تأمل في الرسالة الى أهل روما

 
 
 
 
تأمُّل في رسالة بولس الى أهل روما

(الفصول من 1 إلى 7)

 

للمهندس/ سمير نقاش، عضو الحركة الرسولية ميلاس في ك2 2009 

 

 

 

مقدمة
 
 

ظروف كتابة هذه الرسالة

كتب بولس هذه الرسالة في رحلته التبشيرية الثالثة في ربيع سنة 58 بعد تبشيره أورشليم والشرق واليونان، وقد عزم الذهاب الى أسبانيا مروراً بروما. لذلك فقد كتب هذه الرسالة الى أهل روما وهو في قورنتس كمقدّمة لزيارته اليها.

وكانت روما في ذلك الوقت مدينة عظيمة تحتوى حوالى المليون نسمة، وهي مليئة بالخيرات ومجالات العمل، لذك، فبالإضافة الى أهلها الأساسيين، اتى اليها العديد من بلاد أخرى. فأصبحت تحتوي على وثنيين، ويهود أصوليين، ويهود مهتدين الى المسيحية، وبرابرة، وغيرهم. لذلك قصد بولس أن يوجّه رسالتة هذه إلى جميع الموجودين في روما على اختلاف معتقداتهم. فأصبحت هذه الرسالة من أهم الوثائق التي تشرح عمق مفهوم العقيدة المسيحية والدعوة الى مكارم الأخلاق. 

 

مقدّمة لفهم موضوع الرسالة

لنستطيع فهم وتأمّل فصول رسالة بولس الى روما يجب استعراض كيفية تصرف الإنسان منذ أن خلقه الله، ومن ثم كيفية تصرّف الله أمام هذا التصرّف.

·        في البداية خلق الله الكون بما فيه جسد الإنسان الذي هو أكثر تعقيداَ بين كل الخلائق. ووجد الله أن ما خلقه هو حسن جدّاً.

 

·        أحبّ الله الإنسان حبّاً عظيماً لدرجة أنه أراد أن يجعله على صورته. فنفخ فيه الروح مانحاً إيّاه عقلاً حراً وإرادة حرّة مستقلّة تنفذ مشيئة هذا العقل. وبذلك يكون قد رفع درجته من مستوى الحيوان الذي تسيّره برامج تنفيذية وغرائزية مختلفة، الى مستوى العقل الحر الذي يتحكّم طوعاً بأعماله بحسب قناعاته. ولكن ذلك جعل الإنسان رهينة لصراع محتدم بين عنصري تكوينه: قوة حوافز الجسد الغرائزية، وقوة حوافز الروح الناتجة عن قناعات عقله وقدرة إرادته. لذلك فإن تصرف الأنسان عملياً يكون محصّلة صراع الإثنين مع بعضهما خلال زمن حياة جسده. لذلك فإن زمن حياة الجسد هو مهمّ جدّاً ليثبت من خلاله نتائج أعمال هذا الصراع.

 

·        بناء على ما تقدّم، وفي الحقبة ما بين آدم وحواء وموسى، لاحظ الله أن قدرة عقل وإرادة الإنسان الحرّة التي منحه إياها لم تكن فقط ضعيفة لتتحكم بتنظيم دوافع غرائزه الحيوانية، وإنما تمادت الى درجة الغرور النفسي  حيث تصور الإنسان أنه أصبح "يفهم الأمور كلها" مثل الله تماماً.

 

·        فحزن الله لسوء خيار الإنسان، وغضب منه تاركاً إياه في هذه الحقبة يتخبط في جهله وخطأه. إلا أنه، ومرّة أخرى، لفرط محبته وتحنّنِه عليه، قرر أن يساعد عقله على تمييز الصح عن الخطأ من خلال وضع ضوابط معينة يسترشد بها. فوضع "الشريعة" لليهود على يد موسى، والتي أصبحت مرجعاً أساسياً لهم حتى يومنا هذا. ولكن الشريعة ما هي إلا مجرّد مرجع قياسي لمعرفة الخطأ والصواب، ولم تكن لتدل وقتها لا اليهود ولا الإنسان على "طريقة لخلاصه" وتغلّبه على "غرائزه وغروره". لذلك، فبالرغم من معرفتهم بها، ظل الكثيرون يخالفونها في سرّاً و حتى علناً، ويعيشون في الخطأ.

 

·         أما الوثنيون من غير اليهود، فطبعاَ كانوا فريسة لنفس الضعف البشري، يتخبطون في غرائزهم وفي جهلهم ويعبدون ما خلقت عقولهم. وبذلك أصبحت البشرية جمعاء تتخبط في نتائج الضعف الروحي البشري، على عكس ما كان يبتغيه الله للإنسان الذي أحبه منذ خلقه.

 

·        غضب الله مرّةً ثانية عند وصول الإنسان إلى هذا الحدّ المذري. فانزل عليه النار والكبريت والطوفان. وقد نوافق نحن من نتأمل في هذه الأحداث على أنه من العدل أن ينتقم الله من هذا الإنسان العاق والمغرور إنتقاماً جباراً، فيمحيه من وجه الأرض كلّية. ولكن العكس هو الذي حصل. فعند اشتداد إثم الإنسان الى هذه الدرجة اشتدت محبّة الله وازداد حنانه و"فاضت نعمته" الى درجة أنه قرّر أن يتنازل هو شخصيّاً ويتخذ جسداً بشرياً مثل الإنسان تماماً في جسد ابنه يسوع ليرشده ويدلّه هذه المرّة على "الطريقة" التي يجب أن يتبعها، فتخلّصه تلقائياَ من نزعاته الغريزية وأهوائه العقلية، والتي تتمثل بكل ببساطة في المحبّة المطلقة للآخرين.

 

·        أراد ذلك وهوالعالم تماماً ومسبقاً أن ذلك سيكلفه عذاباً أليماً بسبب مواجهته المباشرة للشرّ البشري، لدرجة اضطهاده وتعذيبه وحتى صلبه، حيث أن الجسد البشري الذي سيتخذه "كجسد" في يسوع هو جسد حقيقي بكل مكوناته البشرية، سيعاني معاناة حسية حقيقية وفعلية من آلام الجلد والصلب وتذوق غصّة الموت بكل ما في الكلمة من معنى. ومع ذلك فقد قَبِل أن يكون طوعاً كبش فداء في مقابل ارشاد البشر الى هذه "الطريقة"، والتي هي طريق الحق والحياة.  وهذا هو عمق سر الفداء.

 

·        نلاحظ أن يسوع في تعاليمه لم يركّز مطلقاً على ما "لا يجب" أن نعمل، ولا على طقوس أو واجبات روتينية دينية، ولم يرجع الى محتوى الشريعة كمرجع، بل اعتبرها مجرد مرحلة تعليمية ارشادية فقط (لغلاظة قلوبكم)، وإنما ركّز على "طريق الخلاص التلقائي من كلّ هذا"، وهي بتوجيه العقل والإرادة الى أعمال "المحبّة المطلقة"  تجاه الغير بدون حساب. فيسمو روحياً وتلقائياً  بحيث لا يعود يحس بتجارب الجسد، ولا بغرور العقل، إذ يموت الجسد فيه وتضمحل منه الخطيئة. وعليه فلا داعي إذن للشريعة للدلالة عليها. فكلّما ازدادت أعمال المحبة كلّما ازدادت النعمة وماتت رغبات الجسد فينا تلقائياً، علماً بأن هذا الغير هو أيضاً ضعيف جدا وفي أغلب الأوقات سيقابل أعمال المحبة بالنكران والإضطهاد وحتى القتل (كما حدث معه هو شخصياً)، الأمر الذي  لا يمكن لبشر أن يتحمّله إلا بنعمة من عند اللهً.

 

·        بهذا التعليم الجديد، نجد أن يسوع لا يتوجه فقط الى اليهود بتخطي الشريعة، وإنما يتوجه الى كل إنسان من شعوب الأرض من يهود ووثنيين وحكماء وعلماء وبسطاء بدون استثناء. فالدعوة عامّة لأن الطريقة محددة وواضحة للجميع بدون شروط؛ إذ ليس المطلوب لا شريعة سابقة، ولا فلسفة ولا حكمة ولا شئ بالمرّة، وإنما فقط العزم والإقتناع الكامل بعمل أعمال المحبّة فقط تجاه الغير، فننال نعمة الله.  لذلك قال بولس (6-14): فلستم في حكم الشريعة ولكنكم في حكم النعمة.

    

·        والآن، وبعد كل هذا الشرح السابق يمكن للقارئ فهم وتفسيرالمواضيع الأساسية التي ذكرها بولس في فصول رسالته الأولى الى روما، والتي  نورد ملخصها فيما يلي:

 

(الفصل الأول) وفيه يبشر بولس بقدرة الله على خلاص كل من آمن من اليهود أو اليونانيين أو البرابرة، أي ببشارة الخلاص، بعد أن غضب عليهم بسبب كفرهم وفسقهم، بالرغم من

(الفصل الثاني) مزاعمهم بالعلم والحكمة، فإذا هم حمقى. ولكن الله فتح لهم باباً للتوبة، واعداً بالمجد والكرامة كلّ من ينفّذ عمل الخير عملياً، وليس لمجرد ادعائه معرفة الشريعة، إذ أن معرفة الشريعة أو حتى عدم معرفتها لا يجدي، فالعبرة بالتنفيذ العملي، حتى لمن لم يعرف الشريعة فهو يعمل الخير بالفطرة، ويكون قدوة للآخرين. وإلا سيجدّف الوثنيون على الله وتكونون انتم السبب.

(الفصل الثالث) وفيه يوضح بولس أن العصيان شمل جميع البشر بسبب انصياعهم للفسق ورغباتهم الجسدية، خاصة اليهود الذين عرفوا أن البر يأتي بتطبيق الشريعة ولم يطبقوها. إلا أن برّ الله ظهر للجميع بمعزل عن الشريعة بيسوع المسيح، فكل من آمن به يخلص. يهودي كان أو يوناني. فالله ليس أله اليهود وحدهم، بل إله الوثنيين ايضاَ.

(الفصل الرابع) ركّز بولس على أن البر ليس مرتبطاً بالشريعة، وإنما شمل جميع أجناس البشر من يهود ويونانيين وبرابرة، بدليل أن ابراهيم نال برالله وهو في القلف قبل نزول الشريعة، فأصبح أباً لجميع القلف المؤمنين. ثم أباً لجميع المختونين بعد أن ختن بموجب الشريعة لاحقاً.

(الفصل الخامس) دخلت الخطيئة وساد الموت على جميع الناس بسبب معصية إنسان واحد قبل ظهور موسى والشريعة، مما يدل على أن الشريعة ليست هي المرجع وإنما هي مجرّد هداية للإنسان. ولما جاء ملء الزمان افتقد الله جميع الجنس البشري الذي كان يتخبط في ضعفه وبؤسه، فمات يسوع من أجل قوم كافرين، فنلنا البر بدمه، ونجونا من غضب الله وتصالحنا معه. فكما أنه بمعصية إنسان واحد جعات جماعة كثيرة خاطئة، كذلك فبطاعة إنسان واحد تجعل جماعة كثيرة بارّة.

(الفصل السادس) بيسوع يصلب الإنسان القديم ويموت معه ليحيا فينا الإنسان الجديد ونقوم معه، فلا تعود تسود الخطيئة على أجساجنا بل تصبح أعضاؤنا سلاحاً للبر.

(الفصل السابع) يعود بولس ويتوجّه الى كل الناس بشكل عام وليس فقط الى اليهود الذين يلتصقون بأحكام الشريعة، حيث يذكّرهم بأنه حررهم منها ليطلقهم الى مجال أوسع من خلال تعاليم يسوع الجديدة، والتي ترتكز بشكل أساسي على المحبّة. ووضح أن الصراع الحقيقي هو بين الإنسان وشهوات نفسه. فالخير الذي يريد لا يفعل والشر الذي لا بريد إياه يفعل. لذلك فالموضوع هو ليس في الشريعة وإنما في البؤس البشري الذي يتحكم في كل أجناس البشر بدون استثناء... فما أشقاني من انسان، ومن لي بمن ينقذني من هذا الجسد الذي يصير بي الى الموت.
 
 
 
 
Comments