخطاب النقدي أو توجيه إبداعيته الأصلية.

 

        إن وصف التفكيكبالميلودرامية لا يمكن أن يقصد منه أبدا تشويه الخطاب السابق، لأن هذا الخطاب كان مليئا بمناطق اللعب المحجوبة عن ذاته، فقط، 0

تم توسيعها هنا في صيرورة إبداعية لا تقحم منطقا أو بنية أو أي اتجاه أحادي على النص، وإن المركبات الاستعارية التي توصف بهذه الميلودرامية تعمل داخل النص الذي يدعي المنطق الصارم، و يبدو موقف ( إدوارد سعيد )  أكثر تقدما ،إذ يقدم علاقة التفكيك بالمجتمع في درجة أخري من التعارض غير الجذري في مقاله (مشكلة النصية)، فمن خلال عرضه لمشكلة النصية عند كل من ديريدا وفوكو، يبين أن ديريدا يتقدم في النص خلافا لفوكو الذي يطرح رؤية تعمل داخل وخارج النص ثم يصف مشروع ديريدا بأنه لم يحل التركز العرقي الذي يتحدث عنه، وإن الاختلاف بين مصالح طبقة وأخري، أو أيديولوجيا وأخري ليس جوهريا في صنع قرارات حول هذا العنصر وغيره؛ لأن تلك العناصر تمر من خلال النصية واحتمالاتها وفي مقابل هذا فإنه يتوسع بموقف فوكو الذي يكتفي بكيفية استخدام واكتساب القوة في الخطاب دون إيجاد عملية تغيير يطرحها (سعيد) داخل المجتمع.

        وأري أن موقف (سعيد) يتضح من خلال رؤية ديريدا في علاقته بفوكو الذي يتحدث بوضوح عن سلطة الأنظمة الخطابية في المؤسسة والنص على السواء، ولكنه فيما يخص (ديريدا) فإن التفكيك يحدث داخل صراع الطبقات والأيديولوجيات وتعارضاتها التي تدعي أنها جذرية ، وإن الصورة الإبداعية التي تسم هذا الحدوث تجعل الكليات الطبقية أو الأيديولوجية في حالة ديناميكية و مجزأة دوما ، ولا تقبل السير المتواصل ابتداء من  النقطة الأولي. يصبح التعارض حينئذ مقحما على حدوث التفكيك دون أن يغير كل منهما الآخر، فالتفكيك ليس مفروضا على حالة قائمة من الصراع في المجتمع، ولا يمكن أن يصير بهذه الصورة إلا بالتخلي عن الخطاب المنتج لهذا الصراع، وأبنيته المتعارضة ، وأعتقد أن إيماءات ديريدا لنقد مفهوم المركز تنطوي دوما على لحظة ( وعي) بأهمية أن يكون اللاتمركز الذي يتولد من التفكير في حضوره الإبداعي المفكك- واقعا يشارك فيه الفرد إيجابيا بالإضافة التي توصف بالإبداع والاختلاف في الوقت نفسه . قد يستبدل التفكيك إذن – محاولات فرض التغيير على المجتمع.

 

        ويطرح (ماركوس يسيكار) الدلالة السياسية للقراءات التفكيكية بوصفها قراءة لواقع صعب التناول أو يقبل وجود مساحات نظرية قبلية على أرضه كما كان يحدث سابقا، ومن ثم فإنه يري (التفكيك) قراءة للحاضر في انفصاله عن البيانات التي تتحدث عن الواقع، إذ أنها لا تطابق الحدث المتفرد أو توقيته وإن حاضر العمل في القراءة التفكيكية يشمل البعد البلاغي والمؤسسي معا، كما أن هذه القراءة تقلب البيانات والقضايا السياسية أو المصطنعة عن مفاهيم عامة كالعدل(1) إن فصل الخطاب النظري عن الحدوث الملتبس يعيد النظر مرة أخري لعلاقة

العلامة بالخطاب، فالحدث يقع في احتمالات تجعل حاضره ملتبسا دائما ، من جهة، وينتظر الإكمال والقراءة السياسية الواعية من جهة أخري، والتي ترتبط على نحو وثيق بالتغير الدائم الذي يصف الحدث الكبير في الواقع على نحو علاماتي يعي تناقضات خطابه السياسي الأصلي. إنها قراءة سياسية ولا سياسية في آن للتغير، دون إدعاء السيطرة على الواقع أو اقتراح بدائل متيافيزيقية لتنميط ما هو يقاوم النمطية في وجوده ، وهو الواقع السياسي الحاضر

وأري أن ( التفكيك ) يمثل دور (الوسيط) في إعادة تشكيل وانتشار المفهوم الكلي للمجتمع والذي يمهد بقوة لواقع ما بعد حداثي تسوده اللامركزية . وينحل فيه المجتمع من الخطاب القبلي أو الأحادي ، وبصورة إيجابية مقابلة يطرح التفكيك نصا ما بعد حدائي النزعة ولكنه واع بتناقضات العلامة، وإعادة استخدامها في سياق غير فلسفي بصورة تقليدية.

إن ما سبق عرضه، وغيره من تصورات حول التفكيكية، يجعل إمكانية تواجدها على المشهد النقدي أو مشهد القراءة الأدبية مقبولة لثلاثة أسباب:

الأول: التوافق مع التصور الإبداعي للقارئ، وعدم تحجيمه بوصفه محافظا على النص شكلا أو فرض معني موحد قد يدعيه النص، ولكن الاستخدام الفعلي لعلامات اللغة يسمح بالاختلاف ولا نهائية صور هذا المعني في القراءة ، التي لا يتم كبح الإبداع إلا قسرا، ولو برز إنتاج القارئ كتابة سيصير للنقد تعريفا جديدا لا يقبل الإغلاق.

الثاني: عدم إسقاط التصور الشفاف لوضعية اللغة على النصوص الأدبية ابتداء ، أو محاولة فرض المنطق الصارم على تحليل المجاز والاستعارة فالاستخدام دائما ما يحتمل

 

 

الخصوصية وتفككها عند المؤلف والقارئ فتسقط مركزية المبدع أو الرسالة ، والجدل القائم على علاقة المبدع بالمتلقي وغموض النصوص الأدبية ، فلا طائل من وراء استهلاك النقد في هذا الجدل إذا أصبح مواصلة لأولية إبداعية لا محددة .

الثالث: تطرح الساحة الأدبية العربية عددا من النصوص يسائل المركزيات الدلالية والشكلية عند عدد من الكتاب مثل جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف وجمال الغيطاني وإدوار الخراط ونعيم عطية وإبراهيم أصلان وغيرهم. مثل هذه النصوص بإيحاءاتها التصويرية المكثفة تسمح بقراءة إبداعية مفترضة يبشر بها مستقبل التفكيك.و مثلما أشار ديريدا عقب وفاة رولان بارت إلى استحالة اختزاله فإن أطياف ديريدا سوف تظهر كحدث قوي مع اختفائه .

                محمد سمير عبد السلام - مصر

                                                               

                                                                return to home page