هل العلم والدين يتكاملان؟

العِلْمُ والدِّينْ

هل هما مجالان مختلفان أم متكاملان؟


بحث للمهندس/سمير نقاش

Ms. in Telecommunication

32 years in IBM WTC production &services Mgr.

Responsible of Apostolic Mvmnt MILES


ملاحظة : إن هذه الدراسة تتطابق مع النقطة 159 (Foi et Science)   من كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي الفاتيكاني رابط  http://www.vatican.va/archive/FRA0013/__PY.HTM


أخوتي الأحباء

في المجال العلمي، لا يفكّر العلماء ولا يثقون إلا بأبحاثهم واستنتاجاتهم العلمية التي يكتشفونها، وبالتالي فهم يتجنبون تماما كل علاقة مع الدين، لأنهم لا يؤمنون إلا بنتائج ابحاثهم ودراساتهم للظواهر الطبيعية المختلفة، ومن ثمّ ما يستنتجونه لها من قوانين علمية لتفسيرها. أما الدين بالنسبة لهم، فهو مجال روحي محض لا دخل لهم فيه، خاصة وانه مملوء بعجائب واسرار لاهوتية تظهر وكانها مظاهر "سحرية" غير مفهومة بالنسبة لعقلهم العلمي.

 

وفي المقابل، في المجال الديني، يتجنب الإكليروس والعلمانيون هم ايضا النواحي العلمية، لأن الكثير من معتقداتهم الروحية التي هي على شكل "اسرار" لاهوتية او كنسية يجب القبول بها بإيمان أعمى حتى ولو ظهرت غامضة بالنسبة للمنطق البشري، مثل قيامة المسيح من الموت، فتح عيون الأعمي، إقامة المكرسح، إقامة لعازر من الموت، مشي المسيح على الماء ودخوله والأبواب مغلقة، الأسرار مثل سر الإفخارستيا والمعمودية الخ.

 

واضح ان التباعد بين مجالي الدين و العلم هو في تزايد مطرد يوما بعد يوم، خاصة وان العلوم تقدمت بشكل هائل عبر الزمن متمثلة في الإختراعات المتقدمة جدا في جميع المجالات التطبيقية بحيث اصبحت متلازمة مع كل واحد منا في حياته اليومية، الأمر الذي يجعل الدين في اعاجيبه وأسراره الكنسية اكثر صعوبة للقبول المنطقي الحديث.

 

وهنا يأتي دورنا نحن المثقفون بالعلم والمؤمنون في ذات الوقت بالدين، فنتساءل: هل معقول أن يتباعد أو يتناقض العلم مع الدين في حين ان خالقهما هو نفسه؟ الجواب الأكيد هو كلا. فكلاهما ثمرة فكر وحكمة الله الذي خلق بهما الكون بحب كبير للإنسان، الذي نعتبره نحن المؤمنون انه الهدف النهائي للخلق. هذا هو إيماننا. إذن واضح ان محدودية فهمنا في المجالين هي التي أدت الى هذا اللغط. لذلك علينا نحن المثقفون علميا ان نجد الرابط بين مجالي العلم والدين، بهدف تثبيت إيماننا بالدرجة الأولى، وبالتالي تثبيت إيمان المترددين والمشككين بسبب هذا التباعد الظاهري بين الدين وأسراره، والعلم الملموس في حياتنا اليومية.

وجدير بالذكر أن ننتبه الى ان الذي فصل بين مجالي الدين والعلم هو العقل البشري المحدود وليس الله. فكلاهما بالنسبة لله الخالق هما ضمن مجال واحد يتكاملان فيه في وجود متكامل لم يعرفه عقلنا البشري بعد.

 

إخوتي الأحباء.

إن واقع الحياة اليومية الملموسة يجعلنا باستمرار مبهورين من التقدم الهائل الذي نراه في الإنجازات التطبيقية العلمية الملموسة التي تحيط بنا في جميع المجالات، والتي نستعملها يوميا بحيث اصبحت جزء لا يتجزأ من حياتنا، في حين ان الدين لا يشغل بالنا لأنه مملوء بالأسرار الغير ملموسة والتي لا تلازمنا في أعمالنا واشغالنا وتحركاتنا اليومية، إذ كلها ذات طابع صعب الفهم والقبول على عكس ما هو الحال في الأجهزة والتطبيقات الملموسة. فمن منا ليس لديه تليفون نقال أو سيارة أو تليفزيون ولم يركب طائرة أو يأخذ دواء، ولم يستعمل الفيس بوك أو اليوتيوب أو الواتس آب ... الخ الخ.

 

وهنا يأتي دورنا مرة أخرى نحن المثقفون بالعلم والمؤمنون بالدين في ذات الوقت، فنتساءل: هل يعلم الناس أن الأجهزة والتطبيقات التي تبهرهم كل يوم لم تكن تحصل لولا الدراسات والأبحاث العلمية المستفيضة التي يقوم به العلماء لتفسير الظواهر الطبيعية التي يراقبونها، وبالتالي يحاولون فهمها ووضع قوانين لها؟

 

إن الغالبية العظمى من الناس لا يعلمون ان العلماء في دراساتهم وابحاثهم حول الظواهر الطبيعية والحياتية وصلوا في العديد من الحالات الى حائط مسدود لم يستطيعوا فهمه أو تفسيره حتى اليوم. اذكر بعضها مثل: ثبات سرعة الضوء وبالتالي النظرية النسبية لأينشتاين. ما تفسير نظرية الكم، وثابت بلانك، وحائط بلانك، ما هو تفسير قوى الجاذبية ، وما هي حقيقة الموجات الكهرومغناطيسية، أي ما هو الفوتون والإليكترون والنيوترون والكواركز، ولماذا الصفر المطلق ؟؟؟ وغيرها وغيرها. يقولون انها جميعها ناتجة عن ضبابيات من اشكال مختلفة للطاقة،،، أي ان جميعها هي من المبهمات التي لا يزال العلماء لا يفهمونها ولا يستطيعون تفسيرها. (هذا كلام العلماء وليس كلامي) ... وبالتالي فإن كل الموجودات والظواهر التي نراها بأعيننا أونحس بها بأحاسيسنا، والتي تتكون من ذرات أو موجات كهرومغناطيسية هي إذن في حقيقتها النهائية مركّبة من ضبابيات من الطاقة على شكل اليكترونات أو بروتونات أو فوتونات (الخ)، وبالتالي قإن كل تركيبها هو ضبابي أيضا. وما اشكالها المرئية التي تراها عيوننا إلا صورا تكوّنها عقولنا من ما تحس به بمحدودية حواسنا الخمس. فالعين إذا نظرت الى اليد مثلا لن ترى الخلايا والجزيئات والذرات الضبابية المتكونة منها. وانما سترى مجرد يد لأن الله خلق العقل ةالعين والأحاسيس بمحدودية معينة لترى فقط الصورة المتكاملة لجسم ما، مكون في الواقع من لذرات وجزيئات يفسرها العقل على انه يد. أما الوجود الحقيقي لليد فهو أعقد بكثير مما تراه العين يصل الى درجة الضبابية من انواع الطاقة. معنى ذلك ان كل ما نراه من حولنا من اشياء جامدة أو حية أو حتى الإنسان ما هو الا صُوَرْ تُكَوّنُها عقُولنا بمحدودية من الحواس الخمس، اما حقيقة وجودها جميعها فهي أعقد من ذلك بكثير جدا جدا لدرجة الضبابية في اشكال من الطاقة.

إذن نحن أمام اسرار علمية حتى في الوجود الظاهري لعيوننا لم يفهمها العلماء حتى اليوم، بحيث جعلت من حقيقة وجود كل الملموس من حولنا بحواسنا اسرارا غير مفهومة وبعيدة عن الإدراك البشري اسوة بالأسرار الكنسية !!! فإذا اقرّينا بأن كل الوجود الصُّوَري الذي تراه عيوننا وتلمسه حواسنا هي مجرد صُور في عقولنا، حقيقتها هي ضبابيات للطاقة الغير مفهومه وكأنها اسرار، أصبح من المقبول قبول الأسرار الكنسية بنفس الإستسلام لواقع المجهول الذي قبلناه في العلم، معتقدين انه مرئي وملموس.

 

(من يريد التعمق في موضوع إن ما نراه هو صور وليس الحقيقة، يمكنه فتح الـ  YouTube على الروابط:)

https://www.youtube.com/watch?v=L45Q1_psDqk

https://www.youtube.com/watch?v=w0ztlIAYTCU

 

إذن فالصور التي تراها عقولنا في جميع الكائنات والموجودات من حولنا هي في الحقيقة صور لضبابيات من الطاقة. وصور جميع الكائنات الحية من حولنا هي في الحقيقة صور لضبابيات الطاقة بالإضافة الى ظاهرة سر الحياة، والذي هوايضا سر مجهول تماما للعلماء.

وعليه فصور جميع البشر من حولنا هي صور ايضا لضبابيات الطاقة بالإضافة الى سر الحياة المبهم و سر العقل المفكر والإرادة الحرة، والذي هو ايضا من المجهولات الأكثر ابهاما للعلم.

 

هذه هي حقيقة الوجود الصوري الذي نعيش فيه كل يوم منذ خلق الكون.

 

إذن، علميا، نحن نعيش في حقيقة اسرار علمية مبهمة هي الأخرى اسوة بأسرار الدين المباشرة التي عرفناها من الكشف الإلهي بيسوع المسيح ومن الروح القدس الحي معنا. وطبعا الذي خلق القوانين التي تتحكم في ضبابيات الطاقة هو الوحيد القادر على تعديلها وخرقها والتحكم بها وليس أحد اخر.

 

فإذا ما رأينا صورة يسوع يفتح عين الأعمى فإنه يفعل ذلك على مستوى حقيقة تكوين العين من ضبابيات الطاقة فتظهر لنا في صورة عجيبة.

وإذا كان جسد يسوع (المتجسد) هو طبعا مثلنا مكون من ضبابيات الطاقة فهو إذن قادر (بقوته الإلهية) أن يخرق ضبابيات طاقة تكوين الماء والجاذبية فيمشي على الماء. أو يدخل والأبواب مغلقة، أو يعيد الحياة لمن فقدته ضبابيات طاقة تكوين جسد ما، وحتى يسوع نفسه بجسده المكون من ضبابيات الطاقة بالإضافة الى قوى الحياة والعقل، حين مات جسده على الصليب في الصورة لنظرنا، فإن ضبابيات طاقة تكوين جسده لم تنعدم، كذلك عقله وإرادته، وانما الذي حصل انها فقدت صورة شكل تجمعها الذي أوجدتها قوة الحياة (التي هي ايضا ابهام تام للعلماء)، واستمرت بوجودها مع عقله وارادته معلنا قيامته في وجود سميناه وجود نوراني. لذلك لم تعرفه المريمات حين رأوه بعد قيامته.

 

كذلك يمكننا تفسير سر الإفخارستيا بنفس الطريقة. فهل يعقل بالعقل ان القربان الذي هو من عجين ونبيذ يتحول فعلا الى جسد (لحم) ودم المسيح؟؟؟. ولما لا؟ فعلى مستوى ضبابيات الطاقة فإن العجين والنبيذ واللحم والدم كلها مكونه من نفس الشكل النهائي الذي تتكون منها المواد في أشكالٍ لضبابيات الطاقة، ولكن المضمون الروحي ليس في التحول المرئي. لأن الفكرة هي في تقديم ذبيحة هي جسد ودم يسوع كذبيحة لله لمغفرة خطايانا. لذلك فإن تحول ضبابيات الطاقة هنا من شكل الى أخرليست ليتحول العجين والنبيذ حقيقة الى لحم على شكل لحم يمكن ان نشويه مثلا، أو دم من فئة معينة، وانما تفاعل ضبابيات هذا التحول يكتمل مع نية وإيمان عقل الشخص الذي يتناول هذا القربان بإيمان بأننا نقدم جسد المسيح  كتقدمة ذبيحة الى الله لمغفرة الخطايا، وهنا يتم سر الغفران بصورة حقيقية على مستوى ضبابيات كلا القربان والشخص الذي يتناوله (وليس للذكرى). لذلك فليس كل من وقف في صف المناولة يحصل على الغفران بسر الإفخارستيا، وانما فقط من كان مؤمنا وفاهما لما يحصل من تفاعل بين نية مفهومه لذبيحة تقدمة جسد ودم يسوع لله لمغفرة الخطايا وعقل يسوع الذي قدم نفسه كذبيحة على مستوى ضبابيات الطاقة. أما الاخرون فيتناولون مجرد عجين من الفرن، ونبيذ من الخابية بدون اي فائدة.


وهكذا نرى ان كل الوجود المادي المنظور الذي تراه العين أو أجهزة الأبحاث الإليكترونية التي يعتمد عليها العلم لوضع قوانين ونظريات محدودة ما هو الا ضبابيات غير مرئية وغير مفهومة لتجمعات من الطاقة، اي انها هي ايضا في مستوى الأسرار التي نتفاجأ بها في الدين.

 

طبعا الموضوع ليس بهذه البساطة. لأن ضبابية الوجود المادي لا تقتصر فقط على المادة، وانما تمتد الى ابعد من ذلك بكثير مع ما يضاف اليها من مبهمات والغاز علم الحياة والـحمض النووي والغرائز والعواطف والعقل والفهم السيكولوجيا وغيرها وغيرها... 

 
أخوتي الأحباء

كتبت كل هذه المقدمة لأبين لجميع الناس، علمانيين واكليريكيين، علماء أو من عامة الشعب، ان اسرار الوجود بالعلم اوبالدين هي ابعد بكثير من مستوى مفهوم العقل البشري في كلا العلم والدين. لأن كل هذه الأسرار تلتقي جميعها جبراً في فكر واحد هو فكر الله الذي ينفذه بحكمة ومحبة هائلة للبشر، وفي مستويات علمية وروحية تفوق بمراحل مستوى مقدرة فهم العقل البشري. لذلك هو لم يكشف لنا منها الا ما نراه بعقولنا وحواسنا، وما أراده لنا معرفته عبر تجسده في يسوع المسيح الذي كانت كل تعاليمه على شكل "امثلة من واقع الحياة المنظورة" لتمرير الرسالة. أما الأعاجيب والأسرار فجميعها تحصل ضمن ضبابيات الطاقة المبهمة تماما لطل علماء الفيزياء والأحياء. أما الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء اللاهوت فيحاولون جاهدين هم الآخرون أن يجدوا أجوبة من خلال اجتهادات تلتقي احيانا وتتناقض أحيانا أخرى. 

 من هنا أؤكد كلام يسوع الذي قال في انجيل يوحنا الفصل التالت العدد 12:

إذا كلمتكم بالأرضيات فلم تفهموا فكيف إذا كلمتكم بالسماويات.

كما قال لتوما في انجيل يوحنا الفصل 20 العدد 27:

هات اصبعك الى هنا و ابصر يدي، و هات يدك و ضعها في جنبي، و لا تكن غير مؤمن بل مؤمنا.

 

مع سلام المسيح


عودة الى صفحة الإستقبال 

Comments