لماذا لم يكتب يسوع كتابا

 
 
 

 

 

 

لماذا لم يكتب يسوعُ بنفسه كتاباً مقدساً

 

 

 

   منذ القدم، كان معظم الأنبياء والمفكرين والفلاسفة و العلماء يهتمون، هم أو تلاميذهم، بتسجيل نبوءاتهم أو تعاليمهم أو أفكارهم في مخطوطات مكتوبة باليد أو منقوشة على الحجر لتكون بمثابة السجل أو المرجع الذي يسجل أفكارهم، نظرياتهم، تاريخهم أو معتقداتهم، فيقرأها الناس عبر الزمن، ومن ثم يناقشونها، يفكرون بها، يقبلونها أو يرفضونها بحسب قناعتهم وما فهموه منها.

وكمثال على ذلك كُتب التوراة في العهد القديم، نقوش الفراعنة، مراجع الفلاسفة الإغريق واليونان، القرآن عند الإسلام ... الخ.

 

أما بالنسبة لنا نحن المسيحيون، فنستغرب عدم إعطاء يسوع لهذه الناحية أي اهتمام، خاصة أننا نعلم يقينا أنه أتى إلى العالم ليبشر بتعاليم جديدة، ومعلومات عقائدية عميقة وأساسية سيتوقف عليها خلاص البشرية جمعاء عبر كل الدهور المقبلة !!! فلماذا ، و الموضوع بمثل هذه الخطورة، لم يهتم يسوع شخصيا، أو ينوه صراحة لتلاميذه لكتابة كتاب يكون بمثابة المرجع الصريح والدقيق لتعليم الناس صراحة العقائد الأساسية للاهوت.

إن الإجابة على هذا السؤال الدقيق تتلخص في سببين أساسيين:

 

السبب الأول

 

 عند كتابة أي مرجع أو كتاب، يمر انتقال الفكرة من رأس الكاتب إلى مفهوم القارئ بثلاثة مراحل:

1-  تعبير ما يجول في رأس الكاتب بلغة وأسلوب يتوقف على مدى مهارته وثقافته في اختيار المفردات والكلمات التي "يعتقد هو" أنها بالفعل عبرت عن فكرته.

2-     ما يقرأه القارئ بعينيه،

3-  ما فهمه القارئ من خلال معاني المفردات التي قرأها، حيث يتوقف ذلك على عمق ثقافة هذا القارئ، ومدى اجتهاد تحليل عقله لما قرأه، الذي يمكن أن يقفز إلى استنتاجات ومعاني بعيدة كل البعد عن ما قصده الكاتب أصلا. وهذا ما نجده متداولا عند المحامين اللذين يقرءون نصا صريحا في قانون ما، مجتهدين في عطائه معاني لا يمكن نقضها بسبب عدم دقة النص، ولكنها لم تكن أصلا مقصودة عندما كتبها المشرّع.

 

لذلك، وبسبب التوضيح السابق، نجد أن يسوع لم يهتم أبدا بكتابة كتاب تعليمي ما يوزعه على الناس لإرشادهم عبر الأجيال إلى طريق الخلاص، لعلمه، و هو العالم أكثر من غيره، إنه حتى ولو كتب مثل هذا الكتاب ، فانه سيتعرض لاحتمالات تحريفات وتأويلات واجتهادات بشرية تشرح وتحدد هذه التعاليم الجديدة بشكل منحرف كليا لا يمت إلى الأصل بصلة. والتاريخ أثبت حدوث ذلك فعلا بعد ظهور نسخ الأناجيل الأولى، حيث ظهرت نسخ محرفة، وتفسيرات متنوعة أدت إلى  انشقاقات بين المجموعات المسيحية الأولى، وظهور العقائد المتناقضة، والتعاليم اللاهوتية المغلوطة. فهل هذا ما أراده يسوع ؟!!! . ذلك لأن العقدة الأساسية تكمن في اجتهادات القارئ عند محاولة تفسير ما يقرأ، وليست في حقيقة الأفكار التي يحاول الكاتب أن يشرحها وأن يعبر عنها بأسلوبه وبحسب ثقافته. لذلك فإن فكرة الكتابة لن تكون صادقةً بما فيه الكفاية لتصل عملياً إلى الهدف الأساسي الذي أراده يسوع، ألا وهو كشف طريق الخلاص أمام أعين ونفوس الأجيال اللاحقة عبر الزمن.

 

 

السبب الثاني

 

أمام احتمالات لغط الحرف وفهم الكلمة، اعتمد يسوع اعتماداً كلياً وكاملاً على ما هو أهم وأقوى وأفعل بكثير من مرجعية الحرف والكلمة: فقد وعد تلاميذه، وبالتالي كل الأجيال اللاحقة، بمرجع ثابت صادق لا يتغير عبر الزمن، لا يمكن تحريفه أو تأويله أو تشويهه... لأنه حي بيننا، منذ البدء والى المنتهى،  إنه الروح القدس ،الحاضر بين الناس في كل زمن ماض وحاضر ومستقبل، انه روح الحق الذي يلهم المؤمنين حقيقة الأمور عند الشك، ويفسر المعاني عند اللغط، وهو الذي "يخزي العالم على الخطيئة والبر والدينونة" (يوحنا 16: 8 إلى 15).

 

لذلك، حتى ولو أقدم الرسل أو التلاميذ أو القديسون على كتابة إنجيل أو رسالة أو تفسير لاهوتي بإلهام من الروح القدس، فإن خطر التأويل ما زال موجوداً،  إذ أن مفهوم القارئ ما زال معرضاً لاستنتاجاته واجتهاداته الشخصية !!! 

فما الحل إذن ؟؟؟

      

الحل هو في الرجوع دائماً الى الروح القدس، الذي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفة الحقيقة.  فالكتابة وحدها لا تكفي، بل هي خطرة في بعض الأحيان. فالحرف غبي، والكلمات مبهمة، والمعاني ضبابية، والترجمات غير دقيقة، لذلك فما كُتب بإلهام الروح القدس يجب ألا يُقرأ إلا بإلهام الروح القدس، و إلا نتعرض للانزلاق خارج الحقيقة، إذ أن الإنسان يميل دائماً الى تفسير الأمور بالشكل الذي يناسب غروره وكبرياءه وادعاءه المعرفة. لذلك وجب علينا أن نكون حذرين جداً عند تفسير ما نقرأه في الكتب التي نسميها مقدسة، أي المكتوبة بإلهام من الروح القدس، مثل العهد القديم والأناجيل الأربعة والرسائل ورؤيا يوحنا وأبحاث القديسين اللاهوتية وسيرة القديسين وغيرها ... فلا نقرر مفاهيمها إلا بعد الرجوع إلى الروح القدس الناطق في الكنيسة بلسان قداسة البابا (للكاثوليك) والبطريك (للأرثوذكس) وهم الذين حظوا بهذه الهبه عبر الأجيال من يسوع المسيح شخصيا، وبالتالي (من خلالهم) إلى باقي الرؤساء والأساقفة والكهنة، بغض النظر تماماً وبتاتاً عن سلوكهم الشخصي الذي يتراوح بين القداسة (مثل البابا بيوس الثاني عشر) والخطيئة (مثل البابا اليكساندر السادس بورجيا) ، إذ بالرغم من كل الحقبات المزدهرة أو الكالحة في عهود الكنيسة، فإن العقائد اللاهوتية الأساسية لم تتغير ولم تُنقض منذ الفي سنة.  (وهنا ننبه القارئ عن الفرق بين العقائد اللاهوتية  مثل الثالوث الأقدس وناسوت ولاهوت المسيح... ألخ... وبين المراسيم والقوانين التنظيمية التي تتناول الترتيبات والممارسات والطقوس والشعائر وأنظمة الأديرة والرهبانيات وثياب الكهنة والراهبات ... الخ... وهي التي تتغير عبر الزمن لتلحق بالتطورات الاجتماعية والبقعة الجغرافية في العالم).

 

وعليه، فإذا ما حدث أن قامت مجموعة من الناس باجتهادات خاصة لتفسير هذه الكتب بدون الرجوع إلى الروح القدس، فهي حتما ستؤول إلى الهرطقة، وتؤلف مجموعة منحرفة وغير مستقرة العقيدة ، تماماً كما حدث مع جماعة الأريوسيين في القرن الثالث (وقد اندثرت مع الزمن)، ومع جماعة شهود يهوى في القرن الثامن عشر، والتي تتغير عقائدها اللاهوتية بحسب تغير رؤسائها كل فترة من الزمن !!! وغيرهم وغيرهم من الجماعات التي قامت وتقوم حالياً على تعاليم ناقصة أو غير صحيحة لأناجيل محرفة، إذ أنها  تلتصق بما تفهمه اجتهادات عقلها لحروف أو كلمات كتاب ما، دون الاهتداء إلى روح الحقيقة . 

 

وهكذا، وبعد كل ما تقدم، نستطيع أن نفهم سبب عدم لجوء يسوع إلى استخدام الحرف والكلمة لنقل بشارته عبر الأجيال، وإنما اعتمد منهجية بث روح تعاليمه من خلال "أمثلة" متعددة ومتنوعة تساعد العقل البشري على التعرف على هذه الروح، ومن خلال سيرة وقدوة عملية  قدمها أثناء حياته لتكون مثالاً حياً يمكن الإقتداء به عبر الأجيال ، مؤكداً طبيعته اللاهوتية بالعجائب الخارقة وغفران الخطايا.

 

لذلك لم نجد، لا التلاميذ ولا الرسل، يكتبون لوائح عن حقائق لاهوتية، أو بنوداً لقوانين تشريعية أو تنظيمية، وإنما كتبوا عن سيرة يسوع وأمثلته وأعاجيبه وتصرفاته وقدوته أثناء حياته وحتى مماته، والمجد الذي حصل عليه كمكافأة لهذه القدوة، وهي قيامته غالباً الموت. وهكذا يكون القارئ أمام انطباعاً خاصاً يتكون في قناعته عند قراءة الكتاب المقدس مثلا، بغض النظر عن اللغة المقروءة أو الأسلوب، إذ يجسد هذا الانطباع مضمون قصة حياة وسيرة يسوع:    ميلاده، أهله، فقره، بيئته، طفولته،نشأته، نضوجه، كلامه، تلاميذه، تصرفاته في المواقف المختلفة، ومع الأشخاص المختلفين، أمثلته ومعانيها، أعاجيبه الخارقة للطبيعة، غفرانه للخطايا، اضطهاده، ملاحقته، محاكمته، آلامه، صلبه ... ثم قيامته ممجداً ومنتصراً، كذلك أوضاع محيطه: أمه العذراء و تصرفاتها، خطيبها يوسف، تصرفات التلاميذ، مع يسوع، في أوقات المحنة، تصرفات اليهود، قبول بعضهم له و رفض الآخرين، الرومان وموقفهم ... الخ ... الخ... كل هذه المعطيات تكون في قناعة القارئ صورة كاملة وانطباعات معينة تقوده تلقائياً ومباشرة بدون أي مجهود إلى الهدف المطلوب وهو التعرف على طبيعة يسوع المسيح، والتمسك بروح المحبة، محبة القريب المحتاج ، بكل إبعادها الروحية والمادية، إلى حد بذل الذات إذا لزم الأمر. فالمسيحية هي ليست ديانة في قوانين وطقوس، إنها أعمق من ذلك بكثير، إنها نهج حياة.

 

أما إذا أراد القارئ الاجتهاد والتمحيص والغوص فيما وراء الكلمات، وهو أمرٌ أيضاً مستحب لمن له الموهبة والقدرة على التأمل والبحث، إلا أنه، وبدون شك، في حاجة ماسة إلى توجيه الروح القدس من خلال إرشادات الكنيسة وتعاليم القديسين.

 

نستنتج إذن من كل ما تقدم أن الكتب المقدسة بما فيها العهد القديم بأسفاره، والعهد الجديد بأناجيله  ورسائله وأعمال الرسل والرؤيا، لا تشكل المصدر الكامل لحقائق إيماننا وعقائدنا، ولكنها تشكل مرجعية هامة جداً للتعليم والتفنيد والتقويم والتأديب كما جاء على لسان بوس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل طيموتاوس (الفصل 3 الرقم16) .

 أما كمال التعليم فيأتي من الروح القدس بواسطة الكنيسة المقدسة في المجامع المسكونية عبر الزمن، فنتعرف تباعاً إلى الحقائق اللاهوتية الأساسية، ومنها ما لم تكن أصلاً مذكورة في أي من هذه الكتب (إلا تلميحاً أحيانا) مثل سر الثالوث الأقدس، ناسوت ولاهوت يسوع، الحبل بالعذراء مريم بلا دنس، وانتقالها إلى السماء بالنفس والجسد ... و غيرها  وغيرها من العقائد التي تمثل صلب إيماننا الكاثوليكي.

 و هكذا نحس بأن الله هو مقيمٌ بيننا، حيٌ في كنيسته الجامعة، يتفاعل معها ليعضدها في كل حين وفي كل وقت، منفتحٌ على كل البشر وفي كل لحظة، وليس متحوصلاً أومختبأًً، تصعب معرفته من خلال أحرف أو كلمات كتاب !!!

 

لأجل ذلك لم يكتب يسوع كتاباً ... حتى ولو كان مقدساً

 

 

   المهندس/ سمير نقاش

   عضو حركة ميلاس

 

 

عودة الى تأملات الأعضاء

 

عودة الى الصفحة الرئيسية

 

Comments