المجموعة الثانية

 
 
 
 
 

المجموعة الثانية

 

تفسير لمعني البؤس البشري والخلاص داخل وخارج الكنيسة

 

 
 

البؤس البشري وجهل الإنسان

ما هو الخلاص

الخلاص خارج الكنيسة

-  الخلاص خارج الكنيسة بالنسبة للأديان الأخرى

 

 
 
 
 
   

 

الـبؤس البشـري وجـهل الإنسان

  

في كرازة ضمن رياضة روحية سنة 1983 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي معنى البؤس البشري وجهل الإنسان على الشكل التالي:

 

مقدمة:

 

إن أساس دخولنا في الإيمان ببشارة الخلاص التي بشّرنا بها يسوع  شخصياً يعتمد اعتماداً كلياً ونهائياً على عاملٍ أساسي جدّاً لا مفرّ منه، وهو انفتاح عيوننا وضمائرنا ووعينا لمدى عمق بؤسنا و"تعتيرنا" الروحي، بما فيه جهلنا لعلة وجودنا...  وإلا، فلا آمل البتة في أي نوعٍ من الخلاص لمن لا يعي تعتيره وبؤسه الشخصي.

 

ثلاثة أسباب هي علة شقاء الإنسان على الصعيد الروحي :

 

أولا : القيود الداخلية :

 

 فهو مقيد بقيود مفروضة عليه منذ ولادته في هذا العالم فيتساءل:

لماذا هو رجل وليس امرأة

لماذا هي امرأة وليست رجل

لماذا في لبنان وليس في أمريكا

لماذا هو ذكي أو محدود الذكاء

لماذا هو جميل أو قبيح، ذو عاهة أو سليم، طويل أو قصير، من أب مسيحي أو من أب مسلم

إلى آخره من الأسئلة الروحية التي تكشف عن مدى تخبط الإنسان في انقسامات داخلية وخارجية لا نهاية لها، مما يجعله توّاقاً إلى البحث عن مخرج يخرجه من هذه المفروضات الرهيبة التي تكبله وتكبل حياته منذ ولادته، ويستمر الكثير منها معه حتى موته.

 

ثانياً : الانقسام الداخلي :

 

التردد في اخذ القرار:  فماذا اقرر ؟  هل أترهّب أم أتزوج؟ وإذا تزوجت فمن أتتزوج ؟ ماذا اتخذ  كمهنة؟ إلى أين اذهب ؟ أين أعيش ؟ ... الخ. هذا التردد هو ناتج عن ضعف الإنسان  وخوفه لعدم معرفته الكاملة للأمور، مما يسبب له تمزّق الداخلي وعدم استقرار.

 

ثالثاً : الاضطراب الداخلي :

فالمستقبل هو مجهول تماماً من المؤكد أن يخاف الإنسان مما سيحصل في المستقبل ؟ يخاف من غير المعلوم؟ ماذا ستكون حالنا غداً ؟ ماذا سيحصل لي ، لزوجتي ، لأولادي : لأهلي ، لعملي، لبلدي ، الخ كما أنه يخاف مما ينتظره من ألم ومرض وشيخوخة وموت.  كل هذه الأمور الغامضة تجعله يعيش في حالة اضطراب دائم ومستمر مع عدم استقرارٍ واطمئنان وسلام داخلي.

 

والسؤال الكبير هنا هو :

لماذا يقع الإنسان في هذه التمزقات والاضطرابات وعدم السلام الداخلي

بكل آسف ليس لدينا أية إجابة على هذا السؤال، لا علمياً ولا فلسفياً .

 

والجدير بالملاحظة هنا هو آن السؤال الذي لا يجد الجواب هو الـ (لماذا) وليس (كيف) ؟

لان العلم وجد أجوبة عديدة للإجابة على السؤال (كيف) فالطب مثلاً "يجيب" عن "كيف" يحدث وجع الرأس ؟ ولكنه لا يجيب "لماذا" يوجد وجع الرأس ؟ يعرف العلم كيف يموت الإنسان ، ولكنه لا يجيب "لماذا" على الإنسان آن يموت ؟!!! وما مصيره بعد الموت ؟

 

إذن فجهلنا المطبق عن الإجابة عن أي سؤال يبدأ بكلمة (لماذا) يجعل الإنسان حزيناً ومقهوراً أمام الغاز الحياة ، إذ يشعر بجهل تام وغموض شامل بالنسبة لهذه الأسئلة ، بالرغم من شهاداته وعلومه العالية في الطب والهندسة والفلك والفلسفة الخ فقد قال سقراط الفيلسوف لأهالي أثينا : يا أهالي أثينا آنا اعرف اكثر منكم !!! لأنّي اعرف أنّي لا اعرف شيئاً .

إذن فجهلنا المطبق عن الإجابة عن أي سؤال "لماذا" يضعنا في حالة التعتير الكامل . وقد اجمع العلماء والفلاسفة كلهم على أن الإنسان لا يعرف شيئاً البتة عن نفسه ، عن مصدره ، عن مصيره وقيود حياته ، وهي كلها مفروضة عليه تجعله يعيش تحت وطأتها بدون فهمها وكأنه في قفص عرضة للمرض والموت والألم والشيخوخة والغرائز والجنس والبيئة والمجتمع والعقائد والشرور والانقسامات والاضطراب والخوف من المستقبل الخ

 

كل ذلك ، وبكل بساطة ، يؤدي بالإنسان ، بغض النظر عن علومه وشهاداته ودرجات غناه أو فقره، يؤدي به إلى حالة بؤسٍ وشقاءٍ و"تعتير" شديد.

فمن يدخلنا في الحرية الداخلية !!!

من يدخلنا في الوحدة الداخلية !!!

من يدخلنا في السلام الداخلي !!!

من يخلص الإنسان من هذا البؤس ؟!!!

 

بشريّاً، لا نجد أي خلاص بالمرة ولا جواب على هذه التساؤلات.

 

لذلك جاءنا المسيح بالجواب : جاءنا (ببشارة الخلاص) ، أي انه بشّرنا (البشرى الفرحة) بوجود خلاص من هذا البؤس وهذا التعتير جاءنا يدلّنا على الطريق أو الطريقة الوحيدة التي تؤدّي بنا إلى الخلاص الكامل من كلّ هذه القيود: وهي فقط وليس إلا في ممارسة أعمال المحبة

إلا أن الثمن هو صعب للغاية  ويجب دفعه سلفا. وهو "درب الصليب" التي علينا سلوكها للوصول إلى هذا الفرح ، والخروج من هذا التعتير والبؤس إلى كمال الاستقرار النفسي والداخلي

 

لذلك لا يمكن لأي إنسان أن يدخل في (الفرح) أو يقبل بشارة الخلاص إذا لم يشعر ويحس قبل كل شيء بمدى ضعفه وتعتيره وشقائه الروحي . فكل إنسان يقنع نفسه معتقداً أنه يحس بالسعادة والهناء والسرور من حاله في هذه الدنيا هو في الحقيقة اشد البشر بؤساً ولا أمل له في الخلاص.

 

تجربة بوذا :

 من المعروف أن بوذا، وهو الذي أسّس الديانة البوذية ، كان رجلاً ذكياً جداً وقوياً جداً يجيد التأمل وبحث الأمور.

ولد بوذا ما بين سنة 540 و480 قبل الميلاد في عائلة "سامية" أو "ملكية" كانت تسمى عائلة الـ"سكاي"، والذي منها عرف بإسم "ساكياموني" أي السكاي العاقل.

 وعندما اخذ يتساءل عن أسباب وجود الموت والمرض والشيخوخة والألم لم يستطع إيجاد الجواب (لاحظ انه لم يسأل "كيف"، سأل "لماذا") فقضى بوذا حياته كلها يبذل مجهودات جمّة ليتوصل إلى الإجابة فلم يعرفها وبعد انقضاء الزمن الطويل في التأمل والدراسة توصل إلى الأربع حقائق النبيلة التالية المعروفة في البوذية:

 

1.     الوجود البشري يعاني من العذاب.

2.     سبب العذاب هو الرغبة أو الشهوة.

3.     لذلك يجب توقف دائرة "الولادة فالحياة فالموت"، وعليه يجب إلغاء "الرغبة أو الشهوة" بوقف "الكرمان" أي "الرغبة في العمل"، مما سيضع نهاية لدائرة "الولادة فالحياة فالموت" التي تسمى "سمسرا".

4.     إذا توصل الشخص إلى هذه المقدرة يؤول به ذلك إلى حالة الـ"النرفانا"، أي قتل كل الرغبات والغرائزبشكل نهائي وتام.   

 

من الملاحظ أن البوذية هي فلسفة وليست ديانة. ولكنها أخذت هذه الصفة بعد أن اتبعتها تجمعات كثيرة. والبوذية لا تذكر صراحة ولا تنكر الإعتقاد بإله ما.

 

وهكذا نجد أن بوذا عرف معني البؤس البشري ، ووصل إلى معرفة معنى التعتير الروحي، ولكنه بكل أسف لم تصله "بشارة الخلاص"، و لم يصله الجواب من المسيح ، لأنه لم يكن قد أتى بعد.

 

في البوذية يحاول الناس "الانعتاق والتحرر من كل ما يريدونه أو يحسون برغبة فيه". فكلما يحسون انهم "يرغبون شيئاً" يؤول بهم هذا الإحساس بأنهم (عبيد) له وتحت سيطرته. فيتحررون منه ويحاولون الانتصار على كل ما هو "رغبة" أو "حاجة" أو "ارتباط" إلى أن توصّلوا إلى حالة راقية جدّاً من (السموّ) النفسي والتحرر التام من (البؤس) البشري. وهذا جميلٌ جداً إذ انهم تمكنوا من الإحساس بتعتيرهم البشري، حيث أبدوا رغبتهم في الخلاص منه بواسطة ممارسات شخصية ومجهودات جبارة يقضون حياتهم فيها في حالة راقية من السمو الروحي . ولكن، وبكل أسف، تنتهي كل مجهوداتهم عند الموت وتذهب سدى. لذلك لم يجدوا مخرجاً إلا باستنتاج أن يكون شيء ما بعد الموت. فقالوا بالتقمص، إلى ذلك من المعتقدات التي أوحت لهم بالجواب، والتي يعتقدون بها حتى يومنا هذا.

 

ولكن علينا أن نلاحظ أن كل هذه المجهودات والمعتقدات هو ناتج عن اجتهادات عقلية بشرية جبارة، ولكنها وبكل أسف فاشلة لأنها لم تعط جواباً متكاملاً يجمع ما بين الحياة البشرية وما بعدها من حياة روحية مع الله. لذلك يمكننا القول بأن البوذية هي بداية جيدة جداً للتحضير لبشارة الخلاص من هذا "التعتير" الذي أحسّ البوذيون به، ولكنهم وبكل أسف لم يعرفوا طريقة الخلاص منه. فالبوذية إذن تمثل حدود الذكاء الإنساني الذي لم يستطع تخطي هذه الأمور وتفسيرها.

 

الخلاصة والعبرة:

يجب على كلّ إنسان يبتغي الخلاص أن يحس في البداية بمدى جهله للأمور ومدى تعتيره البشري من حيث المفروضات الخارجية والانقسامات الداخلية. عندئذ يتوق إلى إيجاد وسيلة للخلاص من كل ذلك فلا يجدها إلا في بشارة الخلاص التي بشّرنا بها يسوع المسيح شخصيا َ، وهي طريق المحبّة التي لا يمكن المرور بها بدون ممارسة التضحيات الكبيرة لمقاومة الرغبات الشخصية والأنانية وحب الذات والكبرياء وغيرها، وهي التي تمثل درب الصليب التي يجب أن نمر بها للتمكن من الانتصار عليها، ومن ثمّ الإحساس بهذا الفرح الكبير، فرح الرب، فرح المحبة الكاملة كما فعل يسوع شخصياً.

 
 
 

ما هو الخلاص

 

 

في كرازة ضمن رياضة روحية سنة 1984 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي معنى الخلاص داخل الكنيسة الكاثوليكية وخارجها كالآتي:

 

"الخلاص" هو المطلب الرئيسي والأساسي والملحّ الذي يبتغيه الإنسان ليتمكن من الخروج من حالة البؤس والتفكك التي يعيشها، متخبطاً ومصطدماً بمشاكله الشخصية والعائلية والاجتماعية وغيرها، وكلها ناتجة عن عدم الرضى عن مجريات الأمور،  وعن أنانية الإنسان وشهواته وأهوائه وجشعه، في حين انه يعتقد ويدّعي بأنه على حق،  وهو(منيح) وطيب القلب !!!. (راجع موضوع البؤس البشري وجهل الإنسان)

 

ولكن الإنسان لا يستطيع أن يطلب الخلاص إلا إذا أحسّ بحاجته له.  وهو لا يستطيع أن يحسّ بحاجته له إلا إذا وعي على ضعفه  وبؤسه  وميوله إلى الخطأ وإلى تحكم غرائزه وأنانيته به وإلى سيطرة حب ذاته وجشعه عليه، وبالتالي بأنه واقعٌ بالفعل تحت تحكم هذه الأهواء،  وأنه غير راضٍ عن تصرفاته،  ولكنه لا يعرف الوسيلة أو الطريقة التي بموجبها يستطيع الانتصار عليها. 

 

وهنا يتساءل:

كيف الخلاص، وأين الخلاص ؟

 

واحد فقط، وفقط في العالم كله منذ تاريخ البشرية استطاع أن يكشف لنا سر "الخلاص" من البؤس البشري: إنه يسوع المسيح .

 

فالخلاص يحصل بكل بساطة تلقائياً إذا استطاع الإنسان أن يحب قريبه محبة  لا متناهية لدرجة بذل ذاته عنه (كما أعطانا يسوع نفسه المثل الأعلى في ذلك).

 

ولكن إذا أراد الإنسان أن يحب غيره بهذا القدر يجب عليه  أولاً أن يتمكّن من الإنتصارعلى  نفسه وعلى أهوائه وعلى أنانيته وحب ذاته ليستطيع أخيراً أن يحب غيره .(راجع يوحنا الفصول 13إلى17 وفيها كشف يسوع طريق الخلاص وسر الله وسر الإنسان ) .

 

وجدير بالذكر أن الشروع في الدخول في طريق الخلاص يبدأ مباشرة بمجرد إحساس الإنسان ووعيه   لمدى كثرة أخطاءه وعمق بؤسه ، ومن ثم البدء في الصراع مع ذاته محاولاً التغلب على هذه الأهواء وهذه الأنانية. وعندها فقط يعطيه الرب نعمته ليساعده على إكمال طريقه، لأنه وحده لا يستطيع إكمالها بدون دعم هذه النعمة، لذلك عليه أن يجاهد دائماً وباستمرار كل أيام حياته لمقاومة هذه الميول وهذه الأهواء قبل أن يفاجئه الموت، حيث يتوقف الزمن. فالزمن هو عاملٌ مهم جداً يجب الاستفادة منه للدخول في طريق الخلاص، وبالتالي في طريق المحبة، ففي الفرح،  منذ الآن  وعلى الأرض   (Dés ici bas)(راجع "المحبة":  للتمييز بين المحبة والحب ) .(راجع "الموت")

 

وجدير بالذكر أن طريق الخلاص الذي يطالبنا بها الرب لا تتعارض مع المنطق "البشري". ولكن الإنسان لا يستطيع الاقتناع بها عقلياً بصورة كلية تمكنه من تخيل أو توقع الإحساس بهذا الفرح الموعود الذي يخبرنا عنه المسيح. فالطريق أولها صعب، وآخرها مبهم! لذلك مطلوب من الإنسان أن يقفز قفزة صغيرة للخروج أبعد من حدود عقله وما توصّل اليه من أبحاث وعلوم ليستطيع الدخول في (الايمان) بثقة بما يعرضه عليه يسوع للخلاص.

 

فالخلاص منطقياً هو غير واضحٍ تماماً بصورة مطلقة للعقل البشري! وهو في نفس الوقت ليس مبهماً كلياً ؟ !!! هذا الحد "المائع" هو الحد الفاصل بين حدود المنطق البشري بعلومه وبأبحاثه، وبين "الايمان" المطلق. 

 

لذلك فالمطلوب من الإنسان هو "تخطي" هذا الحد "بمحض إرادته ".  أما الحدث بعينه فلا يحدث إلا بنعمة من الروح القدس.

 

فإذا رأى الله إنسانا اختار حرّاً ومقتنعاً بأن "يؤمن" بالخلاص الذي بشرنا به يسوع، يهبه  نعمة خاصة بواسطة الروح القدس تمكّنه من تحمّل سلوك درب الصليب، أي بداية درب الخلاص ، إذ بدون هذه النعمة لا يستطيع أي إنسان النجاح في ولوج هذه الدرب بقوته البشرية البحتة، وهذه النعمة المعطاة من الرب تسمى "الولادة الثانية " كما سماها يسوع لنيقوديمس حيث قال له : "يجب ان تولد مرة ثانية من الماء والروح ". (راجع ايضاً : البؤس البشري) (راجع ايضاً : الصليب)

 

يتبين لنا من كل ما تقدم أن الخلاص هو موجودٌّ حقاً حين قال يسوع

 

أنا هو "الطريق والحق والحياة".

 

فللوصول إلى الخلاص يجب البدء بالدخول في "الطريق" والسير فيها وبعد ذلك تأتي المرحلة الثانية وهي "رؤية النور".  فمن لا يسير في هذه الطريق لن يرى "النور" .

 

والطريق هي صعبة جداً، بل مستحيلة بشرياً. ولكن من يتجنب الصعوبة لن يصل إلى أية نتيجة. يجب الصبر والمثابرة، إذ لا توجد أيّ طرقٍ سرّيةٍ أخرى سريعة للوصول إلى هذا الخلاص لذلك على الإنسان أن يقضي حياته في جهادٍ مستمرّ ودائمٍ مصحوب بتضحيات جمّة وكبيرة.  فيبدأ بفحص ضميره أمام الله وأمام نفسه ويطلب مساعدته للسير في هذه الطريق الصعبة بصورة عملية وليس بصورة نظرية أو من خلال نشوة عقلية في فهم ومعرفة الموضوع فأهم  شيء هو حمل الصليب بالعمل وليس بالكلام. هذا هو الصليب الحقيقي، وليس كذلك الذي يتحدث عنه البروتستانت حين يعتبروه رمزاً جميلاً يتغنون به فالصليب هو بالتجرد العملي التام وليس بالكلام والحكي عنه .

 

(معنى التجرد التام هو روح الفقر بمعنى عدم التمسك بأي شيء وليس بمعناه المادي فقط . فإن ما نظن أننا نملكه يكون نهائياً هو الذي يملكنا! لذلك على الإنسان ألا يتمسك لا بالمادة ولا بالوظيفة ولا بالمركز ولا بالجمال ولا بالمرأة ولا بالأولاد ولا بالمواهب ولا بشيء على الإطلاق،  وإنما بطاعة يسوع المسيح وخدمة الآخرين من خلال محبتهم .)

 

اذن فالطريق والحق والحياة هي ثلاث مراحل تنقسم كالآتي :

 

1.     الطريق : وهي المرحلة الأولي. وتسمى مرحلة التطهير. وهي مرحلة البداية التي يجب أن يدخلها الإنسان قبل السؤال عن أي شيء آخر وقبل المناقشات والأبحاث في أي أمور أخرى. تتصف بأهم نقطة فيها وهي التعرّف والاعتراف بضعفنا وخطايانا غير مدّعين أو معتقدين أن "ليس عندي خطايا" فماذا افعل ؟!!! أنا لا أؤذي أحدا !!! لأن أكبر مظهر من مظاهر البؤس البشري هو في عدم إدراك الإنسان أنه خاطئ ويخطئ، معتقداً أن عدم أذية أحد هي كافية، و أنه على درجة معيّنة من القداسةّ!!! 

 

2.     الحق : وهي المرحلة الثانية بعد أن نكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في السير على"الطريق"، إذ نبدأ  في رؤية "النور" نور الحق .

 

3.     الحياة : وهي المرحلة الثالث ، وتسمى مرحلة "الاتحاد مع الله" ، وهي مرحلة القداسة لتامة .

 

 ولعدم التباس الأمور، يجب توضيح المعنى الذي تعنيه الجملة الآتية :  لا خلاص خارج الكنيسة ، ولا خلاص الا بيسوع المسيح  

هذه الجملة موجهة لمن عرفوا الخلاص ويتشككون في قبوله أو عدم قبوله. وهي لا تقصد من هم خارج الكنيسة ولم يعرفوا الخلاص الذي كشفه لنا يسوع عن طريق تبشيرنا لهم به. لذلك فهذه الجملة لا تعني أن المسلمين أو الملحدين هم ذاهبون إلى الجحيم‍‍! ولكن من يتعرف على الخلاص ولا يقبل به، هذا يحكم عليه بالدينونة .

إذن فالخلاص الكامل هو في الكنيسة الكاثوليكية. أمّا خارج الكنيسة الكاثوليكية فلا يوجد نوعٌ آخرٌ من الخلاص، وانّما يمكن لمن هم خارج الكنيسة الكاثوليكية أن ينالوا نسبة معينة من الخلاص بنسبة ما اختاره عقلهم المطلق من الأعمال التي تتجه باتجاه الخير المطلق

 (راجع الخير والشر)

 

 

 

الخلاص

 

1.     هو مطلب ملحّ يبتغيه كل إنسان للخروج من البؤس البشري الناتج عن عدم الرضى عن مجريات الأمور، وكلها ناتجة عن ميل البشر للأنانية وحب الذات.

2.     لا يطلب الخلاص إلا من يعي هذا البؤس، فيتوسل وسيلة الخلاص منه. فمن لا يحس ببؤسه وبتعتيره البشري هو أكثر الناس بؤساً، وبالتالي لا أمل في خلاصه نهائياً

3.     كل العلماء والفلاسفة تساءلوا كيف الخلاص؟ فلم يجدوا الجواب. (أقصى حد كانت تجربة بوذا)

4.     واحد فقط أعطى الجواب: يسوع المسيح: الخلاص هو في أعمال المحبّة. وبالتالي الدخول في "الفرح" منذ الآن على الأرض قبل الدخول في الحياة الأبدية.

5.     لا يستطيع الإنسان أن يعمل أعمال محبّة قبل الإنتصار على ذاته أولاً. عندها يبدأ "طريق الخلاص"

6.     عند بدء الصراع للإنتصار على الذات يعطيه الرب نعمة إضافيه ليكمل الطريق في محبة الآخرين.

7.     يجب المثابرة خلال زمن الحياة، فالموت يفاجئ الإنسان، لذلك الزمن هو مهم قبل الموت.

8.     منطق الخلاص لا يتعارض مع المنطق البشري، ولكن وعوده غير واضحة للعقل وتتطلب "إيمان"

9.     مطلوب من الإنسان أن يقفز قفزة صغيرة فوق حدود منطق عقله. فيؤمن إيماناً مطلقاً بالخلاص

10. طريق المحبة صعبة ومستحيلة بشريا، فهي "درب صليب"، ولكن في نهايتها يرى النور.

11. من يتجنب خوض الصعوبة لن يرى النور.

12. الطريق هي مرحلة التطهير، خلالها نبدأ في رؤيةالنور، نور الحق، وفي نهايتها الحياة بالإتحاد مع الله

13. أعطانا المسيح (الله المتجسد) المثل العملي الأعلى لخوض درب الصليب حتى الموت

14. تجسد الإله بالمسيح فلبس الناسوت الكامل ليثبت لنا أن الجنس البشري يمكنه ولوج درب الصليب وتحمل التجربة (الشيطان على جناح الهيكل) وأخطاء البشر الآخرين حتى الموت، وفي النهاية رأى النور بقيامته والإتحاد بالله. كلنا مدعوين لنفس التجربة، وبالتالي النجاح فيها بنعمة الله تعالى.

15. الخلاص يشمل الجميع وليس المسيحيين فقط.

 

  

الخلاص خارج الكنيسة  

 

 

في كرازة ضمن رياضة روحية سنة 1984 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي معنى الخلاص خارج الكنيسة الكاثوليكية، كما تم الإستعانة بشروحات في نفس الموضوع للأب سمير خليل اليسوعي.

   

مقدمة

  

"الخلاص" هو المطلب الرئيسي والأساسي والملحّ الذي يبتغيه كل إنسان مهما كانت ديانته أو عقيدته للخروج من حالة البؤس والتفكك التي يعيشها، متخبطاً ومصطدماً بمشاكله الشخصية والعائلية والاجتماعية وغيرها، وكلها ناتجة عن عدم الرضى  عن مجريات الأمور من حوله من خلافات في الرأي وفقر وجوع وبطالة ومرض وموت، كما ومن الغرور والأنانية والكبرياء وحب السلطة والعظمة والشهوة والجنس والجشع، كل ذلك يضع الإنسان في حالة ضيق شديد وعدم استقرار، وفي قلق مستمر ما بعده قلق، متمنياً أن يجد طريقة للخلاص من هذه الحالة المذرية التي يعيشها.!!!. (راجع موضوع البؤس البشري وجهل الإنسان)

 

ومنذ قبل مجئ المسيح حاول الكثيرين من العلماء والفلاسفة إيجاد الجواب أمثال أفلاطون وأرسطو فلم يجدوا. وكانت أقرب تجربة للوصول الى "شبه خلاص" هي تجربة بوذا.

 

هذه الحالة هي حالة كل انسان في كل أنحاء العالم مهما كان دينه ومهما كانت عقيدته منذ خلق آدم وحواء وحتى يونا هذا. لذلك عندما جاء يسوع على الأرض، جاء ليكشف طريق الخلاص لكلّ البشر بدون استثناء لا في التاريخ ولا في الجغرافيا.

 

الخلاص ليس بعمل سحري، وإنما هو طريقة ونهج

 

يختلط الأمر في فكر الكثير من الناس عن أن الخلاص هو عمل شبه سحري، يأتي بأن يرفع يسوع يده ويطلق شعاعاً ذو بركة تخلص الناس من حالتاهم المذرية التي شرحناها سابقاً.

طبعاً هذا هو خطأ فادح وكبير، ولسنا من باب الفكاهة في وارد التنويم المغناطيسي!!!

 

فالمسيح خلّص البشر بأن كشف لهم عن "طريق الخلاص". أو "طريقة الخلاص"، والتي تتلخص في طلبه من الناس "سلوك نهج" محدد في تصرفاتهم تجاه الآخرين أساسه المحبة.

 

فكل من يثابر على متابعة هذا النهج "ينال نعمة متزايدة من قبل الله تعالى"، و"يحس براحة واستقرار وفرح نفسي لا يضاهيه فرح"،وذلك منذ الآن وعلى الأرض فبل انتقاله إلى الحياة الأبدية.

 

هذا هو الخلاص وهذا إيماننا بالخلاص. وليس في الأمر عمل سحري، بل مجهود ومقاومة للشر ودرب صليب. عندئذ يحصل الخلاص بكل بساطة تلقائياً إذا استطاع الإنسان أن يحب قريبه محبة  لا متناهية لدرجة بذل ذاته عنه (كما أعطانا يسوع نفسه المثل الأعلى في ذلك).

 

كشف يسوع طريق الخلاص لكل الناس بدون استثناء

 

عندما جاء ملء الزمان، وقرر الله أن يتجسد في يسوع ليكشف للبشر عن سرّ الخلاص لم يكن يقصد فئة محددة من الناس، بل نزل بهدف كشف طريق الخلاص لكل الناس بدون استثناء. وطلب من تلاميذه (وبالتالي منا جميعاً) أن نبشر جميع الأمم "بالبشارة الحسنة". فالله أراد خلاص كل إنسان شخصياً وبدون استثناء، كما أرسل روحه "المعزي" "روح الحق" ليهيمن على البشرية جمعاء ويساعد البشر على التمييز بين الحق والباطل.

 

 

الخلاص الكامل

 

إن الكشف الإلهي بيسوع المسيح لم يكن لكشف طريق الخلاص فقط، وإنما لكشف أسراراً أخرى تتخطى مقدرة المعرفة البشرية، فكشف عن سرّه هو، وعن كونه "محبّة كاملة"، وعن سر الثالوث الأقدس، وعن باقي الأسرار والعقائد التي كشفتها الكنيسة عبر الزمن بواسطة الروح القدس الحي فيها. وهكذا تكوّنت الجماعة المسيحية في كنيسة واحدة جامعة رسوليه، تعيش كامل الخلاص حين تعطي الشهادة الحية بسلوك طريق الخلاص في المحبة الكاملة، وتمارس الأسرار المقدسة، وهي التي كشفها لنا يسوع جميعها من خلال مثال حياته وأمثاله وتعاليمه وموته على الصليب ثم قيامته ممجداً.

فالخلاص الكامل يكون إذن كالتالي:

 

الإيمان – المعمودية – ممارسة أعمال المحبة – ممارسة الأسرار بالانتماء التام للكنيسة.

 

 

وأهمها هو ممارسة أعمال المحبة. (راجع رسالة بولس الى كورنتس الفصل 13).

 

لذلك قال القديس قبريانس (المتوفي سنة 258):   أن لا خلاص خارج الكنيسة.

 

ولعدم التباس الأمور، وضّح موقف الاهوت المعاصرالمعنى المقصود لهذه الجملة، ولمن هي موجّهة. فهي لا تعنى أبداً الجزم بأن لا خلاص خارج الكنيسة،  لأنها موجهة لمن عرفوا الخلاص من المسيحيين ويتشككون في قبوله أو عدم قبوله. وهي لا تقصد أبداً من هم خارج الكنيسة ولم يعرفوا الخلاص بسبب عدم تبشيرنا لهم به. لذلك فهذه الجملة لا تعني أن المسلمين أو اليهود أو الملحدين أو البوذيين لا يخلصون! ولكن من يتعرف على الخلاص ولا يقبل به، هذا يحكم عليه بالدينونة .

 

الخلاص خارج الكنيسة بالنسبة للأديان الأخرى

 

إن الخلاص هو متوفر للعالم بأسره عن طريق المسيح الحي في كنيسته. فالخلاص الكامل يتم بالانتماء الكلي ذهناً وقلباً للكنيسة بالممارسة الحياتية العملية وليس بالتحاليل والنظريات.

 

أما بالنسبة للأشخاص الذين هم خارج الكنيسة، كالملحدين أو اليهود أو المسلمين أو البوذيين أو سواهم، فيصلهم الخلاص أيضا عن طريق المسيح نفسه الممثل في كلّ ما هو نسبيّاً صحيح وسليم ومطابقاً لبشارة الخلاص في ممارستهم لحياتهم الشخصية تجاه الآخرين. فالخلاص يصلهم عن طريق "الجزء" السليم في ممارساتهم الحياتية بحسب حجم هذا الجزء من حيث تطابقه مع المطلوب في بشارة الخلاص.

 

وهنا قد يتساءل الناس، ماذا عن المعمودية؟ فهل يخلص من لم يعتمد؟  إذ قال يسوع:  من آمن واعتمد يخلص (مرقس 16/16).

صحيح أن هذه العبارة هي واضحة، وتدل على أن الإيمان بلاهوت المسيح وبالإعتماد وبصلبه وبقيامته هو الطريق الكامل للخلاص، ولكن هذا لا يعني أن من لا يعتمد لا يخلص. بدليل أن نص الإنجيل يقول أيضاً: ومن لم يؤمن يحكم عليه (مرقس 16/16)، وهو لم يقل ومن لم يؤمن ويعتمد يحكم عليه. 

لذلك فإن الفتوى التي أفتاها الفاتيكان في المجمع الفاتيكاني الثاني تقول بأن كل إنسان يستطيع أن يخلص في دينه إذا حاول أن يكون أمينا لضميره، وثابر على أن يحيي ضميره باستمرار، حتى ولو لم نعلم كيفية انتمائه إلي جسد المسيح. فاعتقاد الكنيسة الكاثوليكية أن البشر جميعاً بكل مللهم وأديانهم  ينتمون إلى جسد المسيح والى كنيسته بشكل خفي من خلال محبة الله العارمة للجميع حين بث روحه (روح الحق) في الكون كله. فالروح هو الذي يقود كل إنسان إلى المسيح، حتى ولو لم يعترف هذا الإنسان نفسه بهذا الانتماء للمسيح. فإذا قبل الهام الروح فالروح يلهمه: مثل الرغبة في الحق، والضمير الحي، والنزاهة في أعماله.

 

لذلك، وبنفس المبدأ، يحصل على نسبة من الخلاص كل من هم كانوا قبل المسيح أيضاً، كلّ بنسبة إخلاصه لدينه، و لما هو مشترك في دينه مع تعاليم بشارة الخلاص.

 

واجب التبشير

 

صحيح أن خلاص المسيح سيصل نسبياً الى كل البشر، كل بحسب مقدار ممارسته العفوية والضميرية لأعمال الحق والضمير الحي، وبقدر ما يشارك به عفوياً من تعاليم بشارة الخلاص. إلا أننا نحن المؤمنون ببشارة الخلاص الكاملة التي بشّرنا بها يسوع شخصياً فمجبورون على التبشير بها لكل الأمم حباً بهم ليعرفوا الطريق الكاملة للخلاص والوجه الحقيقي لله، حيث طلب هو منا ذلك صراحة حين قال : (اذهبوا وبشروا جميع الأمم بالبشارة الحسنة)، طبعاً ليس بالتعصب أو بالفرض، وإنما بعرضها ببساطة على الضمير البشري، فيقبلها من يقتنع بها ويرفضها من يرفضها بكل حرية واقتناع.

 

 

 الخلاصة

 

 

1.     حالة "البؤس" البشري التي شرحناها سابقاً هي حالة عامة تصيب كل الناس بدون استثناء.

2.     إذن "فالخلاص" هو مطلب رئيسي وأساسي وملحّ يبتغيه كل إنسان بغض النظر عن ديانته أو عقيدته للخروج من حالة البؤس والتفكك التي يعيشها.

3.     قبل المسيح جرّب الكثيرون من العلماء والفلاسفة أن يجدوا جواباً لهذا السؤال فلم يجدوا.

4.     جاء المسيح على الأرض ليكشف الجواب لكل الناس، وليس لفئة معينة منهم، فالجواب هو في تطبيق نهج "المحبة" ، وهو ليس بعملية سحرية لفئة محددة من الناس

5.     فالمحبة هي الطريق الوحيد للخلاص الذي كشفه يسوع باتّباع سلوك محدد وضحه هو والرسل في تعاليمهم، وهو ليس أساساً كنتيجة للتعاطف أو الحب.

6.     شرح بولس الرسول منطق أعمال المحبة في رسالتة الأولى الى كورنتس الفصل 13 فقال:  المحبة تتأنى، ترفق، تغفر، لا تحسد، لا تتفاخر، لا تتباها، ولا تطلب مالنفسها، لا تحتد، لا تظن السوء، لا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق، تحتمل كل شيء، تصدق كل شيء، ترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء.

7.     في معتقدنا المسيحي أن البشر جميعاً بكل مللهم وأديانهم  ينتمون إلى جسد المسيح والى كنيسته بشكل خفي من خلال محبة الله العارمة للجميع حين بث روحه (روح الحق) في الكون كله. فالروح هو الذي يقود كل إنسان إلى المسيح، حتى ولو لم يعترف هذا الإنسان نفسه بالانتماء له. فإذا قبل الهام الروح القدس، فهو يلهمه الرغبة في الحق، والضمير الحي والنزاهة في أعماله، وبالتالي يقوم بأعمال المحبة المذكورة تلقائياً تبعاً لإلهام ضميره، وبذلك ينال نسبة من الخلاص.

8.     في نظر المسيحيين أن الخلاص يبدأ بالمحبه، ولكنه لا يكتمل إلا بعد التعرّف على كل ما كشفه لنا يسوع  بنفسه أولا ثم بالروح القدس عبر الكنيسة عن سر الله  وباقي الأسرار. فالخلاص الكامل يكون بالإيمان – بالمعمودية – بممارسة أعمال المحبة – وأخيراً بممارسة الأسرار عبر الانتماء التام للكنيسة.

9.     لذلك فكل من يعمل أعمال المحبة ينال قسطاً نسبياً من الخلاص بنسبة ما هو صحيح وسليم ومطابق لتعليم المحبة.

10. حيث أن نسبة خلاص غير المسيحيين هي غير كاملة بسبب عدم معرفتهم للبشارة الكاملة، وانطلاقاٌ من قوة محبّتنا الروحية لهم، علينا نحن المسيحيين واجب أساسي وهو إيصال بشارة الخلاص وشرحها وعرضها عليهم، وبعد ذلك تطلق لهم حرية قبولها أو رفضها بحسب ما يمليه عليهم ضميرهم الحر.