كيف نصلي ونتأمّل

ما هو التأمل

كثيرون يعتقدون أنّ التأمّل هو عمليّة عقليّة تفكيريّة تستخلص من النصّ الكتابيّ أفكاراً جديدة. أو أنّ التأمّل هو سرد عباراتٍ تقويّة تعليقاً على نصٍّ كتابيٍّ معيَّن.

 

التأمّل ليس هكذا. إنّه تفاعل المشاعر مع كلمة الله. لذلك ينبغي تركيز الانتباه على المشاعر والأحاسيس الّتي تتولّد في داخلي حين أقرأ كلمة الله. يقول الآباء الروحيّون: حين أتأمّل، أسكِتُ الذهن (أي العقل) وأتّصل مع الله بالقلب (أي الأحاسيس).

 للتأمّل طرائق عدّة، وليست هناك طريقة أفضل من الأخرى، بل طريقة أسهل من الأخرى. ولا ترتبط السهولة بالطريقة وإنّما بطبيعة الشخص المتأمّل.

لجميع التأمّلات خطوات أساسيّة يجب مراعاتها، ونوجزها في ما يلي:


الخطوات الأساسيّة في كلّ تأمّل

قبل المباشرة في الصلاة، قرر النعمة التي تريدها من الله في هذه اللحظة. ثمّ اختر مكان الصلاة وحدّد مدّتها.

إذا حدّدتَ كيف ستصلّي لفترة معيّنة، لنقل ثلاثين دقيقة، لا تغيّر ما قرّرته في أثناء صلاتك اعتماداً على سهولة الصلاة أو صعوبتها.

خذ وضعيّة ثابتة ومريحة ولائقة. لأنّ أحد أسرار الصلاة الحسنة هو اتخاذ الوضعيّة التي لن تحتاج إلى تغييرها بين الحين والآخر. ستحتاج إلى قدرٍ من الزهد والتقشّف حتّى تحافظ على مثل هذه الوضعيّة طوال فترة الصلاة. فعندما يكون جسدك ثابتاً يصبح تفكيرك ثابتاً. وعندما يكون جسدك غير مرتاح يكون عقلك غير مرتاح.

الآن، أغمض عينيك وتنفّس بهدوء وعمق. عندما تقوم بالشهيق، أدرِك أنّك تُدخِل مع النفَس حياة الله الذي منه حياتنا وحركتنا وكياننا. وعندما تقوم بالزفير، ضع كلّ مخاوفك وكيانك بين يدي الله. وبعد فترة، حين تشعر بأنّ الهدوء والصمت بدأا يتسرّبان إلى عمقك، ابدأ بالتنفس اعتيادياً. إنتبه إلى تنفّسك ودقّات قلبك، ثمّ انتبه إلى الصمت الّذي في داخلك.

آمن بأنّ الله حاضر في مركز كيانك؛ في قلبك، وبأنّك في حضرة الله. كن مصلّياً. آمن بأنّ الله قريب جدّاً منك، ويعي أفكارك الحميمة، وينظر إليك بمحبة، ويشتاق إلى أن يدخل في حوارٍ محبٍّ معك.

اطلب النعمة الّتي قرّرتَ طلبها قبل مباشرة الصلاة، ويمكنكَ أن تطلب أيضاً نعمةً شعرتَ بأنّكَ تحتاج إليها في هذا الوقت. اطلب ذلك مراراً، بهدوءٍ وسكينة وعدم تشبّثٍ بما تطلبه: هذه مشيئتي يا رب، ولكن كما تشاء أنت!


صلِّ باستخدام إحدى الطرائق الموجودة تحت بند كيف أصلّي؟

اختم صلاتك (قُبَيلَ انتهاء الزمن المخصّص للصلاة) بحوارٍ من القلب إلى القلب مع الله الآب أو يسوع أو مريم العذراء ... واختم صلاتك رسمياً بتلاوة الأبانا أو أيّة صلاة تعرفها.

بعد الصلاة، اعتبِر في قلبك ما مسَّكَ في أثناء الصلاة.

دوّن باختصار اختباراتكَ في أثناء الصلاة. ما الّتي كانت علامات لحضور الله؟ ما الّتي كانت علامات على أنّ الله يبدو غائباً؟ ما الّذي تعلّمته عن الله وعن نفسك؟ هل يمكنك تفسير معنى هذه الاختبارات؟ ما الّذي كان الله «يقوله» لك؟ (شارك المرافق بهذا، فهو يساعدك على فهم ما الّذي يقوله الله لك).

إذا لاحظت في أثناء صلاتك أنّك تختبر أموراً بحاجةٍ إلى التعمّق، أو كانت هناك مقاومات ويجب التغلُّب عليها، عُد إلى ذلك الاختبار أو تلك المقاومة في فترة الصلاة التالية. ليس ضروريّاً أن تعالج دوماً موضوعاً جديداً لصلاتك. فما تسعى إليه ليس نيل عِلم جديد ونتائج، بل أن تحب الحقيقة الروحيّة وتستمتع بها في قلبك.

 

 

طرق التأمل

الحوار التأمّلي

تحدث إلى الله عن كل ما يخطر ببالك. لا تسيطر على أفكارك. في هذا النوع من الصلاة لا يوجد تشتّت. يمكنك أن تتحدّث إلى أبيكَ عن أيّ شيء وعن كل شيء.

كلّما قلتَ شيئاً في قلبكَ اصمت، واصغِ إلى الجواب الّذي قد يتولّد في داخلكَ.

ستراودك أفكار بأنّ هذا الجواب هو من ذاتكَ. لا تكترث لهذه الأفكار، لأنّها عمليّة عقليّة، والتأمّل هو عمليّة شعور واستسلام.

قد لا يتولّد فيكَ جواب. ابقَ هكذا منتظراً لفترةٍ معيّنة، مثل المتسوّل الواقف عند باب الربّ. فالروح يهبّ متى يشاء.

في نهاية فترة التأمّل، اختم صلاتك بمناجاة.

 

تذوّق كلمة الله

إبدأ بقراءة مقطع من الكتاب المقدّس ببطء. ويمكنك أن تقرأ بصوتٍ عالٍ إذا أردتَ أو همساً. إقرأ النصّ بقلبٍ منفتح يقبل ما يريد الروح أن يقوله له الآن من خلال هذا المقطع. فقد يقول الروح لك من خلال هذا المقطع ما لم تتوقعه

متى يكلّمكَ الروح؟ حين تثير كلمة أو آية مشاعر فيكَ، أي تلفت انتباهك، فتفهم شيئاً ما بوضوح أشد، أو تلاحظ معنىً جديداً، أو تشعر بحثّ الهمّة والتعزية. أو تختبر نوعاً من الكره أو الاشمئزاز ممّا تقرأه أو تضطرب. هذا الشعور السلبيّ هو أيضاً علامة على حديث الروح، فلا تقاوم الروح.

حين تختبر حضور الروح بهذه الطريقة، توقف عن القراءة وابقَ مع الكلمة أو الآية أو الفكرة أو الإلهام ... كرّر الكلمة أو الآية وتذوّقها. بهذه الطريقة تسمح للروح بأن يعلّمك من الداخل. أنت تصغي. وروح الله يرفّ على الخواء، وتنشأ خليقة جديدة في قلبك. وكلّما اختبرتَ صمتاً وسلاماً عميقين، ابقَ فيهما قدر ما تستطيع. إنها صلاة عميقة. بها يحلّ الاتصال والشراكة فيكَ بدون كلام. وروح الله يشارك روحك. إنّها الصلاة الصرفة؛ غاية كلّ تأمّل. كنت تحضّر قلبك لهذا اللقاء، وها قد حدث الآن. فعليكَ أن تستجيب لعمل الله الخلاّق فيكَ بالكلمات أو بالصمت.

لا ينبغي عليكَ الاستعجال. ولا تقلق لأنّ الوقت يمضي ولم تنهِ تأمّل كامل النصّ، لأنّ ما يغذّي النفس ليس كثرة الكلام. إبقَ عند الجملة الّتي حرّكت مشاعركَ، وتذوّقها حتّى تشعر بأنّ نفسك قد ارتوت.

وعندما ينتابك الشرود، عُد إلى القراءة حتى "تسمع صوت" الروح كما من قبل، ثم توقّف، الخ. قد يكون صوت الروح كالنسيم الخفيف، وتصعب ملاحظته. لذا، من الضروريّ جدّاً أن تكون شديد الانتباه والحسّ له.

 

النهل من كلمة الله

اقرأ المقطع الكتابي ببطء. اقرأ المقطع كلّه مرة واحدة. توقف ثمّ اقرأه مرّة ثانية. كلّما تقرأه تغوص فيه أكثر فأكثر. اقرأه عدّة مرات بقدر احتياجك حتى تتشبّع به.

الآن، أنت تعرف كلّ تفصيل من تفاصيله وتستطيع أن تذكر أجزاء منه غيباً. والمشهد حيّ أمامك بكامله (إذا كان النصّ يصف حدثاً). أغلق الكتاب المقدس الآن وابق صامتاً. دع الروح يحمل صلاتك. اسمح للصور أو للآيات أن ترِد عفويّاً إلى ذهنكَ. ابقَ عندها. قلّبها في عقلك. دع الروح يعلّم قلبك هذا السرّ أو هذه الحقيقة ويمسحك بها.

إذا كانت هناك لحظات صمت وسلام عميق ابقَ فيها. لقد بلغتَ غاية مسعاك في الصلاة؛ أي أن تجعل الروح يصلّي فيك.

 

نسخ كلمة الله

يمكنك أن تستعمل هذه الطريقة حين تشعر بشرودٍ شديد، أو بعدم القدرة على التركيز، أو بالتعب.

انسخ مقطعاً من الكتاب المقدّس. وحين يمسّك أو يحرّك مشاعرك شيء، ضع خطاً تحته وتابع النسخ.

عند الانتهاء من الكتابة، عُد إلى العبارات أو الكلمات الّتي وضعتَ تحتها خط، وتناولها الواحدة تلو الأخرى، ودوِّن تعليقاّ وجيزاً على كلّ واحدة.

إذا شعرتَ وكأنّك تجيب عليها، دوّن إجابتكَ. وإذا شعرتَ برغبة في الصمت، افعل ذلك، وابقَ في الصمت طالما أنّك تجد فيه ما تفتّش عنه: السلام ، الراحة، القوة ... ثم انتقل إلى مكانٍ آخر وضعتَ تحته خط، وهكذا دواليك.

 

صلاة الخيال

عندما تصلّي انطلاقاً من أحداث في حياة المسيح مثل الميلاد أو قصّة معجزة، تخيّل المشهد حيّاً وكأنّه يحدث الآن.

في البداية، قطّع المشهد إلى صور، وابنِ في ذهنكَ كلّ مكوّنات الصورة: المباني، الطبيعة المحيطة، الأشياء الموجودة، الشخصيّات: لباسهم، أشكالهم ...

الآن، اجمع الصور في فيلم ينتقل من صورةٍ إلى أخرى، أو من مشهدٍ إلى آخر.

دع خيالك حرّاً في إعادة بناء القصة كما يحلو له. واجعل جميع حواسّكَ تشارك في القصّة. كن هناك. شارك في القصّة بشكلٍ فعّال.

مثلاً، في معجزة تحويل الماء إلى خمر، كوّن الصور التالية: صالة العرس وأساسها (ربّما بهو دارٍ عربيّ)، مائدة يسوع والتلاميذ وكلّ ما عليها، مائدة العروس والعريس، جرار الماء والخدم والمشرف على العرس.

كن واحداً من المدعوّين أو الخدام. دع الحدث ينطبع في نفسك من خلال حواسك، خارجياً في الأوّل ثم داخليًا. ودَع مَن هو حاضر في هذا السر يُظهِر ذاته لك. وهذا يحدث أثناء استقبالك الصامت لهذا السر - كما يستقبل الفيلم أشعة الضوء الصادرة من الصورة. فأسرار حياة المسيح أبديّة. لذلك فهي موجودة أبداً - المسيح يولد اليوم، ويشفي المرضى الآن. وهذه الأسرار متاحة لك الآن. وأنت تدخلها بوساطة الإيمان الطفولي البسيط.

عندما تصبح الصلاة من هذا النوع إمعاناً بسيطاً ومندهشاً في السر والعبادة، تعرف ما يجب فعله. ابقَ صامتاً. لقد انتهى دورك في الصلاة. وقد تسلّم المسيح القيادة. دعه يقود. يستطيع مَن لديهم خيال حيويّ أن يستفيدوا من طريقة الصلاة هذه. فكلّ إنسان يحلم في اليقظة؛ كلّ إنسان لديه ما يكفي من الخيال ليتصوّر أنّه في موقفٍ ما وليبقى فيه.

 

صلاة الهزيز 

صلاة الهزيز تعني اللهج طوال الوقت بعبارة روحيّة مقدّسة.

اختر جملةً من الكتاب المقدّس تشعر بأنّها تخاطب حياتكَ الآن أو تعكس حالتك.

كرّر هذه الجملة بتأنّي مرّاتٍ ومرّات، حتّى تشعر بأنّك شردتَ. فهذا الشرود علامة على انفصال العقل عن القلب.

تابع التكرار، وتذوّق كيف أنّ عقلك يؤدّي مهامه، وقلبكَ يصلّي.

غيّر الجملة حين تشعر بأنّ نفسك قد ارتوت، أي لم تعد هذه الجملة تحرّك مشاعرك.

 

" الهزيز السرّيّ مرآة للذهن ونور للضمير. إنّه يروّض الشهوة ويهدئ الغضب ويطرد الغيظ ويقصي القساوة ويهرّب النـزق ويطرد الظلم. ينير الهزيز السرّيّ الذهن ويطرد الكسل. منه تولد الرقّة الّتي تدفئ النفس وتليّنها. ومن خلاله تدخل مخافة الله وتسكن فيكَ وتحرّك مشاعركَ نحو الدموع. بالهزيز يُعطى المؤمن تواضع الذهن الحقيقيّ، وصلاةً غير مضطربة، ويقظة مباركة بالرقّة والدفء." القدّيس أشعيا الناسك.

 

الدخول في حضور الله

 

إن طُلب من أحدكم أن يُعطي كلمة أُخرى لله، يمكنكم استخدام كلمة "الحاضر"، فهذا ما هو الله. عندما سأل موسى الله عن اسمه أجاب "أنا هو أنا" ("يهوه" بالعبريّة : "ياه هو ياه")، وعنى بذلك "أنا الحاضر دائمًا معك، أنا أنا مهما كانت حالك وأينما كنت". ولا ننسى أنّ يسوع هو اكتمال نبؤة "عمّانوئيل" : الله معنا. لذلك ينتهي إنجيل متى بهذه الآية الرائعة : "اعلموا أنّي باقٍ معكم طول الأيام وإلى انتهاء العالم".

 

تمارين جسديّة

خذ وضعًا مريحًا، على الأرض أو على مركع أو في مقعد، بحيث يكون ظهرك مسنودًا بطريقةٍ مستقيمة. دع جسدك يسترخي، دون أن يتراخى. انتبه إلى عدم توتّر القدمين واليدين في وضعيّة ثابتة، وضع الكتفين إلى الوراء.

اغمض عينيك أو ركّز نظرك على نقطة أمامك. وجّه كلّ تركيزك إلى ما تشعر به في جسدك، بدءً من القدمين وصعودًا، مرورًا بكلّ جزء. كلّما تمكّنت من التوقّف وقتًا أطول على جزء ما، كلّما كان ذلك أفضل. انتبه إلى أي شعور بانزعاج أو بحاجةٍ إلى تغيير الوضعيّة.

قد لا تتركنا خواطرنا نقوم بهذا التركيز دون تداخلات مُشتِّتة من نوع: هذا مضيعة للوقت. ما علاقته بالصلاة؟ دع الخواطر تمرّ وكأنّها غيومٌ عابرة وأكمل التمرين بسلام.

يمكنك في هذا الوقت أن تردّد صلاة الرسول بولس: "فيه أحيا وأتحرّك وأكون".

 

تمارين التنفّس

يتطلّب هذا التمرين تركيز كلّ الانتباه على إحساس الجسد بالتنفّس، شهيقًا وزفيرًا، بسرعة ثابتة.

ركّز انتباهك على الإحساس بالهواء المنعش عندما يدخل من أنفك، والهواء الدافئ عندما يخرج. في البداية قد تلاحظ أنّ تنفّسك مضطربًا أو كثير السرعة. ولكنّه سيتباطأ رويدًا رويدًا. وإلاّ ربما عليك أن تتلافى هذا التمرين في الوقت الحالي.

هذا التمرين مريح جدًا للأعصاب. قد يُساعدك على الصلاة، التفكير مع كلّ زفير، كيف أنّك تضع كلّ حياتك بين يديّ الله، ومع كلّ شهيق، كيف أنّ الله يخلقك من جديد، كما ينفخ النسمة في جسد آدم.

قد تروادك أفكار وتشتّتات، مثلاً هل أنت تستحقّ هذه الحياة المتجدّدة أم لا، أم أفكار أخرى. لا تقف عندها. راقبها تمرّ كغيمةٍ عابرة.

 

تمرين الإصغاء

خذ وضعًأ مريحًا، راكعًا أو جالسًا على الأرض أم مقعد، وانتبه إلى أن يكون ظهرك مستقيمًا بمسند أو بدونه.

حاول ملاحظة كلّ الأصوات الّتي تصل إلى أذنيك، بدأ بالبعيدة ثم الأقرب، دونما بالضرورة أن تحزر مصدرها.

حاول الإصغاء إلى دقات قلبك، نبض الحياة فيك.

حاول الإصغاء إلى الصمت في مكان صلاتك، الصمت في داخلك

ابقَ في هذا الإصغاء بضع دقائق.

 

المناجاة مع يسوع

المناجاة مع يسوع

تخيّل يسوع كيف هو جالس بقربك. بهذه الطريقة تضع مخيّلتك في خدمة إيمانك. ألست تصلّي لأنّ الرب القائم من الموت حاضر معك؟ تخيّل أنّك حاضر مع صديق لك، وأنت تعلم أن هذا الصديق يحبّ أن تجلس بقربه بطريقة معيّنة، ألا تجلس بهذه الطريقة؟

قد تجد أن الطريقة الّتي يرغب فيها صديقك لا توافقك، فتتناقش معه كي تجدوا طريقة تناسبكما. بذات الطريقة "نتناقش" مع الرب. أحيانًا نتخيّله جالسًا معنا بطريقة ما، ولكنّها لا تدخلنا في أيّ اختبار عميق لحضوره، ولا أي سلام داخليّ. عندها يمكننا أن نحاول أن نرى طرقًا أخرى نجسّد في المخيّلة حضوره معنا. ولننتبه، فصورة تناسب اليوم قد لا تحمل لنا أيّ شعور غدًا، تمامًا كما يحصل في كلّ العلاقات الحيّة الّتي تنمو.

عندما يكلّمك الرّب عادة يكلّمك بكلماتك، كأنّك تكلّم ذاتك. ولكنّك تتفاجأ بأنك تقول كلمات لم تكن تفكّر في قولها الآن أو بهذا المعنى، أو تتفاجأ بمدى التعزية والانبساط الّذي تُثيره فيك هذه الكلمات، كأن تفتح أمامك آفاق حياة جديدة، أو تثير فيك إيمانًا وثقة متجدّدة.

يقول القديس اغناطيوس عن المناجاة : (رياضات روحية 54 و199)

"المناجاة بحصر المعنى هي مخاطبة صديق لصديقه، أو عبد لمولاه، فتارةً يلتمس نعمة، وتارة يعترف بأمر أساء عمله وتارة يُقضي بشؤونه ويستشير فيها.

تلاوة أبانا. يجب علينا في المناجاة أن نتكلّم ونوجّه طلباتنا بحسب مُقتضى الحال، أي حسبما أنا في حالة التجربة أو في حالة الانبساط، وحسبما أرغب في بلوغ فضيلة من الفضائل، وحسبما أُريد أن أتصرّف بنفسي في موقف من المواقف، وحسبما أُريد أن أتألّم أو أن أفرح بما أشاهده، وأخيراً أطلب ما أرغب فيه بشدّة في بعض الأمور الخاصة. وهكذا فمن الممكن أن تُجرى مناجاة واحدة للمسيح ربنا، وإن كان الموضوع أو الخشوع يحمل على الأمر، فيمكننا إجراء ثلاث مناجيات: "الأولى للأم والثانية للابن والثالثة للآب".

من الممكن أن تستعينوا لهذه الغاية بأيقونة للمسيح، أو لوالدة الإله، تُثير فيكم هذا الشعور بحضوره المحبّ إلى جانبكم.

 

مراجعة النهار اليومية

ما هي صلاة العهد أو مراجعة النهار؟

بما أنّنا نؤمن أن الله قطع "عهدًا" معنا، فهو حاضرٌ في كلّ تفصيل من تفاصيل الحياة ويعمل فيه، فلا بدّ من طريقة تمكّننا من التعرّف على علامات حضوره وعمله في واقعنا في نهاية النهار، وقبل أن يكون النعس قد أخذ مني كلّ مأخذ، وبالتالي فليس من الضرورة أن أُقيم هذا التمرين في اللحظة الّتي تسبق النوم. آخذ الوقت لأُقيم "صلاة العهد". موضوعها الأساسي هو إعادة النظر فيما عشته خلال النهار المنصرم. لذلك، إن كنت من الذين يستعينون عادة بمفكّرة، يكون من المفيد الاستعانة بها لهذه الصلاة.

 

كيف تتم ّ صلاة العهد؟

خذ الوقت للدخول في حضرة الله. تذكّر أنّه حاضرٌ معك وحاول اختبار هذا الحضور على قدر الإمكان. تذكّر يومك بسرعة. قد يساعدك على إعادة رؤية نهارك تذكّر الأماكن الّتي دارت فيها الأحداث المختلفة، وإعادة استحضارها في مخيّلتك، مع وجوه الناس وصور الأحداث التي تمّت فيها. كلّ ذلك يمرّ في خاطرك بسرعة.

ضع كلّ ذلك أمام الله، دون أحكام مسبقة على ما هو "خير" وما هو "شرّ". اطلب منه النور كي ترى الأمور وتميّزها كما يراها هو.

تذكّر الحدث أو أكثر الأحداث الّتي تُثير فيك سلام داخليّ، نوع من الرضى عن الذّات، عن الحياة، عمّا حصل، وعن الله. أشكر الله لأنّه يُعطيك علامة على تجاوبك معه في هذا الوقت. إنّ تصرّفاتك هذه تقود خطاك نحو مشيئته الّتي هي سعادتك.

في المرحلة التالية تتذكّر الأحداث الّتي تُثير فيك اضطراب وقلق وأسف. أشكر الله لأنّه يعطيك أن ترى أماكن تبعدك عن مشيئته وسعادتك. لا تغرق في لوم ذاتك. اللوم عقيم ولا يفيد، ولذلك هو من الشرير فتجنّبه. اطلب بالأحرى من الله، بعد أن تشكره، أن يعطيك النور كي ترى كيف يمكنك الإفادة ممّا عشته.

في النهاية قدّم لله نواياك وأصدقاءك ومن طلبوا صلاتك والليل المقبل مع كلّ ما سيجري فيه إن لم تكن ستذهب إلى النوم مباشرة بعد هذه الصلاة.

اختم بصلاة تحبّها.

 

صلاة لأجل صلاة العهد

يمكنك أن تبدأ صلاة العهد بهذه العبارات من المزمور 16 أو بغيرها :

- اِحْفَظْنِي يَا أللهُ                           = يا أللهُ أنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ

- قُلْتُ لِلرَّبِّ : أَنْتَ سَيِّدِي                 = قلتُ للربِّ : أنتَ خَيْرِي الوحيد

- فرحي في جميعِ الْقِدِّيسُينَ               = وفِي كلِّ الطَيِّبينَ في الأرض

- كَثُرَتْ أوجاعُ من اتَّبَعَ آلِهةً غيرَكَ       = أما أنا فلاَ أَذْكُرُ أَسْمَاءَها بِشَفَتَيَّ

- الرَّبُّ نَصِيبي وحظّي وارْتِوائي          = أَنْتَ عَلامَةُ انتِصاري وجائِزَتي

- وَقَعَتْ قِسْمَتي في أرضِ بَهْجَة           = وَكمْ أنا سعيدٌ بميراثي

- أُبَارِكُ الرَّبَّ الَّذِي يَنَصَحُنِي             = وفي الليلِ من باطِني يُرْشِدُنِي

- جَعَلْتُ الرَّبَّ فِي كُلِّ حِينٍ أَمَامِي        = هوَ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ

- لِذلِكَ فَرِحَ قَلْبِي، وَابْتَهَجَتْ رُوحِي        = وَجَسَدِي أَيْضًا يَنامُ بِسَلام

- فأنتَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ        = وَلَنْ تَدَعَ صديقَكَ يَرَى فَسَادًا

- بل تُعَلـّمُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ                = فأعيشُ دومًا في بَهْجَةِ حُضورِك

- فِي يَمِينِكَ مَسَرّاتٌ إِلَى الأَبَدِ             = المجدُ للآبِ والابنِ والروحِ القدس

-و= الآنَ وكلَّ أوانٍ وإلى دهرِ الدُهور. آمين

 

التعاطي مع التشتت

طريقة الصلاة هذه قد تثير الكثير من التشتتات. منها يأتي كتساؤلات : كيف أُدرك أنّني أفعل ما يجب؟ ما هو البرهان أنّ هذه الكلمات حقيقية وأن الله مصدرها؟ هل عندي فعلاً إيمان بالله؟

هذه الأسئلة لها قيمتها. ولكنّها إن أتت خلال الصلاة فهي للتشتت. لكلّ أمر وقته. أحيانًا أُدرك أنّ لديّ إجابات على هذه التساؤلات، ولكنني لا أتمكّن من تذكّرها الآن. غير ضروري. دور هذه الأسئلة خلال الصلاة، على أهميّتها، هو تعطيل رغبة الله الحاضر معي في أن يفتح قلبي على ما يريد. فلأتركه يفعل بي ما يشاء، ثم، عندما أُنهي صلاتي، أفكّر فيما سأعمل بما تلقّيته.

للتشتتات فخّ كلاسيكيّ مشهور وهو الحكم على الذّات والغضب من الذّات. فعندما أنتبه إلى تشتّتي أغضب من ذاتي لأنّي تشتّت. ثمّ أنتبه إلى أنّ غضبي كان تشتّتًا إضافيًا فأحزن لأنّني أضعت وقتي، وأدخل في دوّامة اللوم العقيمة.

عندما أنتبه إلى أنني تشتّت، أتذكّر بكلّ بساطة أنني هنا لأنّ الرب هو حاضر، بغضّ النظر عمّا أشعر به، وهو ينظر إليّ ويُدرك ما في قلبي. فأعود إلى الدخول في هذا الحضور ببساطة


Retour à la page d'acceuil

Comments