تاريخ الكنيسة المارونية

معلومات هامة عن الكنيسة المارونية

 

الكرسي البطريركي الانطاكي

إنطاكية هي مدينة الانفتاح والحوار والمبادرات. اهتدت إلى الرب يسوع على أيدي بعض من تلاميذه، وتعمّقت في إيمانـها به على أيدي الرسولين برنابا وبولس. ورأت بطرس رئيس الكنيسة يرئس كنيستها قبل أن ينتقل إلى روما.

وازدهرت كنيسة إنطاكية واتّسعت، فأصبحت واحدة من البطريركيات الخمس الكبرى. وهي روما، القسطنطينية، الإسكندرية، إنطاكية وأورشليم.

سنة 518 أُنزل البطريرك ساويروس عن كرسيّه الانطاكي بسبب إنكاره الطبيعتين في المسيح، وبسبب رفضه المجمع الخلقيدوني. وأقيم مكانه بطريرك كاثوليكي هو البطريرك بولس.

ولكن المسيحيين لم يقبلوا جميعاً بهذا التدبير.

فانقسمت الكنيسة قسمين، قسم كاثوليكي وقسم غير كاثوليكي. ومنذ ذلك الحين كان بطريرك كاثوليكي يؤيّد مجمع خلقيدونية وبطريرك غير كاثوليكي يعارضه.

وبعد ذلك بنحو قرن طرأ على البطريركية الإنطاكية انقسام آخر بين السريان والموارنة والملكيين.

في القرن السابع اتّخذت الطوائف المسيحية، أي الملكيون والموارنة والسريان والآشوريون والأرمن، كل منها بطريركاً خاصاً بـها. ثم أضيف إليهم في القرن الثاني عشر بطريرك سادس، هو البطريرك اللاتيني.

كانت إنطاكية كنيسة واحدة تشمل كل آسيا والمشرق. فأصبحت كنائس عدة. وكان لها بطريرك واحد فأصبح لها بطاركة عديدون. ولكن رحمة الله واسعة، فستجمعهما يوماً وتعود رعية واحدة لراع واحد.

 

الموارنة ولبنان

الموارنة هم المسيحيون الذين تجمّعوا حول كاهن يدعى مارون وتبعوا نـهجه في الحياة.

عاش مارون في جوار إنطاكية في أواخر القرن الرابع في جوّ كانت فيه الكنيسة آنذاك عرضة للانقسامات. فكان الذين يقولون إن يسوع هو اله والذين يقولون انه انسان، والذين يقولون إن له مشيئة واحدة والذين يقولون إن له مشيئتين.

وكانت الخلافات على أشدّها في المدن والقرى وفي البيت الواحد. فترك مارون المدينة وصعد إلى جبل، ليكون في مأمن من المنازعات اللاهوتيّة ويعبد الله.

وعرف مارون في خلوته على الجبل إن دعوته هي أن يكون مع الشعب. فعاد إلى الرعيّة وراح يعلّم. فكثر تلاميذه ودعوا باسمه، موارنة. مات مارون سنة 410 ولكن تلاميذه تابعوا المسيرة. وفي سنة 451 في أثناء المجمع المسكوني الذي عقد في خلقيدونية كان لهم موقف صريح. أوضح المجمع العقيدة الصحيحة حول شخص يسوع المسيح. يسوع هو اله وإنسان وله طبيعتان إلهية وإنسانية… فأيّده الموارنة ودافعوا عن مقرّراته.

وسرعان ما أصبح أعداء المجمع الخلقيدوني أعداء الموارنة الذين دفعوا ثمن ذلك 350 شهيداً، وأخذوا يلجأون على دفعات إلى جبال لبنان.

وكان اللبنانيون في جبل لبنان قد اهتدوا، في أواخر القرن الخامس، إلى المسيحيّة على يد بعض من تلاميذ مارون وأصبحوا موارنة، فرحّبوا بإخوانـهم القادمين إليهم من جوار إنطاكية، وتابعوا معهم المسيرة. ولما استتبّ الأمر نـهائياً للعرب في المنطقة، وتعذّر الاتصال ببطريركية القسطنطينيّة بصورة منتظمة، اضطر الموارنة إلى أن ينصبّوا، في سنة 687، بطريركاً عليهم هو مار يوحنا مارون.

كان ملك بيزنطية بمثابة ملك الكنيسة. يعيّن بطاركتها ويتدخّل في شؤونـها. وكان المسيحيون يرجعون إليه في كل أمر. ولما نصّب الموارنة بطريركاً عليهم، غضبت بيزنطية. وفي أثناء غزوة شنّتها على المنطقة، حصل اصطدام بين الموارنة والجيش البيزنطي في أميون، كانت الغلبة فيه للموارنة. وسكن البطريرك بلدة كفرحي، جاعلاً كرسيه الأسقفي فيها كرسيّاً بطريركيّاً.

ونسي الموارنة سنين الشبع وحصّنوا نفوسهم لسنين الجوع. فأقبلوا على الصخور يحوّلونها تربة يزرعون فيها القمح والشعير والزيتون والكرم والتوت… وجعلوا رجاءهم في الله وأضافوا إلى صلواتهم هذه الصلاة الرائعة:

 "أبعد يا رب بصلوات أمك عن الأرض وسكانها ضربات الغضب. لاش الأخطار والفتن، وامنع الحرب والسبي والمجاعة والوباء. تحنّن علينا نحن الضعفاء. افتقدنا نحن المرضى. ساعدنا نحن المظلومين. أرح الموتى المؤمنين الذين انتقلوا من بيننا. وأهّلنا جميعاً إلى مصير امين، لنرفعنّ إليك المجد إلى الأبد".

 

البطاركة في كفرحيّ

أقام في كفرحيّ بطاركة عديدون عرفنا منهم ثلاثة: يوحنا مارون، قورش وجبرائيل. سهروا على القطيع وعلى إيمانه. إن نافور مار يوحنا مارون الذي هو بمثابة شهادة ناطقة للآب والابن والروح الذي أخذ الموارنة ينشدونه كل يوم هو شهادة على صحة إيـمانـهم. فلا مغريات العالم، بعدما خسروا كل شيء، استطاعت أن تنال منهم شيئاً، ولا تعدّيات العدو استطاعت أن تحيدهم عن الخط الصحيح. أحبّوا الله وأصغوا إلى تعاليمه.

عاش البطاركة في كفرحيّ مرارة الهجرة، وشاهدوا بأم العين الكثيرين من أبنائهم يقبلون إليهم مشياً على الأقدام، حاملين أطفالهم وما استطاعوا من أمتعة، بعدما تركوا أرضهم الخصبة في سوريا، وسهل البقاع، وبيوتـهم وممتلكاتـهم، وراحوا يتوزّعون على قرى، في أرض كثرت أحراجها وصخورها، وهم بحاجة إلى كل شيء. ولكن أرض البترون هي أرض مضياف، فاستطاعت أن تحتضن هؤلاء المشردين فتكون لـهم أمّاً ويكونون هم لـها أبناء.

وبعدما قضى البطاركة في أرض البترون 251 سنة، تحوّلوا عنها في اتجاه المجهول. كان عليهم أن يجابـهوا مشاكل جديدة في أرض جديدة.

هذه الرغبة حقّقها البطريرك يوحنا الثاني، فعاد هذا إلى دير مار مارون، وعاد إلى إنطاكية عينها، وحاول أن يجمع شتات الرعيّة هناك. ولكنه لم ينجح، فقد تكرّرت الشدائد وكثرت الأخطار، فاضطر "سنة 938، كما يقول الدويهي، إلى الهرب من جديد إلى لبنان". وتابع البطريرك طريقه إلى الجبل، في مرتفعات منطقة جبيل.

 

البطاركة والعاقورا

استقرّ الكرسي البطريركي في منطقة جبيل خمسماية سنة واثنتين، من سنة 938 إلى سنة 1440. وتعاقب عليها 34 بطريركاً، هم حسب سلسلة البطاركة للبطريرك الدويهي التي نشرها رشيد الشرتوني، المطبعة الكاثوليكية بيروت سنة 1902:

يوحنا مارون الثاني،

يوحنا من دملصا،

غريغوريوس،

اسطفان،

مرقس،

اوسابيوس،

يوحنا،

يشوع،

داود،

غريغوريوس،

توافيلكوس،

يشوع،

دومط، اسحق،

يوحنا، سمعان،

يوسف الجرجسي (110 – 1120)،

بطرس (1121 – 1130)،

غريغوريوس من حالات (1130 – 1141)،

يعقوب من رامات (1141 – 1151)،

يوحنا (1151 – 1154)،

بطرس (1154 – 1173)،

بطرس من لحفد (1173 – 1199)،

ارميا من عمشيت (1199 – 1230)،

دانيال من شامات (1230 – 1239)،

يوحنا من جاج (1239 – 1245)،

شمعون (1245 – 1277)،

دانيال من حدشيت (1278 – 1282)،

ارميا من دملصا ( 1282 – 1297)،

سمعان (1297 – 1339)، يوحنا (1339 – 1357)،

جبرايل من حجولا (1357 – 1367)،

يوحنا (1367 – 1404)،

يوحنا من جاج (1404 – 1445

 

ماذا عمل هؤلاء البطاركة وماذا تركوا من مآثر؟ لم يدوّن لهم تاريخ، فقد أقاموا جميعهم في جبال وعرة صعبة المسالك، تعوزهم وسائل العلم ويحسبون من السعادة أن يعيشوا في رعاياهم آمنين، محافظين على إيمانـهم.

لم يكن لهم مقرّ بطريركي ثابت، فانتقلوا من يانوح إلى ميفوق إلى لحفد إلى هابيل إلى يانوح إلى كفيفان إلى كفرحيّ إلى الكفر إلى يانوح إلى ميفوق إلى حردين إلى ميفوق. وإذا كانوا ارتضوا بالحياة الشاقة وأن ينتقلوا كإبراهيم الخليل، من مكان إلى مكان، فلأنـهم أرادوا أن يسيروا على خطى معلمهم القديس مارون ويقولوا نعم ليسوع المسيح.

أقاموا في كرسي وضيعة خلت من كل مظاهر الغنى، ولكنها رائعة في زهدها وفي بساطتها. فقد أصرّ "أهالي يانوح، وهم أصحاب غيرة وعبادة، كما يقول الدويهي، أن يبنوا كرسيّاً كله من الحجر الأزرق في غاية الصناعة والشرافة" (الدويهي، تاريخ الأزمنة، 50.)

أما كرسي ميفوق، الذي لا يزال قائماً، فهو آية في الفن. وإذا أخذت الكنيسة الحجم الأكبر منه، كما هي الحال في سائر الكراسي المتبقّية آثارها هنا أو هناك، فلأن البطاركة أرادوا أن يكونوا رجال صلاة، وأن تكون بيوتـهم قبل كل شيء بيوت عبادة.

 

الأيام الصعبة

وبعدما عاد الصليبيون إلى بلدانـهم الأوروبية هجم المماليك على الموارنة، وضايقوهم، وأحرقوا كنائسهم، وهدموا قراهم وأتلفوا كرومهم.

"يوم الاثنين ثاني محرّم سار اقوش باشا الافرم، نايب دمشق، بعساكر من الشام وغيرها إلى جبال كسروان، فأحاطت العساكر تلك الجبال المنيعة وترجّلوا عن خيولهم وصعدوا إليها من كل الجهات.

ووصل نائب دمشق الافرم إلى جبال كسروان، ووطئ العسكر أرضاً لم يكن أهلها يظنّون أن أحداً من خلق الله يصل إليها. فاحتووا على الجبال وخربوا القرى وقطعوا كرومها وقلعوها، وقتلوا وأسروا من بـها. وخلت تلك الجبال منهم. ومن ذلك الحين خربت كسروان والذين سلموا من أهلها تشتّتوا في كل صقيع…" (الأزمنة، 288).

وقد أصاب بطاركتهم النصيب الأكبر، فكان هذا يُهان، وهذا يُشرّد. وهذا يُساق إلى المحاكمة، وهذا يقاوم وهذا يُحرق حيّاً.

"ففي سنة 1283 قاد البطريرك دانيال الحدشيتي رجاله وقاوم جيوش المماليك عندما زحفت على جبّة بشري، واستطاع أن يوقف الجيوش أمام اهدن أربعين يوماً، ولم يتمكّنوا منها إلا بعدما أمسكوا البطريرك بالحيلة".

"وفي سنة 1367 أحضر البطريرك جبرايل من حجولا، قريته، حيث كان مستتراً زمن الاضطهاد، واقتيد إلى طرابلس وأحرق حيّاً، وقبره لا يزال في باب الرمل في مدخل المدينة".

"وفي سنة 1402 جاء فناء حتى بقي كثيرون بدون دفن، وصار غلاء حتى مات أناس كثيرون من الجوع، وأبصر الناس ضيقاً وشدّة وهمّاً وجوعاً وحزناً وبلاء". (الدويهي، تاريخ الأزمنة، 338).

وصبر الموارنة، ووجدوا في منطقة جبيل، التي اختارها بطاركتهم لهم ملجأ، أرضاً خيّرة. فدعتهم بطيبتها وجمال موقعها إلى التأمّل والصلاة، فعرفوا أن يأخذوا من وعورة طرقها، الصبر على المحن، ومن جبالها الشامخة، التعالي عن السيّئات، ومن بحرها الذي يعكس زرقة السماء الصافية، النظر إلى بعيد. كانت لهم منطقة جبيل بمثابة بستان الزيتون، فطبعتهم بروحها السمحاء، وأعطتهم صلابة في الموقف، مع كثير من الاتّزان والهدوء، عادوا إلى الإنجيل وتضامنوا وكانوا واحداً.

لم ييأسوا. راجعوا علاقاتـهم بالصليبيين: ماذا ربحوا وماذا خسروا، ففهموا أنـهم لا يستطيعون أن يتّكلوا على أحد في الأرض، وأن ليس لهم في النهاية غير الله. فاتّكلوا عليه، وأعادوا النظر في كل شيء، وارتضوا بالبطريرك مرجعاً لهم في الأمور الروحيّة والزمنيّة. برزت قيمة البطريرك، وأرادوا أن يعمل مقدّموهم، وهم حكّام القرى، بتوجيهاته، ومن أجل ذلك قبل المقدّمون الدرجة الشدياقيّة.

ونجحت المبادرة، فعرفت البلاد الهدوء والأمان، واستعاد الموارنة دورهم. إن الحملة التي شنّها المماليك السنّة على كسروان كان هدفها الأساسي القضاء على الشيعة. فاستطاع الموارنة أن ينفذوا وأن يلعبوا دور الوسيط، فقرّبوا وجهات النظر بين أبناء الطائفتين المتناحرتين، وكانوا رسل سلام وخطّ تـماس في كل بلدة عاش فيها السنّة والشيعة معاً.

إن الكنائس المتبقيّة من ذلك العهد هي صغيرة، ولكنها تدل على أنـها هي التي جدّدت في جبالنا ما عمله يوم عاش على هذه الأرض ربنا وإلـهنا يسوع المسيح. فكان الكاهن يوزّع الأسرار وينقل كلمة الله فتحدث العجائب. تضمّد الجراح وتمسح الدمعة وتزول الخلافات ويصبح الكثيرون واحداً.

إن الحياة الرعائيّة هي وراء وحدة الموارنة، وهي التي قرّبتهم من الآخرين فأقبلوا إلى إخوانـهم المتاولة والدروز، بانتظار الشهابيين السنّة، وارتضوا أن يعملوا معاً في خط واحد. فجمعوا صفوفهم أمام تحدّيات العدو. وعندما سدّت كل الأبواب في وجوه الموارنة انتقلوا إلى وادي قنّوبين.

 

الموارنة وروما

رأى البابا زخيا الثالث بأمّ العين أن البطاركة الموارنة هم رجال صلاة، يوم زاره البطريرك ارميا العمشيتي في روما وحضر المجمع اللاتراني الذي عقد سنة 1215. "فأمر البابا بنقش صورة البطريرك في هيكل مار بطرس بروما. ولما اعتراها التغيير بتمادي الزمان أمر بتجديدها البابا زخيا الثالث عشر سنة 1655 على ما كانت عليه أوّلاً. وكانت تلك الصورة ذكراً لوقوف القربان بين يديه بمعجزة بينما كان يقيم القداس بحضرة البابا على هيكل القديس بطرس". (الدويهي، سلسلة البطاركة، 24).

لم يشيّد البطاركة كنائس فخمة، ولا قصوراً. ولم يتركوا لا تحف فن ولا معاهد. ولكنهم استطاعوا، كالرسل، أن يسهروا، على قطيعهم سهر الآباء على أبنائهم، ويعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به الرب يسوع. فكانت مآثرهم شعباً مؤمناً. يُشتم فيبارك. يُضطهد فيصبر. يضيّق عليه فيحمل المشعل وينتقل من مكان إلى مكان آخر.

عاشوا معزولين عن العالم، في حصار محكم دام أكثر من ثلاثة قرون. وقد فوجئ الصليبيون بوجودهم يوم جاؤوا إلى الشرق، في القرن الحادي عشر، وفوجئ الكرسي الرسولي بدوره، عندما اطّلع على أمر الموارنة، وكان اعتقد أنهم زالوا من الوجود.

وتوطّدت العلاقات بين الموارنة والصليبيين، ولا سيما بعد مجيء ملك فرنسا القديس لويس التاسع إلى الشرق.

في القرن الثالث عشر عرف لبنان شيئاً من الأمان، فراح الموارنة يبنون الكنائس، على ما ذكر الدويهي: "في هذا الزمان انتشر دين النصرانيّة في بلاد الشرق، وصار ينادى به جهراً. وأخذ جماعتنا يدقّون أجراساً من نحاس للصلاة والقداس الإلهي. والذين فاضت نعمة الله بين أيديهم صاروا يبنون ديورة وكنائس، وتقصّد الناس خدمة الله وعمل الخير. وكان للخوري باسيل البشرّاوي ثلاث بنات: مريم وتقلا وسالومي. فالبنت مريم بنت هيكل مار سابا في قرية بشري في جبل لبنان، والبنت سالومي هيكل مار دانيال في الحدث، وأما تقلا فبنت هيكل مار جرجس في بقرقاشا وكنيستين في أرض الكورة…" (تاريخ الأزمنة، 104).

 

عصيان المطران

كانت وردت على البطريرك دعوة البابا اوجين الرابع إلى حضور المجمع الفلورنسي. "وبسبب المخاوف من القرصان في ركوب البحر وانقطاع الطرقات، أوفد البطريرك من قبله، فراجوان، الى الكرسي الرسولي. ودخل فراجوان إلى البابا، وكان يرئس مجمع فلورنسا، وعاد إلى لبنان حاملاً كتاب التثبيت.

"ولما قدم إلى مدينة طرابلس انحدر الشعب إلى لقائه. فبعث النائب السوري مَن يقبضون عليه وعلى رفاقه ويلقونهم في السجن، معتبرين أن النصارى لم يجتمعوا في فلورنسا إلاّ ليعتصموا مع بعضهم بعضاً على استخلاص بلاد الشام من يد الإسلام. وحين بلغ ذلك مسامع البطريرك الذي كان يومئذ قاطناً في دير سيّدة ميفوق، أرسل بعضاً من أعيان الطائفة، يزيلون هذه الفكرة من رأس النائب، ويقنعوه في هبة الدراهم، حتى أخرجهم من الحبس تحت كفالة الحضور.

"فصعد فراجوان مع رفاقه إلى دير الكرسي. وبعدما أطلع البطريرك على مكاتيب اوجانيوس وألبسه درع الرئاسة، قفل راجعاً عن طريق بيروت وعصى على النائب فلم يمر عليه كما تمّ الاتفاق. ولأجل ذلك حنق عليهم حنقاً عظيماً وأرسل جملة بيارق بطلب البطريرك والكفلاء. وإذ لم يحظوا بهم، سلبوا أرزاقهم، وأحرقوا بيوتهم، وقتلوا كثيرين من الطائفة ومن الرؤساء. والذين توجّهوا بطلب البطريرك، نكبوا الدير وقتلوا بعض الرهبان، وأخذوا البعض في الجنازير إلى طرابلس."

"ومذ ذلك الحين أخلى البطريرك دير ميفوق وانتقل إلى جبّة بشري، تحت حماية المقدّم يعقوب البشرّاني". (الدويهي في أصل الموارنة، 210).

 

وادي قنّوبين

في وادي قنّوبين. هذا الوادي العميق، الذي إذا كنت فيه لا تجد إلاّ جبلاً شاهقاً من هنا وجبلاً شاهقاً من هناك، وقطعة صغيرة من السماء من فوق. وأما إذا نظرت إليه من إحدى مشارفه، فانك تشعر أنه يشدّ بك إليه، بعمقه وقوة جاذبيته. فتضطر إلى أن تتمسّك بيديك الاثنتين بصخرة أو بشجرة. لئلا تهبط من علو نحو ألف متر. في هذا الوادي الذي لا يصل إليه إلاّ النسور كما قال بعض السائحين الفرنج، جعل البطريرك الماروني في إحدى صخوره، كرسيّه، ومنه كان يوجّه شعبه ويقوده، كما كان موسى يقود شعبه في العهد القديم.

ظل دير سيّدة قنّوبين كرسيّاً بطريركيّاً من سنة 1440 الى سنة 1823، وقام فيه أربعة وعشرون بطريركاً هم:

يوحنا من جاج (1440 – 1445)،

يعقوب من الحدث (1445 – 1468)،

يوسف من الحدث (1468 – 1492)،

سمعان من الحدث (1492 – 1524)،

موسى العكاري من الباردة (1524 – 1567)،

مخايل الرزّي من بقوفا (1567 – 1581)،

سركيس الرزّي من بقوفا (1581 – 1596)،

يوسف الرزّي من بقوفا (1596 – 1608)،

يوسف مخلوف من اهدن (1608 – 1633)،

جرجس عميره من اهدن (1633 – 1644)،

يوسف حليب من العاقورة (1644 – 1648)،

يوحنا البوّاب من الصفرا (1648 – 1656)،

جرجس رزق الله من بسبعل (1656 – 1670)،

اسطفان الدويهي من اهدن (1670 – 1704)،

جبرايل من بلوزا (1704 – 1705)،

يعقوب عوّاد من حصرون (1705 – 1733)،

يوسف ضرغام الخازن من غوسطا (1733 – 1742)،

سمعان عوّاد من حصرون (1743 – 1756)،

طوبيّا الخازن من بقعاتا كنعان (1756 – 1766)،

يوسف اسطفان من غوسطا (1766 – 1793)،

مخايل فاضل من بيروت (1793 – 1795)،

فيلبس الجميّل من بكفيا (1795 – 1796)،

يوسف التيّان من بيروت (1796 – 1808)،

يوسف الحلو من غوسطا (1808 – 1823).

وقد عاشوا جميعهم بخوف الله وخدمة شعبه. ولا يزال وادي قنّوبين، هذا الوادي المقدّس، يحكي قصة كلّ منهم كأنها قصة قدّيس، ويشهد أنهم طلبوا الله واكتفوا للعيش بالشيء الزهيد.

قيل فيهم: "عصيّهم من خشب أما هم فمن ذهب".

وكان للمحن التي حلّت بالموارنة وجهها الايجابي، فقد اجتمع شمل الشعب والتفّ حول قادته تحت سلطة البطريرك. فإذا بالموارنة شعب واحد منظّم، وإذا بمقدّم بشري يحكم على المنطقة بكاملها، وإذا بالمنطقة تعرف الهدوء.

إلاّ أن أيام الأمان كانت تعكّرها أيام الشدّة أحياناً على ما يقول تقرير رفعه أحد الذين وفدوا الى وادي قنّوبين سنة 1475، قال التقرير:

"تعيش الأمة المارونية هدفاً للمضايقات والطغيان بلا انقطاع. لبنان كله خراب ورعب ودموع. يتذرّع عملاء الدولة بضريبة تسمّى الجزية ليعرّوا هؤلاء القرويين المساكين من كل ما يملكون، ثم يشبعونهم ضرباً ويسومونهم كل أنواع العذابات، لينتزعوا منهم ما يملكون. ومضايقات لا مجال لاتّقاء شرّها إلاّ بالصمود. ولولا محبّة بطريركهم بطرس بن حسّان، ومساعدته لهم، لكان الكثيرون لربما وقعوا في هذا الفخ. لقد هاله الخطر الذي تتعرّض له نفوس رعاياه، فسلّم كل مداخيل كنائسه ليُشبع نهم الطغاة، وظل هكذا بلا وسيلة لتأمين عيشه. وترى باب داره مسدوداً بحائط. وهو يضطر أحياناً إلى الاختفاء، مثل الحبرين الأعظمين اوريانس وسلفسترس، في مغارة تحت الأرض".

في وادي قنّوبين حمل الموارنة الإنجيل واكتفوا به. عاشوا حياة تضحية وإيمان ورجاء، وراحوا بعيداً في هذا المنحى، فكانوا مثالاً في الوحدة والمحبّة.

في وادي قنّوبين لم يكن الموارنة بحاجة إلى من يدعوهم إلى الصلاة، فوادي قنّوبين وكلّ ما فيها يدعو إلى التأمّل والزهد في النفس والصلاة. وتجاوب الموارنة مع هذه الدعوة، فراحوا، كالمسيحيين الأولين، "يتابعون تعليم الرسل والحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة" (أعمال الرسل، 2/42). وشعر الكثيرون منهم بالحاجة إلى مزيد من التأمّل والصلاة، فكثر العابدون والعابدات، وامتلأ الوادي بمغاور النسّاك.

عاشوا في هاجس الجوع إذا زرعوا الأرض ولم يصحّ الموسم. وفي هاجس الخوف إذا توجّهوا إلى العمل وهجم عليهم العدو على حين غفلة. لم تنسهم مشاكلهم اليوميّة الرسالة التي يحملونها تجاه العالم. انهم رسل المسيح، فصبروا وترجّوا ونظروا إلى أعدائهم نظرتهم إلى من مات المسيح من أجلهم، وطمحوا إلى أن يحملوا إليهم رسالة الإنجيل. تقدّموا في الفضيلة، فكتب إليهم البابا لاون في سنة 1515 يشجّعهم ويؤيّد مساعيهم، ويقول لهم: "إنكم لم تتخلّوا عن الإيمان بيسوع المسيح بسبب الضّيم والضّنك والاضطهاد".

في بداية القرن الثامن عشر انقسم الموارنة فئتين. فئة تتمسّك بتقاليدها الشرقية العريقة، وفئة تسير في خط المسيحيين في الغرب، وتتقيّد بتقاليدهم وطقوسهم. فكان لا بد من مجمع يوقف الفوضى ويعيد إلى الطائفة بهاءها الأول، فجاء المجمع اللبناني الذي تقدّم ذكره، وقد عقد في اللويزة سنة 1736، وهو أوفى مجمع إقليمي عقد في العصور الأخيرة.

أدّى المجمع خدمات جلّى للطائفة، بحيث أنه كان دستوراً لها ووقاها الفوضى والانقسامات. إلاّ أنه بالمقابل حدّ من سلطة البطريرك وكان دعامة للتيار الذي يدعو إلى الأخذ بالتقاليد اللاتينية، فعرفت الطائفة وضعاً لا يدعو إلى الطمأنينة لم تألفه من قبل.

في منطقة جبيل عاش الموارنة العوز والحرمان، فصبروا وسكتوا. لحق بهم العدو، فهربوا، ولم يذكر التاريخ أنهم رفعوا الصوت. فكأنهم كانوا مذنبين، وكأن الشدائد والمحن كانت لهم بمثابة قصاص. ويوم انتقم منهم المماليك لم يتذمّروا، فقبل مقدّموهم الدرجة الشدياقيّة ليطووا صفحة الماضي ويعملوا بتوجيهات البطريرك.

في وادي قنّوبين عاش الموارنة أيضاً العوز والحرمان. ولحق بهم العدو، فصرخوا ورفعوا الصوت. ترى هل تغيّرت الظروف، فسكت الموارنة في جبيل وصرخوا في وادي قنّوبين؟ هل رأوا إن لهم بعد جبيل ملجأ، فلما اقتُحموا، هربوا إليه. وان وادي قنّوبين هي معقلهم الأخير، إذا خسروه خسروا كل شيء؟ فلما اقتُحموا صرخوا وكانت لهم مبادرات. فكثُر العابدون والعابدات والنسّاك، وفُتحت المدارس، وصار إقبال على العلم والمعرفة، وأُنشئت الرهبانيّات، وانقسم الموارنة فئتين، وعُقد مجمع

الموارنة في وادي قنّوبين لم يكونوا باردين، ولذلك فقد صهرتهم المحن والآلام، فبكوا ووعوا، وكانت لهم حياة جديدة. وكما استطاعت منطقة جبيل أن تقود الموارنة إلى بستان الزيتون استطاعت وادي قنّوبين أن توصلهم إلى جبل الجلجلة. فلم يعد لهم إلاّ أن ينتقلوا إلى مجد القيامة. سنة 1823 انتقل الكرسي البطريركي إلى الديمان صيفاً وبكركي شتاءً. وقد انتظر الموارنة أن يلقوا المجد بعدما عرفوا الألم والهوان.

وقد بنى البطريرك يوحنا الحاج الكرسي البطريركي في الديمان، المعروف اليوم بالكرسي القديم، في وسط البلدة، وبنى إلى جانبه كنيسة مار يوحنا مارون، وهي اليوم كنيسة الرعيّة. أما الكرسي الحالي فقد بناه البطريرك الياس الحويّك، ووضع له الحجر الأساسي في 28 أيلول سنة 1899. وهو من تصميم الأخ ليونار اللعازاري، الذي قام بتصميم إعادة بناء الكرسي في بكركي.

 

مدرسة روما المارونية

سنة 1584 في 5 تموز أنشأ البابا غريغوريوس الثالث عشر المدرسة المارونيّة في روما، فحقّق آمال الطائفة وفتح أمام طلاّبها أبواب التقدّم. جاء في براءته الرسوليّة هذه الكلمات:

"لنا الأمل الوطيد بأن تلاميذ هذه المدرسة، على مدى الأيام المستقبلة، بعد امتلاكهم من عبر التقوى، والديانة الحقيقية، الصادر من شجر سرو صهيون، وتعاليم الكنيسة الرومانية المقدسة، رأس كل الكنائس، لنا الأمل الوطيد بأن يوزّعوه على أرز لبنان وعلى طائفتهم، عاملين في خدمة الرب ومجدّدين في بلدانهم الإيمان الضعيف ومساندينه. وهكذا يتحوّل عمل مادّي لا يفيد إلاّ القليلين من زائري روما إلى عمل روحي يكون لفائدة الطائفة كلها ولخلاصها.

"وبناء عليه، وعن معرفة تامة، وعملاً بكمال سلطتنا الرسولية،… نبني مدرسة الموارنة ونؤسسها حتى يتغذّى فيها ويتزيّن بالأخلاق الصالحة، ويتربى على التقوى والتعليم السليم والفضائل المسيحية الكاملة الواجبة لكل مسيحي، شبان هذه الطائفة…"

ووفد التلاميذ الموارنة إلى روما، وبدأت آمال البابا تتحقّق، وراحت الطائفة تنتقل إلى عالم المعرفة والنور. وأكثر من ذلك أيضاً فقد انفتحت الطائفة على أوروبا والعالم، وأصبحت تلعب دور الوسيط بين الشرق والغرب.

وتخرّج من المدرسة المارونية ألمع رجالات الاكليروس، وكان أعظمهم البطريرك اسطفان الدويهي، مؤرّخ الطائفة المارونية الذي "طاف في كل الأبرشيّات واختار كهنة ذوي علم وتقوى، وفحص الكتب البيعيّة وأصلح ما أوقعه فيها النسّاخ من أغلاط، وردّ القواعد إلى أصلها، وغربل مصاحف المؤرخين ومصنّفات الآباء القديسين، من شرقيين وغربيين، وألّف كتباً عديدة محفوظة في مدرسة روما" (البطريرك يعقوب عوّاد).

يوسف السمعاني العالم الحصروني الذي عًيّن حافظاً للمكتبة الفاتيكانيّة.

جبرائيل الصهيوني الذي درّس في جامعة سابينـزا ثم انتقل إلى باريس ودرّس في الكليّة الملكيّة.

مرهج ابن نمرون، وقد خلف الحاقلاني كأستاذ وترجمان.

وشجّع البطاركة العلم، على ما أوضح المجمع اللبناني:

"نحثّ ونناشد بأحشاء يسوع المسيح كلاً من المتولّين رئاسة الأبرشيات والمدن والقرى والمزارع والأديار جملة وأفراداً أن يتعاونوا ويتضافروا على ترويج هذا العمل الكبير الفائدة… فيعنون أوّلاً بنصب معلم حيث لا يوجد معلم، ويدوّنون أسماء الأحداث الذين هم أهل لاقتباس العلم، ويأمرون آباءهم بأن يسوقوهم إلي المدرسة ولو مكرهين. وان كانوا أيتاماً أو فقراء فلتًقدم لهم الكنيسة أو الدير ضروريات القوت، وفي حالة تعذّر الكنيسة أو الدير فيترتب جزء منها على الكنيسة والدير والجزء الآخر يقوم بدفعه آباء الأولاد". (المجمع اللبناني، 529)

وأخذت الرهبانيّات الأوروبيّة تفد إلى لبنان. ففي سنة 1626 وصل الكبّوشيّون، وفي سنة 1635 وصل الكرمليّون، وفي سنة 1656 وصل اليسوعيّون، ثم كرّت المسبحة.

جاء هؤلاء الرهبان إلى لبنان لخدمة شعبه، فأسّسوا المدارس وأخذوا يزرعون بذور العلم ويهيّئون للبلاد جيلاً جديداً. ولم يمض وقت حتى أصبحت المدارس التي تأسّست في لبنان تضاهي مدارس أوروبا.

وكثُرت المدارس. وكانت مدرسة إلى جانب كل كنيسة مارونيّة. وازدهر بعضها كمدرسة عين ورقة ومدرسة مار عبدا هرهريّا ومدرسة حوقا. وبعدما نال اللبنانيّون، ومعظمهم كانوا موارنة، قسطاً كبيراً من الثقافة أصبحوا روّاد الحركة الفكريّة في العالم العربي، وكان لهم دور كبير في النهضة الثقافية في كل الشرق الأوسط.

أول رهبانيّة مارونية

في سنة 1694 مثل جبرائيل حوّا وعبد الله ابن عبد الأحد قرا ألي ويوسف البتن أمام البطريرك اسطفان الدويهي وكاشفوه بعزمهم على إقامة رهبانيّة تسير بقانون واحد ويرئسها رئيس عام واحد، ويكون لكل دير من أديارها رئيس خاضع لسلطان الرئيس العام. ويرتبط رهبانهم بنذور الطاعة والعفّة والفقر الاختياري، والانصياع على اسم القديس انطونيوس أبي النسّاك، فسرّ البطريرك لعزمهم وشكر مساعيهم ولبّى دعوتهم". (الدبس، 253).

بكركي

لم يكن للبطاركة مقرّ شتوي، فاتّجهت الأنظار إلى بكركي.

سنة 1703 بنى الشيخ خطّار الخازن دير بكركي، وكان كنيسة صغيرة وبقربها بيت للكاهن.

سنة 1730 تسلّمه الرهبان الأنطونيون.

سنة 1750 تسلّمه المطران جرمانوس صقر والراهبة هنديّة عجيمي ليكون مقرّاً لأخوية قلب يسوع.

سنة 1779 صدرت براءة رسوليّة ألغت رهبانيّة قلب يسوع، وقضت بتحوّل دير بكركي لخير الطائفة المارونيّة.

سنة 1786 اعتبره المجمع الماروني تابعاً لكرسي قنّوبين.

سنة 1823 أصبح كرسيّاً بطريركيّاً لفصل الشتاء.

سنة 1890 رمّمه البطريرك يوحنا الحاج وأضاف إليه قسماً من الطابق السفلي والطابق العلوي بكامله، وهو من تصميم الأخ ليونار اللعازاري.

سنة 1970 رمّمه من جديد البطريرك بولس المعوشي.

سنة 1982 بنى البطريرك انطونيوس خريش البوّابة الخارجيّة.

سنة 1995 أضاف إليه البطريرك نصر الله صفير جناحاً ليحفظ فيه الأرشيف ويكون متحفاً خاصاً بالكرسي البطريركي، كما أنشأ مدافن للبطاركة وزيّن الكنيسة بشبابيك مزخرفة.

 

تعاقب على الكرسي البطريركي في الديمان صيفاً وبكركي شتاءً عشرة بطاركة هم:

يوسف حبيش من ساحل علما (1823 – 1845)،

يوسف راجي الخازن من عجلتون (1845 – 1854)،

بولس مسعد من عشقوت (1854 – 1890)،

يوحنا الحاج من دلبتا (1890 – 1898)،

الياس الحويّك من حلتا ( 1899 – 1931)،

انطون عريضه من بشري (1932 – 1955)،

بولس المعوشي من جزين (1955 – 1975)،

انطونيوس خريش من عين ابل (1975 – 1986)،

نصر الله صفير من ريفون (1986).

بشارة الراعي (2011)

وجميع هؤلاء البطاركة قاموا بأعباء المسؤولية وعملوا من أجل وحدة الصف، وكان هاجسهم الأول استقلال لبنان.

فكما استطاع الموارنة، بالرغم مما لاقوه من محن وشدائد في أيام المماليك، وخصوصاً في أيام السلطنة العثمانيّة، أن ينتزعوا الحرية والاستقلال الذاتي، فلم يقبل بطريركهم الفرمان الذي كان الباب العالي يعترف بموجبه بكل بطريرك، كذلك فانهم أرادوا أن يتابعوا المسيرة ويعملوا ليكون لوطنهم استقلاله التام وأن يحافظوا عليه.

 

1860

وتراكمت الأحداث. الفتنة الطائفيّة بين الدروز والموارنة سنة 1860 أوّلاً، ثم تبعتها الهجرة إلى بلدان الاغتراب، ثم الحرب العالميّة الأولى، ثم اقتتال الأخوة.

الفتنة الطائفيّة سنة 1860 راح ضحيّتها نحو عشرة آلاف قتيل ماروني، فأحدثت شرخاً كبيراً بين الموارنة والدروز، فاضطر الكثيرون من الموارنة إلى أن يتركوا وطنهم ويتوجّهوا إلى بلدان الاغتراب، وجعلت العيش المشترك على المحك. وفي الحرب العالميّة الأولى أحكم العدو حصاراً تموينياً على جبل لبنان، فمات عشرات الآلاف من الجوع.

 

لبنان المستقل

الاستقلال هو بناء لم يكن تشييده أمراً سهلاً. فقد ظهرت بين اللبنانيين، وهم سبع عشرة طائفة، بعد انسحاب العثمانيين عدّة اتّجاهات جعلت الاتفاق مع بعضهم بعضاً أمراً عسيراً. ولكن البطريرك الماروني، أيّاً كان اسمه، عرف أن يكون رسول سلام، فكان حاضراً فاعلاً يؤيّد كل مسعى للخير ويقف في وجه كل ظلم. فمحضه اللبنانيّون ثقتهم وكان لهم بمثابة عامل وحدة وحامل لواء الحريّة. ففي سنة 1919 فوّضوا إلى البطريرك الياس الحويك أن يتوجّه باسمهم جميعاً إلى مؤتمر السلام الذي عُقد في فرساي يطلب الاستقلال. وغادر البطريرك إلى فرساي وعرض القضيّة اللبنانيّة وفاوض ونجح، فوطّد ركائز الاستقلال وحقّق طموحات اللبنانيين.

وسار البطاركة الذين تعاقبوا على الكرسي بعده على الخط نفسه، فقال البطريرك عريضه لا للاحتكار، وقال البطريرك معوشي لا للحكم الظالم، وقال البطريرك خريش لا للتقاتل، وقال البطريرك صفير لا للهيمنة، ونعم للسيادة والقرار الوطني الحرّ. فتخطّوا الآفاق الضيّقة وعملوا لا من أجل طائفتهم فحسب، بل من أجل جميع اللبنانيين. وبهذه الروح أسهموا في توحيد الصفوف، فانفتحت الطوائف بعضها على بعض، فكانت ثروة ومصدر غنى وعرف لبنان الازدهار.

وانتظر الموارنة، بعدما زالت أسباب الشدّة وانتقل بطاركتهم إلى الديمان صيفاً والى بكركي شتاءً، أن يبلغوا المجد وينعموا بشيء من السعادة. ففوجئوا أنهم لا يزالون في أول الطريق، وأن يوم المجد لا يزال بعيداً.

 

الأبرشية المارونية

في بداية الكنيسة "وقع اضطهاد شديد على كنيسة أورشليم، فتشتّت أبناؤها أجمع، ما عدا الرسل، في نواحي اليهوديّة والسامرة… وأخذ الذين تشتّتوا يسيرون من مكان إلى آخر مبشّرين بكلام الله" (أعمال الرسل، 8/2،4).

إن هذه الظاهرة التي عاشها المسيحيّون الأوّلون في أورشليم، عاشها الموارنة أيضاً في لبنان. فاتّجهوا على مدى حقبات متفاوتة إلى بلدان الاغتراب، وحملوا رسالة مار مارون إلى كلّ بلدان العالم.

الموارنة في بلدان الاغتراب، وقد بلغ عددهم اليوم أربعة ملايين، اضطلعوا بدورهم الإنساني على الصعيد العالمي ونجحوا، وكان أبرزهم جبران خليل جبران. ولكنهم لم ينسوا أنهم تركوا لبنان معذّباً، فعملوا من أجله ودعموه بالمال والسياسة، إلى أن يعودوا إليه. فحوّلوا ظاهرة الاغتراب ظاهرة إيجابيّة. انهم شعب لا يموت.

ومن جهة ثانية فان البراءات البابويّة المحفوظة في أرشيف الكرسي البطريركي في بكركي التي تلقّاها البطاركة على مدى أجيال عديدة، والمخطوطات التي نسخها الأساقفة والكهنة والنسّاك على مرّ الأجيال، في وادي قنّوبين وفي أمكنة عديدة من جبل لبنان وكنائسه، والوثائق التاريخية التي تفوق المليون مستند، هي شهادة ناطقة بأعمال الموارنة الذين أدّوا رسالتهم على مدى أجيال عديدة، وشهدوا ليسوع المسيح وسط جيل صعب وملتو وأظهروا أنهم يؤدّون رسالتهم بالرغم من كل التحدّيات.

 

القديس مارون

المرجع التاريخي

إن المرجع التاريخي الوحيد الذي يفيدنا عن حياة القديس هو "التاريخ الديني" لتيودوريطس، أسقف قورش، الذي كتب في حدود سنة 440 والذي فيه يسرد سيرة نسّاك القورشية وضواحيها.

والفصل السادس عشر من هذا الكتاب يتضمن تفاصيل واسعة عن حياته الروحية وتأثيرها الذي لا يمحى عن تلاميذه.

الموقع الجغرافي

القورشية حيث عاش مار مارون، تقع في سوريا الشمالية.

التنظيم الروماني في ذلك العصر، كان قد قسم منطقة سوريا إلى ثلاثة أقسام: سوريا الأولى أو المجوّفة وعاصمتها انطاكية، وسوريا الثانية وعاصمتها أفاميا، وسوريا الثالثة أو الفراتية وعاصمتها منبج أو هيرابولس.

 المناطق الواقعة في جنوب أفاميا، تمتد حتى الحدود الجنوبية اللبنانية، وتقسم إلى قسمين: الفينيقية اللبنانية، مع حمص ثم دمشق عاصمة، والفينيقية البحرية مع صور عاصمة.

أبرشية القورشية التي كان على رأسها الأسقف تيودوريطس، تمتد إلى الغرب.

إن مسافة سير يومين تفصل مدينة قورش الواقعة شمال شرق انطاكية، 70 كيلومتراً عن مدينة حلب. لو عدنا إلى المؤرخ تيودوريطس القورشي،  فإن مار مارون اختار أن يعيش حياة النسك، لذلك اعتلى جبلاً قاحلاً يسمى جبل نابو (نسبة إلى الإله الوثني نابو)، والقرية المجاورة كانت تعرف باسم كفرنابو.

الحياة المثالية

القديس مارون كرّس الهيكل الوثني لعبادة الإله الواحد. وعلى مثاله تكرّس الكثيرون من تلاميذه للصلاة والبعض الآخر استحبس في قمم الجبال عائشين في المغاور بغية الاتصال بالله وقد ذهبت شهرة قداسته بعيداً، إلى حد أن القديس يوحنا فم الذهب أرسل له رسالة حوالي العام 405، مظهراً احترامه للقديس، وطالباً منه الصلاة لأجله.

حسب الأسقف تيودوريطس، فإن مار مارون قد توفي حوالي العام 410، فأوصى في آخر أيامه بأن يدفن في قبر القديس زابينا، قاصداً البرهان على إعجابه بفضائل الشيخ الراحل. وما إن فاضت روحه، حتى تزاحمت على جثته الجماهير المتقاطرة من القرى العديدة، وكل جمهور يود لو اختطف الجثمان، ليدفنه في قريته تبرّكاً. وكاد النـزاع يؤدي إلى العراك، حتى ظفر أهل القرية من جنوبي القورشية بعد أن فرّقوا الجماهير واستولوا على جثمانه ودفنوه في قريتهم. وحصدوا منه الفوائد بتكريم هذا المنتصر بعيد شعبي. ويبدو أن القرية المذكورة هي قرية باراد القريبة من كفرنابو عاصمة تلك المنطقة. وفي مطلع القرن الخامس الذي يلائم تاريخ وفاته سنة 410، شيّدت كنيسة كبيرة وضع في داخلها قبر لحفظ ذخائر مار مارون. وفي التقليد الماروني إن تلاميذه نقلوا هذه الذخائر وخاصة جمجمته إلى دير مار مارون أو "بيت مارون" الذي شيّد سنة 452 بين حلب وحماه في سوريا الحالية.

هامة القديس

أعيدت الجمجمة، إلى لبنان، إلى دير كفرحيّ، في منطقة البترون، في بداية القرن السابع. يقول البطريرك الدويهي: "ولما استقر في كفرحيّ بين الهيكل والدير على اسم مار مارون وجعل هامته فيه وهي مانحة الشفاء. ومنها تسمى هذا الدير ريش موران، رأس مارون بسبب وضع هامته هناك".

وأما هامة القديس مارون، فقد أخذها أحد رهبان القديس مبارك وكان رئيس دير الصليب القريب من مدينة فولينيو في إيطاليا لما حضر من الغرب في زيارة حج إلى الأراضي المقدّسة سنة 1130، وحملها معه إلى هذه المدينة حيث بنيت على اسمه كنيسة بالقرب من المدينة، لما ظهر منه من المعجزات، وكان الشعب كثير التعبّد له.

ثم إن أسقف هذه المدينة نقل سنة 1194 هامة القديس مارون إلى كنيسة الكرسي الأسقفي الموجودة فيها. وضع المؤمنون تمثالاً صغيراً من الفضة يمثل صورة وجه القديس ووضعوا ذخائره في داخله.

ويقول المطران يوسف الدبس انه في خلال مروره بإيطاليا سنة 1887 قدّم له مطران فولينيو ذخيرة من هامة القديس.

 

قدّيسون موارنة جدد

إن شربل مخلوف الذي أعلنه البابا بولس السادس قديساً في 9 تشرين الأوّل 1977، ورفقا الريّس التي أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباويّة في 17 تشرين الثاني 1985، هما صورة للكثيرين من أبناء الشعب الماروني الذين يتبعون يسوع بصمت ويعملون أعماله ويزهدون في نفوسهم من أجله ومن أجل بشارته. انـهما صورة الرفض الماروني الذي يعرف أن يقول لا للشرّ، والروحانيّة التي تجدّد شبابـهم كل حين

 

 --------------------------------------------------------------------------------------------------

 

Comments