الفصل السادس

الفصل السادس

مرتكب الكبيرة

المبحث الأول : رأي الامام الأشعري (رحمه الله) في مرتكب الكبيرة

 

اقدم للتعريف بهذه المسألة الماحة موجزة عن الايمان :

 

الايمان عند اكثر السلف ( رحمهم الله ) ونفعنا بهم هو : التصديق بالجنان ، والاقرار باللسان  والعمل بالاركان .

 

وفي الشرع عبارة عن تصديق الرسول (ص) بكل ما علم مجيئه به بالضرورة كالصلاة ووجوب الزكاة والصوم والحج والشهادتين وامتثال الواجبات والاجتناب عن المحرمات والمنهيات .

 

وقال الكثير الايمان عبارة عن التصديق القلبي للرسول (ص) بكل ما علم مجيئه به بالضرورة وهذا مذهب السيخ أبي الحسن الاشعري ، والقاضي ابي بكر ، والأستاذ أبي اسحاق وأكثر الأئمة من أهل السنة ’’. ([1])

 

يقول الامام الأشعري (رحمه الله) : ‘‘إن قال قائل : ما الايمان عندكم بالله تعالى؟ قيل له : هو التصديق بالله ، وعلى ذلك اجتماع أهل اللغة التي نزل بها القرآن، قال تعالى : } وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ {  ([2]).

 

 

 

وقال تعالى : } بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ {([3])، فلما كان الايمان في اللغة التي أنزل الله تعالى بها القرآن هو التصديق-قال تعالى : } وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ               كُنَّا صَادِقِينَ {([4])، أي بمصدق لنا وقالوا جميعاً : ( فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة ) يريدون : يصدق بذلك –فوجب([5]) أن يكون الايمان هو ما كان عند أهل اللغة ايماناً هو التصديق.

 

فإن قال قائل : فحدثونا عن الفاسق من أهل القبلة أمؤمن هو؟ قيل له : نعم، مؤمن بايمانه، فاسق بفسقه وكبيرته، وقد أجمع أهل اللغة أن من كان منه ضرب فهو ضارب، ومن كان منه قتل فهو قاتل، ومن كان منه كفر فهو كافر، ومن كان منه فسق فهو فاسق، ومن كان منه تصديق فهو مصدق، وكذلك من كان منه الايمان فهو مؤمن.

ولو كان الفاسق لا مؤمناً ولا كافراً لم يكن منه كفر ولا ايمان، ولكان لا موحداً ولا ملحداً، ولا ولياً ولا عدواً، فلما استحال ذلك استحال أن يكون الفاسق لا مؤمناً ولا كافراً كما قالت المعتزلة.

 

وأيضاً فإذا كان الفاسق مؤمناً قبل فسقه بتوحيده فحدوث الزنا بعد التوحيد لا يبطل اسم الايمان الذي لم يفارقه.

 

وأيضاً فقد كان الناس قبل حدوث واصل بن عطاء رئيس المعتزلة على مقالتين : منهم خوارج يكفرون مرتكبي الكبائر ومنهم أهل استقامة يقولون هو مؤمن بايمانه، فاسق بكبيرته، ولم يقل منهم قائل أنه ليس بمؤمن ولا كافر قبل حدوث واصل بن عطاء حتى اعتزل واصل الأمة وخرج عن قولها، فسمي معتزلياً بمخالفته الاجماع فبعد عن الاجماع قوله وما اتفق المسلمون عليه من أن العاصي من أهل القبلة لا يخلو من أن يكون مؤمناً أو كافراً يقضي ببطلان قوله’’([6]).

من النص المتقدم للامام الأشعري (رحمه الله) يتضح لنا رأيه بلا لبس ولا غموض من أن مرتكب الكبيرة مؤمن بايمانه مع كونه فاسق بكبيرته خلافاً للخوارج القائلين بكفر مرتكب الكبيرة والمعتزلة القائلين بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين فنجد أن الامام الأشعري قد توسط في هذه المسألة أيضاً وتوسطه هذا لا عن هوى نفسه وإنما يستند الى الأدلة النقلية والعقلية ونقض آراء الخصوم بالحجة والبرهان.

 

ولا سيما أن أهل السنة لهم من الأدلة النقلية على أن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق الشيء الكثير منها :

أ-مجموعة الآيات والأحاديث الناطقة باطلاق المؤمن على العاصي ، كقوله تعالى :     } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى {([7])، وقوله تعالى :              } وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا {([8])،وقوله : } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى        اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا {([9]).

 

ب-قوله سبحانه وتعالى : } فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه {([10]).

 

قالوا : إن هذه الآية تدل على عدم خلودهم في النار، لأن نفس الايمان عمل خير لا يمكن أن يرى جزاءه قبل دخول النار ثم يدخل النار فيخلد لأنه باطل بالاجماع، فيتعين إذن أن يكون جزاءه على الايمان بعد خروجه من النار، فإذا ثبت أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار فلا يصح أن يسمى كافراً لأنه لا خلاف في أن الكافر مخلد في النار.

ج-اجماع الأمة من عصر النبي  r الى يومنا هذا على الصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة ، والدعاء والاستغفار لهم، ودفنهم في مقابر المسلمين مع العلم بارتكابهم الكبائر بعد الاتفاق على أن ذلك لا يجوز لغير المؤمن([11]).

 

المبحث الثاني : آراء باقي الفرق الاسلامية في مرتكب الكبيرة

 

أولاً : رأي الخوارج

 

يرى الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر وسبب ذلك أنهم أول من خرج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم جماعة ممن كان معه في حرب صفين.

 

وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي رضي الله عنهما رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي الى مافيها فقال الناس قد رضينا واخر القضاء الى رمضان فقال عروة بن اذينة تحكمون في امر الله الرجال لا حكم الا لله ، ورجع علي من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج فاتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر الفاً .

 

واشدهم خروجاً عليه ومروقاً من الدين الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي حين قالوا : القوم يدعوننا الى كتاب الله وأنت تدعونا الى السيف حتى قال أنا أعلم بما في كتاب الله انفروا الى بقية الأحزاب انفروا الى من يقول كذب الله ورسوله وأنتم تقولون صدق الله ورسوله قالوا : لترجعن الأشتر عن قتال المسلمين وإلا لنفعلن بك كما فعلنا بعثمان فاضطر الى رد الأشتر بعد أن هزم الجمع وولوا مدبرين فامتثل الأشتر أمره.

 

ثم إن الخوارج حملوه على التحكيم ثم خرجت الخوارج عليه وقالوا لم حكمت الرجال لا حكم إلا لله وقد كذبوا على الامام علي رضي الله عنه من وجهين أحدها التحكيم أنه حكم الرجال وليس ذلك صدقاً لأنهم الذين حملوه على التحكيم.

 

والثاني أن تحكيم الرجال جائز فإن القوم هم الحاكمون في هذه المسألة وهم رجال ولذا قال عليه السلام كلمة حق أريد بها باطل وتخطوا عن التخطئة الى التكفير ولعنوا عليا u وطعنوا في عثمان t  للأحداث التي عدوها عليه وطعنوا في أصحاب الجمل وأصحاب صفين فقاتلهم الامام علي t  بالنهروان مقاتلة شديدة فما أنفلت منهم إلا أقل من عشرة وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة فانهزم اثنان الى عمان واثنان الى سجستان واثنان الى الجزيرة وواحد الى تل هورون باليمن فظهرت بدع الخوارج في هذا المواضع منهم.

 

اعتبر الخوارج الامام علياً t مرتكباً لكبيرة بتحكيمه الرجال وبذلك أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ومن هذه الحادثة جاء رأيهم في تكفير مرتكب الكبيرة([12]).

 

والشراة من الخوارج كلهم يكفرون أصحاب المعاصي ومن خالفهم في مذهبهم مع اختلاف أقاويلهم ومذاهبهم… ويكفرون أصحاب المعاصي في الصغائر والكبائر([13]).

 

 

أدلة الخوارج على كفر مرتكب الكبيرة ورد الأشاعرة عليهم :

 

الأول : النصوص الناطقة بكفر العصاة كقوله تعالى : } وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ {([14]).

 

قالوا : إن كلمة (من) عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله فيدخل فيه الفاسق المصدق.

 

والجواب : إن الحكم بالشيء هو التصديق به، ولا نزاع في كفر  من لم يصدق بما أنزل الله تعالى وهناك فرق بين من يرتكب المعاصي ولكنه مصدق بأنها معاص، وبين من يرتكبها ويخالف من أنزل الله غير مصدق بحقيقته فالآية الكريمة تخص هؤلاء الذين يرتكبون المعاصي مستحلين لها غير معتقدين بحرمتها.

 

وكذلك من النصوص الدالة على كفر العصاة التي احتجوا بها قوله تعالى  :    } وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ { ([15])، حيث حصر الفسق في الكافر، فيكون كل فاسق كافراً.

 

وكذلك قوله تعالى في تارك الحج : } وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ  {([16]) حيث يدل على أن ترك الحج كفر.

 

وكذلك تمسكهم بقولهr : (( من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر ))([17])            وقوله : (( من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً ))([18]).

والجواب : إن هذه النصوص ينبغي أن لا يتمسك بظاهرها وذلك للنصوص الناطقة بأن مرتكب الكبيرة ليس بكافر واجماع المسلمين منعقد على ذلك.

        ومع ذلك فإن هذه النصوص التي تشبث بها الخوارج تحتمل تأويلات مناسبة حتى لا تتعارض مع الأدلة الناطقة بعدم كفر مرتكب الكبيرة، فمثلاً يمكن أن يقال : إن حصر الفسق في الكافر في قوله تعالى : } وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِك هُمْ الْفَاسِقُونَ {  جاء على سبيل المبالغة أي إن الذين كفروا بعد الايمان هم الفاسقون الموغلون في الفسق والمتمردون المنهمكون في الكفر كأن غيرهم من الفساق لا يعتبرون فساقاً بالنظر الى فسق هؤلاء الذين كفروا بعد الايمان وذلك للقطع بأن الفسق لا ينحصر فقط في كفر بعد الايمان بل يشمله وغيره من الفساق.

 

وكذلك نقول في التعبير عن ترك الحج بالكفر بأن الغرض استعظام له ، وتغليظ في الوعد عليه وكأن مراد الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا أن الحج شعار من شعائر الاسلام فلا يجوز للمسلمين أن يتركوه وتركه لا يليق إلا بالكفار، أو إن المقصود من قوله تعالى : ( ومن كفر ) من جحد وجوب الحج أي تركه جاحداً وجوبه فعندئذ لا خلاف في كفره.

 

وكذلك القول في الحديث الوارد وفي ترك الصلاة عمداً يقصد به من ترك الصلاة مستحلاً تركها ، فلا نزاع عندئذ في كفره.

 

فلما كانت هذه النصوص محتملة لهذه التأويلات الصحيحة فلا يجوز للخوارج التمسك بظواهرها، لأن ما تطرق اليه الاحتمال سقط به  الاستدلال ، كما هو مقرر عند الأصوليين .

 

 

 

الثاني : قوله تعالى : } وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ {([19]) قالوا إن هذه الآية تدل على أن كل من يجازى فهو كافر، وصاحب الكبيرة ممن يجازى لقوله تعالى : } وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا {([20]) فيكون كافراً.

 

الجواب : إن هذه الآية الكريمة أيضاً ينبغي أن يترك ظاهرها، لأن ظاهرها حصر الجزاء في الكفور وهو متروك قطعاً إذ يجازى غير الكفور وهو المثاب لأن الجزاء يعم الثواب والعقاب.

 

الثالث : قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون : } إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى {([21]).

 

قالوا : إن هذا النص يدل على انحصار العذاب في المكذب وهو كافر ولا شك أن الفاسق معذب لما ورد فيه من الوعيد.

 

الجواب : إن هذا أيضاً متروك الظاهر ، وذلك للاجماع على عذاب شارب الخمر والزاني، وآكل الربا، وغيرهم مع إنهم غير مكذبين لله تعالى الى آخر ما استدل به الخوارج وقد رد عليهم أهل السنة من الأشاعرة بما أسكتهم([22]).

 

ثانياً : رأي الحسن البصري ( رحمه الله )

 

يرى الامام الحسن البصري (رحمه الله) أن مرتكب الكبيرة منافق ليس بمؤمن ولا كافر صريح بل هو منافق يظهر الاسلام ويبطن الكفر، وقد استدل على ذلك بوجهين نقل وعقلي :

الدليل النقلي قوله y: (( آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا أئتمن خان ))([23]) ويجاب عن هذا بأن هذا الحديث ينبغي أن يترك ظاهره، لأن من وعد غيره أن يخلع عليه خلعة نفيسة ثم أخلفه لم يخرج بذلك عن الايمان الى النفاق اجماعاً ألا ترى أن أخوة يوسف وعدوا أباهم أن يحفظوا فأخلفوا، وائتمنهم أبوهم فخانوا، وكذبوا في قولهم فأكله الذئب ومع ذلك ما كانوا منافقين اتفاقاً، على أن العلامة الدالة على شيء قد لا تكون قطعية الدلالة ،وذلك لجواز تخلف المدلول عنها.

 

الدليل العقلي : وهو من اعتقد من العقلاء أن في هذا الجحر حية لم يدخل يده فيه فإذا زعم ذلك ثم أدخل يده فيه علم أنه قاله لا عن اعتقاد.

 

وقد يجاب عن هذا أيضاً بأن مضرة الحية عاجلة محققة بخلاف عقوبة الذنب لأنها آجلة غير محققة.

 

إذ إن صاحب المعصية وإن كان يخاف العذاب لكنه يرجو الرحمة ويأمل أن يوفق الى التوبة أو إنه يلهيه عن آجل العقوبة عاجل اللذة بخلاف حديث الجحر والحية([24]).

 

ثالثاً : رأي المعتزلة.

 

يتجلى رأي المعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة من القصة الشهيرة والتي هي مبدأ وسبب رأيهم في هذه المسألة وهي : ‘‘إنه دخل رجل على الحسن البصري فقال يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجؤون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الايمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الايمان ولا يضر مع الايمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً فتفكر الحسن البصري في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر مطلق بل هو في منزلة بين المنزلتين لامؤمن ولاكافر ثم قام واعتزل الى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن اعتزل عنا واصل فسمي هو وأصحابه معتزلة ’’([25]).

 

واحتج المعتزلة على قولهم بالمنزلة بين المنزلتين بأن الأمة بجميع فرقها متفقة على أن صاحب الكبيرة فاسق، ولكنهم مختلفون في ماعداها من الأسماء، فالخوارج تسميه كافراً أو فاسقاً والمرجئة تسميه مؤمناً فاسقاً، والشيعة فاسقاً كافر نعمة، والحسن البصري يسميه منافقاً فاسقاً فأجمعوا إذن على تسمية مرتكب الكبيرة بالفسق، فنأخذ بالمتفق عليه، ونترك المختلف فيه.

 

وقد اجيبوا من قبل الأشاعرة بأنكم لم تأخذوا بالمتفق عليه –كما تدعون- لأن المتفق عليه بين فرق الأمة هو أن مرتكب الكبيرة أما مؤمن –كما هو عند جمهور أهل السنة- أو كافر كفر اعتقاد كما هو عند الخوارج –أو كفر نعمة- كما هو عند الشيعة ولم يقل أحد منهم بالواسطة بين الكفر والايمان فقد أحدثتم قولاً مخالفاً لما أجمع عليه السلف من عدم المنزلة بين المنزلتين، فلا وجه إذن لادعائكم بأنكم موافقون لما اجمعت عليه الأمة([26]).

 

واحتج واصل بن عطاء : ‘‘ووجه تقريره أنه قال : إن الايمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمناً وهو اسم مدح والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا يستحق اسم المدح فلا يسمى مؤمناً، وليس هو بكافر مطلق أيضاً لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجود فيه لا وجه لانكارها لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالداً فيها إذ ليس في الآخرة إلا الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد’’([27]).

 

والجواب : إن الكمال المطلق لله تعالى فيجوز أن يكون المؤمن مع ايمانه عاصياً فاسقاً ولا يستجمع كل خصال الخير والرسول r حينما سؤل أيزني الزاني وهو مؤمن قال لا يزني الزاني وهو مؤمن هذا الحديث لا يحمل على ظاهره والمقصود والله أعلم أن الزاني ترتفع عنه رتبة الايمان حال الزنى فقط وتعود اليه بعد ذلك، لأن رتبة الايمان لو رفعت عن الزاني أو مرتكب الكبيرة مطلقاً لكان حكمه حكم المرتد والشريعة الاسلامية حددت لكل جريمة من زنى وغيره عقوبة وحد فإن الزنا مثلاً عقوبته الرجم للمحصن أي المتزوج والجلد لغير المحصن، وهي ليست عقوبة المرتد وهي القتل مطلقاً إذا لم يتب ويرجع الى الايمان وأيضاً نجد إن واصل بن عطاء قد تخبط ولم يستطع أن يحدد هل إن مرتكب الكبيرة كافر أم مؤمن، لذلك قال بالمنزلة بين المنزلتين ظناً منه أن التوسط هو الحل في هذه المسألة وهو بهذا قد جمع بين النقيضين الكفر والايمان.

 

المبحث الثالث : موازنة بين رأي الامام الأشعري (رحمه الله) وآراء باقي  الفرق الاسلامية في مسألة مرتكب الكبيرة

 

مما تقدم وبعد المقارنة والموازنة بين الآراء نجد ان الامام الأشعري (رحمه الله) قد توسط بين الطرق كما هو شأنه في سائر المسائل وخاصة المسائل التي استعرضها في هذه الرسالة وتوسطه ليس جمعاً للآراء والخروج برأي وسط وإلا لكان المعتزلة هم المتوسطون في هذه المسألة بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين وإن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، ولكن تبين لنا عند مناقشة رأي المعتزلة إن قولهم بالمنزلة بين المنزلتين وإن كان متوسطاً ولكنه مخالف للنصوص النقلية ومخالف لبديهة العقل حيث انه جمع للنقيضين ومن المسلم في المنطق ان النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان .

  فتوسط الإمام الأشعري ( رحمه الله ) مبني على التوفيق بين النقل والعقل فهو بقوله أن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق قد استند إلى الأدلة النقلية والعقلية كما بينت في المبحث الأول من هذا الفصل .

 

وبالإضافة إلى الأدلة التي ذكرتها فهناك دليل من السنة حيث أخرج الإمام البخاري ( رحمه الله ) حديثاً للرسول y يقول فيه : (( ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قال ابو ذر : قلت : وإن زنى وإن سرق قال : وإن زنى وإن سرق قلت: وإن زنى وإن سرق قال : وإن زنى وإن سرق : قلت وإن زنى وإن سرق قال : وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر )) ([28])

 

وهذا نص صريح للرسول y بأن مرتكب الكبيرة لا يكفر بكبيرته اذا مات على التوحيد ولا يخلد في النار .

 

‘‘ وصاحب الكبيرة اذا خرج من الدنيا من غير توبة حكمه إلى الله اما ان يغفر له برحمته و يشفع له رسول الله  y واما ان يعذبه بعدله ثم يدخل الجنة برحمته ولا يخلد في النار مؤمن يقول الإمام الأشعري ( رحمه الله ) : ولا اقول انه يجب على الله سبحانه قبول توبته بحكم العقل لأنه هو الموجب ولا يجب عليه شيء أصلاً بل قد ورد السمع بقبول توبة التائبين و إجابة دعوة المضطرين وهو المالك لخلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلو ادخل الخلائق بأجمعهم النار لم يكن جورا ولو أدخلهم الجنة لم يكن حيفاً ولا يتصور منه ظلم ولا ينسب إليه جور لانه المالك المطلق ’’([29])

 

أما زعم الخوارج بان مرتكب الكبيرة كافر فمردود ؛ لأن المؤمن اذا ارتكب كبيرة غير مستحل لارتكابها لا يخرج بذلك عن الإيمان ، وذلك لأن الإيمان هو التصديق والإذعان بالقلب ولا يزول إلا بنقيضه او ضده ولا بعمل الجوارح إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان  .

فلا جرم ان جاء رأي الإمام الأشعري ( رحمه الله ) صوابا وموافقاً للمنقول والمعقول حيث إن المرجئة قالت : ‘‘ من اخلص لله سبحانه وتعالى مرةً في إيمانه لا يكفر بارتداد ولا كفر ولا يكتب عليه كبيرة قط ، وقالت المعتزلة إن صاحب الكبيرة مع إيمانه وطاعته مائة سنة لا يخرج من النار قط فسلك t  طريقة بينهما وقال المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله إن شاء عفى عنه وادخله الجنة و إن شاء عاقبه بفسقه ثم ادخله الجنة فأما عقوبة متصلة مؤبدة فلا تجازى بها كبيرة منفصلة .’’([30])

 

ورأيه هذه هو بعينه رأي أهل السنة والجماعة حيث إنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه ، كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر .

 ويقرون بشفاعة رسول الله (ص) وإنها لأهل الكبائر من أمته .

 

ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء ، ويقولون : أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم . ([31])

 

 

اللهم اغفر لنا وارحمنا انت مولانا نعم المولى ونعم النصير .

 

وصلى الله على سيدنا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 



([1]) أشرف الوسائل في تحقيق أدق المسائل ، رسالة طريق السلامة، الشيخ السيد محمد أبو الهدى الصيادي الرفاعي ص66، ط1، 1389هـ.

([2]) سورة ابراهيم ، الآية 4.

([3]) سورة الشعراء ، الآية 195.

([4]) سورة يوسف ، الآية 17.

([5]) (فوجب) وهي جواب لقوله : (فلما كان الايمان ….. الخ).

([6]) اللمع ، ص123-124.

([7]) سورة البقرة ، الآية 178.

([8]) سورة الحجرات ، الآية 9.

([9]) سورة التحريم ، الآية 8.

([10]) سورة الزلزلة ، الآية 7-8.

([11]) انظر دراسة في مبحث الاسماء والاحكام أعدها الدكتور محمد رمضان عبد الله نشرت في مجلة الرسالة الاسلامية الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في الجمهورية العراقية ص 185، السنة الرابعة عشرة 1404هـ.

([12]) انظر مقالات الاسلاميين ، 1/156، الملل والنحل 1/123-126، تلبيس إبليس ، ابن الجوزي ص96، الغلو والفرق الغالية في الحضارة الاسلامية د.عبد الله سلوم السامرائي، ص112 ، ط2، دار واسط للنشر، لندن – بغداد 1982م.

([13]) التنبه والرد على أهل الأهواء والبدع ، لأبي محمد الملطي الشافعي، قدم له وعلق عليه محمد زاهد الكوثري، ص47، 1388-1968م.

([14]) سورة المائدة ، الآية 44.

([15]) سورة النور ، الآية 55.

([16]) سورة آل عمران، الآية 97.

([17]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن باب الصبر على البلاء 2/388.

([18]) أخرجه الترمذي كتاب الحج باب التغليظ في ترك الحج 3/176.

([19]) سورة سبأ ، الآية 17.

([20]) سورة النساء، الآية 93.

([21]) سورة طه، الآية 48.

([22]) انظر شرح المواقف 8/335-337، دراسة في مبحث الأسماء والأحكام، مجلة الرسالة الاسلامية ص 186-190.

([23])  صحيح البخاري ، 1/21 .

([24]) انظر شرح المواقف 8/338، دراسة في مبحث الأسماء والأحكام، مجلة الرسالة الاسلامية ص 190-191.

([25]) الملل والنحل ، 1/55.

([26]) شرح المواقف 8/339، دراسة في مبحث الأسماء والأحكام، مجلة الرسالة الاسلامية ص185-186.

([27]) الملل والنحل ، 1/55-56.

([28])  صحيح مسلم ، 1/94 .

([29])  الخطط ، للمقريزي ، 2/390 .

([30])  تبين كذب المفتري ، ص151 .

([31])  انظر مقالات الإسلاميين ، 1/322 .

Comments