إعلان ثوابت الكنيسة المارونية

 
 

إعلان

ثوابت الكنيسة المارونية

 

 

يعيش اللبنانيون اليوم، وبخاصة الموارنة من بينهم، فترة حرجة من تاريخهم، تكثر فيها الأسئلة حول مصيرهم ومصير وطنهم، ويتعاظم الخوف على مستقبلهم والخشية من عودة الإقتتال الداخلي، بسبب الصراعات الدائرة وما يرافقها من شحن للنفوس وإثارة للغرائز.
 

-        فالوطن أصبح في مأزق يهدد وجوده وكينونته، وينذر بارتدادات بالغة الخطورة على المنطقة بأسرها ؛

-        والشعب راحت تتجاذبه تيارات متناقضة ومحاور إقليمية متناحرة، فأخذ بعضه بالإصطفاف وراء هذا المحور أو ذاك، ووقفت الأكثرية الصامتة حائرة، ضائعة، عاجزة عن الصمود بوجه التيارات وعن اختيار موقع لها؛

-        والدولة أضحت مهددة بتقطيع أوصالها، تطغى عليها الإنتماءات الطائفية وصراعات القوى والمصالح الفئوية، وبات دور المسيحيين فيها مهمشا، ولم تعد تقوى على القيام بدورها في توحيد المجتمع اللبناني والحفاظ على أمنه وكرامة الإنسان فيه، ونيله حقوقه الأساسية.

 

أمام هذا الواقع المأساوي، لا يسع الكنيسة المارونية أن تتنكر للدور الأساسي الذي لعبته، عبر التاريخ،  في بناء هذا الوطن والزود عنه في وجه كل الإجتياحات والإحتلالات، وفي قيام دولة الإستقلال، وإرساء النظام البرلماني الديمقراطي الحر. كما لا يمكنها أن تتوانى عن التصدي للأخطار التي تهدد وجود الوطن، ومستقبل الشعب، واستمرارية الدولة.

 

لذا،إنطلاقا من تعليم الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" والمجمع البطريركي الماروني، يهمنا أولا أن نذكّر ببعض المبادىء الأساسية التي تشكل ثوابت وطنية يجب التقيد بها، والإنطلاق منها لمعالجة الأمور الملحّة التي من شأنها أن تساهم في إخراج البلد من المأزق الحالي، وتؤسس لمعالجة طويلة الأمد للشؤون الجوهرية المتعلقة بمستقبل الوطن وديمومته.

 

 

 

 

أولا: الثوابت المارونية                   2

 

1-  الحرية : لقد تمسك الموارنة عبر تاريخهم بالحرية الإيمانية، وعاشوها منذ البدء وسط نزاعات دينية متنوعة. وقد لازمتها سائر الأبعاد التي تعرفها الحرية، من فكرية واجتماعية وسياسية... واعتصم الموارنة في جبال لبنان  حفاظا على حرياتهم هذه التي صارت عندهم كنز الكنوز.

 

2-  العيش المشترك : لم يمنع الموارنة تمسكهم بالحرية من الإنفتاح على الآخرين والمشاركة معهم في السرّاء والضرّاء، إذ ناضلوا على أرض لبنان مع إخوان لهم من سائر الأديان والطوائف، وأسسوا معا كيانا واحدا في جو من المساواة بين الجميع ومن الكرامة المحفوظة للجميع.  فكانوا على الدوام مندرجين في العيش المشترك مع إخوانهم ومواطنيهم في لبنان أولا، ثم في كل بلد حلوا فيه واستوطنوه. وهذا العيش قائم على الإعتراف المتبادل، وعلى وحدة المصير، والتكامل بين العائلات الروحية التي تؤلف النسيج الوطني الواحد. وقد كرّس الدستور اللبناني هذا المبدأ إذ نزع صفة الشرعية عن كل سلطة تناقض العيش المشترك.

 

3-  الديمقراطية التوافقية: لقد ارتضى اللبنانيون نظام الديمقراطية التوافقية  وكرسها الدستور،حفاظا على جميع مكونات المجتمع اللبناني التعددي، وإفساحا في المجال لها جميعا أن تشارك مشاركة متوازنة في الحياة الوطنية والقرارات المصيرية، وفي إدارة شؤون الوطن، وفي بناء مشروع الدولة وتمتينه وتطويره.

 

4-  نهائية الكيان اللبناني: لقد أكد الدستور اللبناني في مقدمته الإعتراف بلبنان وطنا نهائيا لجميع أبنائه، إلى جانب قاعدة العيش المشترك في ما بينهم، وانتمائه الكامل الى العالم العربي. وهذا يستتبع حتما الدفاع عن استقلال هذا الوطن، وسيادة دولته الكاملة على كل أراضيه، وحرية أبنائه في أخذ قراراتهم المصيرية، كما يحتّم الوقوف في وجه أية محاولة للمسّ بهذا الإستقلال من أية جهة أتت، أو احتلال لاراضيه وانتقاص لسيادته، أو تدخل خارجي في شؤونه وإخضاع مصلحته العليا لمصالح أية دولة أخرى.

 

5-  التمسك بقرارات الشرعية الدولية، والمطالبة بتطبيقها كاملة، إذ انها الوسيلة الأنجع للحفاظ على هذا الوطن الصغير وحمايته من مطامع جيرانه، ومنع استعماله كوسيلة لحلّ بعض مشكلاتهم على حسابه، كأن يجعل منه وطنا بديلا لمن أضاعوا وطنهم، أو تعويضا على من فقد جزأ من أراضيه.

 

6-  الحفاظ على الدولة اللبنانية، وتحاشي ما من شأنه أن يفكك أوصالها ويضعف دورها، إذ في ضرب الدولة خطر على الوطن. بل المطلوب إعادة بناء هذه الدولة على أسس الحق والعدالة والمساواة والمشاركة، وترميم كل مؤسساتها على أسس الكفاءة والنظافة والأخلاق السوية، ومحاربة الفساد المعشش في زواياها.

 

7-  الإلحاح على تطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده، مع توضيح ما زال غامضا فيه، وتصحيح الشوائب التي ظهرت في ضؤ الممارسة، بغية تحسين أداء الدولة، وتحصين الوطن ضد الأخطار. 

 

 

ثانيا : معالجة الأمور الملحّة

 

إنطلاقا من هذه الثوابت والمسلّمات، ندعو القيادات المارونية أولا، ومن ثم سائر القيادات الوطنية، إلى:

 

1-   بت ميثاق شرف في ما بينهم وأمام الوطن، يؤكدون فيه تمسكهم بمبادىء الحوار وحل الخلافات في إطار الديمقراطية والقانون، ويرفضون الإحتكام الى أي شكل من أشكال العنف والصدامات المسلحة تحت أي ذريعة أو سبب. كما يمتنعون بموجبه عن استعمال عبارات التحقير والإذلال في المخاطبة، وعن  إثارة الأحقاد والنعرات الطائفية أو الحزبية أو الفئوية أو الشخصية، وعن الإسفاف في لغة التخاطب الى حد استعمال الكلمات البذيئة التي لا تليق بهم ولا بالأشخاص الموجهة اليهم.

 

2-  العمل على إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي، انطلاقا من إيمانهم بمبادىء العدالة  والحق، ورفضهم الإرهاب وإدانتهم الجريمة، سياسية كانت أم غير سياسية، وذلك  لإحقاق الحق، وإيقاف مسلسل القتل والإغتيالات الذي يضع لبنان في خانة بلدان تسودها شريعة الغاب.  

 

3-عدم الإنجرار الى صراع المحاور الإقليمية أو الدولية، أو التمحور في أي أحلاف خارجية تخوض صراع مصالح ونفوذ على أرض لبنان، وعلى حساب لبنان، مع حرصهم على الإنفتاح والتفاعل مع محيطهم والعالم.

 

4- لملمة الوضع المتفجر من خلال تأليف حكومة وفاق تؤمّن مشاركة واسعة على المستوى الوطني، وتجد حلولا لما يعاني منه المواطن، ولا سيما على الصعيدين الأمني والإقتصادي.

 

5-  واذا تعذر ذلك، السعي إلى تأليف حكومة من مستقلين تعمل على إقرار قانون جديد للإنتخاب على أساس الدوائر الصغرى، بغية تأمين تمثيل صحيح لكل فئات الشعب، وعلى إفساح المجال لمشاركة المغتربين في الإنتخاب، بغية إعطائهم جزءا من حقوقهم، وترسيخ علاقتهم بوطنهم الأم، وتقوية مساهمتهم الفعالة في إعادة بنائه. كما تسهر على إجراء انتخابات مسبقة. 

 

6-  إيجاد حل لواقع رئاسة الجمهورية الذي لا يعقل أن يستمر مع المقاطعة الحاصلة لها دوليا وداخليا، فمن شأن ذلك أن يزيد من تفاقم الأزمة وتزايد الخلل. فلذا يجب تقريب موعد الإنتخاب لاختيار شخص يتم الإتفاق عليه، ويمكنه أن يعمل على توحيد الشعب في ظل الدولة العادلة، وعلى إطلاق مسيرة الإصلاح وإعادة بناء الدولة بكل مؤسساتها.

 

7-  العمل معا على استكمال تطبيق اتفاق الطائف، ولا سيما بند اللامركزية الإدارية والإنمائية الموسعة، وتأكيد حق الفلسطينين بالعودة الى بلادهم ورفض توطينهم في لبنان، والعمل على حل مسألة السلاح الفلسطيني في أطار تأمين حقوقهم الإنسانية، وعلى حصر السلاح اللبناني في يد القوى الأمنية الشرعية.

 

وفي الختام نتوجه بالدعوة الىجميع المسيحيين لرص صفوفهم وتوحيد كلمتهم، لا ليشكلوا قوة في وجه الطوائف الأخرى، بل ليتمكنوا من لعب دورهم التاريخي الذي هو دور توحيد ووحدة بين مختلف الطوائف والشرائح اللبنانية، وصمام أمان في وجه التوترات والمواجهات ما بين الطوائف الأخرى، للحؤول دون انفجار الصراعات الطائفية أو المذهبية. وهكذا يحافظون على لبنان الذي هو " أكثر من وطن"، الذي هو رسالة انفتاح وتحاور وتوافق وعيش مشترك بين الأديان والحضارات.

 

   

بكركي في 6 كانون الأول 2006