المجموعة الأولى

 
 
 
 
 
 
 

المجموعة الأولى

 

شروحات معمّقة للعقيدة المسيّحية بشكل عام، والكاثوليكيّة بشكل خاص

 
 
 
 
  
 

ما هو الإيمان الكاثوليكي؟

 

 

 

في كرازة ضمن رياضة روحية سنة 1981 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي معنى الإيمان المسيحي الكاثوليكي على الشكل التالي:

 

 

مقدمة:

 

قبل استعراض النواحي التي أثارها الأب مالك ليبرز المعنى الحقيقي للإيمان الكاثوليكي، يستحسن بنا مراجعة مضمون معنى "الإيمان" كما تعلمه الكنيسة الكاثوليكية في تعليمها المسيحي الأساسي.

 

(1814) الإيمان هو فضيلة روحية نؤمن بواسطتها إيماناً مطلقاً بوجود بالله تعالى وبكل ما قاله وما كشفه لنا من حقائق وأسرار، كذلك بكل ما تعلّمه الكنيسة المقدسة بإلهام من الروح القدس، لأنه هو الحقيقة بعينها.

فبالإيمان يستسلم الإنسان كلّية لله تعالى. لذلك يندفع المؤمن عفويّاً وباختيار حرّ ليتعرف على مشيئته ويعمل بها. "فالإيمان الحي يظهر بأعمال المحبة" (غلاطية 5،6)

 

الإيمان في تفسير الكنيسة الكاثوليكية هو فضيلة ونعمة روحية مطلقة. وهو ليس ثمرة مجهود عقلاني بشري، وإنما هو هبة ونعمة من لدن الله تعالى. وهذا ما يذكرنا به تعليمها المسيحي الأساسي: "فالمعمودية هي سر الإيمان" (...) حيث يُسأل المعمّد أو أشبينه:  ماذا تطلب من كنيسة الله؟ فيجيب: الإيمان.

 

لذلك فمن المؤكد حين يطلب الراشد المعمودية أن يكون سر الإيمان قد عمل في نفسه بواسطة الروح القدس قبل ممارسة المراسيم التقليدية المرافقة. أمّا إذا ادّعي الإيمان ورفض المعمودية، فيكون في وهم كبير، كاذباً على نفسه وعلى الله.

 

بعد هذا التوضيح الأساسي عن معنى الإيمان بحسب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، يمكننا قراءة المقصود من شروحات الأب مالك التي تمحورت حول التنبيه عن الالتباس الخاطئ عن فهم معنى الإيمان بدمجه بأمور اجتماعية أو نفسية أو حتى عقلانية.    

 

 

وفيما يلي نورد ما شرحه الأب مالك:

 

سنبدأ أولاً بصفات النفي، أي ما ليس هو الإيمان:

 

الأحاسيس والانفعالات:

 ليس للأحاسيس والإنفعالات العاطفية أية علاقة بالإيمان. فذرف الدمع أمام تمثال العذراء أو صليب يسوع مثلاً لا يتعلّق بموضوع أو مضمون أو معنى الإيمان المسيحي لا من قريب ولا من بعيد.

 

التتابع بالوراثة:

 إكتساب صفة المسيحية لإبن ولد من أبوين مسيحيين لا يعني إطلاقاً أنه قَبِل الإيمان! فالإيمان المسيحي لا يورث وإنما يُقبل طوعاً.

 

ممارسة الشعائر:

ممارسة الشعائر الدينية المختلفة مثل حضور القداس وإنارة الشموع  والالتحاق بالحركات الروحية والرسولية لا تعني بالضرورة أن صاحبها هو مؤمن، فكل ذلك لا يدل إلا علامات خارجية وليس على علامة إيمان، إذ ليس الإيمان هو في ممارسة هذه الشعائر و "العادات"

 

اعتناق المسيحية:

عتناق شخص ما المسيحية لانه وجد في مجتمع مسيحي لا يعني بالضرورة أنه أصبح مؤمناً. فالإيمان المسيحي لا يكتسب بالتبعية الاجتماعية، أو باعتناق المسيحية لأسباب اجتماعية.

 

بالعلم والفلسفة!:

لا يمكن بتاتاً أن يأتي الإيمان المسيحي عن طريق علوم فلسفية أو نظريات علمية أو أبحاث تؤول بصاحبها إلى نظرة معينة عن كائن أعظم سامي خالق لهذا الكون. ليس هذا هو الإيمان المسيحي  بتاتاً ولا يمكن أن يكون كذلك. إذ يذكّرنا المجمع الفاتيكاني الأول  بأن الكنيسة المقدسة تعلمنا أن الله الذي هو "الأول والآخر" لكل شيء،  يمكن التعرّف عليه بواسطة العقل المفكّر من خلال الخلائق والظواهر التي تحيط بنا. ولكن ذلك ليس هو الإيمان. لأن هذا التعرف يتأتى عن قناعة فلسفية بحتة كما حدث تماماً مع الفيلسوفين الشهيرين أفلاطون وأرسطو اللذين توصلا إلى هذا الترجيح عن وجود اله خالق لكل هذه الظواهر.  إلا أن ذلك ليس هو الإيمان.

 

التمدّن والحضارة:

ليس للإيمان المسيحي أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد بما يسمى التمدن والحضارة. فكلها تتغير مع الزمن. أما الإيمان المسيحي فهو فثابت لا يتغير مدى الدهور.

 

الفرض بالقوّة:

لا يفرض الإيمان بأي نوع من أنواع القوّة أو الإستقواء، حتى من الله نفسه. فإمّا أن يقبل الإيمان أو يرفض بكل حرّية وقناعة شخصية بحتة.

 

التعصّب الديني:

التعصّب الديني هو صورة اجتماعية سوسيولوجية، وليست له أية علاقة بمعنى الإيمان. فعلى العكس تماماً، الإيمان هو بعيد كلّ البعد عن التعصّب الديني.

 

ليس هو منطق أخلاقي:

ليس الإيمان المسيحي هو نتيجة لمنطق أخلاقي مثل النهي عن السرقة أو النهي عن القتل مثلاً، فحتى حفظ الوصايا العشرة لا يعني أن الشخص أصبح مؤمناً. إذ أن حماية الأمن الإجتماعي والأخلاقي هو من اختصاص الدولة بأجهزتها المختلفة.

 

القناعة بوجود اله:

ليس للإيمان المسيحي أية علاقة بقناعة الإنسان بوجود "إله" خالق للكون يمكن استنتاج وجوده من خلال انبهاره بمظاهر الطبيعة وسائر الخليقة الحية. فالشيطان نفسه يؤمن بوجود الله.

 

 

إذن فما هو الإيمان المسيحي؟

 

الإيمان المسيحي هو قبول البشارة الحسنة التي بشّرنا بها يسوع المسيح و"الإيمان بها".

 

بشارة تنبؤنا عن وجود "طريق" جديدة يمكن أن تؤدي بنا إلى الخلاص من بؤسنا البشري، هذا البؤس الذي يعذب جميع البشر بدون استثناء، ويقيدهم بقيود مفروضة عليهم منذ ولادتهم. 

 

فهذا يولد ذكراً، وهذه تولد أنثى،،، هذا ذكي وذاك غبي،،، هذا مريض وهذا سليم،،، هذا يشيخ وذاك يموت،،، هذا مهندس وذاك طبيب، هذا في لبنان وذاك في فرنسا ...الخ الخ. كلها وقائع وقيود تفرض على الإنسان منذ ولادته وأثناء حياته وحتى مماته،،، تقيد ظروفه وتتحكم في تفكيره ونمط حياته،،، ناهيك عن الإختلافات في الآراء وحب المال والجاه والسلطة والكبرياء والغرائز وغيرها وغيرها ... كلها قيود هائلة تكبّل الإنسان برمّته وتجعل تفكيره متضارباً ومتناقضاً في صراعات عسيرة ومريرة، أي تجعله في حالة بؤس وتعاسة ما بعدها تعاسة، وشقاء ما بعده شقاء، ونزاع داخلي وخارجي يعذبه الى ابعد مدى. فمن يخلّصه من هذه القيود الهائلة المفروضة عليه، ومن يخلصه من هذه الخلافات والتضاربات الداخلية منها والخارجية؟؟؟  أي من يخلّصه من هذا "التعتير" البشري؟؟؟

 

وهنا يحاول العلماء والفلاسفة جاهدين أن يجدوا جواباً لهذا السؤال فلم يجدوا.

بحثوا وتعمّقوا فلم يجدوا أية نظرية أو معادلة تستطيع أن تخرج الإنسان من هذه الحالة المذرية لتنقله إلى حالة استقرار وهناء! وبعد سنين طويلة من البحث والتدقيق وجد سقراط الجواب: أن ليس هناك من جواب !!!

 

واحد فقط في العالم بشّرنا (ببشارة فرح) حين كشف لنا عن الجواب. إنه يسوع المسيح.

 

فقد كشف لنا أننا أتينا من الله، الذي هو محبّة كاملة.

أمّا سبب تخبطنا في هذا البؤس والتعتير البشري فهو ناتج عن مدى بعدنا عن "المحبة". لذلك فخلاصنا هو بكل بساطة بالعودة إلى المحبّة. محبة بعضنا لبعض حبّاً بالله بذاته. وعندها فقط نحس بانفراج داخلي تام واستقرار عام في نفوسنا، وبالتالي نحس بفرح حقيقي داخلي لا يضاهيه فرح، إذ هو فرح الله نفسه، وتتحول قيودنا إلى أدوات لتنفيذ أعمال هذه المحبة.

 

ولكن كلمة "محبة" على بساطتها هي من أصعب الأعمال على الإطلاق. إذ لا يمكننا ممارسة المحبة إلا بعد المرور بصعاب شخصية هائلة تمثّل في الواقع "الصليب" الحقيقي الذي يجب أن يتحمّله كل إنسان ليتمكن من قهر ذاته والتغلب على أنانيته بالدرجة الأولى قبل أن يقدم على أعمال المحبّة.

 

لذلك ، وبناء على ما تقدم، قامت الكنيسة الكاثوليكية بوضع النص الكامل المُقِرّ لمعنى الإيمان المسيحي بشكل عام، و الكاثوليكي بشكل خاص، وهو نص قانون الإيمان الذي نتلوه في القداس (نؤمن بإله واحد)، والذي نُقِرّ فيه بالمثال الأعلى للمحبة، وهو في سر الفداء، حيث أحبّنا يسوع حبّاً عظيماً لدرجة أنه بذل نفسه على الصليب لأجل خلاصنا، ثم قيامته ممجّداً. وبذلك يكون خلاصنا هو في واقع صلب يسوع عنا ثم قيامته منتصراً من بين الأموات، وفي فهما الكامل لهذا الواقع كحقيقة وكمثل أعلى في عمل المحبّة التي تنتصر في النهاية بعد المرور بدرب الصليب.

 

وجدير بالذكر أن الإيمان المسيحي لا يعتمد على العلم أو الفلسفة أو الحكمة، وإنما يعتمد على الكشف الإلهي المباشر لهذا السر وإيماننا المطلق به. فليس من يضمن صحّة هذا الكشف إلا إيماننا المطلق بشخص المسيح فقط، وبنعمة من لدن الآب. وكلمة الكشف المباشر تعني مباشرة من فم يسوع المسيح شخصياً، أو من الروح القدس عبر الكنيسة، وليس عن طريق "الإلهام أو "الوحي" . فهذه تعابير تستعمل في ديانات أخرى مثل الإسلام، ولكنها لا تعني كشف سر الإيمان المسيحي. لذلك يقول المجمع الفاتيكاني الأول أن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أن الإيمان، الذي هو بداية الخلاص، هو فضيلة غير طبيعية تأتي بنعمة خاصة من الله تعالى، نؤمن بواسطتها بما كشفه الله لنا بالكشف الإلهي وليس بإثباتات ملموسة أو عقلانية يستنتجها العقل البشري. فالإيمان هو إذن إيمان حر ومطلق بما تعلمه لنا التعاليم المسيحية بواسطة سلطة الله بالكشف الإلهي، وهو الإله الذي لا يغش ولا يُغش.

 

يهمنا هنا أن نذكر أن عقائد الإيمان لا تتغير ولا تتجدد عبر الزمن أو مع التفكير المتجدد بالتمدّن. فمثلا: نذكر أن العقيدتين اللتين أقرتا أخيراً في القرن التاسع عشر عن "الحبل بلا دنس" و"صعود العذراء بالنفس والجسد" كانتا معروفتين من ذي قبل عبر الدهور بشكل غير جلي وواضح، لذلك لزم إقرارهما بشكل يقين ونهائي. وعلى ذلك فهما ليستا جديدتين أو مستحدثتين، وإنما أقرّتا أخيراً لحزم الأمر وإقراره. 

 

لذلك، وبناء على هذا الكشف المباشر من يسوع المسيح شخصياً، فإن أي إله لا يحمل صفة المحبّة لا يعنينا، ونحن لا نؤمن بهذا الإله حتى ولو كانت له صفات أو قدرات أخرى، كمثل الإله الذي استنتجه فولتير بعقله حين آلت به قناعاته إلى وجود "قوّة" ضابطة للسماوات والأرض. لذلك لا يمكن أن نقول أن فولتير هو مؤمن إيماناً مسيحياً، لأنه خلق بنفسه إلهاً من اختراع عقله.

 

أمّا كلمة "مؤمن" بصورة لغوية مطلقة، فهي تعني كل من آمن برسالة سماوية جاءت عن طريق "الكشف" الإلهي كما عند المسيحيين، أو "الوحي" الإلهي عند المسلمين، أو الإتصال المباشر عبر الأنبياء عند اليهود.

 

بناء على كل ما تقدم، وبعد أن فهمنا المعنى المقصود من كلمة الإيمان المسيحي، يجب أن نراجع أنفسنا بعمق وصدق لنعرف أن نفصل جدياً ما بين مدى تطبيقنا العملي والمتواصل من خلال حياتنا اليومية لهذا الإيمان عبر محبتنا الكاملة واندفاعنا لخدمة ومساعدة القريب المحتاج، وبين مجرد ممارساتنا  للشعائر والطقوس الدينية والكنسية بانفعالات وحركات روتينية فقط.

 

 

ملاحظات هامة:

 

1.     إن كلمة إيمان تعني الإعتقاد أو القناعة التامة بموضوع ما بدون أي إثبات علمي أو بشري.

2.     يفهم ألأكثرية العظمى من الناس أن الإيمان يتعلق وجود اله (فقط) فيقال أن فلان هو مؤمن بالله. وهذا خطأ لأن الشيطان يؤمن بوجود الله أيضاً.

3.     محتوي كلمة إيمان تتضمن أموراً وأسراراً كثيرة أخرى لا يمكننا معرفتها إلا عن طريق الكشف الإلهي.

4.     الإيمان عند المسيحيين يعتمد على ما كشفه لنا يسوع المسيح مباشرة بتعاليمه، وعلى الروح القدس عبر الكنيسة.

5.     بادئ ذى بدء، وضعت الكنيسة قانون الإيمان في القرن الثالث، لخصت فيه ما كشفه لنا يسوع والروح القدس من معلومات عن ان الله هو اله واحد بثلاثة أقانيم (آب وابن وروح)، وتقرّ بعملية الفداء لخلاص البشر.

6.     كل الناس تعتقد ان الإيمان يقف عند هذا الحد. فماذا بعد؟

7.     يحتوى الإيمان المسيحي على بعد هام جداً وهو الإيمان بوجود خلاص. ولكن الخلاص من ماذا؟

8.     الخلاص من القيود الهائلة التي تتحكم بالبشر: المادة، الإنانية، الجوع، المرض، الجنس، إخلاتف الآراء، الخ... وكلها تسبب انقسامات هائلة بين الأفراد وبين الشعوب.

9.     فالإنسان إذن "معتّر" ويبحث عن "طريق" للخلاص من هذه القيود.

10. جاء يسوع وبشّرنا ببشارة الخلاص: الطريق الذي به نخلص: هو طريق "المحبّة".

11. يكتمل إذن الإيمان المسيحي بالقناعة العمياء بما بشّرنا به يسوع، وهو طريق المحبة

12. وبهذا جعل يسوع من كلمة الإيمان أكثر من مجرّد سرد لقانون، وإنما بالممارسة الفعلية لأعمال المحبة، هذا هو طريق الخلاص.

13. طريق المحبة طريق صعبة جداً لا تعتمد على "الحب". فمن يقدر أن يحب عدوّه؟

14. طريق المحبة هي نعمة من الله نحصل عليها عندما نعتبر أنفسنا ذراعه على الأرض تجاه الآخرين المحتاجين مادياً وروحياً. (فعملياً، من الذي يطعم الجياع ويلبس العراة؟  نحن ... )

15. طريق المحبة هي صعبة لأننا يجب أن نبدأ بالإنتصار على أهوائنا، وهو صليب ثقيل، قبل أن نستطيع ممارستها. وكل من له يعطى ويزاد.

 

 

 


 

 

مـن هو الله؟

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 8 نيسان 1982)

 

كلنا نعرف الله على انه الخالق، الذي صنع العالم، هو القوي، الازلي، السرمدي، استنتج وجوده العلماء في الطب والكيمياء والفلك الخ

 

فكلما تأملنا ولادة طفل مثلاً وكيفية تكوينه ومراحل نموه وتطوره، نقول : سبحان الله،

تناول دراستة الفلاسفة القدامى ، فاستنتجوا وجوده من خلال دراستهم المعقدة ، كلهم يقولون ان وجود الله هو حتمي فلسفياً

 

ولكن من هو الله ؟ لا احد يستطيع، او استطاع ان يجيب على هذا السؤال لاننا نحاول ان "نتخيله" علمياً او فلسفياً بعقولنا المحدودة، فنضيع وتسقط محاولاتنا ويفشل تخيلنا حتى ان بعض العلماء قد توصلوا بفلسفتهم الى نقض وجوده كليا، على عكس من اثبتوا وجوده فلسفياً ايضاً لذلك فالله هو ليس اله العلماء والفلاسفة (كما آمن به Voltaire من خلال فلسفته) ، فمن آمن به فولتيرهو ليس الهنا الذي نعرفه نحن ، وانما هو اله من نسيج خيال العقل البشري.

 

واحد فقط استطاع ان يجيب على هذا السؤال، وهو يسوع المسيح:

 

الله لا نستطيع ان "نتخيله" عقلياً وانما نستطيع فقط ان " نحس به عملياً" ولا نستطيع ان نحس به الا اذا مارسنا المحبة الكاملة، لدرجة بذل الذات الكلية للآخرين .

 

إذن فالله الهنا هو اله ابراهيم واسحق ويعقوب ، وهو الاله الذي دلنا عليه يسوع على انه "المحبة" هناك يتدفق الله بدون حساب فنحس به بدون ان نراه لا بمخيلتنا ولا بعيوننا ولا بعلومنا ولا بفلسفتنا. فالله هو اله محبة فقط، وهو ليس اله علم وفلسفة .

 

وكخلاصة عامة: الله هو موجود في الكنيسة من حولنا ، وهو موجود في القريب المحتاج، خصوصاً المحتاج روحياً .

 

 
 
 
 

 

كيف نفهم الثالوث الأقدس

 

(تفسير للأب جبرائيل مالك في رياضة روحية بتاريخ 8 نيسان 1982)

 

إن اصعب سر يمكنه أن يغوص فيه أعماق العقل البشري هو سرّ الثالوث الأقدس الذي كشف عن وجوده يسوع المسيح نفسه ، ولكنه لم يشرحه!. لذلك فإن ما سنذكره هنا هو إجتهاد عقلي شخصي يستند إلى التعليم الأساسي على أن الله هو محبة كاملة ، وهذا ما يربط الثالوث ببعضه على أنه إله واحد . لذلك فالمنطق التالي هو فلسفي بحت نحاول فيه تصور فهم الله:

 

الآب:

 

هو عقل كامل . وحيث أنه كامل فهو يبعث كلمة كاملة مثله . وحيث أن هذه الكلمة هي كاملة إذن فهي وحيدة وليس ما يشبهها . فلو نتجت فكرتين مثلاً لما كانتا كاملتين لأنهما مختلفتان، إذ يوجد فرق يميز احداهما عن الأخرى، وبذلك تكون كل واحدة تتميز عن الأخرى بشيء ما مختلف ، اذن فالاثنتين غير كاملتين بمعنى الكمال التام .لذلك فلا يمكن أن يبعث الآب سوى كلمة وحيدة وكاملة تكون امتداداً له .

 

الإبن:

 

حيث أن عقل الآب هو كامل ، لذلك فكلمته هي كاملة ولا يمكن إلا ان تكون وحيدة. وحيث أن هذه الكلمة هي كاملة وهي منبثقة من الآب الكامل ، إذن فهذه الكلمة هي تماماً على صورته .وتشبهه تمام الشبه ولا يمكن أن تنفصل عنه إذ وجودها مرتبط ومشترك بوجوده. وهكذا " يلد" الآب الابن الذي هو مثله وعلى صورته تماماً.

 

الروح القدس:

 
هو الرباط الذي يربط الآب بالابن بالحب اللامتناهي. هذا التكوين المثلث الاقانيم هو لإله واحد لأنهم مندمجين في بعضهم البعض كل الاندماج ، وكل واحد منهم شرط لوجود الآخرين ، لذلك لا يمكن فصلهم عن بعض ، ولا يمكن ان يمثلوا الا وحدة واحدة غير منفصلة ، لذلك فهم اله واحد .
 
 
 
 
الخلاصة :

 

إذا نظرنا خارجياً نجد إلهاً واحداً . اما داخلياً فلا نعرف بالمرة ما هو تكوينه لذلك فنحن لا نؤمن ولا نعرف الا الهاً واحداً ، ولكن الله نفسه اخبرنا عن ما   هو بداخله. ولولا أنه شرح وكشف لنا عما يريد كشفه لما عرفنا انه مكون من ثالوث أقدس .

 

(ملاحظة : تقول الآية القرآنية : "الاله الاحد الصح ، لو يولد ولم يلد ، ولم يكن له كفؤ احد : هذه الآية كتبت خصيصاً لنقض الثالوث وايماننا به)

 

وجدير بالذكر ان كل مظاهر المعتقدات القديمة والرموز والطقوس مثل عبادة اله بثلاثة رؤوس ، وفكرة الذبيحة ، وقصص الطوفان والخلق كلها كانت تحضير ملهم للعقيدة الكاثوليكية التي ظهرت عبر الكنيسة حيث وضح معها التفسير الحقيقي لكل هذه الرموز وليس العكس فلا يعتقد احد ان الكنيسة تأثرت في افكارها بهذه الرموز فاخترعت الهاً له "ثلاثة" اقانيم مشابه لآلهة الفراعنة ورموز بابل او غيرهم .

 

 

 


 

 

 

الصلـيـب ومعناه

 

 
في كرازة ضمن رياضة روحية سنة 1982 شرح الأب جبرائيل مالك اليسوعي معنى الصليب على الشكل التالي:

 

 

يعتقد الكثيرون ان الصليب هو العذابات التي يقاسونها اثناء حياتهم من جراء المرض أو الحرب أو الفقر أو تربية الاولاد الخ وهذا بكل اسف هو خطأ فادح جداً ووهم عظيم.

 

فما دخل الصليب في آلام الاسنان مثلاً او اوجاع البطن او العظام ، وما دخل الصليب في المضايقة من "عجقة السير" او "شقاوة الاولاد"؟ وتحمل كل ذلك "بصبر" قائلين : مع آلامك يا يسوع ؟‍‍‍‍‍ ‍‍‍!!!

 

وما دخل الصليب إذا فَرَضتَ عذابات جسدية على نفسك بالجلد او بالشوك صحيح انه يمكن للانسان ان يحرم نفسه الملذات وغيرها بهدف "تروِيض" جسده وجعله تحت طوعه ، ولكن كل هذا اذا جرى بدون هدف الصليب ، يكون نوع في نطاق الامراض الساديَّة او النفسية التي تتلذذ بتعذيب الجسد .

 

اما الصليب فهو شيء مختلف تماماً :

 

·     الصليب هو " الطريق" الى "الحق" فا"لحياة"

·        الصليب هو طريق طويلة لها بداية ولها طول ، ندخل اليها فنسير عليها رويداً رويداً ، داخلين في اغوارها حتى نصل الى مراحل متقدمة منها حتى نصل الى النهاية الفرحة ، وهي القيامة. لذلك يقال "درب الصليب"

·        يبدأ الصليب بمحاربة الانانية الشخصية وحب الذات ، ويكتمل بالذهاب بكل حرية وبكل محبة للدخول في تضحيات مختلفة ومتتالية بمساعدة القريب المحتاج

 

هذه هي "درب الصليب" وطريق الخلاص . فكلما تقدمنا في الانتصار على انفسنا وانانيتنا وحب ذواتنا، وكلما ازدادت تضحياتنا لمساعدة القريب المحتاج، كلما نكون في تقدم مستمر على " درب الصليب" . وعندها نبدأ تدريجياً "بالاحساس" بالفرح الحقيقي، وعندها نبدأ تدريجياً بالدخول في "السماء" ، أي في ملكوت الله ، منذ الآن وعلى الارض . وهذا هو صعب جداً ، بل اصعب ما يمكن ان نعمله على هذه الارض، وازيد فأقول انه من المستحيل علينا النجاح في درب الصليب الا بمساعدة نعمة الروح القدس .

 

 

إذن فالتعريف الوحيد للصليب هو:
 

الخروج من الذات وتحمل الاضطهادات والصعاب في مجهود دائم عبر المحبة وبهدف واحد هو اخراج القريب المحتاج من حالة "الشقاء والبؤس الروحي" ، وادخاله هو الآخر في "الصليب" مختاراً بعد تبشيره بالخلاص ، فنتوحد جميعاً بالمحبة ، أي في السماء ، أي في الله .

 

وكان خروج اليهود من ارض العبودية في مصرعلى ايام فرعون هو رمز صريح لخروج للانسان من ذاته .

فكما خرج اليهود من عبودية فرعون بمحض ارادتهم الى حياة الحرية ، ولو في الصحراء ، كذلك يخرج الانسان من عبودية جسده ، بالرغم من لذتها ومتعها وشهوتها الى حياة المحبة وصعوبة الصليب.

فما اسهل حياة العبودية وما امتعها، ولكنها طريق الهلاك... وما اصعب حياة الصليب، ولكن فيها الحرية والخلاص، اذ هي تنتهي بفرح ابدي ، وليس بلذات زمنية عابرة .

 

الكل مدعو للدخول في الصليب، ولكن من يقبل الدعوة ؟ فليس المهم هو عدم عمل "الشر" ، أي الحياة في "حياد" ، وانما المهم هو المبادرة لعمل "الخير"  .

 

فالصليب هو إذن وسيلة لتأليه الانسان عن طريق محبة الانسان لله في وجه القريب المحتاج.

اما الصليب "الوسيلة" فله عدة وسائل : اماتات ، صلاة ، تقشفات ، تأمل ، اسرار الخ

وهناا يجب أن نلاحظ أن المسيح لن يحاسبنا على هذه "الوسائل" ، وانما على "النتائج" الواقعية للأعمال التي قمنا بها، اذ سيسألنا في الدينونة : هل وصلتم الى درجة المحبة ؟ : كنت عرياناً جوعاناً عطشاناً محبوساً الخ ولن يسأل : هل صمت ، هل تناولت ، هل تقشفت ، هل حضرت القداس كل هذه هي وسائل هامة ولكنها لسيت الغاية .

 

ما هو ليس الصليب:

1.     ليس الصليب هو آلام أو أوجاع جسدية يقاسيها الإنسان في حياته (الألم، الحرب، الفقر، الخ)

2.     ليس الصليب هو الإماتات والصيام وتعذيب الجسد بالجلد أو بالشوك أو بالحرم من الملذات.

3.     ليس الصليب هو مجرد رمز من الخشب أو من الذهب نعلقه على صدورنا أو على أبوابنا.

4.     ليس الصليب هو النظر الى يسوع المصلوب وندبه باللطم وفرط القلب وذرف الدموع.

5.     الصليب هو طريق طويلة لها بداية ولها طول ، ندخل اليها فنسير عليها رويداً رويداً

 

الصليب هو:

1.     الصليب هو في صعوبة محاربة الانانية الشخصية وحب الذات،

2.     الصليب هو احتمال العذابات الناتجة عن الشرور الناتجة عن الضعف البشري من حولنا.

3.     بعد صعوبة قمع الأنانية وحب الذات، ثم تحمل أخطاء الآخرين بسبب ضعفنا البشري، يكتمل الصليب بالذهاب بكل حرية وبكل محبة للدخول في تضحيات مختلفة ومتتالية لمساعدة القريب المحتاج.

4.     عند النجاح في الدخول في درب الصليب، نبدأ تدريجياً "بالاحساس" بالفرح الحقيقي، ونبدأ تدريجياً بالدخول في "السماء" ، أي في ملكوت الله ، منذ الآن وعلى الارض.

5.     الصليب هو إذن وسيلة لتأليه الانسان عن طريق محبة الانسان لله في وجه القريب المحتاج

6.     هناك وسائل مساعدة لإنجاحنا في الدخول في درب الصليب مثل الصلاة، الصوم، المناولة. الخ

7.     لن يحاسبنا المسيح على "الوسائل" ، وانما على "النتائج" الواقعية للأعمالنا. إذ سيسألنا في الدينونة : هل وصلتم الى درجة المحبة ؟ : كنت عرياناً جوعاناً عطشاناً محبوساً الخ ولن يسأل: هل صمت ، هل تناولت ، هل تقشفت ، هل حضرت القداس كل هذه هي وسائل هامة ولكنها لسيت الغاية .


 

 

 

 

 

الـكنيسة الكاثوليكية

 

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 31 آذار 1983)

 

 

شروط الانتماء الى الكنيسة الكاثوليكية ثلاثة :

 

1- العماد .

2- الايمان (ببشارة الخلاص)

3- الشركة مع رأس الكنيسة وهي البابا .

 

 

·        إذا ذكرنا الكنيسة بمعنى "بناء" الحجارة ، فنعني به المكان الذي يجتمع فيه المؤمنون ليؤدوا صلاتهم ويمارسوا اسرارهم مثل : سر الامخارستيا ، سر الزواج ، سر العماد ، سر الاعتراف الخ وهذه الكنيسة ليست الاّ مكاناً مادياً مقدساً لانها تحتوي على القربان المقدس مصموداً في هيكلها ، وهو جسد ودم يسوع بذاته .

 

·        اما الكنيسة الجامعة الرسولية ، فهي غير مادية ، وتعني جميع المسيحيين المؤمنين الذين ينتمون اليها وعلى رأسهم الحبر الاعظم .

 

 

هذا التكوين وضع تصميمه ومبدأه يسوع بنفسه حين رسم بطرس رأساً للكنيسة واعطاه قوة الحل والربط فيها. وطبعاً لم يكن يسوع يقصد بهذا الرسم محدودية الزمن ببطرس فقط في هذه القوة، وانما كان يصمم المبدأ والقاعدة الاساسية التي ستتكون على اساسها الكنيسة عبر الزمن بتوجيه وتدبير الروح القدس ، بدءاً ببطرس اولاً ، ثم حلفائه ثانياً تنفيذاً للمنطق ذاته .

 

والكنيسة الجامعة تتكون من علمانيين وكهنة تتدرج سلطتهم بوضع اليد حتى تصل الى الرأس، أي البابا .

 

لذلك ، وبحكم هذا السلطان المعطى من المسيح شخصياً ، يجب على العلمانيين الاّ يتصرفوا كما تبدو وتحلو لهم الامور حسب تفسيراتهم الشخصية ، وانما يجب ان يكون ذلك دائماً تحت اشراف وتوجيه السلطة الكهنوتية. لذلك علينا دائماً ان نعرف ونتنبه الى ان مصدر التعليم هو ليس في حرفية الانجيل. فنحن لسنا بصدد كتاب اسمه الانجيل (الذي هو طبعاً "مفيد للتعليم")، وإنما بصدد مؤسسة متكاملة هي الكنيسة الجامعة العاملة بإيحاء الروح القدس. اما التمسك والتفرد بحرفية كلمات الانجيل فيؤدي قطعاً الى عدة اجتهادات وتفسيرات مختلفة، تختلف بسبب اختلاف الاشخاص انفسهم في المستوى الفكري والثقافي والاجتماعي ، وبالتالي عدم وحدتهم الفكرية لانهم "يقاسون الشقاء البشري"، الأمر الذي أدى الى خلق عدة طوائف ومذاهب متناحرة ، تعتمد التفسيرات والتأويلات الفردية المختلفة مثل شهود يهوه ، السبتيين ، البروتستانت الخ

 

إذن فمرجعنا في الكنيسة هو واحد : هو الروح القدس شخصياً ، وهو الذي يهيمن في الكنيسة كلها ويقودها من خلال شخص البابا ، الذي هو بحد ذاته شخصً بائسً يعاني من الشقاء البشري مثل الآخرين تماماً وأكثر، ولكنه الوسيط الوحيد الذي من خلاله يلهم المسيح تعاليمه وتوجيهه بالروح القدس .

 

وجدير بالذكر ان منح الكهنة سلطة كهنوتية ما بوضع اليد لا يمنحهم أي درجة من القداسة او العلو او السموّ عن باقي الاشخاص العلمانيين، وانما هم بؤساء مثل الباقين تماماً ، يعانون التجارب والشقاء البشري ويرتجون الخلاص اسوة بغيرهم وانما السلطة المعطاة لهم من الكنيسة هي فقط لممارسة واجباتهم تجاه الشعب في اتمام الاسرار الكنسية فقط .

 

اما التقدم في القداسة ، او في درب الصليب والمحبة ، فهو ناتج عن مجهود شخصي بحت يقوم به العلماني او الكاهن او حتى البابا نفسه . فإذا لم يمارس شخصياً طريق الخلاص فهو لن يخلص .

 

اما روح الله ، فهو يحافظ على الكنيسة ويؤكد استمرارها وثبوتها عبر الازمنة والدهور، ويجعل قرارات البابا العقائدية فقط معصومة من الخطأ .

 


 

 

سلطة البابا والأساقفة

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 24 شباط 1985)

 

من المعروف أن البابا هو رأس الكنيسة الكاثوليكية، ويمثل المرجع النهائي لقواعد ودساتير الإيمان الكاثوليكي.

 

يتم ذلك في االمجامع المسكونية التي تجمع أساقفة وكرادلة يقومون بدراسات وأبحاث حول نقطة إيمانية محددة، ثم يقدمون فتواهم النهائية الى البابا للمصادقة. وبإلهام من الروح القدس يصادق البابا على الفتوى أو يرفضها. لذلك فإن ما يصادق عليه البابا يصبح مقرراً كمبدأ إيماني، و ما يرفضه يلغى.

 

وهناك ثلاثة أنواع من الوثائق تصدر عن مجامع ومجالس الكنيسة:

 

الشرائع:

وهي قواعد إيمانية ثابتة لا تتغير عبر التاريخ. مثل عقيدة الثالوث الأقدس، المسيح إله وإنسان، مريم أم الله ... الخ. لذلك فهذه العقائد تحمل صفة الديمومة عبر الزمن.

 

القرارات:

وهي أحكام وتوصيات كنسية مرتبطة بظروف الزمان والمكان. وهي تتبدل مع الأزمان. مثلاً: تجدد الحياة الرهبانية، الحركة المسكونية، رسالة العلمانيين، نشاط الكنيسة التبشيري... الخ.

 

التصريحات:

وهي إعلان موقف الكنيسة الكاثوليكية من موضوع ما. وذلك طبعاً رهن بمناسبة تاريخية معينة. مثلاً: علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالديانات غير المسيحية، الحرية الدينية، ... الخ.

 

وجدير بالذكر أن نعود ونذكّر بأن الشرائع هي قواعد ثابتة منذ البداية لم ولن تتغير عبر الزمن لأن لها صفة الديمومة، وقد برهن التاريخ على ثبوتها منذ الفي سنة وحتى اليوم. وهي تكشف بإلهام من الروح القدس تباعاً عبر الزمن.

 

أما القرارات والتصريحات فهي زمنية وليست معصومة عن الخطأ نهائياً. فنادراً أن نجد وثيقة كاملة. وهذا لا يعني الإستخفاف بالوثائق الصادرة عن الكرسي الرسولي، وإنما معناه إمكانية تغير مضمونها في المستقبل. إذ مع مرور الزمن تتضح أمور لم تكن جلية من قبل... وهذا ما نسميه النمو الفكري.  والنمو الفكري هو ليس استجداد أو تطور، وإنما هو ناتج عن ظهور أمور كانت موجودة من قبل، إلا أن قوى العقل لم تكن لتدركها في ذلك الوقت. لذلك، فعند ظهورها والتمكن من إدراكها يمكن تغيير القرار السابق وتصحيحه.

 

أما دور الأساقفة والكرادلة وحتى القديسين، فهو القيام بدراسات وإعطاء فتاوى حول مواضيع معينة، تدرس بصورة جماعية يشترك فيها الجميع في مجلس مسكوني (أو فاتيكاني) عام، يصدرون من خلاله توصياتهم وآرائهم للتصديق عليها من قبل البابا.

 

أما البابا شخصياً وكذلك الكرادلة والأساقفة والكهنة، فهم أشخاص عاديون ليسوا معصومين من الخطأ نهائياً، بل هم يعانون مثل باقي البشر من البؤس البشري والشقاء النفسي. فهم معرضون الى جميع أنواع التجارب التي يتعرض لها باقي البشر، حيث لا تميزهم صفتهم الكهنوتية عن الباقين في شئ، ولا تعطيهم أي درجة من القداسة، بل على العكس، فإنها تزيد من مسؤولياتهم ولا تعطيهم إلا "صلاحيات تنفيذ أسرار الكنيسة" فقط. 

 

فالبابا نفسه له كاهن كمرشد روحي يعترف له بخطاياه مثل الآخرين. كذلك الكرادلة والأساقفة والكهنة والرهبان. ولا يمكن لأحد مهما كانت صفته وعلت درجته الكهنوتية أن يرتفع في درجة القداسة أو يدخل في الخلاص إلا من خلال مجهود شخصي يقوم به، حيث يدخل في الصليب ليحصل على الفرح الكامل بالمحبة. (وحتى البابا نفسه إذا لم يفعل ذلك فلن يخلص). 

 

 

  

 

ناسوت ولاهوت يسوع

 

(شرح للأب مالك في رياضة روحية بتاريخ 24 شباط 1985)

 

"الله" الذي لا يرى، اراد ان يكون مرئياً للناس على صورة جسد مثلهم ، ليثبت لهم إمكانية خلاصهم ، حتى ولو كانوا بصورة جسد ضعيف. وكان يعلم الله ان هذه المغامرة ستكلفه عذاباً اليماً ينتهي بالصلب "والبهدلة" ، ولكنه ، لفرط محبته لنا ، قَبِل هذه المهمة على امل ان يعطينا المثال الأعلى للحياة الارضية حتى ولو كنا في صورة اجساد بشرية .

 

وهكذا قرر الله أن يتجسد.

فنفح الآب الروح القدس في حضن مريم العذراء ليتجسد الإبن.

وباتخاذ الابن جسداً بشرياً اصبح محدوداً زماناً ومكاناً مثل باقي البشر، أي انه اصبح بشراً اقل من الآب درجة. فقد قال يسوع "ان الآب هو اعظم مني" ثم عاد وقال : "يجب ان اترككم لارسل لكم الروح القدس"، أي انه اراد ان يتخلص من محدودية الجسد.

 

إذن فالمسيح هو مساو للآب بحسب الالوهية ، واقل منه بحسب الجسد .

 

وللمسيح شخصية واحدة . وهو ليس خليطاً بين الالوهية والناسوت، فهو اله كامل وانسان كامل في آن واحد، أي شخص واحد له طبيعتان.

وهذا هو الفرق بين العقيدة الكاثوليكية والعقيدة عند الارمن والاقباط والسريان الاورثوذوكس  . فهم يقولون ان الطبيعة البشرية لم تكن موجودة بكل معنى الكلمة. وفي رأينا ان هذا يتعارض مع "سر الفداء" ومع فكرة "المهّمة" التي اراد ان يخوضها الابن "طوعاً" ليثبت لنا امكانية "الخلاص" بالطبيعة البشرية الكاملة، فكيف لم يكن بشراً بكل معنى الكلمة ؟!‍‍! ذلك لانه اراد ان يقنعنا اننا نحن ايضاً يمكننا الخلاص بأجسادنا هذه،  لذلك إتخذ جسداً مثلنا تماماً ، واقامه منتصراً على "الموت" الروحي والجسدي.

 

هذه النقطة كانت موضع خلاف بين النزعة الانطاكية (ناسوت ولاهوت) والنزعة الاسكندرانية (لاهوت فقط)، حيث اعتمدت النزعة الاولى في مجمع افسس سنة 431 ، وكانت ردة الفعل بالنسبة للنزعة الثانية في مجمع خلقيدونية في سنة 451

 

وجدير بالذكر ان جميع اسرار الكنيسة الكاثوليكية لها علاقة "بالجسد" الانساني . فكل التدبير الالهي مبني على فكرة التجسد الالهي . فالانسان هو جسد وروح ، لذلك كان للجسد ايضاً نصيبه من الاسرار الكنسية مثل سر الزواج ، الافخارستيا ، العماد ، التثبت، الاعتراف ، مشحة المرضى ، الخ )

 

لذلك ، وبناءً على ما تقدم ، يتوجب علينا الاقتناع والاقتداء بحياة المسيح الصعبة ، ومحاولة تنفيذها تماماً مثله، حيث كان جسده مثل جسدنا ، وامكانياته مثل امكانياتنا ، ولا نقول اننا ضعفاء، لا نستطيع فعل ما فعله اله ؟!!! لان كل ما فعله المسيح فعله كإنسان مثلنا تماماً ، خصوصاً على صعيد المحبة والتبشير والفداء والصلب ، وكل ما كان يدعمه هو نعمة الله الآب ، والتي يمكن ان تدعمنا تماماً مثله ، فنصل الى ما وصل اليه قبلنا جميع القديسين ، واستحقوا لقب اولاد الله مثله تماماً .

 


 

 

 

انتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السماء

 

 

(شرح للأب مالك في اجتماع  يوم الجمعة 24 نيسان 1986)

 

 

منذ قدم الزمان كان انتقال العذراء بالنفس والجسد الى السماء تقليداً متداولاً عند المسيحيين الاول، حيث استمر ذلك حتى اوائل القرن العشرين.

 

اساس هذا التقليد هو ان العذارء حبل بها بلا دنس ، فوُلدت بدون خطيئة اصلية ، اي ولدت في حالة نعمة كاملة، وهذا ما يناسب كونها ستكون امّاً ليسوع الاله المتجسد .

 

ولكن يجب التنبه الى نقطة هامة جداً: وهي ان العذراء، بعد ولادتها في حالة النعمة، كانت لها "الحرية" الكاملة في الحياة البشرية مثلها مثل باقي البشر، الا انها ازاء تجارب البشر وصراع الحياة، تمكنت من المحافظة على حالة النعمة التي ولدت فيها بصورة مستمرة، وكلنا يعلم مدى الصعوبات والتجارب التي واجهتها العذارء اثناء حياتها الا انها كانت "أمَة للرب" بكل تواضع ورضى كاملين .

 

لذلك كانت العذراء ممجدة كل حياتها الى يوم مماتها ولذلك بعد موتها ، استحقت الاستحالة الكاملة الى الجسد الممجد مباشرة، ولذلك انتقلت العذراء الى السماء بجسد "ممجد" جديد ، (وليس بجسدها المائت المماثل لجسدنا) فمن المؤكد ان العذراء قد ماتت فعلاً ، ومحتمل ان تكون قد دفنت فعلاً ، ولكن جسدها تحول الى جسد ممجد انتقل الى السماء مباشرة تماماً مثل جسد يسوع الممجد القائم هو الآخر من الموت .

 

وكانت هذه العقيدة ثابتة منذ اوائل عهد المسيحيين الى ان جاء البابا بيوس الثاني عشر ، في اول تشرين الثاني سنة 1950 واعلن هذه الحقيقة : أي انتقال العذراء بالنفس والجسد الى السماء كعقيدة اساسية (معصومة من الخطأ) .

وبذلك يكون جسد العذراء هو باكورة لاجسادنا نحن ، وكمثل لنا نحن ، لمن يستحقوا ان يتحول جسدهم الى جسد ممجد بعد الدينونة .