المجموعة الرابعة

  

 

 

 

 

 

المجموعة الرابعة

 

تتناول كيفية تطبيق ممارساتنا في حياتنا المسيحية

في موقعنا الجغرافي والديموغرافي

 

 

 
 
 

 

  عودة الى فهرس شروحات الأب مالك

 
 
 
 
 

 

 

(شرح للأب جبرائيل مالك اليسوعي مؤسس الحركة عن الفرق الكبير ما بين حرية المعتقد وحرية الممارسة.)

 

 

إن الإنسان هو كائن عاقل حر، يتمتع بحق حرية الفكر بمعزل عن أي تأثير وراثي عائلي أو مادي أو اجتماعي أو جماعي أو ثقافي أو تعصبي. لذلك عليه، إذا احترم نفسه، أن يبحث، يسمع، يشاهد، يتأمل، ومن ثم يختار ما يقتنع به هو شخصياُ بكل حرية وكامل إرادة، متحملاً المسؤولية الشخصية الكاملة لهذا الإختيار.

 

لذلك فإن أهم شرط للتبشير بعقيدة ما هو في عدم فرضها بأي نوع من الضغوط أو الإغراءات المادية أو المعنوية. بل على العكس تماماً، إذ يجب أن يقتنع لإنسان بما يقرر قبوله أو رفضه بقناعة تامة، وباختيار حر كامل بدون أي خوف من أي شئ. ذلك لأن الحقيقة تفرض نفسها بنفسها بقوة الحقيقة عينها وليس اعتناداً على أي وسيلة ضغط أو أي تأثير آخر.

 

وكانت المجالس العالمية قد ذكرت مبدأ حرية المعتقد على أنه حق مسلّم به منذ أوائل القرن الرابع (كما ورد في وثيقة ميلانو سنة 313 ميلادية) وحتى عصرنا هذا كما ورد في تصريح الأمم المتحدة سنة 1948، وفي المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1965.

 

وفي هذا الصدد يجب علينا أن نميز جلياً جدا ما بين حرية المعتقد وحرية العبادة أو الممارسة.

فحية العبادة أو الممارسة تجيز لأي إنسان إمكانية ممارسة شرائعه وطقوسه الدينية داخل بيته أو معبده بشكل محصور على تجمعات أهل الطائفة فقط. وهذا النوع من الحرية هو موجود بنسب متفاوتة في العديد من دول الشرق الأوسط وإيران وإسرائيل والدول الشيوعية وغيرها؛

 

أما حرية المعتقد، فهي تتخطى ذلك بكثير، إذ بموجبها يحق لأي إنسان، الى أي طائفة انتمى (حتى الإلحاد)، أن يقرا ويسمع ويتابع أفكار وشروحات وتعاليم كل العقائد أو الديانات الأخرى، والتي تختلف عن دينه أو عقيدته الأساسية التي ورثها عموماً بالولادة. فإذا اقتنع بإحداها بكل يقين وإيمان فله الحق في الإنتقال اليها بكل حرية معلناً ذلك على الملأ بدون تحفظ أو خوف من عقاب أو اضهاد من جماعته. وإذا لم يقتنع بأي منها، يظل على دينه أو عقيدته الأساسية بإيمان أقوى وأعمق وقناعة أشد رسوخاً.

 

وبكل أسف، فإن هذا النوع من الحرية هو غير موجود في كل الدول الإسلامية عامة واسرائيل  والدول الشيوعية (في روسيا خاصة)، حيث تقوم دولها على أسس عقائدية أو دينية  ... ما عدا لبنان وحده، الذي شرّع هذا الحق صراحة في دستوره.

 

"التسامح" عند الإسلام

مما سبق نستطيع أن نميز ما بين حرية المعتقد وبين ما يسمى "التسامح" (Tolérance) في الدين الإسلامي. إذ أن كلمة تسامح تعني السماح بعمل شئ ما غير سليم أساساً أو حرج في عيون  "المتسامح".

 

والتسامح هو غير المسامحة، فكلها كلمات تحمل على الإلتباس، لذلك يجب أن نكون دائماَ يقظين عند استعمال الفاظها.أما الحرية فهي حق قانوني تحميه الدولة.

 

 

التعصب المسيحي في القرن السادس عشر

وجدير بالذكر أنه في القرن السادس عشر، حيث حدثت انقسامات كبيرة في بلاد أوروبا بسبب حركة الإصلاح اللوثرية والكلفينية، كانت حرية المعتقد غير محترمة بالمرة، فكان اضطهاد متبادل بين كل فئة وأخرى، وكان تشنج وتعصب شديدين من كلا الجهتين في الكنيسة: الكنيسة الكاثوليكية من جهة، والكنيسة البروتستانتينية من جهة أخرى.

 

اتفاقية "نانت" (Edit de Nantes 1598)

دام هذا الإضطهاد والصراع الى أن جاء ملك فرنسا هنري الرابع، وأبرم اتفاقا في فرنسا في مدينة "نانت"، لذلك سمي اتفاق "نانت" سنة 1598، أعلن فيه أن حرية المعتقد هي حق من الحقوق الثابتة للإنسان لا يجوز أن يتحارب الناس بين بعضهم بسببه.

 

ألغيت الإتفاقية بكل أسف على أيام لويس الرابع عشر سنة 1685، ثم أعيد العمل بها مرةأخرى على أيام لويس السادس عشر سنة 1787.

 

 

 

 

 

الفرق بين التبشير والتعليم المسيحي

 

 

(شرح للأب مالك خلال اجتماع يوم الجمعة أول آذار 1985)

 

استناداً لما جاء في رسالة البابا يوحنا بولس الثاني في 9 كانون الثاني 1985 عن التبشير،  فإن أهم ركيزة للتبشير هو إثارة تساؤلات الإنسان عن مواضيع أساسية في حياته لم يستطع لا هو ولا علماؤه وحكماؤه الإجابة عنها مثل:

·        من أين جاء الإنسان ولمذا وجد؟

·        ما هي علاقته مع الكائن الأعظم الذي هو الله ومع العالم الغير مرئي؟

·        ما هو المفروض أن يكون تصرفه لمواجهة أهداف الحياة؟

·        لماذا هناك ألم؟ لماذا هناك مرض؟ لماذا هناك شيخوخة وموت؟ ... وما هو رجاؤ الإنسان أمام هذه السلبيات؟ وأين يجده؟ ... الخ، وكل هذه أسئلة تعجيزية لم يستطع لا العلماء ولا الفلاسفة ولا الفقهاء من الإجابة هليها!!!

 

لذلك فالجواب عن هذه الأسئلة لا يمكن أن يأتي إلا من عند الله نفسه. فقد أراد الله بحكمته أن يعلمنا انه هناك "عقيدة" ليست ناتجة عن تفكير فيلسوف مثل "أرسطو" أو "كنت"؛ ولكنها ناتجة عن كشف الهي بحت قدّمه الله لنا من خلال تجسدة في يسوع الذي كشف لنا عن حقيقة الإيمان، ووضح لنا بؤس الإنسان وضعفه، ومن ثم عن كيفية الخلاص من كل هذه التساؤلات والقيود التي تتحكم في الجنس البشري بأجمعه بغض النظر عن معتقداته. 

ومن خلال هذا الكشف تتضح أمور كثيرة، حيث يجيب الله عن كل هذه التساؤلات معطياً تأكيدات أعمق بكثير مما كان يتوقعه الإنسان نفسه، وهي أجوبة كاملة ونهائية غير قابلة للمناقشة مثل آراء الفلاسفة والحكماء والعلماء. وهذا الكشف هو دائم وحي بالروح القدس "الحي في الكنيسة"، لذلك لا يمكن الإنحياز عنه، وليس لنا مرجع آخر إلا هو في الكنيسة، لذلك هي المرجع الوحيد للتبشير بعقائدنا.

 

من المؤكد أن هذا الكشف  يدخل النفس البشرية في سر الحقيقية، ومع ذلك فما تزال نقط عديدة غامضة لم يكشف عنها أو يتم توضيحها. ولكن ما كشف هو كاف ليعطينا تفسير الإجابات عن التساؤلات المختلفة. لذلك، ومن خلال تعليم مسيحي وضعته الكنيسة، يتم استعراض عدة أسئلة ترد على عقل الإنسان وتعطي رد الله عليها. فتنطبع هذه الأجوبة في ذاكرة الإنسان وفي عقله الباطن. لذلك فإن وجود الذاكرة في تكوين الإنسان هو أمر مهم جداً لحياته المستقبلية.

 

وقبل أن يتعلم الإنسان التعليم المسيحي، عليه أن يكون قد تلقى تبشيرا كاملا وفهم معنى الخلاص، أي أن يكون قد عرف البشارة الحسنة، التي هي بشارة الخلاص.

 

أما التعليم المسيحي كتعليم، فهو لا يعتمد على مبادئ فلسفية أو اجتماعية، وإنما على أجوبة الله المباشرة للتساؤلات المختلفة، وهي كاملة وشاملة تغطي كل الميادين. و لكن يجب التنبه الى تكييف هذا التعليم ليناسب عمر طفل ساذج أو شاب مثقف أو رجل أعمال، أو عالم ... وكل ذلك ضمن المحافظة على الدقة التامة في تعليم محتوى العقيدة وعدم تحريفه أو بتره أو الإنتقاص منه أبداً.

 

من المحتمل أن تكون البشارة صعبة الفهم بصورة كاملة للوهلة الأولى. لذلك يمكن للإنسان أن يقبل جزءاً بسيطا منها يتمكن من فهمه، ويترك الجزء الصعب لفرصة أخرى مستقبلية. لذلك على الإنسان ألا يتوقف عند القليل، بل عليه الإستمرار في التاملات وفي محاولاته التعرف على كيفية الإيمان بالخلاص أكثر فأكثر بهدف التوصل الى إكمال فهمه لهذا التعليم.

 

وعلينا أثناء التبشير أن نوضح جيداُ أن هذه الأمور هي صعبة الفهم للوهلة الأولى، لذلك يجب قبولها كما هي لأنها تتخطى عقلنا البشري وحدود فهمه.

 

إذن فالتعليم المسيحي هو في الواقع ناتج عن مدى عمق ايمان المعلم الذي يعلمه (طبعا بدعم من الروح القدس).  فمن كان يتصور أن اثني عشر تلميذاً فقط استطاعوا أن يبشروا العالم كله بالبشارة الحسنة ؟؟؟. هذه هي النعمة التي تدعم فهم التعليم عند الكبار والصغار عند سماعهم تلك البشارة الحسنة.

 

أما من الناحية العملية، فقد جاء أيضاً في رسالة البابا في كانون الثاني 1985 أن التعليم المسيحي يواجه بعض المشاكل التربوية. وللتغلب على هذه المشاكل علينا أن نستعمل طرقا مختلفة تلائم المجتمع والبيئة والمستوى الثقافي للمستمع. فنجد مثلاً أن يسوع استعمل فكرة ضرب الأمثال لإفهام تعاليمه ومقصده للناس، تاركا الإنسان يستعمل ذكاءه لفهم هذه الأمثال. كما نلاحظ أن يسوع كان يجيب على أسئلة من حوله بلغة بسيطة، ويستعمل أسلوب التساؤل والإجابة على نفسه في نفس الوقت.

 

لذلك، وبالنسبة الى تعليمنا المسيحي نحن أيضاً، يجب أن يكون كاملاً وغير منتقص ولا يحتوي على مواربات ومراعاة للخواطر، وإنما يجب تكييفه بحسب الجيل والمستوى الثقافي والإجتماعي لمن هم يتلقون هذا التعليم، ولا مانع من استغلال الطرق الحديثة والعلمية لتقديم التعليم المسيحي مثل الإذاعة والتلفزيون والإنترنت والكتب والصور والسينما وغيرها من الأدوات الفعالة لنقل وإفهام المعلومات.

كما أنه يجب التنبه الى تجنب الإرتجال عند إدارة محاضرة أو حديث. لذلك يجب التحضير الدقيق لبرنامج التعليم أو لإلقاء محاضرة قبل أدائها. كذلك تجنب التملق في تفسير اللاهوت والكلمات وأصلها وفصلها، ومن ثم إعطاء نظريات معينة عن العقيدة أو التعليم المسيحي. فالمرجع الوحيد لكل هذه الأمور، خاصة العقائدية منها هو الكنيسة فقط، لأن هذه التفسيرات "العقائدية" هي أساساً واردة بإلهام الروح القدس. وعليه فلا داعي أبداً للمناقشات والمجادلات أثناء التعليم المسيحي. فعلى من يقدم التعليم المسيحي أن يكون لديه الإيمان العميق أولاً ليتمكن من نقل هذا الإيمان على أساس المحبة والغيرة لنقل بشارة الخلاص للآخرين، وليس على أساس لذة الإنتصار عقله في اقناع واستمالة الآخرين لأفكاره.

 

هام جداّ أن نتذكر دائماً ان المرجع الوحيد لتفسير العقائد الأسلسية واللاهوتية هو الكنيسة، والكنيسة فقط، (كما جاء في رسالة بولس إلى أهل كورنتس الفصل الثاني). فكل خلاف في الرأي لا يحسمه إلا مرجع واحد هو الكنيسة بذاتها، والتي على رأسها نجد خليفة بطرس، وهو الناطق باسم الروح القدس عند تحديد وكشف العقيدة.

 

 

 

 

كيف نتأمل

 

 

في كرازة ضمن رياضة روحية  بتاريخ  آذار1983 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي الأهمية البالغة للتأمل وكيفية ممارسته كما يلي:

 

 

إن التأمل هو الوسيلة الأساسية لسماع صوت العقل.

فبالتأمل يمكن للعقل أن يتصل بالله مباشرة عن طريق الروح القدس الذي يتحرك في ضميره.

وليتم ذلك يجب ويجب ويجب على الإنسان أن يخلى نفسه الى مكان ساكن تماماً حيث سكوت تام وهدوء تام. عندها فقط يمكنه البدء في عملية التأمل حيث سيواجه صراعاً روحياً شديداً (Un combat spiritual)، وهو أصعب بمراحل من كل الدراسات العلمية والفلسفية... ومن خلال هذا الصراع نجد أنفسنا "نحترق" بنار الرب فتنجلي الأمور أما ضمائرنا.

 

وللتأمل يجب على الإنسان أن يختار نقطة واحدة فقط، ليتأمل بها ولا يحيد عنها. يفكر فيها ليلاً نهاراً، أثناء الأكل، قبل النوم، وعند الصباح، ولا يحيد عنها أبداً، إلى أن ينهي تأمّله فيها كلّية، ولا ينتقل من نقطة الى أخرى فيضيع وتتشتت أفكاره ويتبدد التركيز والتأمل.

 

من المهم جداً أن نصل بعد كل تأمل الى اتخاذ قرار ما يؤثر على مسار حياتنا. إذ أن التأمل بدون قرار هو مضر ولا يفيد. فغاية التأمل هو الخروج بقرارات للتنفيذ العملي والتطبيقي في حياتنا العملية.

 

لذلك فإن النقاط التالية هي هامة جداً عن التأمل:

 

·        التأمل هو ضروري جداًّ وأساسي للوصول الى الخلاص. فبدون التأمل والفكير لا يمكن للإنسان أن يأخذ العزم على تغيير شئ ما في نفسه، أو تغيير نمط ما في حياته.

 

·        التكرار والترداد في تناول موضوع ما هو وسيلة هامة للتقدم في التأمل. فكلنا يعرف الإنجيل وآياته تقريباً عن ظهر قلب، ولكننا نستطيع أن نقرأ نفس هذه الآيات مراراً وتكراراً وفي كل مرة نجد فيها شيئاً جديداً لم نتنبه له أو لم ندركه في المرات السابقة. لذلك فتكرار الممارسة مع استمرار التأمل يساعد على التعمق أكثر فأكثر في نفس الومضوع.

 

·        إن أساس التبشير الناجح هو في التركيز على الصلاة الشخصية. بهذه الفكرة يجب أن ندخل في تكوين خاص يعطينا المقدرة على المراقبة الشخصية لأنفسنا. لذلك يجب علينا كل يوم تلاوة صلاة المسبحة، والتأمل في فكرة ما، وإلا فلن نستطيع التقدم خطوة واحدة. لا يمكن أن نكون فاعلين إلا إذا كان لدينا اتصال كامل بالله تعالى عن طريق الخروج من الذات بالتعمق والإحساس المستمر بحالة ضعفنا البشري المتناهي، ومن ثم الإعتماد الكامل على الله، وذلك بدعم من ممارسة سرّي الإعتراف والمناولة عن قناعة وعزم وإرادة كاملة، وليس عن ميل أو نشوة، لأن الإرادة تعني الفهم الكامل والإقتناع الكلّي بما نفعل.

 

·        التأمل بدون أخذ مقصد محدد ننطلق منه في اتجاه التغيير هو عقيم وليس مجدي. فالتأمل بدون مقصد هو تلذذ عقلي بالأفكار وهذا خطير للغاية. لذلك يجب دائماً بعد كل تأمل أن نخرج بعبرة وبمقصد نضعه نصب أعيننا للتطبيق الفعلي والعملي في حياتنا، وهكذا يتم التغيير الداخلي والنمو الروحي، حيث يأتي الباقي كله من تلقاء نفسه.

 

 

 

 

 

الفرق بين الـديـن والـنهج

المسيحية ليست دين، وإنما هي نهج

 

 

في كرازة ضمن رياضة روحية سنة 1982 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي الفرق بين الدين والنهج على الشكل التالي:

 

 

ما قاله كارل ماركس عن ان "الدين" هو "افيون" الشعوب هو صحيح في بعض نواحيه. لان الانسان يُؤخذ سيكولوجياً مبهوراً بإيحاء الحركات والاصوات والروائح التي تنجم عن طقوس معينة يقوم بها اشخاص يَدَّعون ارتفاعهم الى مستويات روحية معينة حسب اعتقادهم، ومن ثمّ يدّعون بأنهم يتصلون من خلالها بأرواح او آلهة ما ؟؟؟

 

لذلك فتعريف الدين "بالمعنى الحرفي" للكلمة: هو عبارة عن طقوس وحركات ورموز يقوم بها الانسان بصورة مادية بحتة ، وهو أمر موجود في جميع الديانات المختلفة .

 

اما المسيح فقد جاء ليحررنا من الطقوس الجامدة والمادية "للدين" ليدخلنا في ممارسة الايمان بنهج عملي من خلال ممارسة أعمال المحبة أثناء حياتنا مع من هم حولنا (راجع رسالة بولس الى العبرانيين الفصل 10: 11-12). وهكذا يكون يسوع قد أنقذنا من هذه السطحيات ليرشدنا الى ممارسة الايمان في المحبة، أي ليحررنا من الناموس والختان والشرائع لنعيش مباشرة مع الله ، أي في النهج الحياتي العملي لمحبة القريب المحتاج.

 

لذلك فإن ممارسة الطقوس والشعائر الدينية، وحتى ممارسة اسرار الكنيسة لمجرد ممارستها والتلذذ النفسي بها، تجعلنا ندور في دوامة سيكولوجية تؤدي الى الهرطقة . واما الصحيح فهو ممارستها على اساس نية ثابتة للاستعانة بها والاستفادة منها كوسائل اساسية لدعم وتقوية الايمان ، ومن ثم الى ممارسة اعمال المحبة .

 

وهذا لا يمكن ان يكون صحيحاً الا اذا كانت ممارساتنا للمحبة هي حقيقية وعملية "قبل" ان ندخل الى الكنيسة. فقد قال يسوع : اذهب وصالح اخاك "قبل" ان تقدم قربانك .

         

لذلك نستنتج  أن المسيحية هي في الواقع ليست "ديناً " كما يعتقد الناس ، وإنما هي "نهج" وممارس للمحبة قبل ان تكون طقوساً  ورسوماً يمارسها الناس  بصورة روتينية غير مفيدة بحد ذاتها .

 

 

 

شروط الدخول في الايمان

 

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 8 نيسان 1982)

 

لاتمام عملية التبشير ودخول الناس في الايمان يجب ان تتم الشروط الخمسة الآتية :

 

1.                 الارسال                                                                            

2.                 التبشير بكلام الله والايمان                                        

3.                 السماع لكلام الله والايمان                      

4.                 القبول بالايمان بكل حرية

5.                 الدخول في الخلاص بحمل الصليب واعمال المحبة

 

 

1.                 La mission

2.                 La proclamation

3.                 L’écoute de la parole

4.                 L’obéissance et l'acceptation de la foi

5.                 Le Salut   

  

 

 

(راجع المبشر وصفاته )

(راجع التبشير والتعليم المسيحي)

 

 

 

 

 

المُـبـَشـِّر وصفـاتـه

 

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 31 آذار 1983)

 

 

التبشير هو عمل تلقائي يقوم به المؤمن بمجرد دخوله واحساسه بالخلاص .

 

فطريق الخلاص (الصليب)الذي يبدأ بالانتصار على الانانية وحب الذات تنتهي بمحبة القريب المحتاج. واول هدية (او واجب) يحس به المبشر هو هداية القريب المحتاج الى معرفة الله، والى طريق الخلاص، ليُشركه معه في فرحه بهذا الخلاص. لذلك فالتبشير هو في النهاية واجب تلقائي يحس به كل من آمن ووصل الى الخلاص الحقيقي .

 

وفي التبشير يجب ان نتجنب نهائياً البراهين العلمية او الفلسفية. على الغير ان يقبل او يرفض بكل حرية، وانما واجبنا هو اعلامه ببشارة الخلاص وبدون مناقشة . فإذا كانت نعمة الرب معه، وكانت اعمالنا مثالاً صالحاً امامه بصورة عملية، فسيساعده ذلك على دخوله مختاراً الى حظيرة الرب تلقائياً وبنعمة من الروح القدس. والا سيرفض البشارة وهو حر. وهكذا يكون الحصاد فكما قال يسوع : لقد جاء وقت الحصاد ، اما الحَصَادُ فكثير ، اما العملة فقليلون، والفرز يكون عفوياً، ولكن يجب عرض البشارة على الناس أولاً، فإما يقبلوها او لا. وبذلك يقومون هم بأنفسهم بعملية الفرز بدون ان يشعروا .

 

في الواقع نحن لا ننجح في التبشير بمجهودنا الخاص، وانما بمجرد اعلان ايماننا الثابت بالخلاص، مدعوماً بسيرة حياتنا امام الناس. فإن الروح هو الذي يكمّل عمله من خلالنا وليس لنا في ذلك أي فضل. ولنذكر نقطة الماء الذي يضعها الكاهن في كأس النبيذ اثناء تحضير سر الافخارستيا، فهي ترمز الى مجهودنا البشري، اما باقي النبيذ، فيمثل باقي النعمة المعطاة من خلال فداء يسوع . لذلك نحن علينا ان نكشف حقيقة الخلاص امام القريب المحتا ، وعلى الروح ان يكمل الباقي .

 

وجدير بالتذكير انه ليس من حقنا او حق أي كان "ادانة" احد، وليس في مقدورنا ادانة احد، او الانتقاص من قدره إن آمن بما نبشّر او لم يؤمن، ففضّل ديانة اخرى !!! فنحن لا نعلم ما في القلوب، ولا نعلم ما يخبئه الزمن وكيف ستتغير الامور في المستقبل . فلعل الرافض اليوم يقتنع في النهاية (كما حدث مع العديد من الفلاسفة، وكما حصل العكس مع العديد الآخرين الذين تخلوا عن البشارة الحقة) .

لذلك فواجب المبشرالقائم على المحبة هو مجّرد "اعلام ببشارة الخلاص" فقط بدون أي "فرض" او "اغراء". كل ما علينا ذكره هو ان مصدر التبشير هو الكنيسة عن طريق الكتاب المقدس . والكتاب المقدس هو للبشارة وعرض الافكار فقط، اذ انه يخبرنا عن قصة درب الصليب كما سلكها يسوع وعاشها بين الناس المحتاجين روحياً .

 

 لذلك فقوة التبشير هي ليست في قراءة ودراسة الانجيل بالحرف ، وانما بالاقتداء بروحه وفهم مغزاه ، اذ ان التنافس والاجتهادات في تفاسير كلمات الانجيل تكون مصدر للجدل والمشاجرة . فالمهم هو ليس الانتصار في جدال ما على الآخرين .المهم هو التبشير بوجود خلاص . فالتبشير بالخلاص هو بالكلمة الشفوية الناتجة عن الكنيسة. ولذلك سمي المسيح بالكلمة، وهذا اقوى اضعاف الاضعاف من الكتابة الجامدة ، وهي لا تُذكر الا لتسجيل الاحداث وتسلسها ، وليس لها المقدرة على تغيير الانسان مثل قوة الكلمة .

 

 

صفات المبشر :

·        اساس التبشير الناجح هو "الصلاة" الشخصية والمتواصلة للمبشر .بهذه الفكرة يجب ان ندخل في تكوين خاص يعطينا المقدرة على المراقبة الشخصية لانفسنا
 
·        يجب القيام بالتأمل يومياً مع تلاوة المسبحة الوردية ، والا فلا يمكن ان نتقدم على الصعيد التحضيري للتبشير . لا يمكن ان نكون "فاعلين" الا اذا كان لدينا اتصالاً تاماً ومتواصلاً بالله عن طريق الخروج من الذات ، والتأمل والتعمق بضعفنا ، والاعتماد الكامل على الله عن طريق ممارسة الاسرار : الاعتراف والمناولة وهنا يجب توضيح نقطة هامة جداً ، وهي ان ممارسة هذه الاسرار يجب ان تكون عن "ارادة" وليس عن "ميل" او "نشوة"، فهذه هي احاسيس ثانوية وليس اساسية . اما الارادة فتدل على الاقتناع العقلي الثابت .
 
·        الدفاع عن الايمان لا يكون الا بالانفتاح على الآخرين "بلغتهم" حتى يفهموها (وفي حالتنا هي اللغة العربية) فنجد ان الايرلنديون تركوا لغتهم الاصلية واتخذوا الانكليزية لغة لهم يبشروا الناطقين بهذه اللغة تعاليم الكنيسة الكاثوليكة (1/3 اميركا كاثوليك بسبب الايرلنديين) كذلك الموارنة ، فقد تركوا لغتهم السريانية الاصلية ، واتخذوا اللغة العربية لغة لهم ليبشروا محيطهم الناطق باللغة العربية بالتعاليم الكاثوليكية.

 

 

 

صلاة مسبحة الوردية

 

 

(شرح للأب جبرائيل مالك في رياضة روحية بتاريخ 24 شباط 1985))

 

تاريخ مسبحة الوردية :

 

تأسست صلاة المسبحة الوردية عندما صلى المقاتلون المسيحيون بقيادة الاسباني دون جوان في 7 تشرين الاول سنة 1571 هذه المسبحة لاول مرة ، للانتصار على الجيوش التركية الاسلامية التي كانت تفوقهم عدداً وعدة، وحيث انتصروا عليهم في معركة Le Pante في اليونان. وكان ذلك على طلب خاص من البابا القديس بيوس الخامس . ومنذ ذلك الوقت تقهقر المسلمون وخسروا باقي المعارك كلها .

 

وكان الجيش المسيحي مكوناً من تجمع للعديد من الجيوش المسيحية في الغرب : من فرنسا وايطاليا واسبانيا ، وذلك لصد الفتح الاسلامي ضد المسيحية في الغرب والقيادة التركية. وقد هُزِم المسلمون شر هزيمة في معركة بحرية ضارية في مدينة Le Pante اليونانية ، ثم توالت هزائمهم وتراجعت الجيوش الاسلامية ولم تستطع بعدها فتح اوروبا كما كانت تريد .

 

(اما استعمال المسبحة بحد ذاته ، فهو من اصل هندي حيث كانت تستعمل المسابح فيها بكثرة. فاستغلت الكنيسة هذه الفكرة لاستعمالها في تلاوة مسبحة "الوردية") .

 

 

شرح الصلاة

إن صلاة مسبحة الوردية هي من اجمل واهم صلاة للمسيحيين المؤمنين الذين بتعبدهم لمريم العذراء يستعرضون كل اركان ايمانهم الكاثوليكي من خلال تأمل اسرارها المختلفة .

وصلاة المسبحة لا تكون بمجرد سرد "السلام" "والابانا" من خلال المسبحة ، وانما بالتأمل العميق في كل "سر" مرافق لكل "بيت" من ابيات المسبحة ، ولا يكون سرد "السلام" او "الابانا" الا كإيقاع خلفي يرافق عملية التأمل هذه .

الملاحظ ان التأمل في كل سر يمكن ان يصل الى ما لا نهاية . ففي كل سر من العمق ما يكفي لذلك.

 

 

كيفية صلاة المسبحة :

 

1.     نبدأ بتلاوة "فعل الايمان" التي فيها نسرد قانون ايماننا الكامل .

2.     كل مسبحة تحتوي على خمسة ابيات ، حيث يقابل كل  بيت سّر من الاسرار الوردية .

كل خمسة اسرار تكمل مسبحة وتمثل مجموعة معينة من الاسرار .

 

هناك ثلاث مجموعات :

1-    اسرار الفرح .

2-    اسرار الالم

3-    اسرار المحبة

 

وكما قلنا كل مجموعة تحتوي على خمسة اسرار .

 

اولاً : اسرار الفرح :
 

1-     البشارة : وفيه نتأمل تواضع العذارء امام رغبة الله ، وتقدمة ذاتها "بحسب شارة الملاك لمشيئته" مهما كانت التضحيات والصعوبات المتوقعة .

 

2-     الزيارة : (زيارة العذراء لنسيبتها اليصابات). وفيه نتأمل في الاندفاع بالمحبة وخدمة الآخرين . الخروج عن الذات لمساعدة الآخرين واخبارهم ببشارة الخلاص

 

3-     ولادة يسوع : وفيه نتأمل في الفقر الجسدي والروحي ، في التعتير البشري وضعف الانسان . لذلك يجب عدم الالتصاق بشيء والتشبث بشيء ، والاعتماد على الله فقط .

 

4-     تقدمة يسوع الى الهيكل : وفيه نتأمل فكرة التطهير ، تطهير القلب من الانانية وحب الذات ، كذلك اللقاء مع يسوع بعد طول انتظار يغنينا عن كل شيء آخر ، فلا نعود نهتم بشيء آخر . (مقابلة يسوع الطفل لسمعان وحنه، وكلام سمعان : الآن اطلق عبدك ايها السيد )

 

5-     ابوا يسوع يجدانه في الهيكل : وفيه نتأمل في المواظبة والمثابرة والشغف والعطش المستمر للبحث عن الخلاص ، وعن الحقيقة ، وعن المسيح. يجب عدم القنوط واليأس مهما حدث ومهما تعرضنا لتجارب قاسية . فالمسيح وعدنا بالتعزية ولن يردنا خائبين .

 

 

ثانياً : اسرار الالم :

 1- صراع يسوع في بستان الزيتون : وفيه نتأمل صراع الانسان مع نفسه ليواجه اخطاءه وخطاياه فيندم عنها ندامة كاملة مع العزم الصادق على مقاومة الخطأ بكل قدرة الشخص .

 

2-     جَلْدْ يسوع : وفيه نتأمل ترويض الحواس للسيطرة على الجسد . فللجسد سلطان غرائزي هائل يجب محاربته بالقهر والتقشف والصوم . وهذا ليس هدفاً بحد ذاته ، وانما الهدف هو كبح الغرائز ليظهر ضوء الروح مضيئاً كالبلور .

 

3-     تتويج يسوع بإكليل الشوك : وفيه نتأمل قهر الميول المغرورة مثل الغرور ، التعجرف التكبر ، الحقد ، الجدل ، الشهرة والمنازعة الخ

 

4-     يسوع يحمل الصليب (درب الصليب) : وفيه نتأمل في صفة "الصبر" . فالرب لا يجربنا اكثر من طاقتنا، ولذلك يجب ان نتعلم الصبر . فذلك لا يعني بطلان التجارب ، بالعكس فهي ضرورية لنتعلم ونتمرن ونتمرس فننال نعمة التقدم على طريق "درب الصليب" .

 

5-     صلب يسوع : وفيه نجد الهداية الى المعرفة ، الى الحقيقة ، وبالتالي "التغير" الروحي أي الولادة بالروح . وهذا ينتج التغير الكامل في نمط الحياة بحيث تكون في المسيح الذي اتى لخلاصنا ، وليعلمنا عن كيفية الخلاص،أي الوصول الى الفرح الكامل .

 

ثالثاً : اسرار المجد

 

1-     قيامة يسوع : وفيه نتأمل في معنى "الايمان" . فقيامة يسوع هي الرجاء الذي عليه نعيش صليبنا جميعاً ، آملين في القيامة مثله وبه ، فنحصل على جسد جديد ممجد كمثل جسد يسوع القائم من بين الاموات وانما في الدينونة . لن نحصل عليه بموتنا البشري الجسدي وانما في الدينونة الاخيرة .

 

2-     صعود يسوع الى السماء : وفيه نتأمل كيف دلنا يسوع الى ان الطبيعة البشرية يمكنها ان تصل الى "السماء" انطلاقاً من حياتنا الارضية .

 

3-     العنصرة : وفيه نتأمل كيف "يحرق" الروح القدس قلب الانسان ، فيخترقه مغيراً اياه الى انسان جديد متواضع لا يعرف سوى محبة الآخرين وابلاغهم بشارة الخلاص .

 

4-     صعود مريم بالنفس والجسد : وفيه نتأمل "الميتة الصالحة" لكل من حيا حياة مثالية .

 

5-     تتويج العذراء : ملكة السماء : وفيه نتأمل جزاء من حيا ناسياً نفسه والمظاهر الخارجية ، وانما حياة متحدة كلياً بروح الرب وتعاليمه على رجاء القيامة .

 

 

هكذا نتلو المسبحة ، ونتأمل كل سر من الاسرار السابق ذكرها اثناء صلاة كل بيت حيث نلاحظ ان مضمون هذه الاسرار يجمع كل الاركان الاساسية للعقيدة الكاثوليكية .

 

 
 
 

 

فن التحادث مع الغير 

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 20 ك2 1984)

 

عند عقد النية على المحادثة مع شخص آخر (مسيحي او غير مسيحي) هناك عدة شرو لانجاح الحديث وجعله مثمراً .

 

اولاً :   المكان الذي سيتم فيه الاجتماع واجوائه

 

ثانياً :   يجب إظهار الاهتمام "والحاجة" الى افكار واقوال المُحادِث

 

ثالثاً :   يجب عدم التشنج في الحديث وكأننا فريقان متصارعان بل يجب التعلق مباشرة بالنقاط الايجابية عند المحادث ، أي الانفتاح في الآخر وليس الانغلاق عنه .

 

رابعاً : يجب عدم محاولة ايجاد "تسويات" ترضي الفريقين عندما يتعلق الامر بالحقائق الاساسية مثل : "كلنا نعبد إله هو نفسه" "الله للناس والوطن للجميع" ، "كل في دينه الله يعينه". وخلاصةً يجب التشبث بالحقائق العقائدية بكل فخر وعدم محاولة الاقلال من قيمتها والا نسقط في الامراض السيكولوجية والتعقيدات النفسية .

 

خامساً : يجب عدم الخوض في البحث في "اثباتات" علمية أو "فلسفية"، والافضل هو في عدم اكمال الحديث لانه سيكون مضيعة للوقت . فالله ليس اله "الفلاسفة" وانما هواله المحبة .

 

سادساً : يجب إثارة القلق في نفس المحادث عند توعيته على تعتيره ودائماً المحاورة حول هذه النقطة لانها نقطة البداية . ويجب اغراؤه في الدخول في هذه التجربة ، تجربة المحبة كما سبق وعاشها الآخرون ، وخصوصاً القديسون الذين ظهر الفرح والاستقرار جلياً على وجوههم جميعاً . ذلك لانه لا يمكن تصور النتيجة "قبل" حدوثها بمجرد التخيل . انما هي تجربة تتنامى مع الشخص بقدر ما ينجح في التحرر من ذاته والدخول في المحبة ، اي في الخلاص .

 

سابعاً : الانسان هو شخص عاقل لذلك فهو حر ومع ذلك فهو مسؤول عن تفكيره وقبول الامور ، وتحليله لها، ومن ثم اختياره النهائي للطريق التي سيعتمدها لحياته . وهذه الحرية هي عائدة للواقع الذي خلقه الله فيه اذ خلقه"على صورته"أي كائن عاقل وحر يختار الخير ويبتعد عن الشر .

 

 

 

 

الظهورات وفائدتها

 

 

(توضيح للأب مالك خلال اجتماع 19 تموز 1985 عن الظهورات وفائدتها)

 

يحدث كثيراً أن نسمع أن العذراء  ظهرت لفلان أو المسيح ظهر لآخر... الى آخره من هذه الأخبار التي تولد شغفاً شديداً بين الناس تؤدي في النتيجة الى البلبلة، والقوع في تأويلات وتفسيرات اعتباطية كثيرة.

 

توضيح:

 

الظهور يكون إما حقيقياً، وإنما بالإنخطاف بالروح (par extase) ، وفي كلتا الحالتين فإن الظهور بحد ذاته لا يمنح الذى تم الظهور له أية أهمية خاصة على الصعيد الروحي، ولا يعني إطلاقاً أن هذا الشخص ارتقى أو يرتقي الى مرتبة القديسين. فقد قال القديس جان دو لا كروا (وهو الذي كانت تظهر له العذراء حقيقة) بأن كان الظهور له لأنه في أشد الحاجة للحنان والرحمة لكثرة خطاياه، أكثر من باقي الناس الذين ليسوا بحاجة لمثل هذا الظهور!!!.  أي أنه لم يعط للظهور بحد ذاته أية أهمية على صعيد خلاصه الروحي، بل على العكس، فقد جعل هذا الظهور يعود الى كونه أقل رتبة من الذين لم تظهر لهم العذراء.

 

بصورة عامة، فقد ورد في رسالة القديس بولس الى أهل كورنتس أن مواهب الروح القدس : الوعظ، إقامة الموتى، عمل المعجزات، الرؤى، الإنخطاف بالروح ... الخ، كلها لا تنفع صاحبها بشئ بالمرة، وإنما هي أمور تنفع الآخرين لنشر البشارة... أما السخص بحد ذاته، فلا ينفعه سوى مجهوداته الشخصية على الصعيد الروحي في السلوك على درب الصليب والنجاح في أعمال المحبة.

 

فمثلاً، بخصوص القديسة برناديت التي كانت تظهر لها العذراء في لورد، نلا حظ أن الكنيسة لم تذكر أبداً هذه الظهورات كحجة لإلان قداسة برناديت، وإنما أعلنتها قديسة بسبب أعمالها وتواضعها ومحبتها وتفانيها في خدمة الآخرين. أما ظهور العذراء لها فكان لهدف آخر، وهي أنها "حبل بها بلا دنس"، حيث كان ذلك لفائدة الكنيسة جمعاء وليس برناديت بصورة خاصة.

 

وللتأكيد على هذا التوضيح نجد المسيح نفسه يقول في إنجيل متى الفصل السابع في خطبة الجبل حين قالوا له: ألم نتنبأ باسمك، ألم نعمل الأعاجيب باسمك ... الخ، فكان جوابه لهم: أنا لم أعرفكم قط... الخ. وهذا يعني أن المواهب بحد ذاتها، حتى ولو كانت فذّة وفائقة للطبيعة، فهي لا تفيد صاحبها بشئ، وإنما أعطيت له لإستعماله كأداة لفائدة الكنيسة جمعاء. أما صاحب الموهبة، فيجب عليه أن يقوم بأعمال المسيح ويدخل شخصياً في المحبة، وإلا فائدة له من كل مواهبه التي تظهره بمظهر خارق في عيون الآخرين.

 

 

 
 
 

 

وثيقة "لاهوت التحرير والحرية الدينية"

La liberté Chrétienne et la Libération

 

 

(شرح كما ورد في محاضرة للأب مالك اليسوعي في نيسان 1986)

 

·        في 22 آذار سنة 1986 صدر في الفاتيكان وثيقة هامة حول "لاهوت التحرير والحرية الدينية" ، وهي تعتبر تعديلاً وتوضيحاً هاماً لموقف الكنيسة الكاثوليكية للوثيقة التي كانت قد صدرت في ايلول سنة 1984 في نفس الموضوع ، والذي يدور حول النزعة التحررية التي اتخذتها الكنيسة تأييداً لحركات التحرير في العالم اجمع ضد الطغيان والخرق الفادح لحقوق الانسان الاساسية .

 

·        وجدير بالذكر ان نحلل فيما يلي الظروف الاجتماعية والسياسية المختلفة التي ادت الى ظهور حركات التحرر في العالم ، وبالتالي تطور موقف الكنيسة من هذه الحركات .

 

·        فبعد الحرب العالمية الثانية بقليل ، بدأ العالم يميل الى الاستقرار العام ، وانتشرت البحبوحة، وساد التفاؤل في كل المعمورة .

 

ففي الستينات عم الثراء في الكثير من البلدان الاوروبية والاميركية ، مما جعل البلاد الاوروبية في حالة ارتخاء وتخمة نسبية جعلت العديد من الكتاب والمؤلفين وحتى اللاهوتيين يكتبون الكثير من الكتب المتفائلة ، والتي تحمل في مضمونها السعادة والرفاهية والبحبوحة في المستقبل القريب والبعيد .

 

ترجمت هذه الكتب الى العديد من اللغات العالمية فوصلت الى بلدان التخلف النسبي في العالم الثالث في امريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا حيث قرأها الكثيرون من الشباب الغيورين على حريتهم وحقوقهم الانسانية ، فقرأوا عن بحبوحة الآخرين في حين هم في عبودية وطغيان ، فنبتت في عقولهم فكرة التحرر من قيود الطغيان واللاحرية التي يقاسونها للوصول الى سعادة ورفاهية البلدان الرأسمالية او الاشتراكية الاوروبية ، ولذلك قامت حركات تحريرية مختلفة للخروج من عالم التخلف والدخول في العالم المتمدن ، فبدأوا بثورات في البرازيل ونيكاراغوا وغيرها .

 

لذلك يجب القول ان لاهوت التحرير هو جوهرياً افكار مسيحية كاثوليكية نشأت في عالم مختلف لحثه على الخروج من تخلفه المادي والمعنوي .

 

ولكن وبكل اسف ، فقد نشأت هذه الافكار بصورة فوضوية وغير منظمة ، اذ ان هذا العالم الثالث نفسه لم يكن مستعداً او مهيئاً للتمييز فيما يجب قبوله او رفضه من هذه الافكار ، اذ هي ليست نابعة منه وانما مستوردة اليه، كما انه لم تتواجد قوات نظامية متفهمة لهذه الافكار ، او مستعدة لتسلم مقاليد الحكم عن التغيير ، لذلك كانت هذه الثورات على هيئة اضطرابات فقط ولم تصل الى غايتها الاساسية من التغيير .

 

وهنا وجدنا ان الكثيرين من الاساقفة كانوا مضطرين لمجراة هذه التحركات . فماذا يكون موقفهم ؟ الناس يطالبون بإحقاق حقوقهم ، ولكنهم لا يعرفون كيفية الحصول على هذه الحقوق

في هذه الاجواء اصدرت الكنيسة في ايلول سنة 1984 وثيقتها الاولى عبر هذا الموضوع، والتي بينت فيها قبولها لافكار التحرير ، ولكنها حذرت من الفوضى والاضطرابات مؤقتاً الى ان تصدر وثيقة ثابتة فيما بعد ، تبين الموقف النهائي للكنيسة من هذا الامر ، وهي الوثيقة الحالية التي صدرت في 22 آذار سنة 1986 حيث بينت فيها موقفها النهائي .

 

يبدأ تعليم هذه الوثيقة بالكلام عن حرية الشعوب ، وعن حرمة كرامة الانسان ، وان الكنيسة تبارك السعي وراء الحرية والكرامة وحقوق الانسان . فالكنيسة هي قبل كل شيء كنيسة الفقراء والمعوزين ولا يمكنها ان تدافع عن الاشخاص "المتسلطين" على الآخرين بل بالعكس .

 

ويُثبت هذا التعليم ان الكنيسة لا يمكنها ان تكون غائبة عن الصعيد الزمني . فهي تهتم جوهرياً بالصعيد الروحي ، ولا يمكنها ان تتغاضى عن الصعيد الزمني في الوقت نفسه . فالانسان هو روح وجسد ، وللجسد شروط ضرورية يحتاج اليها لمساعدة الروح على البقاء سليماً ، والا عاش في وهم قاتل .

 

والقاعدة الاساسية التي يرتكز عليها هذا التعليم هو "الحق" فالحق يجعلنا احراراً ، والحق هو المسيح الحي في كنيسته التي بناها على بطرس ، وهي اساس كل حرية ، ويجب الدفاع عنها حتى ولو بقوة السلاح ، بعد استنفاذ كل الوسائل الاخرى .

 

والدخول في الحق ليس سهلاً بالمرة ، اذ علينا المرور في الصليب اولاً ، وهو صليب الخروج من الذات فإذا لم نواجه الخطيئة سنقع في اليأس التام ، وهذا ما واجهته حركات التحرير المختلفة فمن ينكر ان نظام غواتيمالا او نظام شاه ايران هي انظمة فاسدة ، والشعوب تريد تغيير الانظمة الفاسدة  ، ولكنها لا تعلم بأي نظام تستبدلها ؟‍‍‍‍!!

فهي تريد التغيير ولكنها لا تعلم بماذا ؟!!!

لذلك يجب ان تكون قواعد التغيير هي معروفة وثابتة :

فالحرية المنشودة هي حرية المشاركة مع الله ، وليست الحرية المطلقة ، اذ لا يمكن ان نكون احراراً الا بتكاملنا مع الله في تعاليمه ، والا حريتنا منحرفة ومتطرفة ونغرق في متاهات مظلمة .

اما حرية الله فهي النور والحق ، لذلك لا يجب الاحتفاظ بها لانفسنا واحتكارها ، بل يجب ان ننشرها بين الآخرين ايضاً ، وبذلك نكون نشع نور المسيح بين الشعوب .

 

والنقطة الهامة الاخرى هي مركز الفقير في المجتمع . فالكل يجب ان يعيش في روح "الفقر" وبذلك يكون المال للجميع والفقر هو "التجرد" فالفقير هو "المتجرد" وعلينا التمييز بين الفقر والبؤس . والفقير هو من يحارب البؤس اذ الفقير هو من كان سعيداً بتجرده وبعيداً عن الجشع وغير متعلق بالامور المادية . فقيمة

الانسان ليست بماله، وانما بما يملكه من كيان وشخصية .

لذلك فمن كان غنياً بالمال يمكن ان يكون فقيراً بالروح . وهذا ما عناه يسوع حين قال طوبى للفقراء أي لمن هم غير متعلقين بشيء.

 

لذلك فإن الكنيسة تهتم كثيراً بحرية الانسان وكرامته ، فإذا اهدرت الى درجة لا تطاق ، يجب عليه ان يثور ، والكنيسة تدعمه وتؤيد دفاعه عن حريته وكرامته ، ويمكن استعمال كل الوسائل المختلفة لنجاح هذا الدفاع ، حتى ، وعند الضرورة القصوى استعمال السلاح الذي ، بكل اسف ، يؤدي الى القتل ، فالغاية هي ليست القتل بحد ذاته ، وانما الدفاع عن الحرية والكرامة والكيان .

 

فالعمل العسكري لا يتنافى مع المحبة ، وانما هو عمل احتياطي وهام وضروري لا يتعارض مع "المحبة" .

وصحيح ان يسوع قال : من ضربك على خدك الايمن در له الايسر ، انما هو يعني عدم ضمر الضغينة والحقد عليه ، وانما يجب عقابه اذا استحق العقاب .

 

فالسارق يسرق ، ولا نضمر له الحقد والضغينة ، نفهم ضعفه ويمكننا مسامحته ايضاً ، ولكن في حدود منطق حجم جرمه . فإذا كان حجم سرقته او جريمته كبيراً يجب عقابه ومحاكمته .

اما القاتل الذي يهاجمك بقصد قتلك ، فلا يمكنك الاستسلام له بحجة "ادر له خدك الايسر" والا تكون غبياً كل الغباء

 

بل يجب ان تدافع عن نفسك منه بكل الوسائل حتى ولو قتلته آسفاً بعد كل المحاولات الاخرى الممكنة ولكن المهم هو عدم اضمار الحقد او الكره او الضغينة له ، وانما مع فهم ضعفه الكامل ، والاستعداد لمسامحته اذا طلب الغفران وتاب مثلاً مع محاولة ارشاده الى طريق النور والحق . وينتهي التعليم بنشيد العذراء : تعظم نفسي الرب .

 

 

 

الفرق بين السلام والاستسلام

 

 

(تفسير للأب جبرائيل مالك في رياضة روحية بتاريخ 24 شباط 1985)

 

عندما قال "يسوع" طوبى للساعين إلى "السلام" كان يعني الذين يرغبون ويسعون إلى السلام وهذا مخالف تماماً عن معنى "الاستسلام"، إذ لا معنى هنا لكلمة "الساعون" حيث لا يمكن أن يسعى الإنسان للاستسلام!!!

 

هذا التوضيح هو هام جداً. فالكثيرون من قادة الجيوش في الماضي أُعلِنت قداستهم . والكنيسة تؤيد بشدة الرغبة والسعي إلى السلام ، ولكنها ترفض الاستسلام. إذ من الغباء المتناهي أن يكون الإنسان راكداً ومستسلماً أمام محاربته أو محاولة إزالته من الوجود.

 

 ونذكر على سبيل المثال صلاة "الوردية". فصلاة "الوردية" تأسست عندما انتصرت الجيوش المسيحية على الجيوش الاسلامية سنة 1571 . ومنذ ذلك الوقت تقام ذكرى لعيد مسبحة الورديةNotre Dame du Rosaire

 

لذلك فالمحبة في المسيحية ليست "البلاهة" "والجدبنة". إذ يجب على الإنسان أن يكون قوياً بقوة مادية ذات وزن قوي ليستطيع الدفاع عن نفسه إذا لزم الأمر . وهذا يختلف عن التشبه بحياة يسوع المسالمة ، لان يسوع كان فرداً واحداً جاء لكشف بشارة الخلاص وتنفيذ سر الفداء . أما الجماعة، فلها تكوين جماعي واجتماعي خاص بها حيث يجب أن تتقوى لتدافع عنه .

 

وقد اثبت التاريخ أن المسيحية La Chrétienté (وليس الدين المسيحي) ، اندثرت حيث لا يوجد إيمان، وحيث اصبح الشعب المسيحي قبيلة لا تفهم معنى إيمانها لتدافع عنه وعن كيانها .

 

ومن الطبيعي ألا يكون الشعب كله مؤمناً ، بل عادة توجد أقلية بين هذا الشعب تمثل الخميرة التي تقوي الشعب كله. أما نسبة المؤمنين في شعب ما فتتراوح ما بين 25 و 30 % ، وهم يجعلون طابع الشعب العام طابعاً كاثوليكياً .

وفي لبنان (إذا نظرنا إليه من الناحية الاجتماعية) ، نجد أن 30 % من الشعب هم كاثوليك ، ومع ذلك فنسبة المؤمنين (بكل معنى الكلمة) هي اقل بكثير من ذلك بسبب النقص الهائل في الكرازة .

وتوزيع الـ 30% الكاثوليك في لبنان هو كالاتي :

75 % منهم موارنة

20 % منهم روم كاثوليك

5 % منهم طوائف اخرى : ارمن كاثوليك ، سريان كاثوليك ، اقباط كاثوليك وكلدان كاثوليك .

 

وللعلم، فإن عدد الكاثوليك في الشرق يمثل اقل من 1 % من كاثوليك العالم . ويبلغ عدد كاثوليك العالم مليارا حيث 6/1 العالم هو مسيحي ، وحيث اكثر الاديان انتشاراً هي الكاثوليكية (سوسيولوجياً) .

 

ملاحظة هامة:

 يجب الا نعتبر انفسنا في لبنان (او الشرق الاوسط) بأننا "اقلية" مسيحية. فإن كلمة "اقلية" توحي "بقلة" القيمة او الوزن، وتؤدي للاحساس بالتحقير مثلاً، وهذا خطأ فادح، لأننا "شعب الله". وباعتبارنا شعب الله يجب ان ننفتح على الآخرين لادخالهم في فرح الرب بعرض البشارة عليهم ، وبذلك نكون نحن "الخميرة" او"ملح الطعام"، حيث أقلية الملح تملح الطعام كله، واقلية الخميرة تخمر العجينة كلها . لذلك، ومن هذا المنطلق يجب ان نعتبر انفسنا شعب الله وخميرة باقي    الشعوب وليس اقليتها.

 

 

 
 
 

معنى الوحدة المسيحية (لا التوحيد)

 

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 25 ك2 1986)

 

منذ الخطيئة الاصلية ، حدث خلل في الطبيعة البشرية ادى الى انقسام داخلي في الناس فأصبحوا اسرى لنزعات مختلفة وقيود عديدة ادت الى انقسامهم عن بعضهم بحيث اصبح هذا الانقسام ظاهرة واضحة ومتوقعة بين البشر وحتى الشعوب ، ومن بينهم طبعاً المسيحيون .

 

هذا الانقسام لا يزول ويصبح "وحدة" الا بسر الفداء ، أي سر موت المسيح على الصليب ، والذي من خلاله علّمنا يسوع كيفية الخروج من هذا الانقسام ، ودلنا على "طريق الحق والحياة" من خلال حملنا الصليب بدورنا من خلال المحبة لبعضنا البعض

(راجع قسم المحبة وقسم الخلاص)

 

وقد تنبأ قيافا بصفته كبير الكهنة بهذا السر حين قال انه يجب ان يموت واحد عن الجميع. فبموت يسوع يُجمع البشر (راجع يوحنا 18 رقم 14)

 

ومن جهة اخرى اوضح لنا يوحنا في انجيله (الفصل 21 رقم 11) صورة "الوحدة المسيحية" في مثل رائع عن بطرس حين رمى الشبكة فأخرج 153 سمكة !!! طبعاً لم يكن العدد 153 بالضبط وانما المقصود هو 153 نوع من السمك ، وهو رمز على ان الكنيسة ستضم كل اجناس البشر بدون ان تنقطع الشبكة (أي الكنيسة)

 

وهام جداً ان نفهم ان الوحدة لا تستوجب "التوحيد" أي التماثل بين الاشخاص ؟!!! بل بالعكس تماماً ، فهم يتكاملون من خلال تمايزهم . “L’unité et pas l'uniformité”

 

فالفروقات بين البعض لا تفرق ، وانما تجمع وتتكامل . فهذا يعرف موضوعاً ما لا يعرفه الآخر ، وانا اعرف نقطة ما لا يعرفها ثالث وهكذا نتكامل كخلايا متفرقة تؤلف جسداً واحداً متكاملاً هو جسد الكنيسة.

 

والكمال يكون على الصعيدين المادي والروحي .

 

فعلى الصعيد الروحي مثلاً لا يمكننا ان نجد رهبنة تجمع كل المواهب. فكل رهبنة لها مواهبها وقوانينها وروحانيتها لذلك هناك العديد من الرهبنات كلها مواهب مختلفة ، وكلهم يعملون في اتجاه المسيح وهو طريق "واحد" ، كلهم موحَّدين في المسيح ، مما يدل على غنى المسيح .

 

اما على الصعيد المادي والفكري ، فإننا نجد ان الصفات العقلية للشعب الفرنسي مثلاً تختلف عن تلك التي للشعب الالماني او الانغلوسكسوني او اليوناني او الاغريقي الخ فالوحدة لا تلغي الفوارق ، بل تغني كل هؤلاء بالمواهب المختلفة بالتبادل والتكامل فنشكر الرب جميعاً بتكامل بعضنا فيكتمل فرحنا ويتكامل فيفرح بنا الرب يسوع .

 

الانقسام علامة المرض ، والوحدة هي علامة الكمال . ولنذكر صلاة يسوع حين قال: اجعلهم واحداً كما نحن واحد ليكون فرحي فيهم .

 

وبمراجعة انجيل يوحنا 11 ، نجد كلام قيافا انه "يجب ان يموت واحد عن الجموع" ، يأتي بمثابة نبوءة بصفته رئيس الكهنة عن ان موت المسيح يجمع ويوحد كل البشر

 

 
 
 
 

 

صلاة ميــــــــــــلاس

 

مقدمة:

 

كتب هذه الصلاة الأب جبرائيل مالك اليسوعي مؤسس حركة ميلاس ليعبّر من خلالها عن نهج الحركة ومفهوم إلتزامها بالعقيدة المسيحية وكيفية تطبيقها عملياً. وبذلك يتذكر الأعضاء هذا النهج وهذا الإلتزام في كل مرّة يتلونها. وهي مكتوبة بشكل مرطز جداً مملوء بالمعاني الحقيقية والعميقة التي يتوجب على كل مسيحي الإلتزام بها وقطع العهد والعزم على تطبيقها في حياته اليومية. 

 

الصلاة

 

 

أيّها الرب يسوع ...

أنتَ الطّريقُ والحقُّ والحياة ...

مخلّصُ العالم، وكلّ إنسانٍ شخصيّاً وبالذّات ...

 

أعطني أن أدخل دائماً أكثر فأكثر في "الطّريق"، أي في المحبّة، ففي الصليب، الذي هو اختيارٌ حرٌّ للخروج من الذّات، إختيارٌ طوعيّ لعطاءِ الذّات بكاملها إليك يا يسوعُ ابن الإنسان ، ربّنا وإلهنا ، الذي يجب أن أراه وأخدمه في كلّ قريب محتاج، خصوصاً على الصّعيد الروحي، حتى إذا كان كان هذا القريب هو عدوٌّ لي...

 

أعطني أن أتعرف أكثر فأكثر إلى "الحقّ"، أي إلى النور فإلى الإيمان ... الذي هو أكثر من مجرّدِ ثقةٍ بك، إنه "المعرفة"، والمعرفة هي قبولُ العقلِ والإرادةِ باختيارٍ حرّ لما تكشفه لنا من أسرارِ الله وأسرارِ الإنسان، في ، وبواسطة كنيستك حيثُ أنت حيٌّ فيها...

 

أعطني أن أنمو أكثر فأكثر في "الحياة"، أي في الخلاص، ففي الفرح:

·        تخلّصُني من الجهل لتدخلَني في المعرفة...

·        تخلّصُني من قيودي لتدخلَني في الحرّية...

·        تخلّصُني من صراعاتي الداخلية لتدخلَني في الوحدة معك... وبقدر ما هي معك تكون مع نفسي و مع قريبي...

·        تخلّصُني من اضطراباتي لتدخلَني في السّلام، سلامِك أنت ...

·        أي تخلّصُني من بؤسي ومن "تعتيري" لتدخلني في الكمال الذاتي،،، في كمال الفرح، فرحك أنت بالذات.

 

وهكذا، بنعمتك، وبك، ومعك، وفيك، سأكون دائماً أكثر فأكثر:

·        إنساناً مصلوباً وبالتالي قائماً من الموت...

·        مصلوباً للعالم، وقد ضحّى وزهد بالعالم...

·        مصلوباً للإنسان القديم ... وقد أماته في جسده و في عقله ...

·        قائماً، متحوّلاً إلى إنسانٍ جديدٍ يحيا لك يا من مات وقام من أجلي ...

 

فأُصبح لك شاهداً حقيقيّاً ... مجاهداً حقيقيّاً ... رجلُ نورٍ وقوّةٍ في الإيمان والرجاء والمحبّة ... وبقوّة نور ونار الروح القدس، أقدِّم نفسي طوعاً للخدمة الروحيّة لكلّ الناس، الذين هم أخوتي بك، أيها الإبن الوحيد والمخلّص الوحيد ، وذلك من أجل مجدٍ أكبر وأعظم لله أبينا السماوي.

 

وهكذا ستعطني دائماً أكثر فأكثر، أن أنموفيك، لأستطيع من خلال حقّ حريّة المعتقد والتنافس الرّوحي، أن أبشّر بك، إن بالكلمة وإن بالممارسة الحياتية، فتعطيني أن أجذب إليك أخوةً جدُدٌ شهودٌ حقيقيّون لك أيها المسيح، فنحيا جميعاً مشعّين بكل حرّية فرحَك المتدفق من صليبك المحيي إلى الأبد.

 

  عودة الى فهرس شروحات الأب مالك