تأمل في صلاة الأبانا

 

 

 

 

تأمّل في الصّلاة الرّبية "أبانا الذي في السموات"

 

 

 

للمهندس سمير نقاش (عضو حركة ميلاس)

 

 

مقدّمة

 

تعتبر الصلاة الربية مثالاً متكاملاً لمفهوم الصلاة كما رآه وحدّده يسوع بنفسه حيث قال: "اذا صليتم فلا تكرّروا الكلام عبثا مثل الوثنيين.  فهم يظنون انهم اذا اكثروا الكلام يستجاب لهم.  فلا تتشبّهوا بهم،  لأن أباكم يعلم ما تحتاجون اليه قبل أن تسألوه (متى 6، 7-8).

لذلك فان كلمات ومعاني هذه الصلاة هي مختارة بكل دقة ووضوح من يسوع نفسه لتكون قدوة لما أراده عن كيفيّة وطريقة الصلاة حين قال لتلاميذه: " فصلوا أنتم هذه الصلاة: 

"أبانا الذي في السموات ...." (متى 6، 2ا-13)

وعليه، وكما سنرى في تفاصيل التأمّل في معانيها ومفرداتها، فان هذه الصلاة لا تحتوي فقط على كلام صلاة الى الله تعالى، وانما سنجد فيها ملخصاً دقيقاً للنقاط الأساسية التي تحدد صفاة الله من جهة، والتي توضح العلاقة المثالية بين الله والانسان من جهة أخرى.

 

أما تفاصيل التأمل فتقسّم الصلاة الى خمسة أجزاء متميزة كما يلي:

 

1- البداية: مناداة الى الله، نقر فيها بأهم صفاته وهي الأبوة والسمو والمحبة.

2- يليها جزء يأمل في اشتراك الانسان مع الله لبسط ملكوته كما في السماء كذلك على الأرض.

3- يليه جزء يظهر ضعف الانسان البشري، واحتياجه للدعم الروحي والمادي.

4- يليه جزء يعترف فيه الانسان بأخطاء ضعفه، وتحمله أخطاء ضعف الآخرين، ومن ثم طلب الجميع الغفران من الله تعالى.

5- أما الجزء الأخير، فيطلب من ال تدخلاً مباشراً ليجنبنا التجارب الناتجة عن شرور البشر، و ينجّينا من هجمات الأرواح الشريرة

 

 

تفاصيل التأمل

 

الصلاة الربية: انجيل متى الفصل السادس العدد 9 - 13

                انجيل لوقا الفصل الحادي عشر العدد 2 - 4

 

 

يعلمنا يسوع في هذه الصلاة كيف يجب أن نصلي الى الله بمفهومنا البشري بعد أن قبلنا بشارة الخلاص (وهذه نقطة هامة جدا).   فبمعرفته الالهية، وباتخاذه جسدا بشريا مثلنا تماما، تعمد اختيار كلمات هذه الصلاة بكل دقة وعمق، لتحمل معني وحقائق ثابتة نعترف بمضمونها في كل مرة نتلوها الى الآب السماوي.

وفيما يلي تفاصيل اجتهادات تأملي الشخصي في كلمات هذه الصلاة المثالية:

 

الجزء الأول:

 

كلمة: أبانا

 

أذا أراد أي انسان أن يخاطب الها يؤمن به، فماذا نتوقع أن يقول له؟ ... نتوقعه يقول: أيها الاله الجبار، يا عظيم، يا قوي، ... الخ ...

 أما يسوع، فقد اختار له صفة جديدة لم نكن نتوقعها لاله. فقد اختار اه صفةً جديدة هي صفة الأبوة، اذ افتتح صلاته الى الله بمناداته:" أبانا الذي في السموات". 

في العهد الجديد، أراد يسوع أن يغير تقليد العهد العتيق، حيث كانت الصلوات توجّه دائما الى الله بصفته "الجبار، الصارم، الحازم، الغيور، العادل، القوي، الخالق، وحتى المنتقم" ... لذلك استعمل يسوع كلمة "أبانا" لتوضّح وتبيّن الصفات المتكاملة لله تعالى، مثل " الابوة، الحنان، الرأفة، العطف، الحب، العناية، التأديب، الغفران، التوجيه، وأهمها التضحية"، وكلها من صفات "الأبوة المثالية"... لذلك بدأ بدعوته: أبانا ...

فاذا ما قلنا الجملة نفسها باللغة الدارجة: "يا بيّنا ياللّي في السموات ..." فاننا نحس بتحرك أحاسيسنا البشرية تجاهه كأب لنا، تماما كما لو كنا نتحدث الى ابينا بالجسد. وهذا هو الاحساس الجديد، والعلاقة الجديدة التي أراد يسوع أن يحركها في قلوبنا حين اختار كلمة "أبانا" في بداية الصلاة، والتي تذكّرنا بهذه العلاقة الجديدة في كل مرة نتلوها فيها عند توجهنا بالصلاة الى الله الآب.

ألاّ أننا نلاحظ أن اخيار يسوع لكلمة "أبانا" جاء بصورة "الجمع" وليس بصورة "المفرد"، أذ لم يقل "أبي الذي في السموات ...". ذلك لأنه يعلم حقيقة هامة جدا، وهي أن الله -لما جاء ملء الزمان- جعل نفسه "أبا" لكل البشر أجمعين . فقد بذل ابنه الوحيد عن الجميع بدون استثناء: من عرفوه ومن لم يعرفوه بعد (على أمل أن يعرفوه بالتبشير).   لذلك فان كلمة "أبانا" بصيغة الجمع فرضت واقع ابوّة الله لجميع الناس، بغض النظر عن معرفتهم به. وعليه، فان كلمة أبانا "بصيغة الجمع" تذكرني بأنه ليس أبي وحدي، وانما هو أب لجميع البشر، كل البشر، من عرفوه ومن لم يعرفوه "أباً" بعد ... لذلك فجميعهم هم أخوة لي من هذا الأب.

أما نحن الذين عرفناه "أباً"، فان توجهنا اليه بكلمة "أبانا" يفترض اعتبارنا في منزلة "أولاده" حتى نتجاسر وندعوه لنا أباً.  بمعنى أننا اذا طمعنا في الدلال عليه كأب، يجب أن نكون اولا مستحقين صفة البنوّة.  ذلك لأن ابوّة الله ظهرت لجميع البشر حين تدفّقت محبته لهم، فنزل الابن من السماء وتجسد وافتداهم على الصليب كما نعلم. ولكن، هل افتراض استحقاق درجة بنوّتنا له هو صحيح؟ ... فاذا قلنا "أبانا"، فهو من المؤكد أب لنا، وقد برهن على ذلك ببذل ابنه الوحيد عنا. ولكن هل من المؤكّد أننا أولاده؟ ... فلعل بنوّتنا غير مستحقة؟ لذلك فعند صلاتنا "الأبانا" يجب أن نكون فعلاً على استحقاق لمستوى البنوة من حيث الايمان و الأعمال ... أو على الأقل، بالعزم الدائم والمتوالي على التوبة الصادقة والمتكررة لخطايانا المستمرة.

 

- جملة: " ... الذي في السموات"

 

وهل الله بحاجة لأن نذكّرّه بذلك؟ ... وانما أراد يسوع - من خلال هذه الجملة -  أن يعلّمنا الاقرار بهذه الحقيقة كفعل ايمان واعتراف منا بأن الله هو في السموات ايضاً. أي أنه في اسمى حالات المحبة الكاملة.  وصحيح أنه أب لنا بكل ما في هذه الكلمة من معاني وعلاقة ودّية وأبوّة تربطنا به، ولكن ليس لدرجة الاستهتار و"الخوش بوش"، لأنه في حالة سامية جدا تحتم علينا التعامل معه بكل وقار واحترام وخشوع.

 

 

الجزء الثاني:

 

- جملة:" ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك"

 

غريب ان ينسب يسوع هذه الأفعال الى المجهول. فهو لم ينسبها الينا مثلا بقوله: "لنقدس اسمك، لنأت بملكوتك، وسنعمل مشيئتك". كما انه لم ينسبها الى الله بذاته كقوله:" قدّس اسمك، أءت بملكوتك، اعمل مشيئتك" !!!

لم ينسبها الى الله، لأنه يريد ان يشرك الانسان في تحقيقها ...  ولم ينسبها الينا، لعلمه أننا لا نستطيع تحمل مسؤولية هذه الافعال والقيام باتمامها وحدنا بدون مساعدة ودعم منه شخصيا. فالفاعل هو الانسان، ولكن بنعمة وتعضيد من الروح القدس الذي يساعده على تنفيذ وتحقيق هذه الأفعال الثلاثة، من خلال القيام باعمال المحبة الكاملة مع القريب المحتاج روحياً ومادياً: فيتقدس اسم الرب، ويأتي ملكوته، وتتحقق مشيئته.  لذلك فان الشراكة بين الله و الانسان لتحقيق هذه الأفعال هي التي جعلت يسوع ينسبها الى المجهول كما هو ايضا مترجم بالفرنسية:

que Ton Nom soit sanctifie, que Ta Vonlonte soit faite...., que Ton Reigne vienne, .....

أما صيغة الأمر وليس الرجاء أو التوسل، فجاءت للدلالة على ثقتنا وعزمنا على تحقيق هذه الأفعال بمساعدة ومعاضدة مباشرة من الروح القدس.  والاثبات على ذلك كلام يسوع حين سأل بطرس: "من أنا على حد قولكم انتم، فأجاب بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي. فأجاب يسوع: طوبى لك يا سمعان ابن يونا، فليس اللحم والدم كشفا لك هذا، بل أبي الذي في السموات (متى 16، 16-17)

 

جملة: "... كما في السماء كذلك على الأرض"

 

أراد يسوع من خلال هذه الجملة أن يلزمنا بتحقيق ما هو في السماء على الأرض.

فكما أن مشيئة الله الكائنة في السماء هي في كمال تدفق المحبة بين الآب والابن وانبثاق الروح منهما، مما أدى الى تقديس اسمه، وبسط ملكوته، نلتزم نحن من خلال اقرارنا بهذه الجملة بأن نحقق مشيئته هذه كذلك على الأرض،  عبر صراع مرير ضد أهوائنا وغرائزنا وميولنا وانحرافاتنا، لنتغلب عليها ونندفع في محبة الآخرين مضحّين بكل ما لدينا ... حتى بذل الذات، بكل رضاء وقناعة وفرح اكراماً واقتداءاً بالله الآب الذي أعطانا القدوة الأولى حين افتدى ابنه الوحيد عنا جميعاً، وجعل صليبه رمزاً أمام أعيننا عبر السنين.

وعليه فلا يمكن اتمام مشيئة الله كما في السماء كذلك على الأرض الا بحملنا الصليب، وبتعضيد ومساعدة مباشرة من الروح القدس لنتمكن من التغلب على ضعفنا البشري والروحي، متذكرين كلام بولس الرسول في رسالته حين قال: "الخير الذي اريد لا أعمل، والشر الذي لا أريد اياه أعمل". !!!

 

 

الجزء الثالث:

 

جملة: "اعطنا خبزنا كفاة يومنا ..."

 

بعد أن فرحنا بأبوّة الله لنا، وبعد أن أثبتنا له استحقاقنا لبنوّته بالقصد الثابت على تنفيذ مشيئته على الأرض، وبعد أن قمنا عمليّاً وفعليّاً بحمل الصليب من خلال التضحيات المقدمة بمحبة لقريبنا المحتاج روحياً ومادياً، عندئذ، وعندئذ فقط، يحق لنا أن نطلب من الآب، بدلال الابن على أبيه، كل احتياجاتنا من خبز روحي لمساعدتنا على تنفيذ ما ضعفنا عن انجازه في السابق، وخبز مادي لتقوية وحياة بنية أجسادنا المادية البشرية.

أما كلمة "كفاة" يومنا، فهي لا تعني طبعاً مدة زمنية معينة (أي 24 ساعة مثلاً) وانما تعني "آنياً"، أي في كل لحظة حاضرة، اذ لا يجب أن نفكر في أكثر من ذلك لأن المستقبل هو حاضر الغد، وكل لحظة هي ملك الرب وتحت سلطانه. فكما ورد في انجيل متى الفصل السادس 32-35 يقول يسوع: لا تهتموا ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس، فكل هذا يطلبه الوثنيون، وأبوكم السماوي يعرف أنكم تحتاجون الى كل هذا ... فاطلبوا ملكوت الله وبرّه قبل كل شيء ، تزادوا هذا كله. لا يهمكم أمر الغد، فالغد يهتم بنفسه، ولكل يوم من العناء ما يكفيه.

 

 

الجزء الرابع:

 

جملة: "واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء الينا"

 

يجعلنا يسوع في هذه الجملة أن نقر ونعترف بخطايانا أمام الله. ولكنه يشترط صراحة أن نكون قد سبق أن غفرنا خطايا من أخطأ اليتا. عندئذ نتجاسر ونطلب مغفرة خطايانا نحن. وحيث أن خطايانا تتكرر كثيراً بسبب ضعفنا البشري، لذلك فان تكرار طلبنا الى الآب مغفرة خطايانا يستوجب بالمثل تكرار غغراننا لمن يخطىء الينا. فكلنا ضعفاء أمام الله وأمام بعضنا البعض. وهذا ما افترضه يسوع في انجيل متى الفصل 18 العدد 21-35 حين طلب منا أن نغفر سبعون مرة سبع مرات. وليس المقصود طبعاً هو العدد الحصري بسبعين مرة سبع مرات، وانما المطلوب هو أن نتفهم ونتقبل ضعف بعضنا البعض، فنتحمل خطايا غيرنا بصبر وتسامح ومحبة كاملة.   بهذا الشعور فقط نستطيع أن نغفر أخطاء غيرنا عدة مرات، مهما كثرت، فنصبح نحن، عندئذ، مستحقين، بالرغم من ضعف أجسادنا وتكرار خطايانا، استحقاق بنوّتنا للآب، وأبوّته لنا، فيغفر هو أيضاً خطايا ضعفنا المتكررة.

أما صيغة الجمع فهي للدلالة على قبول الفكرة وتبادلها بين الجميع.

 

 

الجزء الخامس:

 

جملة: "ولا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير"

 

ان مجيء هذه الكلمات على لسان يسوع شخصياً يدل دلالة قاطعة على امكانية تدخّل الله الفعلي ليجنّبنا التجارب، أو ليقويّنا عليها، اذ هي ناتجة مباشرة عن ضعفنا الشخصي، وعن ضعف من هم حولنا في جميع النواحي البشرية مثل الغرور، الجشع، الأنانية، حب المال، حب السلطة، الحسد، فقدان المحبة، فقدان الرحمة، الضعف أمام الشهوات الغريزية، مما أدى ويؤدى الى انحلال البشرية جمعاء، والتي تنعكس أخطاء بعضهم تجارب مريرة على البعض الآخر في كل أنحاء العالم.

 أما مدى تدخل الآب لتعضيدنا، فيرجع ال مدى رغبته في اختبار كفاحنا الشخصي ومقدرتنا في الصمود أمام هذه التجارب، مستعينين بما اكتسبناه من خبرة ونعمة في اجتياز تجاربنا السابقة.

أما الشرير فهو الشيطان بذاته. وهو روح ذو قوة وسلطان عظيمين، يستطيع التدخل مباشرة ليفسد انساناً، أو مجموعة بشرية بكاملها، كما سبق وحاول أن يجرب يسوع بذاته عند جناح الهيكل، وكما سبق أن أغوى حواء منذ بدء الخليقة.

ولكن الله، اذا أراد، يستطيع أن ينهره ويمنعه عن ممارسة تدخله، كما سبق أن نهره يسوع عدة مرات وفي مناسبات عديدة وردت في الانجيل.

لذلك يعلّمنا يسوع في الصلاة الربية أن نطلب من الله عدم ادخالنا في التجارب، وان ينهر الشرير عن الاقتراب منا والتسلط على أجسادنا التي خلقها لتكون هيكلا له، وليس هيكلاً للشيطان.

نطلب منه كل ذلك لأننا واثقون من أنه اذا أراد حمايتنا فعل. فان لعنايته الالهية قدرة وسلطان على الروحيات والماديات على حدّ سواء.

 

العبرة

بعد أن تأملنا في مقاطع هذه الصلاة العظيمة التي علّمنا اياها يسوع، علينا أن نتذكر كل معانيها العميقة أثناء تلاوتنا لها، ساردين كلماتها بكل بطء وتمعّن، وليس بسرعة وشرود ذهن، ولنحاول أن نعدّ أنفسنا بصورة عملية ومشرّفة تمكننا من تلاوتها أمام  الله الآب كأبناء له، فيقبلها منّا، ويمنحنا غفرانه ونعمه وبركاته، وينجّينا من التجارب، و يحمينا من الشرير.

 

 

عودة الى تأملات الأعضاء                        عودة الى الصفحة الرئيسية

 
 
Comments