هل كنيسة اليوم مثل الكنيسة الأولى؟

هل مسيحيتنا اليوم

هي مسيحية يسوع في الكنيسة الأولى؟

 

نؤمن نحن المسيحيون أن يسوع المسيح هو ابن الله المتجسد من العذراء القديسة مريم، الذي من فرط محبته للبشر تجسد طوعا ليخلص العالم من ضياعه بإرشاده الى طريق الخلاص، طريق الحق والحياة، طريق المحبة والتسامح والغفران. وقد وضح ذلك جليا لمن قد يلتبس عليه الأمر في العديد من الأمثلة التي نقرأها اليوم تكرارا وتكرارا في الإناجيل، وأهمها الأمثلة الآتية:

 

·        مثل السامري الصالح (لوقا 10، 30): ونرى فيه ان الذين يدّعون الإيمان لم يساعدوا. أما السامري "الذي يعتبر خارج الإيمان" هو الذي أخذته المحبة وساعد عدوّه المجروح. إذن المحبة هي عفوية وليست تطبيقا "لشريعة أو شعائر أوقانون"  

 

·        مثل الدينونة (متى 25، 31-46): كنت جوعانا وكنت عطشانا وكنت عريانا... الخ . واضح أن مقياس الدينونة هو "أعمال المحبة" فقط وفقط "أعمال المحبة"، وليس أيه ممارسات للشعائر والأعمال الشخصية والفردية بما فيها الصلاة وحضور القداس مثلا، فكلها عوامل مساعدة جيدة جدا ومطلوبة، ولكنها إذا لم تنتهي بأعمال المحبة مع الغير تصبح عقيمة. فالديان لم يسأل عنها بتاتا، وانما سأل عن تلبية العطشان والجوعان والعريان ... وكلها معانٍ مباشرة وغير مباشرة تعنى المحبة والشفقة والرحمة لمن هم في وضع "الحاجة". وكلنا في وضع "الحاجة" بشكل أو بآخر تجاه بعضنا البعض

·        الطوباويات (متى 5، 3-11). وهي صفات رائعة ووعد بالطوبى لمن يعمل أعمال "المحبة".

 

واضح جدا أن يسوع المسيح أراد من البشر أن يمارسوا نهج المحبة مع بعضهم البعض. وعلى هذا الأساس أسس يسوع الكنيسة الأولى قائلا لبطرس: يا بطرس انت الصخرة وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وابواب الجحيم لن تقوى عليها (متى 16،18).

تأسست أول كنيسة للمسيحيين (ليس من حجر) وإنما من مجموعات تتبع هذا التعليم وتتابع نهج "المحبة والغفران". وسُمّي المسيحيون "مسيحيين" على هذا الأساس، وكانوا يعرفونهم "من أعمالهم".

 هذه كانت الكنيسة النقية الأولى للمسيحيين في القرن الأول، كنيسة واحدة موحدة في حالة النعمة الكاملة ... يظللها الروح القدس، يرعاها قديسون... يحبون ويساعدون بعضهم بعضا، يجتمعون جماعات كبيرة في أماكن خاصة، متواضعة، أو حتى في مغارات سرية بسبب الإضطهاد، ويمارسون سر الأفخارستيا لنيل النعم والفرح الداخلي. 

جيد جدا. وهذا هو ما كنت أحب وأتمنى أن اكون عليه أنا اليوم في كنيستى الجامعة المكونة من شعب مسيحي واحد يشبه هذه المجموعة الأولى .

... ولكن !!! وفي المقابل، وبعد عشرين قرنٍ من الزمن، كيف نرى أنفسنا نحن المسيحيون اليوم؟؟؟

بكل اسف، لم نعد نرى نهائيا تلك "الوحدة في المحبة" كما ارادها يسوع اساسا واسس عليها كنيسته الأولى:

 

·        فنرى بدلا من الكنيسة الواحدة عدة كنائس: كاثوليكية يرأسها بابا، كنائس واورثوذكسية يرأسها عدة بطاركة،  كنائس بروتستانتية بعدة مرجعيات لوثرية وكلفينية وانجيلية وغيرها... وكل واحدة منها تدّعي أنها هي المرجع الصالح والرأي المستقيم !!! والباقون منحرفون ومهرطقون. أين المحبة في ذلك، انها مواقف تجاه بعضهم البعض وليست عمل محبة ؟؟؟ ...

(وكل مملكة تنشق على نفسها تسقط، ويكون سقوطها عظيما . لوقا 11.17)

 

·        بسبب التشتت وانشقاق الكنائس، انفقدت الكنيسة "البشرية" وتشتت، وتحولت الكنائس الحجرية الى تحف اثرية سياحية فارغة من البشر، في حين تحولت الجماعات المسماة مسيحية الى مجموعات تخترع تفسيرات وتبررات لتبرر أعمالها بعيدا عن النهج المسيحي الأولى الذي هو "المحبة".

 

·        أما في البلاد الشرقية، فقد تحولت ممارسة الأسرار وباقي التذكارات والمناسبات بدلامن التعمّق والتأمل في معانيها الروحية كما كان في الكنيسة الأولى، تحولت الى ممارسات فولكلورية بفخامات من اللباس والثياب والتيجان والصولجانات والإستعراضات والألات الموسيقية والشعائر التي إذا رآها غريب يظن انها شعوذات (!)، وأخيرا دخلت تكنولوجيات الصوت والضوء... فبدلا من الإنسياق الروحي في التأمل ينبهر الناس بالـ "عرض" ويذهبون الى المناولة فولكلوريا تنفيذا للعادة، فيأكلون قطعة خبز بدلا من "جسد ودم  المسيح"... فأين المحبة في كل ذلك ؟؟؟ وأين الخشوع وعمق الروحانيات في كل ذلك؟ هل كانت كذلك الكنيسة الأولى ؟؟؟ لا أظن.

 

لماذا حدث كل ذلك؟ ...

 

 في رأيي المتواضع أن السبب هو نفسه الذي طرد آدم من الجنه: الا وهو السقوط في خطأ الإبتعاد عن الله بالغرور الشخصي وبالمغريات الدنيوية.  فانشقت الكنيسة وخربت (حتى اليوم) حين بدأ رجال الدين في عمل اجتهادات في تفاسير وفلسفات لاهوتية لمجرد الإحساس بقناعات عقلية "بشرية" جرّوا شعوبهم بكاملها وراءهم بصفتهم "رؤساء الكنيسة" والشعب يتبعهم !!!

 

وهنا دب "الأنشقاق" والتناحر حول من هو على خطأ ومن هو على صواب  (حتى اليوم)، وكل فئة هي مقتنعة أنها هي الأمينة على التعليم والرأي المستقيم والآخرون هم على خطأ ومهرطقين. وما عزز هذا الإنقسام الذي بدأ لاهوتيا هو انغماس رجال الدين في السلطة منذ القرن الثالث، فاختلطت سلطة الدين بالسلطة الحاكمة وغرقت الكنيسة في الأمور الدنيوية وانحرفت عن رسالة تبشيرها الأساسية وكونت من شعوبها مجموعات انتمائية متعصبة ومتحوصلة مع كنيستها التي (مع الزمن) اصبح لها تراث وشرائع وممارسات خاصة بها فقط، متحوصلة ومتشنجة، كل وراء بطريركه، وكانها فريق فوتبول يتحمس وراءه متابعينه، متعصبين ومتشنجين تجاه الآخرين، كل يقذف الآخر بصفات الإنحراف والهرطقة، ويتباهى هو بصحة الراي المستقيم.

 

 فأفقدوا الكنيسة الأولى التي أسسها المسيح كل معناها وصفاتها الأساسية المؤسسة على نهج "المحبة والغفران"،  وليس التباهي بمن هو صح ومن هو خطأ كنتيجة "لدراسات لاهوتية وتفاسير متضاربة"، وهي كلها اجتهادات بشرية لعلها صح أو لعلها خطا... ولكن يسوع لم يطلبها، ولو كان يريدها من الناس لكان وضحها هو مباشرة في تعاليمه  ولما كان تركها "فخا" يقع فيه الناس في دراساتهم البشرية المعرّضة مباشرة للأخطاء والأهواء البشرية. .

 

لذلك فاالمصيبة الكبرى التي أصابت "الكنيسة" حدثت حين اغتر المسؤولون عن الكنائس المتفرعة بعقولهم و"بسلطتهم" البشرية وراء الغطاء "الديني"، فاختلفوا فيما بينهم على تفسيرات واجتهادات ليست لها أية علاقة بعملانية نهج المحبة الأساسي بين البشر، والذي على أساسه أسس يسوع كنيسته الأولى عبر بطرس. فاندفعوا يحللون ويناقضون بعضهم في اجتهادات لو كانت بهذه الأهمية لكان يسوع وضّحها بصراحة في أقواله وبدون مواربة!!! اليس كذلك؟؟؟ فهل المسيحية هي "معلومات لاهوتية" أم تراث؟ أم تقاليد؟ أم "رجال دين" أم "شعائر" أم "سلطة" أم "تسلّط"... أم ماذا ؟؟؟

 

في رأيي المتواضع، أرى أن المسيحية اليوم قد فقدت بكل أسف وصفها ورسالتها الأساسية التي أرادها لها يسوع منذ البداية، والتي نتغنى بها ليلا نهارا ولا نفعل منها شيئا. المسيحية هي عمل المحبة العفوي والتلقائي الذي كانت تفعله جدّتي العجوز وهي أمّية جاهلة لم تدرس لاهوت أو تقوم بأبحاث. ففي مثل الدينونة الواضح حكم يسوع على افعال الناس بين بعضهم بأعمال المحبة فقط وفقط. ولم يسألهم إذا درسوا لاهوت أو فحصوا الثالوث وكل هذه الإجتهادات (التي لا أقول انها غير مفيدة) ولكنها ليست مطلوبة من شعوب الناس. فهكذا عاش أوائل المسيحيين بعد تبشير الرسل مباشرة بكل بساطة...

 

في الخلاصة، وفي رأيي المتواضع، طالما هناك انشقاق بين الكنائس فكل الكنائس هي على خطأ. كلهم بدون استثناء ولا أحد يبكت الآخر. فتاريخ الجميع فيه حقبات مظلمة لأن رجال دينه تصرفوا كبشر مأخوذين بالغرور والجاه والعظمة والسلطة ونسوا أوتناسوا البعد الروحي الحقيقي للنهج المسيحي الأساسي المطلوب مباشرة من يسوع أساسا وهو "المحبة" فقط، وفقط "المحبة" نظريا وعمليا، و بالصفات التفصيلية والأهمية الأساسية التي شرحها القديس بولس في رسالته الى الكورنتيين الفصل 13،  والتي تقول في بعض آياتها:

لوكنت انطق بالسنة الناس والملائكة، ولم تكن في المحبة، فما أنا إلا نحاس يطن أو صنج يرن. ولو كانت لي موهبة النبوءة وكنت عالما بجميع الأسرار (المقصود الاهوتية) وبالمعرفة كلها، ولو كان لي الإيمان الكامل فأنقل الجبال، ولم تكن لي المحبة، فما أنا بشيء.  ولو فرقت جميع أموالي لإطعام المساكين، ولو أسلمت جسدي ليحرق، ولم تكن لي المحبة، فما يجديني ذلك نفعا.

المحبة تصبر، تخدم، ولا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ من الكبرياء، ولا تفعل السوء ولا تسعى إلى منفعتها، ولا تحنق ولا تبالي بالسوء، ولا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحق. وهي تعذر كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتتحمل كل شيء. المحبة لا تسقط أبدا، وأما النبوات فستبطل والألسنة ينتهي أمرها والمعرفة تبطل، لأن معرفتنا ناقصة ونبواتنا ناقصة. متى جاء الكامل زال الناقص...  الآن تبقى هذه الأمور الثلاثة: الإيمان والرجاء والمحبة، ولكن أعظمها المحبة.

 

 

سمير نقاش
(حركة ميلاس الرسولية – لبنان)

Comments