تعريف البحث العلمي لغة واصطلاحاً


تعريف البحث العلمي لغة واصطلاحاً

تعريف البحث :

هناك تعريفات كثيرة للبحث تدور معظمها حول كونه وسيلة للاستعلام والاستقصاء المنظم والدقيق الذي يقوم به الباحث بغرض اكتشاف معلومات أو علاقات جديدة، بالإضافة إلى تطوير أو تصحيح أو تحقيق المعلومات الموجودة فعلا.. على أن يتبع في هذا الفحص والاستعلام الدقيق خطوات المنهج العلمي، واختيار الطريقة والأدوات اللازمة للبحث وجمع البيانات.

ومن بين هذه التعريفات ما يلي :

1- البحث استقصاء دقيق يهدف إلى اكتشاف حقائق وقواعد عامة يمكن التحقق منها مستقبلا.

2- البحث استقصاء منظم يهدف إلى إضافة معارف يمكن توصيلها، والتحقق من صحتها عن طريق الاختيار العلمي.

3- البحث وسيلة للدارسة يمكن بواسطتها الوصول إلى حل لمشكلة محددة، وذلك عن طريق التقصي الشامل والدقيق لجميع الشواهد والأدلة التي يمكن التحقق منها، والتي تتصل بهذه المشكلة المحددة.

Research is a method of study by which, through the careful and exhaus - tive investigation of all asker tainable evidence beating upon a definable problem, we reach asolution to that problem.

4- فالبحث عملية تطويع الأشياء والمفاهيم Concepts والرموز، بغرض التعميم Generalization ...فالمهندس الميكانيكي أو الطبيب يعتبر باحثا عندما يحاول التعميم عن جميع السيارات أن جميع المرضى في قطاع معين.

وعلى ذكر "التعميم" يذهب بعض الباحثين إلى أن هناك إضافات جديدة يمكن أن تنتج من البحث، ولكن هذه الإضافات غير قابلة للتعميم إلا في اضيق المجالات، وفي أحيان أخرى تكون الإضافة على مستوى عال من التجريد والعمـومية.

تعريف العلم :

المعرفة أوسع واشمل من العلم، ذلك لأن المعرفة تتضمن معارف علمية وأخرى غير علمية، ونستطيع أن تميز بينهما على أساس قواعد المنهج وأساليب التفكير التي تتبع في المعارف. فإذا اتبع الباحث قواعد المنهج العلمي واتبع خطواته في التعرف على الظواهر والكشف عن الحقائق الموضوعية، فانه يصل إلى المعرفة العلمية.

ويمكن أن نشير فيما يلي إلى بعض التعاريف عن "العلم"...فقاموس ويبستر الجديد يعطي تعريفين للعلم هما :

- العلم هو المعرفة المنسقة Systematized Knowledge  التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب، والتي تتم بغرض تحديد طبيعة أو أسس وأصول ما تتم دراسته.

- العلم هو فرع من فروع المعرفة أو الدراسة، خصوصا ذلك الفرع المتعلق بتنسيق وترسيخ الحقائق، والمبادئ والمناهج بواسطة التجارب والفروض.

أما كارل بيرسون فقد قرر "أن ميدان العلم غير محدد ...فمادته لا نهاية لها، كل مجموعة من الظواهر الطبيعية، كل طور من أطوار الحياة الاجتماعية، كل مرحلة من مراحل التطور القديم أو الحديث...كل ذلك يعتبر مادة للعلم".

وأخيرا فيعرفه قاموس أكسفورد المختصر كما يلي :

- العلم هو ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق يجسد مترابط من الحقائق الثابتة المصنفة، والتي تحكمها قوانين عامة وتحتوي على طرق ومناهج موثوق بها، لاكتشاف الحقائق الجديدة في نطاق هذه الدراسة.

ونحن نؤيد التعريف الأخير للعلم، نظرا لتأكيده على "الحقائق الثابتة المصنفة" وعلى أتباع "الطرق والمناهج الموثوق بها لاكتشاف الحقيقة".

البحث العلمي مدلولا وممارسة :

البحث العلمي دراسة متخصصة في موضوع معين حسب مناهج وأصول معينة. والقيام ببحث علمي منهجي أيا كان نوعه نظريا أو عمليا هو أعلا المراحل العلمية وليس نهايتها، فلا عجب والأمر كذلك أن يتطلب إعدادا علميا متكاملا قد حضر له السنين الطويلة، والجهود المتواصلة لتكوين الشخصية العلمية الباحثة المنطلقة التي لا تقف عند حدود المناهج والملخصات الدراسية، بل تبحث في الأصول وعن الأصول، وتستقي المعارف والأفكار الأصيلة من مصادرها، وتستهويها المعاني لا زخرف القول وبريق العبارات.

والبحث العلمي مسؤولية تتطلب من الباحث الأمانة العلمية، ومن ضرورياتها صحة نقل النصوص، والتجرد في فهمها، وتوثيقها بنسبتها إلى أصحابها، ومن أجل هذا فإن تدوين المصادر والتعليقات في الرسائل والبحوث العلمية أمر جوهري في تقدريها. وإن الإهمال أو الإخلال به يعتبر خدشا في أمانة الباحث، وعيبا في البحث لا يمكن التغاضي عنه أو التهاون به.

والبحث العلمي لا يسلس قياده إلا لمن أعد له من نفسه الصبر، والمثابرة، والتأني، وبعد ا لنظر، والإخلاص، إذ لا بد للباحث أن يتحلى بهذه الصفات والخصائص، فإن البحث أيا كان له مشاكله وعقباته، وليس بالأمر الهين تذليلها، فهي بحاجة إلى جلد ومصابرة لا تعرف الانهزام في سبيل الوصل إلى الغاية.

ومن لوازم المثابرة الاستمرار الدائب، والتعايش مع الموضوع كلا وجزءا وفي جميع الأوقات، وبهذا تتكشف جوانب البحث، وتتتابع الأفكار، وتتوارد المعاني.

والتأني لازم من لوازم البحث العلمي ليكوّن الباحث انطباعا سليما، ويؤسس أحكاما وتقديرات صحيحة، والإخلاص للبحث هم لب العمل وروحه بحيث لا ينتهي به إلى حد، ولا يضن في سبيله بمال أو جهد أو تفكير.

وهذا كله في الحقيقة مظهر للحب الصادق، والرغبة الطموحة في البحث بشكل عام، والموضوع الذي وقع عليه اختيار الباحث بشكل خاص.

والبحث لا يكون عمليا بالمعنى الصحيح إلا إذا كانت الدراسة موضوعية مجردة، بعيدة عن المبالغة والتحيز في أي شكل من الأشكال. وهو قبل هذا وبعده يتطلب المرونة والأفق الواسع الذي من خصائصه التقلب على المعاني وتوليد الأفكار. وإذا كان البحث يعني في حقيقة معناه أن ينشد الباحث ضالته في مصادرها ومظان وجودها، وبذل الممكن من جهد وفكر وزمن للتوصل إليها وفهمها وتحليلها في أضيق وأوسع مدلولاتها، فالقدرة على الإبداع والتنسيق للأفكار في أسلوب علمي سليم وتعبير مشرق واضح هو قوام البحث وعموده، والوسيلة الوحيدة لقراءة أفكار الباحث والتعايش معها.

ولم يفت العلماء المسلمين وضع المناهج والمبادئ الأساسية للبحث والتأليف وتحديد الأهداف منها لتكون نبراسا للعلماء الناشئين. يقول حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" :

"ثم إن التأليف على سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي : إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه.

وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه أن لا يخلو من خمس فوائد :

استنباط شيء كان معضلا، أو جمعه إن كان مفرقا، أو شرحه إن كان غامضا، أو حسن نظم وتأليف، أو إسقاط حشو وتطويل.

وشرط في التأليف إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة ولا نقص، وهجر اللفظ الغريب وأنواع المجاز... وزاد المتأخرون اشتراط حسن الترتيب، ووجازة الفظ ووضوح الدلالة".

هذه هي الأغراض والأسس الأولية العامة للتأليف، ولم يكن هذا فحسب بل توفرت الدراسات من علماء المسلمين في تحديد عناصر كتابة البحث العلمي بصورة موضوعية في كل مادة حسب طبيعتها وتشعب موضوعاتها فأصبحت جزءا من كتب الدراسة والتعليم لترسيخ معانيه وأصوله في نفوس الناشئة المتعلمين. وهذا ما يبدو واضحا عند ابن الأثير في كتابه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" بصورة عامة، وفي عبارته التالية بصورة خاصة :

"وأما الأركان التي لا بد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة :

الأول : أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة، فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنيا على مقصد الكتاب، ولهذا باب يسمى باب المبادئ والافتتاحات فليحذ حذوه...

الركن الثاني : أن يكون الدعاء المودع في صدر الكتاب مشتقا من المعنى الذي بني عليه الكتاب.... وهو مما يدل على حذاقة الكاتب وفطانته....

الركن الثالث : أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة...

الركن الرابع : أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلوقة بكثرة الاستعمال، ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظا غريبة، فإن ذلك عيب فاحش، بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس، وهي مما في أيدي الناس، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر براعتها والأقلام شجاعتها....

ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني، بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة، ولا يكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله، والمراد أن تكون الألفاظ المشار إليها جسما لمعنى شريف، على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها".

ولقد ترجم سلفنا الصالح هذه المعاني في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية إلى حقائق ومناهج علمية سديدة لا زالت آثارهم قائمة بيننا، نغترف من مناهلها الصافية لا ينقصها التخطيط السليم والأصالة الفكرية، والأسلوب السلس الواضح في مختلف ميادين الفكر والمعرفة، ويعجب المرء وهو يعالج موضوع كتابة البحوث العلمية ومناهجها الحديثة أن يجد في مصادر تراثنا المبكر دروسا عملية قائمة لكل قواعد ومناهج كتابة البحث العلمي على الأصول الحديثة حتى بالنسبة للعلوم التي تعتبر صعبة وجافة كالفقه وأصول الفقه، فكلاهما له طابعه وملامحه وصعوباته النابعة من طبيعة الموضوعات التي يعالجها، والكتابة فيهما تختلف تماما عن الكتابة حتى في المواد الشرعية فضلا عن العربية والأدبية. ولكن رغم كل هذا فقد طوعها العلماء المسلمون في عصور الإسلام المبكرة للمنهج العلمي السليم شكلا وموضوعا وأسلوبا. فلو استعرضنا كتاب "الرسالة" في أصول الفقه للإمام محمد بن إدريس الشافعي لوجدنا أنه يعالج أصعب الموضوعات وأصعب العلوم بطريقة علمية موضوعية، ويضع منهج البحث والخطة التي سيسير عليها بحيث تحقق التصور الكامل لجوانب الموضوع في مقدمة الكتاب، وجعل للكتاب محورا هو مدار كل البحوث التي يعرضها. كل هذا في أسلوب الأديب وبيان الحكيم، ومثله كتاب "الأم" في الفقه، وغير هذا جملة المصادر الإسلامية في كل العلوم دون استثناء في عصور ازدهار الفكر الإسلامي. فقد كانت الناحية المنهجية والموضوعية أمرا ضروري الاعتبار، فالمؤلف يلتزم منهجا معينا يشرحه في مقدمة الكتاب، ويذكر السبل التي سلكها لإثبات فكرته، كما يلتزم أن يكون البحث في إطار الموضوع دون استطراد، وفي كل هذا لا يغفل ذكر المصادر التي اعتمدها في تكوين كتابه.

كان العلماء المسلمون في هذا أحرص من أي أمة أخرى، فكانوا يعتمدون السند قبل تدوين العلوم، وأصبح للكتب سند حتى بعد التدوين بالإضافة إلى تعيين المصادر، فإذا توفر فيه هذا الجانب حل محل القبول، وإلا فمصيره الرفض وعدم الاهتمام، وكثيرا ما تكون الإشارة إلى المصادر إما في المقدمة جملة، وإما في ثنايا العرض، ولم ينقصها حسن التنظيم والتبويب المتسلسل، كما احتوت على فهارس للموضوعات الرئيسية. واهتموا بتوجيه الطلاب الباحثين إلى الناحيتين الموضوعية كما سبق عرضه، والشكلية كما نرى هذا في كتاب : "تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم" تأليف أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة من الهجرة. فقد خص الباب الرابع بما يتعلق بالآداب مع الكتب التي هي آلة العلم، وما يتعلق بتصحيحها، وضبطها، وحملها، ووضعها، وشرائها، وعاريتها، ونسخها وغير ذلك، وجعل كل هذا في فصول مستقلة قسمها إلى أحد عشر نوعا.

وفي كتاب "الدر النضيد" تأليف بدر الدين محمد بن محمد بن محمد الغزي المتوفى 984هـ، وكتاب "المعيد في أدب المفيد والمستفيد" تأليف عبد الباسط بن موسى العلموي المتوفى سنة 981هـ. وقد جرى التقليد بين علماء الحديث تخصيص موضوع مستقل -في كتب مصطلح الحديث- بالقواعد والأصول الشكلية للكتابة، وهي ليست خاصة بعلم الحديث بل عامة في غيره من العلوم.

ويهتم الباحثون في العصر الحديث بهذه الجوانب واكتشافها عند علماء المسلمين، ومن هذه الدراسات :

كتاب "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" تأليف علي سامي النشار.

كتاب "مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي" تأليف الدكتور فرانتز روزنتال.

وكتاب "منهج البحث العلمي عند العرب" رسالة دكتوراه مقدمة من جلال محمد عبد الحميد موسى.

وكل هذا يشير إلى اهتمام المسلمين البالغ بمناهج البحث العلمي وكتابته، فلا جرم والمسلمون في الوقت الحاضر يحاولون معاودة نشاطاتهم الفكرية واسترجاع مكانتهم العلمية والحضارية أن تكون بحوثهم ودراساتهم متمشية مع مناهج وأساليب البحث العلمي الحديث.

وللبحث أيضا عدة تعريفات، وهي تختلف كما تختلف تعريفات المنهج، ومنها أن البحث : وسيلة للاستعلام والاستقصاء المنظم الدقيق الذي يقوم به الباحث؛ بغرض اكتشاف معلومات، أو علاقات جديدة بالإضافة إلى تطوير أو تصحيح، أو تحقيق المعلومات الموجودة فعلا، أو أن البحث هو : الفحص والتقصي المنظم لمادة أي موضوع من أجل إضافة المعلومات الناتجة إلى المعرفة الإنسانية، أو المعرفة الشخصية، أو أنه محاولة لاكتشاف المعرفة والتنقيب عنها، وتنميتها وفحصها وتحقيقها بتقص دقيق، ونقد عميق، ثم عرضها عرضا مكتملا بذكاء وإدراك؛ لتسير في ركب الحضارة العالمية، وتسهم فيها إسهاما إنسانيا حيا شاملا.

وواضح أن هذه التعريفات، وسواها مما لا مجال هنا لحصره وذكره، تلتقي حول فكرة واحدة، وإن تباينت صياغة وأسلوبا، وهي أن البحث : دراسة مشكلة ما يقصد حلها؛ وفقا لقواعد علمية دقيقة، ولهذا لا يرجع التباين بين تلك التعريفات إلى اختلاف ميادين البحث، وتعدد أنواعه وغاياته كما يرى بعض الباحثين، لأن هذا الاختلاف في مجالات البحث لا يلغي وحدته أيا كان نوعه، من حيث إنه وسيلة لتنمية المعارف الإنسانية، وتوسيع آفاقها، وتوظيفها من أجل خدمة البشرية وسعادتها، كما لا يلغي وحدة البحث من حيث وجوب مراجعة كل ما قيل في موضوع  البحث بدقة، ومناقشة الأدلة بأسلوب منطقي، فهذا الاطلاع العلمي والمراجعة الموضوعية لكل الآراء والدراسات التي سبقت في مجال البحث يصدق على كل ألوان البحوث سواء أكانت تدور في نطاق ما يسمى بالعلوم الإنسانية، أم العلوم التجريبية، فالوحدة بين البحوث العلمية قائمة إذن على دعامتين هما : رسالة البحث العلمي، والأصول العامة للدراسة العلمية.

تعريف البحث العلمي :

عرض الباحثون تعريفات شتى للبحث العلمي، وهم في كل تعريف يصدر الواحد منهم عن منظور خاص، وتصور شخصي يصعب معه الشمول، كما نرى بعضهم حدد معنى البحث على أساس ميدانه، فالبحث في العلوم التجريبية له تعريف محدد، والبحث الأدبي له منحى معين، والبحث الديني قد يكون له مفهوم يختلف عنها جميعا.

ومع ذلك أستطيع أن أقول : إن البحث العلمي عمل جاد، موضوعي يرمي إلى الوصول إلى حقيقة معينة، أو تجلية قضية، أو حسم الأمر في مشكلة من مشكلات المعرفة الإنسانية.

المبحث الأول : العلم... ما هو؟

مفهوم العلم : العلم لغة مصدر لكلمة عَلِم، وعلم الشيء عرفه، علم الشيء علما عرفه، ورجل علاَّمة أي : عالم جدا، وقد تعددت مفاهيمه واختلفت، ويعود هذا إلى اختلاف وجهات النظر لموضوع العلم وطبيعته، فمن المفكرين من يرى أن كلمة علم بمعنى : (Science), يُقصد بها مجال كليات العلوم، فيما يميل البعض الآخر إلى توسيع مدلوله، بحيث يضم مجال كليات العلوم والبحوث الجادة الموضوعية في التاريخ والآداب والفنون، وآخرون يحددون العلم من خلال منهاجه الذي يرتكز على دعائم أساسية كفرض الفروض : (Hypotheses) والملاحظة : (Observation) وإجراء التجارب : (Experiments) ما أمكن، ثم مرحلة قبول الفرض وصياغته في نظرية، أو رمما رفضه، والمنطق في كل ذلك استقراء (Induction) واستنتاج (Deduction).

ومما يزيد الأمر تعقيداً، الفهم غير الدقيق لكلمة عالم، بحيث يُعتقد أن العالم هو شخصٌ من نوع خاص، يعالج الحقائق في المختبرات، ومفهومٌ آخر يتلخص بأن العالم إنسان يُحسن التفكير، وضع النظريات المعقدة، وثالثها : بأن أهداف العالم زيادة المخترعات والمكتشفات، هذه المفاهيم تُعيق فهم العلم وتفهم فاعليات العالم وتفكيره، بل وتفهم البحث العلمي بصورةٍ عامة، وتجعل مهمة القيام به مهمة صعبة.

لقد عرِّف العلم بأنه مجموعة من الحقائق، يأتي بها بحث موضوعي مجرد، وتعريفٌ أكاديمي يقول : إن العلم مجموعة الخبرات الإنسانية التي تجعل الإنسان قادراً على التقدير، أو إن العلم هو فهم ظاهرات الكون، أسبابها وآثارها، والمفهومان لهما مضمونٌ مشتركٌ هو المقدرة على ربط الأسباب بالمسببات.

ومن التعريفات : أن العلم مجموعة من المعارف الإنسانية، التي من شأنها أن تساعد على زيادة رفاهية الإنسان، أو أن تساعد على صراعه في معركة تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، يرى هاركورت براون (Harcourt Brown) أن كلمة العلم (Science) تركيبة فكرية وليست مجموعة من العبارات التي ينطبق بها الإنسان ليثبت ما يراه من خلال تطورات، يظن أنها تؤيد وجهة نظر ما، أي : أنه يقصد بالعلم معنى محدد يتمثل في ثورة فكرية (IntellectualRevolution).

أما كارل بيرسون (Karlpearson) فيرى أن ميدان العلم غيرُ محدد... كل مجموعة من الظاهرات الطبيعية، كل طورٍ من أطوار الحياة الاجتماعية، كل مرحلةٍ من مراحل التطور القديم أو الحديث... كلُّ ذلك يعتبر مادة للعلم.

ويرى المؤرخ هربرت بترفيلد (Herbert Butterfield) أنَّ العلم طورٌ جديد من المعرفة واتجاهٌ فكري جديد، استوجب البحث في أسسه، فضلا عن أنه استوجب دراساتٍ جديدة، ومناهج مبتكرة لمعالجة ظاهرات المجتمع ومشكلاته، ولعل أكثر ما يشدده بترفيلد في تصوره للعلم، هو حدوث ثورة علمية أكيدة، وتغيُّرات جذرية في ميدان العلم نفسه، وفي تشكيل وإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية ذاتها.

أما قاموس "ويبستر" الجديد فقد عرف العلم : بأنه المعرفة المنسقة (Systematized Knowledge) التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب، والتي تتم بغرض تحديد طبيعة أو أسس أو أصول دراسته، إنه فرع من فروع المعرفة أو الدراسة، خصوصا ذلك الفرعُ المتعلق بتنسيق وترسيخ الحقائق والمبادئ ولمناهج بوساطة التجارب والفروض.

ويعرف قاموس "أكسفورد" المختصر العلم بأنه : هو ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق بجسدٍ مترابطٍ من الحقائق الثابتة المصنفة، والتي تحكمها قوانين عامة، وتحتوي على طرقٍ ومناهج موثوقٍ بها، لاكتشاف الحقائق الجديدة في نطاق هذه الدراسة.

ولعلَّ أكثر التعاريف شمولاً أن نقول : "إن العلم يضمُّ كل بحثٍ عن الحقيقة، يجري مُنزَّهاً عن الأهواء والأغراض، يعرض الحقيقة صادقة، بمنهجٍ يرتكز دعائم أساسية" ويحدِّد هذا التعريف المعنى الذي نقصده.

وبهدفِ الدِّقة والتوضيح لا بد من التمييز بين نظرتين واسعتين للعلم في العالم العلمي : النظرة السكونية (Static) والنظرة الدينامكية (Dynamic).

ترى الأولى : أن العلم فاعلية تُسهم في المعرفة النظامية للعالم، وأن عمل العالم هو اكتشافُ حقائق جديدة وإضافتها إلى الحقائق المعروفة سابقا، بل إن العلم هو مجموعة من الحقائق وهو طريقة لتفسير الحوادث الملحوظة, ففي هذه الحالة يكون التشديد على الحالة الحاضرة للمعرفة وإضافتها إليها.

أما الثانية : فهي تنظُر إلى ما يفعله العالِم، وأن الحالة الحاضرة هي منطلقٌ إلى المزيد من النظريات والبحوث، أي : أنها تتشدد في أهمية النظريات والمخططات التي تُساعد على الاكتشاف والمزيد من البحوث بهدف الاكتشاف، ويكون الاهتمام الأشدُّ بالعمل الإبداعي وليس الروتيني، أي : أن العالم ينطلق من المعارف الراهنة، إلى مزيد من النظريات والاكتشافات والبحوث.

كما ميَّزنا بين نظرتين للعلم، فإننا نميّز بين نظرتين لوظائف العلم :

ترى الأولى : أن الإنسان العملي وغير العالم ينظر إلى العلم بأنه فاعلية تهدف إلى تحسين الأمور وتقدم الإنسان، فوظيفة العلم وفق هذه النظرية هي الاكتشاف والتوصل إلى الحقائق، ودفع المعرفة إلى الأمام، من أجل تحقيق التقدم، والفروع العلمية التي تحقق ذلك كله، تلقى تشجيعاً وتأييداً واسعين.

أما النظرة الثانية : فترى أن وظيفة العلم هي التوصُّل إلى القوانين العامة التي تتحكم في سلوك الكائنات التي يَهتم العلم بها، ثم الرَّبط بين هذه القوانين، وتنظيم المعرفة بحيث تتمكن من التنبؤ بالوقائع وبالتالي من ضبطها، ولا بدَّ من الإشارة إلى أن هذه النظرة تعير القوانين العامة والنظريات الشاملة، وإمكانية التنبؤ والقدرة على الضبط والتوجيه، أهمية ملموسة، ولا شك أن العلوم الإنسانية بحاجة ماسة تبني مثل هذه النظرية.

هذا وإن كثيرا من باحثي القرن التاسع عشر، الذي درسوا ظاهرة العلم، يرون أن مسيرة العلم وإن تذبذبت وأصابها ركود بين فترة وأخرى، إلا أنها ظاهرة طبيعية وحتمية، نظراً لما يعترض سبيلها من عوائق وتيارات معارضة، وكان أندرو ديكسن وايت Andrew Dickson Wite)"1832-1918" من أشهر الذين أخذوا بهذا الرأي.

المبحث الثالث : خَصائص البحث العلمي (Characteristics of Scientific Research) :

تعريف : لعل تعريف البحث أسهل من تعريف العلم، رغم ذلك لم يتفق العلماء والباحثون العلميون على تعريف واحد موحد، فكلمة "بحث" غير محددة، متعددة الوجوه، تتَّسم بالمرونة مثل : "العقل" تستخدم في هذه الأيام لوصف كثير من الأنشطة، التي يبدو للوهلة الأولى أن لها روابط ظاهرية قليلة فيما بينها، أو بينها وبين العلم، ولها أيضا عدد من الروابط الأخرى، مما يثير غضب العلماء من ذوي الخبرة.

والاختلاف واسع الانتشار في استخدام كلمة "بحث" يوحي بتعدد التفسيرات الممكنة، ينحصر إحداها في أولئك الذي يعتقدون أنهم يستخدمون الكلمة بمعنى صحيحٍ وحصري وهم أقلية محدودة، وعلى كل حال فإن تحليل جميع التعاريف والاستخدامات السارية فيما يتعلق بكلمة "بحث"، أمرٌ يتجاوزه الحيِّز المتاح، ومن خلال استعراضنا لتعاريف متعددة لكلمة "بحث" نستطيع أن نميز بعض الخيوط أو العناصر العامة.

إن الفعل (RESEARCH) "يفيد البحث" يعني : ينشد ثانية، أو يفحص الشيء ثانية بعناية، أما الاسم "بحث" فيعرَِّف عادة بأنه التقصِّي بعناية، وبخاصة الاستقصاء المنهجي في سبيل زيادة مجموع المعرفة، الذي يزداد بإضافة معرفة جديدة.

والبحث في اللغة كما يقول ابن منظور : "البحث طلبك الشيء في التراب" والبحث : "أن تسأل عن شيء وتستخبر", وعند الجرجاني : "البحث لغة : هو التفحص والتفتيش، واصطلاحا : هو إثبات النسبة إيجابية أو سلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال"، ومعنى اصطلاحي آخر يقول : "طلب الحقيقة وتقصِّيها وإشاعتها بين الناس"، وقد ذكر المؤرخ التركي المعروف "حاجي خليفة" في كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" : أن التأليف والبحث لا يخرج عن أن يكون في سبعة أنواع، ونصَّت عبارته الشهيرة : "التأليف في سبعة أنواع" لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي :

1- إما إلى شيءٍ لم يُسبق إليه، فيخترعه.

2- أو شيءٍ ناقصٍ فيه.

3- أو شيءٍ طويلٍ يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه.

4- أو شيءٍ متفرقٍ فيجمعه.

5- أو شيءٍ مختلطٍ يربطه.

6- أو شيءٍ مغلقٍ يشرحه.

أما في المصطلح العلمي، فقد تعددت معاني البحث فهو : "تقرير وافٍ يقدمه باحث عن عمل أئمة وأنجزه، بحيث يشمل هذا التقرير كل مراحل الدراسة منذ كانت فكرة، حتى صارت نتائج معروفة، مدعمة بالحجج والأسانيد" وتعريف آخر : "البحث هو التنقيب عن حقيقة ابتغاء إعلانها دون التقيد بدوافع الباحث الشخصية أو الذاتية، إلا بمقدار ما يفيد في تلوين البحث بطابع الباحث وتفكيره، ويعطيه روحه التي تميزه عن غيره" وآخر : "محاولة صادقة لاكتشاف الحقيقة بطريقة منهجية وعرضها بعد تقصٍّ دقيقٍ ونقدٍ عميق، عرضاً ينمُّ عن ذكاءٍ وفهم، حتى يستطيع الباحث أن يقدم للمعرفة لبنة جديدة ويسهم في تقدم الإنسانية"، وأيضا : "البحث العلمي هو البحث النظامي والمضبوط والخبري (Empirical) في المقولات الافتراضية عن العلاقات المتصورة بين الحوادث الطبيعية" و"البحث استقصاء منظمٌ يهدف إلى إضافة معارف يمكن توصيلها والتحقق من صحتها عن طريق الاختبار العلمي، ونستطيع أن نجمع مضمون ما ذكرناه من التعاريف السابقة بما يلي :

"البحث العلمي هو نتاج إجراءاتٍ منظمةٍ ومصممةٍ بدقة، من أجل الحصول على أنواع المعرفة والتعامل معها بموضوعية وشمولية، وتطويرها بما يتناسب مع مضمون واتجاه المستجدات البيئية الحالية والمستقبلية"، ولا بدَّ لنا من التأكيد على نقطتين هامتين :

إن البحث العلمي نظاميٌّ ومضبوطٌ، وإن البحث العلمي خبري، أي : أن ما يحصل عليه الباحث العلمي يكون موضع اختبار، مما لا يسمح للباحث التساهل بالدقة والصحة والموضوعية في ما يصل إليه من نتائج.

Comments