شروط العنوان الجيد


شروط العنوان الجيد

عنوان البحث :

العنوان هو مطلع البحث، وهو أول ما يصافح نظر القارئ، فينبغي أن يكون جديداً مبتكراً، لائقاً بالموضوع، مطابقاً للأفكار بعده؛ فهو الذي يعطي الانطباع الأول في عبارة موجزة، تدل بمضمونها على الدراسة المقصودة بها، والعنوان الجيد هو الذي يراعي الأمور التالية :

أولاً : أن يكون مفصحاً عن موضوعه.

ثانياً : أن تتبين منه حدود الموضوع، وأبعاده.

ثالثاً : أن لا يتضمن ما ليس داخلاً في موضوعه.

رابعاً : إيحاؤه بالأفكار الرئيسة بصورة ذكية.

والدراسة العلمية المنهجية تقتضي بأن يحمل العنوان الطابع العلمي، الهادئ، الرصين، بعيداً عن العبارات الدعائية المثيرة، التي هي أنسب، وألصق بالإعلانات التجارية، منها إلى الأعمال العلمية، كما يستبعد الباحث العناوين الوصفية، المسجعة المتكلفة، التي لا تتناسب وأسلوب العصر الحديث.

 

يفضل في اختيار العنوان أن يكون مرناً، ذا طابع شمولي؛ بحيث لو استدعت الدراسة التعرض لتفريعاته، وأقسامه لما اعتبر هذا خروجاً عن موضوعه، كما أنه لو اكتشف الباحث سعته سعة يضيق معها الزمن المحدد له، لأمكن التصرف فيه بالاختصار. مثال ذلك :

 

لو اختير موضوع بعنوان (العقوبات في الإسلام) فإنه يدخل تحت هذا العنوان العقوبات البدنية والمالية، ولا اعتراض في بحثهما، أما لو اكتشف طول البحث، وحاجته إلى فترة أطول من الزمن المقرر للباحث فإنه بالإمكان أن يتحكم فيه بالتضييق، فيقصره على (العقوبات المالية) أو (العقوبات التعزيرية).

 

وعلى العكس من هذا لو كان مضغوطاً، ضيق الآفاق والحدود من البداية، فإن أي خروج عن مداره يعد خطأ في المنهج، وابتعاداً عن الموضوعية.

 

ومن الضروري استشارة الأساتذة الأكفاء لإبداء آرائهم، ومقترحاتهم حول عنوان البحث لمناقشة مدلولاته، والتعرف على أبعاده، وهذا يزيد من اطمئنان الباحث في الوقوف على اختلاف وجهات النظر، وستتبدى له من خلال ذلك بعض الجوانب التي كانت واضحة في نظره. في حين أنها غامضة على غيره، فمن ثم يتم تعديل العنوان قبل اتخاذ إجراءات تسجيله، واعتماده من قبل القسم.

 

ولوضوح العنوان، ودلالته على موضوع الدراسة  بعد آخر، ذلك أنه بعد استكمال البحث، وطباعته، فإنه سيصنف ضمن قوائم المكتبات، ويفهرس ضمن مجموعاتها حسب العنوان، فلا بد من التأكد من تميز كلماته، بحيث تكون مفتاحاً لمضمونه، دالة على موضوعة، تساعد على تصنيفه، وفهرسته بشكل صحيح.  

        تمهيد  :

 

عرضنا في غير هذا الموضع أن البحث العلمي دراسة متخصصة في موضوع معين، وفق مناهج وأصول معينة، وهو وسيلة الاتصال الفكري بين الباحث والقراء، يستخدمها للإعلام عن بحثه من حيث المشكلة التي تناولها، والفرضيات التي اختبرها، والمنهاج الذي اتبعه، والنتائج التي توصل إليها، والتوصيات التي يريد أن يقدمها، وعليه أن يتم ذلك بوضوح ودقة وصياغة جيدة وموضوعية وأمانة علمية، وبهدف الوصول إلى كل ما ذكرناه لا بد من الالتزام بقواعد الكتابة الخاصة بالبحث العلمي، والتسلسل المنطقي لعمليته وإعطاء الاهتمام الكافي لأساسياته.

 

ورغم اختلاف خطوات البحث العلمي من بحث لآخر، من حيث ترتيبها ووجودها فإنه لا بد من أن تتم عبر مراحل هي :

 

أولاً : مرحلة الإعداد للبحث وتشمل :

 

- اختبار موضوع البحث.

 

- وضع عنوان البحث.

 

- وضع خطة أولية للبحث.

 

- إعداد أولي للمصادر والمراجع.

 

ثانيا : مرحلة إعداد البحث وتشمل  :

 

- تحديد المشكلة وبيان أبعادها.

 

- وضع الفروض بهدف اختبارها.

 

- تحديد المادة العلمية اللازمة وجمعها.

 

- إعداد المادة العلمية وخزنها.

 

- تحليل المادة العلمية.

 

ثالثاً  : مرحلة كتابة تقرير البحث وتشمل كتابة  :

 

- مقدمات البحث.

 

- مقدمة البحث.

 

- المادة العلمية.

 

- نتائج البحث.

 

- التوصيات.

 

-المستخلصات.

 

-الملحقات.

 

المبحث الأول : اختيار موضوع البحث :

 

هي الخطوة الأولى في كل بحث، يختار الباحث فيها موضوعاً يود استكشاف نواحيه ودراسته، وبتعبير آخر طرح مشكلة، هذه الخطوة الإيجابية هي التي تطلق إشارة البدء في العمل الجاد، وتوجهه وتحدده، والباحث الأصيل هو الذي يعرف كيف يختار المشكلة، أو يعرف كيف يسأل ليأتي جوابا له أهميته بالنسبة له، أهمية واقعية وقيمة وجودية، تتجاوب مع واقع قائم في المحيط المدروس.

 

يجد ناشئة الباحثين صعوبة في اختيار موضوعاتهم، وكثيراً ما يلجؤون إلى بعض الباحثين بخاصة أساتذة الجامعات لتجديد موضوع البحث، وهي طريقة غير مستحسنة، فقد يقترح عليهم هؤلاء موضوعات لا تتفق والميول الحقيقية لهم، فيعثرون فيها وقلما يحسنونها، لهذا فإن اهتداء الباحث إلى بحث يحدده من خلال قراءاته، وعكوفة على ما كتبه الباحثون من قبله في مجال بحثه، يجعله يستبين موضوعاً يتفق وميوله، ولابد للباحث من ثقافة واسعة كي يهتدي إلى بحث طريف أصيل، وبتعبير آخر تكون المشكلة موضوع البحث مبادرة ذاتية من الباحث، منبثقة من فضوله العلمي الخاص.

 

ومن فوائد هذه الطريقة أن القراءة الواسعة والاطلاع تنشئ في عقل الباحث كثيراً من الأفكار والخواطر التي يمكن استغلالها فيما يبحث ويختار من موضوعات، وتنشئ في نفسه إحساساً عميقاً بأنه سينفذ إلى أفكار وآراء لم يصل إليها من سبقه في البحث، وبهذا يخلص الباحث نفسه من الانقياد لأفكار الباحثين السابقين له، يدون الأفكار ليناقشها، ويضيف عليها أفكاره، لهذا كان التكون الأولي للشخص الباحث أمراً ضروريا، وفي هذه الحالة يختار الباحث موضوعه الذي سيجعله المشكلة العلمية البحثية.

 

فإذا انبثقت المشكلة في ذهنه واتضحت أطرها عبر مطالعاته السابقة، يتم في هذه الحالة تحديده الأولي لها بيسر، وإلا فلا بد من أن يقوم بمزيد من القراءات والمطالعات الأولية، لكشف الأطر العامة للمشكلة، ومقابلات مع أشخاص بحثوا في مشكلة قريبة من المشكلة التي سيقوم ببحثها، ليضع من ثم هيكلاً للمشكلة التي تجمعت بعض خيوطها لديه، ويقوم بتحليلها إلى عناصر ويضع مخططاً مبدئياً للنقاط التي سيعالجها بالبحث والدراسة.

 

ولقد ثبت بالتجربة أن طلبة البحوث الأكاديمية الذين يتوفقون لاختيار الموضوعات يكونون أكثر تفوقاً بالعمل من أولئك الذين يفرض عليهم بحث معين، ومن أخطر الأشياء أن يبدأ الباحث حياته العلمية عالة على غيره من الباحثين ممن سبقوه، فإن ذلك يصبح خاصية من خواص بحوثه، وقد لا يستطيع أن يتحول فيما بعد باحثاً بالمعني الدقيق لكلمة باحث.

 

ومهما كان الأمر على الباحث عدم الإسراع في هذه المرحلة، عليه أن يتخير ويحدد ما له فائدة وقيمة علمية في مجال التخصص، وأن يكون منطلقاً لدراسة علمية أوسع، إن طلبة الدراسات العليا يقومون باختيار موضوعاتهم، إما بناء على رغبة صادقة تتركز في ميادين معينة، أو أنهم أثبتوا جدارة فيها، أو رغبة منهم بالتخصص في ميادين اختاروها لأنفسهم حينما حصلوا على درجة الماجستير لتصبح قاعدة للتخصص في مرحلة الدكتوراه، ولا شك أن الميل المرتبط بالتفوق يقوي الحدس، الأمر الذي يمهد لظهور أفكار سديدة.

 

هناك أسس أخرى لاختيار موضوع البحث هي : بروز أهمية كبيرة لظاهرات معينة أو جدال حول مسألة معينة ويراد حسمه بالبحث العلمي، أو ورود الموضوع تلقائياً على خاطر الباحث وانبثاقه في ذهنه أثناء فترة انشغاله بالتفكير في موضوع يجعله مركز نشاطه البحثي، وقد يطرح أثناء مناقشة علمية، أو حديث عام، أو نتيجة الصدفة أثناء قراءات الباحث واطلاعاته.

 

ومهما كانت أسباب اختيار البحث، على الباحث أن يلتزم بمعايير ذاتية وأخرى علمية وأخيرة تتعلق بظروف تنفيذ البحث من حيث المعايير الميدانية والزمنية والمادية.

 

1- أن يتم اختيار البحث ذاتياً وبتأن للأسباب التي ذكرناها أعلاه.

 

2- أن يلاقي البحث المختار حباً من الباحث، ويعني ذلك الرغبة الصادقة المخلصة في كشف مختلف جوانب البحث الغامضة بموضوعية، والوصول إلى الحقيقة، وما دام حب البحث لذاته وابتغاء الحقيقة هو الهدف والمحدد لسير عمل الباحث، فلا يهم أن يكون الموضوع متناقضاً أو منسجماً مع ميول الباحث وعواطفه.

 

3- أن تكون المشكلة المطروحة بقدر طاقة الباحث على العمل من النواحي الفكرية، وإمكانية حصوله على مصادر البحث ومراجعه، وإن وجود قاعدة واسعة من القراءة والاطلاع من الأمور الهامة في إجراء البحوث، بحيث يتخير الباحث مجموعة من المصادر في حقل التخصص، متنوعة من حيث الزمن والمدارس والمناهج، مما يقوده إلى اكتشاف بحوث وموضوعات تقوده إلى مزيد من الدراسة والبحث.

 

4- أن تكون المشكلة المختارة جديدة في عنوانها ومضمونها، أي أن تضيف معرفة جديدة، وهنا يتساءل الباحث فيما إذا كانت هذه المشكلة قد بحثت من قبل، وإذا رغب ببحثها إما أن يكون السب تغيير المنهج أو الطريقة، أو وقوفه على أصول تسوغ إعادة البحث من جديد، أو إذا كان متشككاً بنتائج البحث، مستنداً في كل ذلك على أساس علمي يبرر عمله.

 

هذا وبإمكان الباحث الإلمام بالبحوث المنجزة، المنشورة وغير المنشورة، وكذلك البحوث غير المنجزة، والتي يقوم الباحثون بإنجازها ولم تنشر تقاريرها بعد، وذلك من خلال الحاسب الآلي "الكومبيوتر" حيث تعمد الدول المتقدمة إلى إنشاء مراكز تبادل المعلومات العلمية، وفي المجال الأكاديمي أخذت بعض الدول العربية بإصدار نشرات تتضمن أنتاجها العلمي من البحوث المنجزة خلال سنوات إنجازها.

 

5- معيار هام وهو ألا يكون البحث المختار واسعاً جداً أو ضيقاً جداً، وكلما كان ضيقاً كان أكثر صلاحية للبحث والدراسة، بحيث يلم الباحث وبخاصة المبتدئ  بأطراف البحث وتفاصيله، ويتعمق بأغواره، ويحيط بمادته ومصادره، آخذاً بالاعتبار أن حدود البحث الواسعة قد تعرض إلى نقص جوانب فيه، قد تكون جوانب رئيسة، مما يعرض البحث إلى الضعف والضحولة بالقياس إلى من سلفه من الباحثين في المجال نفسه، ومما يجعله مضطراً للاستعانة بغيره، بآراء من سبقه من الباحثين، وقد يتحول إلى مسجل يدون آراءهم وأفكارهم ونتائج بحوثهم، دون أن يستطيع الإضافة إليها شيئاً ذا بال، كما أن دراسة موضوع محدد في تفصيل وشمول أفضل بكثير من تقديم دراسات عامة حول موضوع واسع، لا يخدم البحث العلمي في اتجاهاته الحديثة.

 

إن الحجم والكم في البحث العلمي ليس ذا قيمة علمية، وكثيراً ما يتعرض الباحث لبحث متعدد الجوانب، تحف به سعة الموضوع، وفي هذه الحالة عليه أن يختار جانباً يفتقر إلى دراسة مستقلة متعمقة ويستنبط منها ما هو حري بالإضافة إلى البحوث العلمية، ولا يعني ما ذكرناه أن يكون البحث ضيقاً جداً فهو بحد ذاته لا يتحمل في حدوده تأليف رسالة علمية، كما يعاني الباحث كثيراً في معالجتها.

 

6- ألا يكون موضوع البحث من الموضوعات التي يشتد الخلاف حولها، أو أنه موضوع علمي معقد أو غامض، وفي هذه الحالة يحتاج البحث إلى فحص وتمحيص، ومن الصعب أن يكون الباحث موضوعياً في الوقت الذي تكون فيه الحقائق والوقائع مختلفاً فيها، كما أن الموضوعات العلمية المعقدة تحتاج إلى تقنية عالية، وهي بحد ذاتها صعبة على الباحث المبتدئ في هذه المرحلة، أما الموضوعات الغامضة فيتبعها غموض الفكرة، بحيث لا تمكن الباحث أن يضيف المعلومات والبيانات التي تكون ركيزة هامة في إعداد مثل هذه البحوث بسهولة، مما يجعل من الصعوبة بمكان الخروج برؤية وتصور واضح للموضوع.

 

7- أن يكون البحث ذا فائدة علمية، فالبحوث العلمية لها أهميتها في بناء الفكر والنظرية، وهذه بحد ذاتها تفيد جهات أخرى لغايات عملية تطبيقية.

 

8- أن يستفاد من تعميم نتائج البحث، بأن يختار الباحث بحثاً له طابع الشمول، يسهل تعميم نتائجه على الحالات المشابهة، مما يعطي البحث أهمية وقيمة علمية واجتماعية كبيرة.

 

9- يميز البحث الجيد بأنه يوجه الاهتمام إلى موضوع ما، وتقويم المشكلة يكون من خلال قدرتها على إثارة اهتمام الباحثين الآخرين، بمعالجة جوانب أخرى من البحث، ولهذا فإن كشف بحث ما عن مجالات جديدة تحتاج إلى بحث هي في حد ذاتها نتيجة هامة للبحث، إن البحث الجيد يكشف عن مشكلات هامة تتطلب أبحاثاً جديدة متعددة مكملة أو ضابطة أو مصممة.

 

10- إن مدى إمكانية الاستعانة بالخبراء أو المتخصصين في موضوع البحث أمر هام بهدف الوصول إلى التصميم الفعال والشمولي للبحث المراد تنفيذه، وفق الأهداف المتوخاة منه.

 

11- تتطلب بعض البحوث التأكد من توافر ظروف العمل الميداني، لتنفيذ الباحث منهاجه، وهو أمر ضروري ومن الأهمية بمكان، بمعنى أن المصادر البشرية لجمع البيانات بوساطة الاستبيان أو المقابلة الشخصية مستعدة للتعاون والإدلاء بالمطلوب، وقد يتطلب البحث نوعاً من المشاركة بالملاحظة، فإذا لم تتوفر هذه الظروف فلا مناص للباحث من العدول عن بحثه إلى بحث آخر.

 

12- إن الزمن الذي يستغرقه البحث بالغ الأهمية بالنسبة للباحث، ويتراوح ذلك بين الوقت القصير والوقت الطويل، تبعاً لموضوع البحث من جهة ونشاط الباحث من جهة أخرى، ووضع البحث إن كان مطلوباً من وجهة معينة أو مفروضاً ووضع الباحث إن كان متفرغاً لتنفيذ البحث أو غير متفرغ، ومدى توافر مصادر المعلومات والبيانات . . .

 

13- من المعايير الهامة في اختيار مشكلة البحث طاقة الباحث المادية، وتعير بعض الدول انتباهها للإمكانات المادية بشكل جيد، وبعضها لا تعيره الاهتمام المناسب كما هو الحال في الدول العربية، ولهذه الإمكانات أهمية بالنسبة لبعض البحوث، بخاصة حينما تكون لهذه البحوث آثار على المجتمع، ولعل ما يشكو منه الباحثون ويسعون إليه هو رفع مستوى الإنفاق على البحث العلمي فيها.

 

المبحث الثاني  : وضع عنوان البحث :

 

يقال : الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، وعنوان البحث مطلعه، بحيث يكون جديداً مبتكراً، حاملاً الطابع العلمي الهادئ الرصين، مطابقاً للأفكار الواردة بعده ومعبراً عن المشكلة باختصار، مبيناً طبيعتها ومادتها العلمية، يعطي انطباعاً أولياً في عبارات موجزة توحي للقارئ بفحوى البحث.

 

إن ما يجب الابتعاد عنه العناوين العامة، ومن أجل هذا يتخير الباحث الألفاظ المعبرة، ويفضل في اختيارها أن تكون ذات طابع شمولي، بحيث لو استدعت الدراسة التعرض لبعض الموضوعات ذات الصلة بالبحث، لما اعتبر هذا خروجاً عن موضوعه، كما أنه لو اكتشف الباحث سعة يضيق معها الزمن المحدد له، لأمكن التصرف فيه، والعكس إذا كان الزمن مضغوطاً، ضيق الآفاق والحدود من البداية، فإن أي خروج عن مداره أثناء البحث يعتبر خطأ في المنهج وابتعاداً عن الموضوعية.

 

تقتضي الدراسة العلمية المنهجية الوصول إلى عنوان واضح دقيق، يوحي للقارئ بفحوى مضمون البحث، ومدى استفادته منه، لهذا من الضروري استشارة الأساتذة الأكفاء لإبداء رأيهم ومقترحاتهم حول عنوان البحث، ومناقشة مدلوله، والتعرف على أبعاده، ويزيد هذا من اطمئنان الباحث في الوقوف على اختلاف وجهات النظر.

 

وكما يضطر الباحث أحياناً إلى تعديل موضوع بحثه، فقد يضطر إلى تعديل عنوان بحثه، وهو أمر طبيعي، قد يتم بعد توغل الباحث في مجالات بحثه، إذا اتضحت له أمور وذيول لم يكن قد تعرف عليها قبلاً، وهو أمر يزعج الباحثين في المجال الأكاديمي، طلبة الماجستير والد كتوراة، لهذا كان من المستحسن أن يكون التذبذب في خط سيرهم ضئيلاً، كي لا يضطرون إلى التعديل كثر أو قل.

     اختيار موضوع الرسالة :

اختيار موضوع الرسالة قد يبدو مهمة شاقة على الطالب، إذ أنه ربما ظن أن أهم الموضوعات التي تتصل بتخصصه قد بُحثت ووضحت، والحقيقة أن هذه الفكرة لا تتفق مع الواقع في شي، فأغلب الأساتذة -إن لم يكن كلهم- يدركون أن موضوعات كثيرة لا  تزال في حاجة إلى من يدرسها ويخرجها للوجود، وكثيرون منهم يشغلون أنفسهم بإخراج واحد من هذه الموضوعات، ويتمنون لو أتيح لهم أن يحصلوا على من يعمل معهم في الموضوعات الأخرى، ولكن الأساتذة يحرصون على أن يتركوا للطالب حرية اختيار موضوعه، ومن أجل هذا كان على الطالب أن يثابر على حضور محاضرات أستاذه، وأن يكون وثيق الصلة بأساتذة المادة التي تخصص فيها، يجالسهم ويناقشهم، وسيصل حتماً إلى معرفة الموضوعات التي تستحق دراسة أوسع وأعمق، فيختار منها ما يلائمه ويوافق ظروفه.

وإذا وَجَدَ الطالب من نفسه ميلاً لدراسة موضوع ما، وجب عليه قبل تسجيله والتقيد به أن يسأل نفسه الأسئلة الآتية :

1- هل يستحق هذا الموضوع ما سيبذل فيه من جهد؟.

2- أمن الممكن كتابة رسالة عن هذا الموضوع؟.

3- أفي طاقتي أنا أن أقوم بهذا العمل؟.

4- هل أحِبُّ هذا الموضوع وأميل إليه؟.

فإذا كانت الإجابة بالنفي في أيّ من هذه الأسئلة، فليحاول موضوعاً آخر دون أن يُضيع وقته ونشاطه في دراسة لن تكتمل له فيها عناصر النجاح.

ولنعد إلى هذه الأمثلة بشيء من الإيضاح :

1- ليس كل موضوع يستحق الجهد الذي سيبذل فيه، وعلى هذا يجب أن يحرص الطالب الطموح على أن يختار موضوعاً حيّاً لا يحصل به على الماجستير أو الدكتوراه فقط، بل يفتخر بنشره وتقديمه للقراء بعد ذلك، وهنا أنتهز هذه الفرصة لأحث الطلاب على اختيار الموضوعات النافعة، لا الموضوعات التي تختفي في مكاتب أصحابها بمجرد حصولهم على الدرجة التي تقدموا لها، فليست المسألة أن يكتب الطالب رسالة، أو ينال درجة، بل أن يُخرج موضوعاً مفيداً يكون تذكاراً جميلاً لحياة الدراسة، وأثراً خالداً يتكافأ والوقت الذي قضَي فيه والعناء الذي صودف من أجله، ويدعو مبدأ ربط العلم بالحياة أن يحاول الطالب اختيار موضوع ينتفع به عملياً بعد تمامه، كأن يُحاضر فيه إذا كان مدرساً، أو ينتفع به في معمل أو عمارة إذا كان يشتغل بالعلوم أو الهندسة.

2- وقد يكون الموضوع مفيداً وطريفاً ولكن المادة الموجودة عنه غير متوافرة، ولا تكفي لتكوين رسالة، ومثل هذا الموضوع يصلح لمقال علمي يُنشر في المجلات العلمية، ولكنه لا يكون موضوع رسالة. والمقال العلمي من هذا النوع لا يختلف عن الرسالة من ناحية الكيف، وإن كان دونها من ناحية الكم.

3- وأما السؤال الثالث فيشير إلى حالة الطالب وظروفه الخاصة، ويشمل ذلك اللغات التي يعرفها، والوقت الذي يكون قد خُصِّصَ لهذا العمل، ومقدرة الطالب المالية، فالطالب الذي لا يعرف لغات متعددة لا يمكنه أن يكتب كتابة ناجحة عن موضوع كتب عنه بلغات متعددة كالشيعة والموالي في الدراسات الإسلامية.

وعلى هذا فالطالب الذي لا يجيد إلا اللغة العربية يحسن به أن يختار موضوعاً غير مطروق كثيراً للمستشرقين. حتى يستطيع أن يقرأ كل ما كتب عنه، ولا يصرفنا هذا عن تقرير حقيقة مهمة، هي إن إجادة لغة أخرى غنية على الأقل يُعد عنصراً هاماً من عناصر نجاح الرسالة، حتى يستطيع الطالب أن يقرأ أفكار قوم آخرين، ويرى كيف يعالجون الموضوعات العلمية، وسيلمس بنفسه حينئذ أنهم يختلفون في كثير من الاتجاهات عن قومه الناطقين بلغته، ولا يكفي أن يقرأ الطالب ترجمة أبحاثهم، لأن المربين يقررون أن قراءة أفكار الرجل بلغته تفضل كثيراً قراءة أفكاره بلغة سواه.

وتتدخل اللغات كذلك من ناحية أخرى، فالطالب الذي يجيد الأسبانية أو الروسية مثلاً في بلاد لا تنتشر فيها هاتان اللغتان، يجدر به أن ينتهز هذه الفرصة ويختار موضوعاً كَتَبَ عنه الأسبان أو الروس ليتمكن من نقل بعض أفكارهم إلى قومه.

وللوقت تأثير كبير في اختيار الموضوع، فإذا كان على الطالب أن ينتهي من بحثه في مدة محدَّدَة -كعضو البعثة مثلاً- فإن عليه أن يختار موضوعاً يستطيع الفراغ منه في هذه المدة.

وقد يكون للناحية المالية دخل قوي في اختيار الموضوع، كأن يستلزم السيرُ فيه القيامَ بزيارات نائية للدراسة، أو يحتاج إلى صورة مخطوطات تُطْلب من مكتبات بعيدة مقابل دفع تكالفيها، أو إلى شراء مراجع معينة حديثة لم تُزوَّد بها المكتبات العامة بعد، فإذا كانت حالة الطالب المالية لا تساعده على ذلك فالموضوع لا يناسبه، وقد يناسب سواه.

وبمناسبة الحديث عن المراجع يجدر بنا أن نقول : إن مراجع معنية قد تدفع الطالب لاختيار موضوع خاص، كأن يكون لدى الطالب أو أسرته مكتبة غنية بنوع من الكتب يناسب ثقافته مما قد يشجعه على اختيار موضوع تغذِّيه هذه المكتبة بالقسط الأوفر من المراجع، ويظهر هذا بوضوح في حالة بعض الهنود الذين يميلون لدراسات تتصل بالطائفة الإسماعيلية، لأن بالهند كثيراً من العلماء الذين يملكون مكتبات غنية بالكتب في هذا الموضوع، كما أن الطالب قد يعثر على مخطوط أو عدد من المخطوطات لم تنشر بعد، وفيها مادة جديدة، فيدفعه ذلك إلى موضوع يتصل بهذه المعلومات الجديدة النافعة.

ومثل المراجع أحياناً بعض المصانع، فمصنع السيارات مثلاً قد يُصادف مشكلة ما في عمله، فيحيل المصنع هذه المشكلة إلى كلية متخصصة لتدرسها ولتحاول أن تجد لها حلاً، ويعلن المصنع عادة عن ألوان من المساعدات والتسهيلات للطالب الذي يعني بهذه الدراسة.

4- وأما السؤال الرابع فيتصل بالعاطفة التي لا يمكن أن تتجاهل في هذا الصدد، إذ أن الطالب سيعيش مع موضوعه مدة أقلها سنتان، وعلى هذا يجب أن يختار موضوعاً يحبه، ويمتزج بدمه، ويتصل بروحه، يُقبل دائماً عليه، ويفر لا منه بل إليه.

ومما يناسب تفصيله هنا ما سبق أن أشرنا إليه من أن الطالب لا يختار موضوعاً يتعصَّب ضده أو يتعصب له، فالطالب الشيعي النزعة الإمامي العقيدة لا يكتب رسالة عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. والطالب الشيوعي لا يدرس موضوعاً يدور حول نظرة اقتصادية ناجحة يحتضنها الاقتصاديون الرأسماليون، ففي مثل هذه الموضوعات يقف الطالب حائراً بين الأمانة العلمية وبين العاطفة التي قد تثور ضده، فلا يقوى على مواصلة العمل والتحمس له.

وكما أن الطالب لا يختار موضوعاً يتنافى مع عقيدته وعاطفته، فكذلك لا يختار موضوعاً توجب عليه عاطفته أن يسير فيه سيراً معيناً، فلا يكتب طالب رسالة عن أبيه العالم أو السياسي؛ خوف أن يغفل هفواته ويبالغ في تصوير حسناته، ومثل الأب أي إنسان أو أي موضوع يُكِنُّ له الطالب كامل الإجلال والتقدير لعلاقة خاصة.

ويجب أن نبرز نقطتين مهمتين :

1- من الممكن أن يكتب الإنسان كتاباً فيما لا يجوز أن يكتب فيه رسالة، ومن اليسير أن تلمس الفرق واضحاً بين كتاب ورسالة كُتِبَا في موضوع واحد، فمثلاً كتب سامي الكيالي كتاباً  عن طه حسين عنوانه، مع طه حسين، (سلسلة اقرأ عدد مايو سنة 1952) وقدَّم Pierre Cashia لجامعة أدنبرة رسالة سنة 1951 حصل بها على الدكتوراه موضوعها، "طه حسين" والمطلع على السفرين يرى أن سامي الكيالي يمدح الدكتور طه في كل سطر، ويدافع عنه في كل فقرة، ويملأ صفحات كتابه ثناء وإعجاباً بالمفكر الحر والكاتب العظيم دون أن يخط سطراً واحداً ينقده به أو يخالف فيه آراءه، فهذا كتاب وما كان من الممكن أن يكون رسالة. ولكن Pierre Cashia يحلل ويعرض، ويمدح وينقد، ويثني ويعاتب، ويتفق ويختلف، وغير ذلك مما جعل عمله رسالة وكتب له النجاح فيها.

2- إذا استطاع الطالب أن يجرد نفسه تجريداً تاماً من كل ميل، ويبدأ بحثه من أي مؤثر، مستعداً لينقب وليعلن النتائج التي يقوده إليها بحثه الحر، وكان الظروف تتيح له هذا الوضع، فإنه حينئذ يمكنه أن يختار موضوعاً من الموضوعات التي سبق أن حظرناها عليه.

واختيار موضوع الرسالة هو مهمة الطالب كما سبق، وهي مهمة تحتاج إلى إرشاد المشرف وتوجيهه، ويجب أن يكون الموضوع متصلاً تمام الاتصال بتخصص الطالب، وبدراسته بالجامعة في أثناء عمله للحصول على الليسانس أو البكالوريوس، كما يحسن أن يطلب إلى الطالب أن يكتب بضعة بحوث في موضوعات مختلفة في المادة التي تخصص فيها، ويدور بعضها حول موضوعه، قبل أن يبدأ العمل في رسالته، فإن هذه البحوث بإشراف الأستاذ ستعطى للطالب فرصة الدُّربة ليستطيع أن يبدأ عمله في الرسالة بنجاح.

ويميل كثير من الطلاب إلى أن يختاروا للماجستير موضوعاً. يكون هو أو ما يتصل به قابلاً فيما بعد لدراسة جديدة ذات طابع أعمق، وعناصر أوسع، حتى يصلح للدكتوراه، كأن يكتب الطالب رسالة الماجستير عن : أبو نواس : حياته وشعره. ثم يجعل رسالة الدكتوراه عن الخمريات في العصر العباسي الأول. وكأن تكون رسالة الماجستير عن : عبد الرحمن الناصر، ورسالة الدكتوراه عن : الحالة الاجتماعية في العهد الأموي بالأندلس.

ويحرص الطالب الطموح أيضاً على أن يختار للدكتوراه موضوعاً يكون أساساً لدراسات حرة يقوم بها فيما بعد، وقد انتفعت أنا بهذه التجربة فقد كتبت رسالة الدكتوراه عن "تاريخ التربية الإسلامية" وفيها تحدثت عن نقابات المدرسين وعن تاريخ الشهادات الدراسية وغير ذلك، ثم فَتَحَتْ هذه الرسالة أمامي آفاقاً أخرى لأبحاث واسعة في الحضارة الإسلامية، فكتبت مجموعة من الكتب عن السياسة والاقتصاد في التفكير الإسلامي، وعن المجتمع الإسلامي، وعن الجهاد والنظم العسكرية في التفكير الإسلامي...وغيرها.

ويجب أن تكون الرسالة عملاً مستقلاً يقوم به طالب واحد، ويحدث في بعض الأحيان أن يختار عدد من الطلبة موضوعاً واحداً ليبحثه كل منهم بحثاً مستقلاً من زاوية معينة مثل :

الدولة الفاطمية

1- المذهب الإسماعيلي : مبادئه وطرق الدعاية له.

2- السياسة الخارجية لخلفاء الفاطميين.

3- وزراء الدولة الفاطمية.

 كما يحدث أن يختار عدد من الطلاب موضوعاً واحداً ليبحثه كل منهم في فترة خاصة مثل :

الحياة الاقتصادية في الدولة الإسلامية

1- في صدر الإسلام

2- في العهد الأموي

3- في العصر العباسي الأول.

 

Comments