رأي أهل التجسيم والحشوية


 

الآراء التوفيقية المتوسطة عند الإمام الأشعري 

 رأي أهل التجسيم والحشوية

 

يقول الإمام الشهرستاني ( رحمه الله ) : ‘‘ إن جماعة من الشيعة الغالية ، وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية ، صرحوا بالتشبيه مثل الهشامين من الشيعة ، ومثل ( مضر وكهمس واحمد الهجيمي ) ([1])، وغيرهم من اهل الشيعة قالوا : معبودهم صورة ذات اعضاء ، وابعاض اما روحانية ، او جسمانية يجوز عليه الانتقال ، والنزول ، والصعود ، والاستقرار والتمكين .’’ ([2])

وهذا كله من لوازم الجسمية ، والجسمية تقتضي المكان ، والجهة ، واهل الحق متفقون على : ‘‘ انه تعالى ليس في جهة من الجهات ، ولا في مكان من الأمكنة ، وخالف فيه المشبه ، ووصفوه بجهة الفوق اتفاقاً ثم اختلفوا فيما بينهم .’’ ([3])

أولاً : غالية الشيعة :

أ - يزعم هؤلاء : ان الله سبحانه وتعالى يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ، ولولا ذلك ما دلت عليه .

ولا أدري كيف سوغت لهم عقولهم بأن الله جسماً – تعالى الله عن قولهم – مع ان الجسمية ولوازمها مستحيلة على الله تعالى ، ويحاولون الخروج من ذلك بقولهم : جسمٌ لا كالأجسام ، ولا معنى لذلك إذا الجسم هو المجسم المحدد المتحيز. ([4])

وقال هشام بن الحكم : إن الله جسماً محدود عريض عميق طويل طوله مثل عرضه ، وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار ، بمعنى ان له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان ، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ، ذو لون ، وطعم ، ورائحة ، ومجَسَّة ، لونه هو طعمه ، وهو رائحته ، وهو مجسته ، وهو نفسه ، لون ، ولم يثبت لوناً غيره ، وانه يتحرك ، ويسكن ، ويقوم ، ويقعد .’’ ([5])

ب - يلزم من قولهم بالجسمية قولهم بالمكانية  حيث يرى هؤلاء ان الله تعالى له مكان ، ومكانه العرش .

‘‘ قال هشام بن الحكم : ان ربه في مكان دون مكان ، وان مكانه هو العرش ، وانه مماس للعرش ، وان العرش قد حواه وحده ، وقال بعض اصحابه : إن الباري قد ملأ العرش ، وانه مماس له .’’ ([6])

و إنما ذكرت هذه الأقاويل ، وما بعدها ، وما فيها من الهذيان الذي لا يرتضيه عقل ولا دين لكي يحذر المسلم الذي يطلع على هذه الآراء ، ويعرف انها من اقوال     ( المجسمة ) و ( الغالية ) ، ويطهر عقيدته من مثل هذه النجاسات ، والترهات ، ويربأ بنفسه من ان يرتع ، ويرعى مع البهائم ، والعجماوات .

        إذ ان الله سبحانه وتعالى وتقدس ، أجل ، واعلى ، مما يصفه الجاهلون ، وهو اصدق القائلين يقول ] سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ  وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ ([7])

        وحكى الكعبي عن هشام بن الحكم انه قال : هو جسمٌ ذو ابعاض له قدر من الأقدار ، ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، ولا يشبهه شيء ، ونقل عنه انه قال : هو سبعة أشبار بشبر نفسه ، وانه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة ، وانه يتحرك ، وحركته فعله ، وليس من مكان إلى مكان ، وقال هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة .

         وحكي عنه ابو عيسى الوراق أنه قال : ان الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء من العرش ، ولا يفضل عن العرش شيء منه . ([8])

        أما هشام بن سالم الجواليقي ، فيقول : إن الله تعالى على صورة أنسان أعلاه مجوف ، واسفله مصمت ، وهو نور ساطع يتلألأ ، وله حواس خمس ، ويد ، ورجل ، وأنف ، ,اذن ، وعين ، وفم ، وله وفرة * سوداء …؛ لكنه ليس بلحم ، ولا دم . ([9])

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً : مشبهة الحشوية :

        ‘‘ وأما مشبهة الحشوية فذكر الاشعري عن محمد بن عيسى انه حكى عن مضر ، وكهمس ، وأحمد الهجيمي : أنهم أجازوا على ربهم الملامسة ، والمصافحة ، وان المخلصين من المسلمين ( يعانقونه ) ([10]) في الدنيا ، والآخرة إذا بلغوا من الرياضة ، والإجتهاد إلى حد الإخلاص ، و الاتحاد المحض  .

        وحكى الكعبي عن بعضهم : انه كان يجوز الرؤية في الدنيا يزوروه ويزورهم .

        وحكي عن داود الجواربي ([11])انه قال : اعفوني عن الفرج ، واللحية ، واسألوني عما وراء ذلك .

        وقال : ان معبودهم جسم ، ولحم ، ودم وله جوارح ، وأعضاء من يد ، ورجل ، ورأس ، ولسان ، وعينين ، واذنين ، ومع ذلك جسمٌ لا كالأجسام ، ولحم لا كاللحوم ، ودم لا كالدماء ، وكذلك سائر الصفات ، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، ولا يشبهه شيء .

        وحكي انه قال ، هو اجوف من أعلاه إلى صدره مصمت ما سوى ذلك ، وان له وفرة سوداء ، وله شعر قطط .

        وأما ما ورد في التنزيل من الاستواء ، والوجه ، واليدين ، والجنب ، والمجيء ، والإتيان ، والفوقية ، وغير ذلك ، فأجروها على ظاهرها أي ما يفهم عند الاطلاق على الأجسام .

        وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة في قوله u : (( خلق آدم على صورة الرحمن )) ، وقوله (( حتى يضع الجبار قدمه في النار )) ، وقوله (( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن )) ، وقوله (( خمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً ) ، وقوله (( وضع يداه أو كفه على كتفي )) ، وقوله : (( حتى وجدت برد أنامله في صدري )) إلى غير ذلك .

        أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام وزادوا في الأخبار ( أكاذيب ) وضعوها ، ونسبوها إلى النبي ( عليه الصلاة والسلام ) ، و أكثرها مقتبسة من اليهود فإن التشبيه فيهم طباع حتى قالوا : أشتكت عيناه فعادته الملائكة ، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه ، وان العرش ليأط من تحته كاطيط الرحل الجديد ، وانه ليفضل من كل جانب أربعة أصابع …الخ ’’. ([12])

هذه مقالاتهم في التشبيه عامة ، وفي الصفات الخبرية خاصة ، أما قولهم بالجهة ، وتفسير الاستواء بالاستقرار على العرش ، فمشهور .

        ‘‘ قال بعض من ينتحل الحديث : إن العرش لم يمتلئ به ، وانه يُقْعِدُ نبيه u  معه على العرش ’’. ([13])

        وقد تقدم اتفاقهم على القول : بأن الله تعالى عن قولهم في جهة ( الفوق ) .

وأما قولهم بالجسمية فقد ‘‘ قال مقاتل بن سليمان إن الله جسم ، وإنه جثة على صورة الإنسان لحم ، ودم ، وشعر ، و عظم له جوارح ، وأعضاء من يد ورجل ، ولسان ، ورأس ، وعينين ، وهو – مع هذا – لا يشبه غيره ، ولا يشبهه .

        وكثير من الناس يقولون : هو مُصْمَتْ ، ويتأولون قول الله ( الصمد ) المصمت الذي ليس  بأجوف ’’ ([14])

        ويؤيد ما ذُكر قول الشهرستاني : ويحكى عن مقاتل بن سليمان ايضاً أنه كان يقول مثل مقالة شيطان الطاق ([15]): إن الله تعالى نور على صورة انسان ، ويأبى ان يكون جسماً ؛ لكنه قال : قد ورد في الخبر ( ان الله خلق آدم على صورته ) و ( على صورة الرحمن ) فلا بد من تصديق الخبر . ([16])

        ‘‘ وكذلك يحكى عن داود الجواربي ، ونعيم بن حماد المصري ، وغيرهما من أصحاب الحديث إنه تعالى ذو صورة ، واعضاء ، ويحكى عن داود أنه قال : اعفوني عن الفرج ، واللحية ، واسألوني عما وراء ذلك ، فإن في الأخبار ما يثبت ذلك .’’(([17]))

        ومع الأسف الشديد ان يصدر مثل هذا الكلام من محدث يروي حديث رسول الله y ، ويجله الناس ، ويحترمونه ، ويثقون به ؛ فيلتبس الأمر على العوام ؛ لما عرفوه من جلالة قدر المحدثين ،  وتثبتهم في النقل حتى يتصور العامي أنه ما قال بهذا القول إلا لأن السلف قالوا به ، وهو نقله عنهم ، وكما يتبجح بذلك بعض أدعياء السلف اليوم ، ويسمون أنفسهم  (السلفية ) ، ولو دققوا النظر ، وعرفوا من يتبعون ؛ لعلموا انهم خلف لمثل هؤلاء السلف المجازفين في أقوالهم التي لا يرتضيها جاهل فضلاً عن عالم .

        وهؤلاء الذين يقولون بهذه الأقاويل من أن الله جسم ، وصورة ، ولحم ، ودم ، وجثة ، وشعر ، وعظم ، له جوارح ، واعضاء  ، من يد ، ورجل ، ولسان ، ورأس ، وعينين ، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره ؛ ولا أدري كيف استقام ذلك في عقولهم – تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا – كيف يرضى مسلم لنفسه مثل هذا المعتقد؟!! وكيف ينسبه إلى السلف الصالح ( رضوان الله عليهم اجمعين )  ، وهم بريئون منه    ] كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا[ ([18])، وحاشا السلف الصالح      ( رضي الله عنهم ) من مثل هذه الأقاويل التي لا يقبلها ، عقل ، ولا يرتضيها دين .

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

على أن رأي السلف مشهور ، ومسطور ، وهو ( التفويض ) أي التوقف ورد علم ذلك إلى الله تعالى كما مرَّ في المطلب الأول من هذا المبحث ، فأين ( التفويض ) من هذا التوغل  في (التشبيه) .

        وهؤلاء ( الحشوية )، وإن انتسبوا إلى اهل العلم ، والحديث ، ولكنهم تجاوزوا حدودهم ، فالرسول y يقول : (( نضر الله أمراً سمع مقالتي فوعاها ، وحفظها وبلّغها فرب حامل إلى من هو افقه منه )) .([19]) هذا هو توجيه الرسول y للمحدث الذي يبتغي الأجر ، والثواب ، ان يؤدي قول الرسول y مثل ما سمعه بلا زيادة ، ولا نقصان ، فلعل الذي يصله هذا الحديث يكون أوعى ، وافقه من هذا السامع لحديث رسول الله y ، والذي من واجبه اداءه كما سمعه بلا زيادة شرح ، ولا نقصان ، هذا هو توجيه الرسول y للمحدثين أرواحنا له الفداء .

        لذلك نرى الإمام الاشعري ( رحمه الله ) يقول : وقال بعض من ينْتَحِل الحديث كما ذكرت ذلك آنفاً ، ولم يقل قال اهل الحديث ، لأن أهل الحديث مبرؤن عن هذا الأنتحال ، والكذب ، والوضع على رسول الله y .

        جزى الله المحدثين الأمناء عنا وعن المسلمين احسن الجزاء ، وجازى الواضعين السفهاء أسوء الجزاء وبَوَأهم مقاعدهم من النار .

        وهنا كلام نفيس للشيخ سلامة القضاعي الشافعي ( رحمه الله ) اورده بنصه ، وفصه ؛ لتنبيه الغافل الوسنان ، ونصيحة الأخوان والخلان؛ اذ الدين النصيحة كما قال رسول الله y.

        قال ( رحمه الله ) : ‘‘ واعلم انه ما من بدعة حدثت ، او تحدث بعده عليه الصلاة والسلام إلا في كتاب الله وسنة رسوله y الرد عليها ، والمخرج عنها ، لقوم يفقهون ، اجزل الله حظنا وحظك من الفقه في دينه ، وآتانا واياك الفهم في كتابه ، وكمال العلم بما تهدي إليه سنة نبيه ، ومن ظن ان اهل العلم فضلاً عن سواهم سواسية في فهم الكتاب والسنة ، فقد ظن خطأً وبَعدُ عن الصواب بعد الشمس عن الأرض ، إلا أنه ليس عليه ضياء .

        وبياناً لهذا التفاوت حث رسول الله y حاضري مجلسه الشريف ومقاماته المنيفة ان يبلغ الشاهد الغائب ، ففي صحيح البخاري وغيره (( إلا ليبلغ الشاهد الغائب ، فرب مُبَلَّغٍ اوعى من سامع )) ([20]) ، فلم يقتصر على الأمر حتى بين لهم ( عليه الصلاة والسلام ) سر الأمر وحكمته ، وفي لفظ آخر (( نضَّر الله امراً سمع منا حديثاً فوعاه واداه كما سمعه ، فرب حامل فقه إلى من هو افقه منه )) ، وفي لفظ آخر : (( رب حامل فقه ليس بفقيه )) – رواه البزار باسناد حسن([21]) ، وابن حبان في صحيحه ، وصححه الحافظ المنذري – صلى الله وسلم وبارك عليه ما أحسن ما رسم ، ولو ان الناس وقفوا عندما رسم ما نكبت الامة بهذه البدع الشنيعة في الأصول والفروع فانظر إلى قوله الشريف للرواي عنه : ( كما سمعه ) فهو تصريح بالحجر على غير الفقيه ان يخوض فيما رواه بزيادة تفسير ، أو تأويل ، ولكن يدع الأمر في ذلك لمن تأهل له ، فما كُلُ من روى يقبل رأيه الذي رأى ، ولا كُلُ من حفظ اللفظ اهلاً لبيان كنه المعنى وما يستبط منه ، واذا كان ذلك كما وصفت في كلام رسول الله y في ظنك بكلام رب العالمين ؟ وواضحٌ كُلَ الوضوح ان لكل فن مؤهلات ، فمن خاض فيه بدونها كان خطؤه أكثر من صوابه ، وضرره أقرب من نفعه .

        وكان الناس في الصدر الأول على الحدود التي حدها لهم اعرف الناس بالهدى وطرقه ، وارحمهم بهم y ، فعم الخير كُلَ امورهم عِلميها ، وعمليها ، ولما بدأ الناس يبعدون عن عهد النبوة شرعت شراذم منهم تتخطى الحدود فتكلم غير الفقيه فيما روى بما رأى ، وقال في الأمور العامة من لا يحسن أموره الخاصة ، وتحقق ما أخبر به النبي y (( من ان الساعة لا تقوم حتى يتكلم الرُّويْبضةُ ))([22]) وهو تصغير رابض والتاء للمبالغة لا للتأنيث وهو الرجل الحقير ، ربض عن معالي الأمور أي قعد عنها ، وقد روي في الحديث تفسيره قيل يا رسول الله ما الرويضة ؟ قال : (( الرجل التافه ينطق في أمور العامة )) ، وما زال اولئك الشُّذَّاذ يتعصبون لأهوائهم ، ويتبعهم أمثالهم ، وكثير من الناس – كما قال الإمام علي t  - همج رعاع اتباع كُلِ ناعق ([23]) ، وطال العهد حتى صار لكل خلْف – بسكون اللام – من تلك الطوائف سلف طالح ، كما للخلف السلف الصالح ، وقد ثبت في الحديث مرفوعاً : (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين )) ([24])          – رواه عن النبي y عدة من الصحابة – ، وأخرجه ابن عدي من طرق ، وجزم الحافظ العلائي بأنه حديث حسن ، و رواه النووي في أول تهذيبه ، وشرح ما يستنبط منه .’’ ([25])

 

 

ثالثاً : الكرَّامية

        وهم أصحاب عبد الله محمد بن كرَّام كان ممن يثبت الصفات إلا إنه ينتهي فيها إلى التجسيم ، والتشبيه ….

        نص أبو عبد الله على أن معبوده على العرش استقراراً ، وعلى أنه بجهة فوق ذاتاً ، وأطلق عليه اسم الجوهر ، فقال في كتابه المسمى عذاب القبر : (( إنه أحدي الذات أحدي الجوهر ، وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا ، وجواز الانتقال ، والتحول ، والنزول )) .

        ومنهم من قال :  إنه على بعض أجزاء العرش ، وقال بعضهم أمتلأ العرش به ، وصار المتأخرون منهم  إلى أنه تعالى ( بجهة فوق) ، ومحاذٍ للعرش ثم اختلفوا :

        فقال العابدية : إن بينه ، وبين العرش من المسافة ما لو قدر بالجواهر   لاتصل به .

        وقال محمد بن الهيصم : إن بينه ، وبين العرش بعداً لا يتناهى ( وإنه مباين للعالم ) بينونة أزلية ، ونفى التحيز ، والمحاذاة ، وأثبت ( الفوقية ) ، و ( المباينة ) ، وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه .

        والمقاربون منهم قالوا : يعني بكونه جسماً ( إنه قائم بذاته ) ، وهذا هو حد الجسم عندهم ….

        فقضى بعضهم بالتجاور مع0 العرش ، وحكم بعضهم ( بالتباين ) …. ثم أعلى الجهات ، وأشرفها جهة ( فوق ) ، فقلنا هو بجهة ( فوق ) بالذات ….

        وزعموا إن في ذاته سبحانه حوادث كثيرة مثل الإخبار عن الأمور الماضية ، والآتية ، والكتب المنزلة على الرسل ( عليهم السلام ) ، والقصص ، والوعد ، والوعيد ، والأحكام …. الـخ  .

        وقد اجتهد ابن الهيصم في إرمام ([26]) مقالة أبي عبد الله في كل مسألة حتى ردها من ( المحال الفاحش ) إلى نوع ( يفهم ) فيما بن العقلاء .

أ - مثل التجسيم ، فإنه أراد بالجسم ( القائم بالذات ) .

ب – ومثل ( الفوقية ) ، فإنه حملها على ( العلو ) ، وأثبت ( البينونة ) الغير متناهية ، وذلك ( الخلاء ) الذي أثبته بعض الفلاسفة .

ج - ومثل ( الاستواء ) ، فانه نفى المجاورة ، والمماسة ، والتمكن بالذات .

        غير مسألة ( محل الحوادث ) ، فإنها ما قبلت المرمة [ أي الأصلاح ] ، فالتزمها ، وهي من أشنع المحالات عقلاً ، وعند القوم أن الحوادث تزيد على المحدثات بكثير ، فيكون في ذاته أكثر من عدد المحدثات عوالم من الحوادث ، وذلك محال وشنيع.

        ومما أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولهم : الباري تعالى عالم بعلم قادر بقدرة حي بحياة شاء بمشيئة ، وجميع هذه الصفات قديمة أزلية قائمة بذاته ، وربما زادوا السمع والبصر كما أثبته الأشعري ، وربما زادوا اليدين والوجه صفات قائمة به ، وقالوا ( له يد لا كالأيدي ) ، ( ووجه لا كالوجوه ) ، وأثبتوا جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات .

        وزعم ابن الهيصم : أن الذي أطلقه ( المشبهة ) على الله  عز وجل  من الهيئة والصورة ، والجوف ، والإستدارة ، والوفرة ، والمصافحة ، والمعانقة ، ونحو ذلك لا يشبه سائر ما أطلقه ( الكرامية ) من أنه خلق آدم بيده ، وأنه استوى على عرشه وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق ، وذلك إنّا [ الكلام لابن الهيصم ] لا نعتقد من ذلك شيئاً  على معنى فاسد من جارحتين ، وعضوين تفسيراً لليدين ، ولا مطابقة المكان ، واستقلال العرش بالرحمن تفسيراً للاستواء ، ولا تردداً في الأماكن التي تحيط به تفسيراً للمجيء ، وإنما ذهب في ذلك إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف ،     و تشبيه ،و ما لم يرد به القرآن ، والخبر ، فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة ، والمجسمة([27]).

        وهو بهذا  يحاول الدفاع عن هذا المذهب المتهافت ، ولكن اين هو من قول امامة صاحب المقالة ( أبن كرَّام ) حيث ‘‘ ذهب ابو عبد الله محمد بن كرَّام إلى أن كونه في الجهة ككون الأجسام فيها ، وهو أن يكون بحيث ( يشار إليه ) انه هاهنا أو هناك قال : وهو مماس للصفحة العليا من العرش ( ويجوز عليه الحركة والانتقال ) ، وتبدل الجهات ، وعليه اليهود حتى قالوا العرش يئط من تحته أطيط الرحل الجديد تحت الركب الثقيل ، وقالوا انه يفصل على العرش من كل جهة أربعة أصابع .’’([28])

        لذلك نرى متأخريهم قد حاولوا التملص من هذه الاشكالات ‘‘  فمنهم من قال : هو محاذ للعرش غير مماس له ، فقيل بعده عنه بمسافة متناهية وقيل بمسافة غير متناهية ، ومنهم من قال : ليس كونه في الجهة ككون الاجسام في الجهة ، والمنازعة مع هذا القائل راجعة إلى اللفظ دون المعنى ( و الإطلاق اللفظي متوقف على ورود الشرع به .’’([29])

        ما تقدم هو تفصيل لرأي ( الكرامية ) ، وقد يلمح المتتبع تشابهاً يكاد يكون حرفياً بين آراء ( الكرامية ) ، وآراء ( ابن تيمية ) وخصوصاً التعديلات التي أدخلها ابن الهيصم على مذهب ( ابن كرَّام ) ، فمثلاً :

        إثبات انه تعالى على العرش استقراراً ، وعلى انه بجهة فوق ذاتاً عند الكرامية يشابه قول ابن تيمية : ‘‘ انه لا يزال فوق العرش ،ولا يخلو العرش منه مع دنّوه ، ونزوله إلى السماء الدنيا ، ولا يكون العرش فوقه …. ثم يقول : وفي الجملة ، فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث .’’([30])

        ويقول ابن تيمية ‘‘ ولم يقل أحد منهم [ أي السلف ] ان الله ليس في السماء ، ولا انه ليس على العرش .’’([31])

        فنجد ابن تيمية يصرح بان الله فوق العرش ، ولكن بدل قول الكرامية ( على العرش استقراراً ) يقول : ( ولا يخلو العرش منه ) ، فما هو الفرق بين قول القائل : انا على الكرسي استقراراً ، وقوله : إن الكرسي لا يخلو مني .

        وينسب ابن تيمية إلى السلف القول بأن الله تعالى فوق العرش من غير قيد أو شرط ، فلو قال : إن الله استوى على العرش لقلنا هذا رأي السلف ، ولكن إطلاق القول بأن الله فوق العرش ليس قولاً للسلف الصالح ( رضي الله عنهم ) ؛ وانما هو قول الكرامية ، وجملة المشبهة .

ولا سيما أن ابن تيمية يدعي الالتزام بالنصوص – كما أدعاها ( ابن الهيصم ) - ، والحرفية ، والظاهرية ، وأن منهجه في الأسماء ، والصفات منهج نصي ، فما أثبته النص أثبته ، وما نفاه نفاه ، حيث يقول ‘‘ فأما التوحيد في الصفات ، فالأصل في هذا الباب ان يوصف الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفته به رسله نفياً ، وإثباتاً ، فيثبت لله ما أثبته لنفسه ، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه .’’([32])

ونحن ([33]) نطالبه إن كان سلفياً حقاً أن يلتزم بما قاله السلف أولاً ، وبما ألزم به نفسه من التمسك بالنصيّة ، والحرفية ثانياً

 

ونسأل ابن تيمية ، وأتباعه هذا السؤال : هل ورد عن السلف الصالح  y انهم قالوا : إن الله لا يزال فوق العرش ،ولا يخلو العرش منه مع دنوه ، ونزوله إلى          السماء الدنيا ؟! كما سبق من قول ابن تيمية !!

        الجواب : كلا وحاشا السلف الصالح y   من ذلك اذ قولهم هو ( التفويض ) كما هو مشهور .

 

وهناك سؤال آخر : هل ورد في النصوص من القرآن الكريم ، والسنة النبوية الصحيحة لفظ أن الله فوق العرش ؟!

        وهنا نؤكد على ( السنة الصحيحة ) ؛ لأن الكلام في الأعتقاد ، والتشدد ، والتثبت في الاعتقاد واجب خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإثبات صفة لله تعالى !!

        والجواب : يقولون [ ابن تيمية وأتباعه ] نعم ورد في حديث ( الأوعال ) ؛ وما أدراك ما حديث الأوعال !

        يروي البيهقي ( رحمه الله ) بسنده ويقول : ‘‘ اخبرنا ابو علي الروذباري انبأنا ابو بكر بن داسة حدثنا داود حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب t قال : كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله y ، فمرت سحابة فنظر إليها فقال : (( ما تسمون هذه ؟ قالوا السحاب ، قال : والمزن ؟ قالوا : والمزن قال : والعنان ؟ قالوا : والعنان ، قال : هل تدرون بُعْدَ ما بين السماء والأرض ؟ قالوا : لا ندري ،   قال : إن بعد ما بينهما إما واحدة ، أو اثنتان ، أو ثلاث وسبعون سنة ، ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ، ثم من فوق السابعة بحر بين أسفله ، وأعلاه كما بين سماء إلى سماء ، ثم فوق ذلك ثمانية ( أوعال ) بين أظلافهم ، وركبهم مثل ما بين سماء ، وسماء ، ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله ، وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ، ثم الله تبارك ، وتعالى جل ثناؤه فوق ذلك .’’([34])

هذه إحدى روايات الحديث ، وهناك روايات أخرى أورد احداها البيهقي أيضاً ، وهي أيضاً عن سماك عن عبد الله بن عميرة واخرجها ابو داود في السنن كما ذكر ذلك البيهقي .([35])

وايضاً هذه الرواية عند ابن منده حيث نجد أن لفظ ( فوق العرش ) لم يرد مرفوعاً إلا في بعض طرق حديث الأوعال ، وفي سنده ( عبد الله بن عميرة ) مجهول الحال ، ولم يدرك الأحنف فضلاً عن العباس .([36])

ويعلق الشيخ زاهد الكوثري على ( عبد الله بن عميرة ) أحد رواة هذا الحديث ، حيث يقول : قال الذهبي : فيه جهالة ، وقال البخاري لا يعرف له سماع من الأحنف .

بل قال ابن العربي في العارضة : حديث الأوعال متلقف من الإسرائيليات .([37])

ويقول الإمام الترمذي ( رحمه الله ) بعد رواية حديث الأوعال : ‘‘ هذا حديث حسن غريب ، وروى الوليد بن أبي ثور عن سماك نحوه ، ورفعه ، وروى شريك عن سماك بعض هذا الحديث واوقفه ولم يرفعه . ’’([38])

نجد ان سماك انفرد بهذا الحديث عن عبد الله بن عميرة الذي انفرد به أيضاً ، وهو مجهول الحال ولم يعرف له سماع من الأحنف بن قيس ؛ لذلك وصف الإمام الترمذي هذا الحديث بالغرابة . ([39])

‘‘ وسماك بن حرب هو ابو المغيرة الهذلي الكوفي قال احمد : سماك مضطرب الحديث ، وقال النسائي : اذا انفرد بأصل لم يكن بحجة ، لأنه كان يلقن  فيتلقن .’’([40])

وقد انفرد هنا سماك ، وهذه هي اقوال الأئمة فيه ، وفي عبد الله بن عميرة ، فلا عجب بعد كل هذا في قول الإمام ابن العربي المالكي : ‘‘ ولم يصح شيءٌ منه [ أي من حديث الأوعال ] وانما هي امور تلقفت  من أهل الكتاب ليس لها أصلٌ                في الصحة .’’([41])

وايضاً ففي سند هذا الحديث انقطاع خفي ؛ لأنه في الظاهر متصل وفي الحقيقة منقطع ، وهذه علة قادحة في سند هذا الحديث و تعرف من دراسة أحوال الرواة         كما مرَّ.

حيث إن ( عبد الله بن عميرة ) يروي عن الأحنف عن العباس ، وهو لم يدرك الأحنف فضلاً عن العباس .

يقول الشيخ الكوثري ( رحمه الله ) : فكيف يصح حديث فيه انقطاع ، ومجهول  ، ومن لا يحتج بانفراده ، وتحسين الترمذي بالنظر إلى تعدد الطرق بعد سماك ، لا بمعنى أنه يحتج به ،  وتخريج الضياء مما لا يجدي عند ظهور العلل لكل ذي عينين بل الخبر إسرائيلي راج على بعضهم فتناقلوه بهذا الإسناد  . ’’([42])

فكيف يستدل بهذا الحديث في الأصول والعقائد من يدعي التثبت ، ولا يعمل إلا بالأحاديث الصحيحة  في الفروع  فضلاً عن الأصول .

وباقي الأحاديث التي استدلوا بها على أن الله فوق العرش  لا تقل هشاشةً ، وضعفاً عن هذا الحديث ، واستدلوا بأشعار جاهلية لأمية بن أبي الصلت ، وبقصة فيها شعرٌ أيضاً اوهم القائل له زوجته على أنه يقرأ من القرآن أعرضت عن ذكر ذلك لأنه أضعف من أن يرد عليه .

وقد استوعب الزميل الأخ صهيب محمود السقار ، واستفاض في بيان أحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد ، وعللها فمن أراد الوقوف عليها فأحيله إليه .([43])

على أن ابن تيمية يناقض قوله السابق : ( إن الله لا يزال فوق العرش ، ولا يخلو العرش منه مع دنّوه ، ونزوله إلى السماء الدنيا ) بقوله : ‘‘ إذا قال : كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ؟

قيل له : كيف هو ؟

فإذا قال : لا أعلم كيفيته ، قيل له : ونحن لا نعلم كيفية نزوله ، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف ، وهو فرع له وتابع له فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه ، وبصره ، وتكليمه ، و ( استوائه ) و ( نزوله ) ، و أنت لا تعلم كيفية ذاته ؟ .’’([44])

فنراه يثبت الاستواء المكيف في قوله الأول ( انه لا يزال فوق العرش ، ولا يخلو العرش منه ) ، ومن ثم ينفي العلم بكيفية هذا الاستواء في قوله الثاني ( فكيف تطالبني بالعلم بكيفية …… استوائه  و نزوله  ، وانت لا تعلم كيفية ذاته ) .

والخطورة والتناقض في اثباته ( الكيفية ) حتى مع عدم علمه بكيفية هذه الكيفية ، وهو بهذا يحاول التخلص من لوازم الجسمية حيث ان النزول يقتضي الانتقال ،  وهو من لوازم الجسمية ، والله تعالى منزه عن ذلك كله ، فهو يحاول التخلص من هذه اللوازم كما حاول أسلافه الكرامية التخلص منها بقولهم ( وليس كونه في الجهة ككون الأجسام في الجهة ) ، وقولهم ( هو محاذٍ للعرش غير مماس له ) كما ذكرت ذلك .

يقول الشيخ عبد العظيم الزرقاني ( رحمه الله ) : ‘‘ ثم ان هؤلاء المتمسحين بالسلف متناقضون ؛ لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ، ولا ريب ان حقائقها تستلزم الحدوث ، و أعراض الحدوث كالجسمية و التجزء والحركة و الانتقال ، لكنهم  بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم ، مع أن القول بثبوت الملزومات ، ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه  لنفسه عاقل فضلاً عن طالب ، او عالم .

فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة : إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز ، فكأنهم يقولون : أنه مستوٍ غير مستوٍ ، أو متحيز غير متحيز ، وجسم غير جسم ، أو ( أن الاستواء على العرش ليس هو الإستواء على العرش ، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار  فوقه ) إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت ! ’’([45])

هذا هو المغزى والحاصل من كلام ابن تيمية ، ومن اقتفى أثره ، ولو كان ابن تيمية سلفياً حقاً لوسعه قول السلف الصالح ( رضي الله عنهم ) ولقال بأقوال السلف  التي أوردتها في المبحث الثاني من هذا الفصل ، وهي أقوال السلف الذين يدعي الانتساب إليهم ، وإذا لم يكن هؤلاء الأئمة ومنهم الإمام أحمد بن حنبل t   من السلف ؛ فمن هم السلف ؟!!

ولكن أبى ابن تيمية إلا أن يقول بقول ( الكرامية ) ولم تسعه هذه الأقوال من السلف الصالح ( رضي الله عنهم ) الذين ما وصلوا إلى الفضيلة الكاملة والعلم الصحيح إلا بمثل هذه الأقوال السديدة .

ونلاحظ أن التطور الذي قام به ابن الهيصم في مذهب ابن كرّام قد قام بمثله ابن تيمية واتباعه في تطوير مذهب بعض حنابلة القرن الرابع الهجري الذين رد عليهم العلماء في وقتهم و ألزموهم الحجة ،  وجاء ابن تيمية في أوائل القرن الثامن الهجري متحمساً لأحياء آرائهم التي فندها العلماء كل التفنيد في وقتها ، وخصوصاً علماء الحنابلة أنفسهم ، فهذا ابن الجوزي ( رحمه الله ) قد ألف كتابه دفع شبه التشبيه حيث يقول فيه حاكياً مقالتهم : ‘‘ إنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحس ، فقالوا ينزل بذاته وينتقل ويتحول ، ثم قالوا لا كما يعقل ، فغالطوا من يسمع ، وكابروا الحس والعقل ، فحملوا الأحاديث على الحسيات ، فرأيت الرد عليهم لازماً ؛ لئلا ينسب الإمام أحمد ( رحمه الله ) إلى ذلك .’’([46])

فهذه شهادةٌ من عالم كبير من علماء الحنابلة عايش الفتنة ، وتصدى لها ، وبين لنا أقوال هؤلاء وانها خارجةٌ عن الحس والعقل ومكابرة لهما ، ومغالطة للسامعين ، ومكذوبة على الإمام أحمد  t  .

ونرى بعد ذلك أن ابن تيمية جاء لأحياء أقوال هؤلاء ويدعي أنه إحياء لمذهب السلف ، ويعني بالسلف هؤلاء وامثالهم ، وكان القاضي أبو يعلى الفقيه الحنبلي المشهور المتوفى سنة ( 457هـ ) من هؤلاء ، وهو غير الحافظ ابو يعلى أحمد بن علي الموصلي الخليلي صاحب المسند ، حتى قال فيه بعض فقهاء الحنابلة : لقد شان أبو يعلى الحنابلة شيناً لا يغسله ماء البحار ، وبمثل ذلك قال من الحنابلة ابن الزاغواني المتوفى سنة ( 527هـ ) : انهم صنفوا كتباً شانوا بها المذهب . ([47])

‘‘ ولذلك استتر هذا المذهب حتى أعلنه ابن تيمية في جرأة وقوة وزاد آرائه انتشاراً اضطهاده بسببها فإن الاضطهاد يذيع الآراء وينشرها.’’([48])

 

ولا أريد أن اطيل فإن الحليم تكفيه الإشارة وسليم الصدري يكفيه ولو دليل واحد ولكن لزيادة الفائدة والاستبصار اورد جدولاً يبين التشابه بين آراء ابن كرام السجستاني وأتباعه مع آراء ابن تيمية الحراني واتباعه ؛ ليتضح للقارئ النبيه ، والناظر الفطن ، أن هذه الآراء من تلك ، ولا علاقة لها برأي السلف لا من قريب ولا من بعيد كما أسلفت .

 

 

ت

آراء ابن كرّام وأتباعه

ت

آراء ابن تيميّة وأتباعه

1

نص ابو عبد الله ( ابن كرّام ) على أن معبوده على العرش استقراراً ، وهو مماس للصفحة العليا من العرش.

1

نص ( ابن تيميّة ) : على أن معبوده لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه [ بدل قول ابن كرّام استقراراً قال ابن تيميّة لا يخلو العرش منه ]

2

إنه بجهة فوق ذاتاً وأثبت ابن الهيصم ( المباينة ) و ( الفوقية ) ومن ثم حمل الفوقية على ( العلو ) .

2

قال ابن تيميّة : وجمهور الخلق على أن الله فوق العالم [ المنتقى من منهاج الاعتدال ص117 ] وقال أيضاً : وهو فوق سماواته فوق عرشه بائنٌ من خلقه .[ المنتقى ص81 ] قالوا : إن الله مستوٍ بذاته وبائنٌ عن خلقه [ أنظر العلو للذهبي ص178 ] فأثبتوا  ( المباينة ) و ( الفوقية ) ومن ثم حملوها على ( العلو ) .

3

جواز الانتقال والتحول والنزول على الله سبحانه وتعالى .

3

مع دنوّه ونزوله إلى السماء الدنيا .

4

جواز الإشارة الحسية إلى الله تعالى بالأصابع .

4

جواز الإشارة الحسية إلى الله تعالى بالأصابع .

5

الإدعاء بأن هذا هو مذهب السلف وهو الموافق لنصوص الكتاب والسنة

5

الإدعاء بأن هذا هو مذهب السلف وهو الموافق لنصوص الكتاب والسنة

 

 

هذا ولعل من تتبع هذه المسائل يستطيع أن يخرج بنتائج أفضل مما ذكرت ، وبحثها يحتاج إلى رسالة كاملة لذا أقف عند هذا الحد والله أعلم بالصواب .



 ([1])- انظر مقالات الاسلاميين ، 1/263 ، وشرح المواقف 8/20 .

 ([2])- الملل والنحل / 111،112 .

 ([3])- شرح المواقف ، 8/20 .

 ([4])- أنظر مقالات الإسلاميين 1/257 ، الملل والنحل ، 2/20-21 .

 ([5])- مقالات الإسلاميين  ، 1/257 – 260 . 

 ([6])– مقالات الإسلاميين ، ا/257 ، 260 . 

 

 ([7])- سورة الصافات ، آية 180 - 182

 ([8])- انظر الملل والنحل 2/20-21 ، مقالات الإسلاميين 1/259 .

   * - الوَفرة – بفتح الواو ، وسكون الفاء – الشعر المتجمع على الرأس ، أو ما سال على الأذنين منه ، أو ما جاوز شحمة الأذن ، فإذا زاد على ذلك فهو جُمة – بضم الجيم – ثم لمة .

            تعس هشام ، ومن شايعه على حماقته

 ([9])- انظر الملل والنحل 2/20-21 ، مقالات الإسلاميين 1/259 .

 ([10])- وردت في الملل والنحل ( يعاينونه ) ولعله تصحيف ، وتحريف ، والصحيح ( يعانقونه ) كما  أثبته ، وكما هو في مقالات ألإسلاميين 1/263 ، وشرح المواقف 8/20 .

 ([11])-  أنظر مقالات الإسلاميين 1/258 ، وذكره السمعاني في الأنساب هامش المقالات 1/258 .

 ([12])- الملل والنحل 1/112-113 ، وانظر مقالات الإسلاميين 1/263 ، وشرح المواقف 8/20 .

 ([13])- مقالات الإسلاميين 1/260 .

 ([14])- المصدر السابق نفسه 1/258-259 .

 ([15])- هو محمد بن النعمان ابي جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق ، وافق هشام بن الحكم في بعض افكاره ، وله فرقة تسمى النعمانية أنظر الملل والنحل 2/22 .

 ([16])- أنظر الملل والنحل 2/22 .

 ([17])- أنظر الملل والنحل 2/22 .

 ([18])- سورة الكهف آية 5 .

 ([19])- سنن الترمذي ، 5/34 .

 ([20])- فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني ، 1378هـ ، 1959م ، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ، 1/168 باب قول النبي r رب مبلَّغ أوعى من سامع ، ورد الحديث بلفظ : (( ليبلغ الشاهد الغائب ، فان الشاهد عسى ان يبلَّغ من هو أوعى له منه )) .

([21]) مسند البزار ، 8/342 .

([22])  المستدرك على الصحيحين ، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، 4/512 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1411هـ – 1990 ، وانظر سنن ابن ماجة ، أبو عبد الله القزويني ، 2/1339 ، دار الفكر بيروت ، ط2 ، 1399هـ .

  ([23])  صفوة الصفوة ، أبو الفرج ابن الجوزي ، 1/329 ، دار المعرفة بيروت ، ط2 ، 1399هـ – 1979م .

  ([24] ) مجمع الزوائد ، 1/140 .

 ([25])- فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان ،  الشيخ سلامة القضاعي ، ص10 – 11 .

([26]) الإرمام : الإصلاح ، قال الفيروز آبادي : رَمَّهُ يَرمُّهُ رَمّاً ومَرَمَّةً  أصلحه  .

القاموس المحيط ، للفيروز آبادي ، ص764 باب الميم فصل الراء ، ط سنة 1272هـ .

([27]) أنظر الملل والنحل 1/115-121 .

([28])  شرح المواقف 8/20

([29]) شرح المواقف 8/20

([30]) شرح حديث النزول ، ابن تيمية ، 5/415 ، ط2 ، العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم ، ومناهج المتكلمين ، رسالة دكتوراه ، إعداد د.محمد عياش الكبيسي ، ص55،ط1 مطبعة الحسام بغداد ، 1416هـ/1995م .

([31]) تاريخ المذاهب الإسلامية ص192-193 ، مجموعة الرسائل الكبرى ، لابن تيمية ، ص409

([32]) مجموع الفتاوى لأبن تيمية ، 3/3.

([33]) نحن اقصد أهل السنة والجماعة من أشاعرة وماتريدية

([34]) الاسماء والصفات ، للبيهقي ، ص398 – 399  .

([35]) انظر المصدر السابق ، ص416 – 417 .

([36]) أنظر كتاب هو الله ، ص22 .

([37]) أنظر الأسماء والصفات ، للبيهقي ، تعليق ،ص399 ، وانظر قول الذهبي ، والبخاري في ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي ، 2/469 ، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه ، ط1 ، 1382هـ / 1963م.

            وأيضاً يقول الذهبي في نفس الجزء والصفحة : لعبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس حديث المزن ، والعنان ،  رواه عن سماك بن حرب ، ورواه عن سماك الوليد بن أبي ثور ، وجماعة ، ورواه أيضا يحيى بن العلاء – وهو واه – عن عمه شعيب بن خالد عن سماك . 

([38]) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ، الإمام الحافظ ابن العربي المالكي ، 12/219 ، أبواب التفسير سورة الحاقة ، دار العلم للجميع .

([39]) الحديث الغريب : ‘‘ ما تفرد به واحد ، وقد يكون ثقةً وقد يكون ضعيفاً ولكل حكمه ’’ الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ، للحافظ ابن كثير ، ص167 ، مطبعة الزمان بغداد ، بدون تأريخ .

            وينقسم الحديث الغريب إلى غريب إسناداً لا متناً وإلى غريب إسناداً ومتناً كما إذا انفرد بمتنه راو واحد كما في حديث ( الأوعال ) إذ انفردا به سماك وعبد الله بن عميرة متناً وإسناداً ، وينقسم الغريب إلى صحيح كأفراد الصحيحين ، وإلى غير صحيح وهو الغالب على الغرائب قال الإمام أحمد بن حنبل : لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء ، وقال الإمام مالك : شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس . أنظر الوسيط في علوم ومصطلح الحديث ، محمد بن محمد أبو شهبة ، ص203 ، عالم المعرفة جدة ، ط1 ، 1403هـ – 1983م .

([40]) ميزان الاعتدال ،  2/232-233 .

([41]) عارضة الأحودي بشرح صحيح الترمذي ، 12/218 .

([42])  الأسماء والصفات ، للبيهقي ، تعليق للشيخ الكوثري ، ص416-417 .

([43])  أنظر الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد ، وهي رسالة ماجستير تقدم بها الطالب صهيب محمود السقار إلى مجلس قسم الفكر الإسلامي والدعوة والعقيدة الإسلامية ، في جامعة صدام للعلوم الإسلامية ، من ص144-185 ، 1417هـ – 1997م .

([44])  مجموع الفتاوى ، ابن تيمية ، ص3/25 .

([45])  مناهل العرفان في علوم القرآن ، عبد العظيم الزرقاني ، 2/188 .

([46])  فرقان القرآن ، ص82 عن كتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي .

([47])  انظر تاريخ المذاهب الإسلامية ص194 ، فرقان القرآن ص82 .

([48])  تاريخ المذاهب الإسلامية ، ص194 .