شرح قانون الإيمان


 

شرح قانون الإيمان 

في العقيدة الكاثوليكية

إعداد حركة ميلاس

 

  

 

المبادرة 

إنطلاقاً من عمق المحبّة التي أوصانا بها يسوع، وبغيرة قويّة لبيان الحق والشّهادة له، قامت حركتنا "ميلاس"، أي "رسل من أجل حرّية المعتقد والتنافس الروحي"، بكتابة هذا الشرح الوافي لكل فقرة من فقرات "قانون الإيمان" كما شرحها المرحوم الأب جبرائيل مالك اليسوعي مؤسّس الحركة، مستنداّ إلى مراجع تاريخية ولاهوتية موثوقة في الكنيسة الكاثوليكية، بهدف إنارة المؤمنين بالمعاني العميقة لمضمون هذه الفقرات، والتي تعمّدت الكنيسة من خلالها إظهار حقائق العقيدة الكاثوليكية بكل أبعادها، في مقابل ما كان قد ظهر من تأويلات وانحرافات بين الناس والعلماء في ذلك الحين.

آملين أن يحقق هذا العمل غايته من توعية ومعرفة، نطلب ونصلّي للروح القدس كي ينير عقول جميع المؤمنين بنور الحق، ويرشدهم إلى طريق الخلاص للحياة الأبدية.

 

المقدمة 

بعد أن صعد يسوع إلى السماء، إنطلق الرّسل إلى جميع أنحاء المسكونة يبشّرون  ببشارة الخلاص كما سبق أن طلب هو منهم ذلك، إبتداءاً من أورشليم، وانتهاءً إلى كل الأمم، معمّدين إيّاهم باسم الآب والإبن والرّوح القدس (متى19:28 ولوقا 47:24). لذلك كان همّهم الأساسي في أورشليم هو الإجهار لليهود بأن المسيح قد قام فعلاً من بين الأموات، وأنهم شهودٌ على ذلك.


أما بالنسبة لباقي الأمم، فكان التبشير يبدأ بالتركيز على الإيمان بإله واحد فقط وليس بعدّة آلهة كما كان سائداً في تلك الأيام، ومن ثمّ التوسع في تفاصيل بشارة الخلاص من خلال تعاليم يسوع، ثم موته عنّا على الصليب، وأخيراً قيامته منتصراً من بين الأموات. وقد تمّ تدوين كل ذلك في الرسائل العديدة التي أرسلوها في تلك الأيام إلى المؤمنين في البلاد المختلفة، وهي نفسها التي ما زلنا نقرأها ونسترشد بها حتى يومنا هذا.


واضح أن ظرف انطلاق الرسل للتبشير ببشارة الخلاص كان بين يهود متمسكين بعقيدتهم وتوراتهم، وبين أمم  تؤمن  بعقائد  وديانات وآلهة مختلفة تماماً. لذلك، كان الهدف الرئيسي للرسل – في هذه الظروف بالذات – هو إرساء الخطوط العريضة الأساسية للعقيدة المسيحية، وهي الإيمان بإله واحد، أرسل ابنه الوحيد ليكشف لنا طريق الخلاص بالمحبّة، كما ليكشف لنا أسرار الله بالذات، ثم يموت عنّا على الصليب، ومن ثمّ يقوم منتصراً إلى السماء، فيرسل لنا الروح المعزّي ليعضدنا ويلهمنا طريق الحقّ.


لذلك، لم نجد أن تعاليم الرّسل كانت تتضمّن صراحة كلّ التفاصيل اللاهوتية التي صار كشفها لاحقاً، إذ لم يكن مناسباً في ذلك الوقت تحميل العقل البشري  أكثر من طاقته،  خصوصاً أثناء دعوتهم الناس لإعتناق عقيدة جديدة هي العقيدة المسيحية. ولكننا نلاحظ من جهة أخرى أن كل كتاباتهم ورسائلهم لم تكن تنكر ضمناً أو صراحة أياً من هذه العقائد، والتي صار كشفها لاحقاً بإلهام من الروح القدس من خلال إجتهادات المؤمنين واللاهوتيين.


ففي القرنين الأول والثاني، بدأ المفكّرون المسيحيون الأولون يتعمّقون ويجتهدون في تحليل كلام يسوع وما كشفه لنا عن شخص الله "الآب"، وشخصه هو (أي يسوع)، وشخص الروح القدس، ومسألة تجسّده وصلبه على الصليب، ثم قيامته، إلى غيرها من العُقد التي لا يمكن فهمها إلا بإلهام من الروح القدس شخصيّاً. فظهر العديد من المحللين مثل جوستان مارتير (سنة 165) وإيرانوس (سنة 202) وترتوليان (سنة 225) وهيبوليتس (سنة 235) وأوريجين (سنة 245)، ... وغيرهم وغيرهم ممن كتبوا تحليلات ممتازة عن تكوين الله من ثلاثة أقانيم هم الآب والإبن والروح القدس، وعن ألوهية وأزلية يسوع، وكيف أنه وُلِدَ ولم يُخلق، وعن ناسوته ولاهوته ... إلخ...


إلا أنه في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، بدأت تظهر بين المسيحيين تيّارات إنحرفت وشذّت عن العقيدة الأساسية، لأنها اعتمدت في تفسيراتها على إجتهادات المنطق وقناعات العقل البشري وليس على إلهامات الروح القدس. وكان أهمُّها هو تيار العقيدة الأريوسية الذي يقول بأن الإبن هو ليس إله، بل هو روح مخلوق من الله. وكان آريوس كاهناً في الأسكندرية حين بدأ يإطلاق تعاليمه هذه. هذا بالإضافة إلى تيار آخر هو تيّار الفكر المانيئي، (نسبة إلى المعلّم "ماني") والذي كان يعتقد بتعدّد الآلهة، أي بالإيمان بأكثر من إله واحد. فهناك إله للخير، وآخر للشر، ... ألخ... وغيرها وغيرها من التيارات المنحرفة المختلفة الناتجة عن الإجتهادات العقلية والفلسفية البحتة.

 

لذلك، وإزاء هذه الإنحرافات التي باتت تُهدّد العقيدة المسيحية المُلْهَمة، إجتمعت الكنيسة الكاثوليكية الأساسية في نيقية سنة 325 بإيعاز من الأمبراطور قسطنطين في عهد البابا سلفسترس الأول، وقامت بوضع نص دقيق لقانون الإيمان المسيحي الكاثوليكي، ليؤكّد أهم قواعد العقيدة الكاثوليكية العروفة في تلك الأيام، وليدحض كل التيّارات المنحرفة في ذلك الوقت. 


وينقسم قانون الإيمان إلى الأقسام الأربعة التالية:

 

1-    القسم الخاص بالآب

نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى.

 

2-    القسم الخاص بالإبن قبل التجسّد

وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدّهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوِ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شئ، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا ...

 

3-    القسم الخاص بالإبن بعد التجسد

نزل من السماء، وتجسّد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، وصار إنساناً، وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألّم ومات وقبر، وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الله الآب، وأيضا يأتي بمجد عظيم، ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه.

 

4-    القسم الخاص بالروح القدس

ونؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب والإبن، الذي هو مع الآب والإبن، يُسجد له ويُمجّد، الناطق بالأنبياء (والرسل)، وبكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، ونترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين.

 

 

وفيما يلي سنقوم بتقديم الشرح الوافي لكل فقرة من فقرات قانون الإيمان المذكور، والذي ينقسم كما ذكرنا إلى أربعة أقسام أساسية...

 

  ----------------------------------

 ---------------------

 -----

 -


 

أولا: القسم الخاص بالآب

____­­­__

نؤمن ....


يبدأ قانون الإيمان بكلمة "نؤمن" ولم يقل "نعلم أن ..."

فالعِلْم يتعلّق بمعرفة علمية ناتجة عن اختبارات وتجارب مادّية بحتة.

أمّا "الإيمان" فإنما يعني "معرفة" عرفناها بالكشف الإلهي الصريح، وليس إستناداً إلى أيّ فلسفة عقلانية بشرية أو علوم إختبارية مادية.

لذلك، فما علينا إلا أن "نؤمن" بما سنقول، وهو ما كشفه الله لنا عن نفسه صراحة من خلال تعاليم يسوع أثناء حياته بيننا على الأرض.

___­­­_____

بإله واحدٍ ...

 

وذلك للتأكيد على أننا نؤمن بإلهٍ واحدٍ فقط وليس بعدّة آلهة كما كان موجوداً في العديد من الأديان والتيّارات العقائدية الأخرى كآلهةٍ للخير وآلهةٍ للشر وغيرها...

لذلك، نصّ القانون على أننا نؤمن بإلهٍ واحدٍ فقط. وهو إله خير. أمّا الشرّ فهو ناتجٌ عن سوء إستعمال الإنسان للحرّية الكاملة التي منحها الله له ليتمتّع بها. 

___­­­________

آب ضابط الكل...

 

إن كلمة آب هي سريانية الأصل، فاللغة العربية تقول "أب" وليس "آب". ومعنى كلمة "آب" هي "والد"، أي له "ولد" أو "إبن"  يكون هو مصدره. وهو مسيطر على كل شئ في السماء وعلى الأرض. لذلك هو ضابط الكل.

 _­­­____________

خالق السماء والأرض...

 

نلاحظ اختيار كلمة "خالق" وليس كلمة "صانع". فالخلق هو إيجاد شئ من لا شيء. أما الصانع فهو يصنع الشئ من شيء آخر كان موجوداً من قبْل ثمّ استخدمه لصناعة الشيء الجديد. لذلك، كان اختيار كلمة خالق لأن الله خلق السماء والأرض من لا شيء. أي أنه أوجدها من العدم.

أمّا كلمة سماء، فهي تعني كلّ شيء غير مادّيّ. وكلمة أرض، فهي تعني كلّ شئ مادّيّ بما فيها الأرض وموادّها  والسماء الفلكية بنجومها وشموسها ومجرّاتها.

 ___­­­____________

كلّ ما يرى ولا يري  ...

 

في هذه الجملة استرسالاً في تفسير الجملة السابقة. فما لا يرى يعني كل ما لا يقع  تحت الحواس مثل الذكاء والعقل والإرادة ... أمّا ما يرى، فهو كل ما يقع تحت الحواس مثل النظر والسمع واللمس والذوق والشم وغيرها...

 

 

 

ثانياً: القسم الخاص بالإبن قبل التجسد


____­­­_________________________

وبربٍّ واحدٍ يسوع المسيح "إبن الله الوحيد" ....


في هذه العبارة نقرُّ ونعترف بأن يسوع هو إبن الله، وهو إبنه الوحيد الخارج منه. والكلام هنا هو عن الإبن قبل التجسّد. (أي الكلمة: يوحنا 1:1)

____­­­_________________

المولود من الآب قبل كلّ الدهور...


يلاحظ التركيز هنا على اختيار كلمة "مولود" وليس كلمة "مخلوق". فالمولود هو مَنْ له أصل بدون بداية. أمّا المخْلوق فله بداية لم يكن موجوداً قبلها.

صحيح أن الإنسان مثلاً هو مولودٌ من أبويه، ولكنه مخلوقٌ لأنه لم يكن موجوداً منذ بدء الزمن. أما الإبن الذي نتكلّم عنه فهو مولودٌ فقط لأن ليست له لحظة بداية.

____­­­_________________________

إلهٌ من إله، نورٌ من نور، إلهُ حقّ من إلهٍ حقّ...


الآب هو الأصل، والإبن له أصل هو الآب، لذلك فكلّ صفات ومميزات الآب هي موجودة في الإبن. فكما أن الآب هو الله كذلك الإبن هو الله أيضاً. وجوهره هو نفس جوهر الآب.

____­­­_________

مولودٌ غيرُ مخلوق...


هنا إعادة للتأكيد على أنه مولودٌ وليس مخلوق. وقد سبق أن وضّحنا الفرق بين المولود والمخلوق في جملة "المولود من الآب قبل كلّ الدهور"

____­­­____________

مساوٍ للآب في الجوهر...


أي أن الإبن هو مثل الآب تماماً. فالآب هو الأصل، والإبن له أصل هو الآب. لذلك، فإن جوهر الإبن هو مساوٍ لجوهر الآب.

____­­­___________

الذي به كان كلّ شيء...


كلّ ما فعله الآب تمّ بواسطة الإبن. تماماً كما يتحقّق ما يفعله العقل بواسطة الفكر.

____­­­______________

والذي من أجلنا نحن البشر...


وهنا دلالة على شدّة محبّة الله وافتقاده للإنسان البشري، كل إنسان وأي إنسان، البشر أجمعين على كل الكرة الأرضية بدون أي إستثناء.

____­­­_________

ومن أجل خلاصنا...

 

أي من أجل إخراج الإنسان من حالة البؤس البشري التي يتخبّط فيها، ومن ثمّ إرشاده إلى طريق الحق والحياة. إذ بالرغم من تقدّم الإنسان الهائل في مجالات الأبحاث والدروس والعلوم، إلا أنه بواسطة العلم أو الفلسفة لم ولن يتمكن من علم شئ عن أصله وعلّة وجوده ونهاية مصيره.  فالإنسان مشتّتٌ بين نفسه، يريد الوحدة مع ذاته ، يريد السلام الداخلي بصورة خاصّة. فهو يحسّ باضطراب مستمر يسيطر على عقله حول مصيره ونهايته، يعيش في صراعٍ مع رغباته وأهوائه، لذلك هو بحاجة ماسّة إلى من يرشده عن كيفية الخلاص من هذا الإنقسام الداخلي والصراع الذاتي، ليدخل في سلام واستقرار وفرحٍ لا يتوقّف فقط عند حدود حياته المادّية، وإنما يتعدّاها ليصل إلى أعماق قناعاته العقلية وجذور حياته الروحية.




ثالثاً: القسم الخاص بالإبن بعد التجسّد

____­­­_______

نزل من السماء...


السماء هنا تأتي بمعنى السموّ الإلهي. فقد تنازل الله من حالة سموّه الإلهي ليظْهر للبشر بحالة غير إلهية هي حالة الإنسان البشري، إلا أنه طبعا بقي "الله". ولكن لشدة محبّته للبشر قرّر أن أن يتنازل عن مستواه الإلهي وينحدر إلى المستوى البشري ليعايش الإنسان على الأرض في نفس ظروف عيشه وتحت نفس القيود التي تربطه. فيكشف له حينئذ بطبيعته البشرية "كإنسان" عن الطريق (أو الطريقة) التي يمكنه كبشر اتّباعها مثله  للخلاص من تلك القيود، وبالتالي معرفة الحق فالحياة إلى الأبد. إنها بكل بساطة طريق المحبة. وقد قام يسوع (الله الإبن المتجسّد) بإثبات ذلك قولاً وعملاً بكل الوسائل حتى الموت.

____­­­_____________

وتجسّد من الروح القدس...


أي أن الله اتخذ لنفسه جسداً في أحشاء مريم العذراء بواسطة الروح القدس بشكل عجائبي.

____­­­_________________

ومن مريم العذراء وصار إنسانا...


أي أنه أخذ الطبيعة البشرية بشكلها الكامل في أحشاء مريم العذراء، ليتمكن من حمل وذر الإنسان، ومن ثم رفعه إلى أن يصبح إبنًاً لله بالتبنّي.

____­­­_____________________

وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي...


عاش يسوع حياة العطاء الكامل إلى درجة التضحية بالذات في سبيل إعلام الناس عن طريق الخلاص وكشف الحقائق الإلهية التي لم يكونوا يعرفونها. إلا أن ذلك كلفه مشقّة كبيرة ومواجهة صعوبات جمّة بسبب تعنّت البشر وعنادهم وتسلّطهم. فاضطرّ إلى مواجهة اليهود والسلطة الرومانية الذين اتهموه بالكُفر وصلبوه حتى الموت. أما هو فظل ثابتاً في تعاليمه ولم يَخَفْ من الموت، وتمسّك إلى آخر لحظة في حياته بنشر البشارة التي من أجلها نزل وتجسّد وواجه المصاعب حتى الموت .

____­­­_______

تألّم ومات وقُبر...


استُعملت هذه التعابير للتأكيد على أن حياة يسوع كإنسان وصلت إلى كل الأبعاد البشرية. فقد تعذّب واحتمل الألم واحتضر إلى أن ذاق غصّة الموت، فمات وقُبر.

____­­­_____________________

وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب...


بعد الإنحدار إلى الموت، وهو أدنى درك يمكن أن يصل إليه الإنسان على الصعيد البشري،،، قام يسوع منتصراً ليكسر شوكة هذا الموت البشري، وليعلن انتصاره على الشّر الذي أدّى به إلى الصلب، ومحققاً النبوءات التى وردت سابقاً في الكتب، والتي تنبّأت بقيامته من بين الأموات كاسرا شوكة الموت. 

 ____­­­________

وصعد إلى السماء...


جاءت هنا كلمة "صعد" لتقابل كلمة "نزل" التي وردت سابقاً.

صعد إلى السماء أي أنه عاد إلى الحالة الإلهية بجسده القائم من الموت، وهو جسدٌ نوراني يختلف عن الجسد السابق الذي مات، ولكنه تحوّل ليصبح جسداً نورانياً. وبذلك أًصبح الإبن المتجسّد هو حالة موجودة في السماء تتمع طبعاً بحالة الألوهية الكاملة التي كانت له قبل التجسّد.

____­­­____________

وجلس عن يمين الله الآب..


إن القدوة البشرية التي أعطاها الإله المتجسّد حيث قام منتصراً على الموت، أصبحت في النهاية حالة إلهية يحكم بموجبها على البشر والعالم. ذلك لأن الله أصبح يحكم على البشر بالمقارنة مع تصرّفاته أثناء اتخاذه جسدا بشريا كاملا كما طالبهم هو بذلك. وهكذا أصبح "الكلمة" ، أي الإبن الأزلي، يحكم على العالم كإبن أزلي "متجسّد".

 ___­­­____________

وأيضا يأتي بمجد عظيم...


إستعملت هذه المرّة كلمة "يأتي" وليس "ينزل" لأن الإبن سيعود إلى الأرض مرّة أخرى ليدين الإنسان، ولكنه هذه المرة لن "ينزل" متنازلا أو متواضعا ليولد في مذود، وإنما سياتي كإله متجسّد تواكبه جيوش الملائكة في جلال ومجد عظيمين.

____­­­____________

ليدين الأحياء والأموات...


إن الدينونة الأخيرة هي عودة الإبن لمحاسبة كل إنسان عن أفعاله. فقد جاء أولا عندما تأنّس بصورة متواضعة في مذود، ولكنه بمجيئه الثاني سيأتي بمجدٍ عظيمٍ لمحاسبة كل بني البشر، الأحياء منهم والأموات:

أما الأحياء فهم من عاشوا في المحبة، والأموات فهم من لم يعيشوا في المحبة، ذلك لأن المحبة هي مصدر الحياة بالخروج من الذات إلى درجة إعطاء الذات.

 ____­­­_______

الذي لا فناء لملكه...


إن مُلك المسيح هو مُلك المحبّة. ومُلك المحبة لا نهاية له ولا فناء. فمُلك جميع القواد والملوك والرؤساء ينتهي، أما مُلك المحبة فهو أزلي. لذلك فالإنسان بعد الموت يحيا أبديّاً في حالة الحب الكامل بينه وبين الله، وهي أعلى حالات المجد والفرح.



 

رابعاً: القسم الخاص بالروح القدس

____­­­__________

ونؤمن بالروح القدس..


الآب ليس له مصدر. وهو العقل.

الإبن له مصدر: هو الآب، وهو فِكْرُه المولود من عقله.

أما الروح القدس فهو كائن المحبة المنبثقة من الشخصين. لذلك فمصدره هو كلا الآب والإبن، وهو شخص إلهي مستقل.

 ___­­­_____

الربّ المُحْيي..


كما الآب والإبن، فالروح هو أيضا رب، وهو لا يقل عنهما في شئ. وحيث أن الروح هو "المحبة" التي تربط الآب بالإبن، كذلك هو يربط الناس ببعضهم ويربطهم بالله ذاته. إذ أنه يُحْيي الإنسان الذي يقبله، ويفيض فيه المحبة، ويغيّره إلى شخص جديد.

____­­­___________

المنبثق من الآب والإبن..


إن مصدر الروح القدس هو الآب والإبن. فهو كينونة المحبة الكاملة المشتركة بينهما. لذلك فهو نابعٌ وصادرٌ منهما، مع بقائه إلى جانبهما بدون أن يخرج خارجاً .

____­­­____________

الذي هو مع الآب والإبن..


إن الروح هو متعلّق بالآب والإبن، وهو مرتبطٌ بهما بدون انفصال. فالثلاثة هم إله واحد. لذلك، نقول إله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب والإبن والروح القدس.

____­­­______

يُسجد له ويمجّد..


بما أن الروح القدس هو أحد أقانيم الله في ثالوثه، لذلك فهو يستحق السجود والتمجيد مثل الآب والإبن تماماً.

 __­­­______________

الناطق بالأنبياء (والرسل)....


الأنبياء هم على نوعين:

الأول: الأنبياء هم من كانوا قبل المسيح يتنبّأون به. لذلك، كانت كلمة أنبياء تأتي بمعنى من "أنبأ" أو من "أخبر" وليس بمعنى من له القدرة على قراءة المستقبل. فقبل المسيح، سبق أن تنبّأ أربعة وعشرون نبياُ بإلهام من الروح القدس ليخبرونا عن مجيئه وانتظار الخلاص على يده. ويتوضّح معنى الكلمة باليونانية (Propheta)   بصورة جلية عند تقسيمها إلى (Pheta)  أي "تكلّم"، و (Pro) أي "بالنيابة عن" . بمعنى أنه يتكلم بالنيابة عن الله، ولا وجود لفكرة قراءة المستقبل في هذا الصدد.

          ولما كان الشعب اليهودي في حالة صعبة جدا، إما في المنفى، أو مهزوم في حرب، أو مقهور تحت حكم أجنبي، لذلك كان ظهور هؤلاء الأنبياء ليخبروهم بوجود خلاص ما على يد مخلص يرتفع من معنوياتهم ويؤجج الأمل في نفوسهم. ولكنهم لم يعرفوا أن الخلاص المقصود بهذه النبوءات هو خلاص النفس من عبودية الذات وليس الخلاص من القهر الدنوي والمادي، لذلك ،توقّعوه على يد ملك قدير له جيوش تنصرهم على أعدائهم.

الثاني: النبي هو كل إنسان مسيحي يبشّر بالمسيح وبخلاصه، إن بالفكر أو بالقول أو بالفعل.

 

 ____­­­____________________

وبكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسوليّة...


بالإضافة إلى النطق بالأنبياء، فإن الروح القدس ينطق أيضا حتى اليوم بواسطة الكنيسة الواحدة الجامعة المقدّسة الرسولية. وفيما يلي نشرح المعنى المقصود لكلّ من هذه الكلمات:

كنيسة:

وفي اللغة السريانية تسمى "البيعة". وهي تعني "الجماعة" أو "المجتمع"، أو مكان الإجتماع. فقبل المسيح، كان الروح يتكلم بواسطة الأنبياء. أما بعد المسيح، أصبح الروح يتكلم بواسطة الكنيسة. وموضوع كلام الكنيسة هو واحد وهو محصور في موضوع الخلاص.

واحدة:

إن وحدة الكنيسة لا تكون بالمكان أو اللغة أو الألحان أو التقاليد، وإنما وحدة الكنيسة تكون في الآتي:

1.    الوحدة في الإيمان. فلكل الناس في هذه الكنيسة قانون إيمان واحد يفسّرونه بنفس المعنى.

2.    الوحدة في الأسرار. وعددها سبعة مهما كانت اللغات والمسافات وهي: سر الإفخارستيا، التوبة، الكهنوت، الزواج، مسحة المرضى، العماد، والتثبيت.

3.    لها رأس واحد هو المسيح، ونائبه على الأرض هو بطرس الحي في خليفته وهو البابا أسقف روما.

جامعة:

وهي ترجمة حرفية لكلمة "كاثوليكية". ولكن المعنى المقصود من كلمة "جامعة" لا تعني في الواقع المعنى الحرفي لما تعنيه كلمة "كاثوليكية" لأن كلمة "جامعة" هنا تعني: "الملجأ الذي يستطيع كل إنسان أن يجد الخلاص فيه". لذلك، فهذه الكنيسة "الجامعة" تستطيع أن تجمع كل أجناس البشر وطبقات الناس تحت خلاص واحد لهم جميعاً.

مقدّسة:

أي فيها القداسة. والقداسة هي الفرح الكامل والسعادة والسماء.

رسولية:

لأن الكنيسة هي مبشّرة. وهي لا تبشّر بما يحلو لها، وإنما بما يمليه عليها الروح القدس. فالبابا يتكلم باسم المسيح، والمسيح يتكلم إلينا بواسطة الكنيسة، ونحن نبشّر بما سمعنا به، وليس بما نختلقه أو ما يحلو لنا.

 

____­­­______________________

ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا..


إن إحدى مظاهر حلول الروح القدس على الإنسان هي المعمودية. ويتم ذلك حين يتعمّد الإنسان بالماء  والروح باسم الآب والإبن والروح القدس. فالإنسان يولد في الخطيئة الأصلية وهي الميل نحو التكبّر والغرور بالنفس، بالإضافة إلى ضعف الروح أمام ميول الجسد. لذلك، ينزل الروح بالمعمودية ليحلّ على الإنسان فيعطيه قوّة خاصة تغفر خطاياه، أصلية كانت أم فعلية، بصورة كاملة. فكما أن آدم دخل في الموت بسبب خطيئته، فإن الروح القدس يدخلنا في الحياة بالمعمودية.

 

 ____­­­___________

ونترجّى قيامة الموتى....


نلاحظ اختيار كلمة "نترجّى" وليس كلمة "نأمل". لأن الرجاء هو اليقين بما ننتظر. أما الأمل فهو التمني بحصول ما ننتظر. وحيث أننا على يقين بقيامة الموتى لذلك استُعملت كلمة "نترجّى".

والموتى هم من مات الحب في قلوبهم واضمحلت المحبّة منها. لذلك، نترجّى أن يحلّ عليهم الروح القدس ويشعلهم بالمحبة. فالمحبّة هي مصدر كل حياة. وبذلك يستحقّون القيامة فيما بعد بأجسامهم النورانية الجديدة.

____­­­_______________

والحياة في الدّهر الآتي... آمين


أي نترجّى الحياة في الدهر الآتي، وهي الخروج من الحياة الزمنية والدخول في الحياة الأبدية، في الحب الكامل مع الله، أي في الفرح الكامل والسعادة الكاملة.

 

 

 

الخاتمة

 

إن قانون الإيمان الذي ذكرناه هو في الواقع ملخّص جامع للعقائد الأساسية التي ترتكز عليها الكنيسة الكاثوليكية، وهو ثابت لا يتغيّر منذ سنة 325 أي منذ أكثر من واحد وعشرون قرنا، يتلوه المؤمنون في مناسبات عديدة ليذكّروا أنفسهم بما يعتقدون به من خلال تلاوة فقراته، خصوصا عند تقديمهم الذبيحة الإلهية في القداس.

لذلك، علينا دائماً أن نتلوه بكلّ إمعان وتأنٍّ، فنتفوّه بكل كلمة من كلماته بفهم كامل، لأنه يمثّل القاعدة الأساسية لعمق إيماننا الكاثوليكي.

 

حركة ميلاس الرسولية

رسل من أجل حرّية المعتقد والتنافس الروحي

الويل لي إن لم أعلن الخبر المفرح (كورنتس 16:9)

www.mileslebanon.org



Comments