ذكرياتي مع الشيخ الشهيد شوكت غالب العاني

 

 

 

الشيخ شوكت غالب صعب العاني ، تعرفت عليه أول مرة حين جاء إماما وخطيبا لجامع الرحمن في مجمع العامرية السكني ( الفلوجة ) ، عام / 1995 . والمجمع يضم 3000 وحدة سكنية ، وفيه جامع واحد فقط ،اغلب سكانه من موظفي الدولة وهم من جميع مدن العراق ، جمعهم العمل الوظيفي ، وأطلق البعض على المجمع صفة ( عراق مصغر ) لكونه يمثل شريحة منوعة لجميع مكونات الشعب العراقي بقومياته وطوائفه وأديانه وأصوله ، وكان الشيخ رحمه الله ذو شخصية قيادية نادرة استطاع التعايش مع الجميع ، خاصة وان الجامع كان مرجعا للجميع بطوائفهم ومشاربهم . واستطاع الحفاظ على هذا الكيان المتنوع بكفاءة في اشد الظروف حراجة ، استشهد رحمه الله وهو في طريق عودته إلى داره بعد أدائه لصلاة العشاء في  22/4 /2006 ، وهذه بعض ذكرياتي معه ، واخترت من ذكرياتي ما يظهر روح الفكاهة المعروفة عنه رغم شخصيته الجادة والمهيبة :-

يجوز أم لا يجوز

يقول الشيخ رحمه الله تعالى جاءني يوما شاب يسأل عن مسألة فقهية فقلت له إن السادة الحنفية يقولون في هذه المسألة كذا ، ويقول السادة الشافعية كذا ويقول آخرون كذا ( وكان الشيخ رحمه الله ذو باع طويل في الفقه واجتهاداته ) فنظر إلى الشاب بتعجب وقال بغضب وبلهجته العامية ( شيخ آني ياهي مالتي كلي يجوز لو ميجوز ؟ ) . يقول الشيخ : فتبسمت وأفتيته بالقول الراجح عندي .

 

الزواج من خمس نساء

يقول الشيخ رحمه الله تعالى جاءني يوما رجل كبير السن من قرى عامرية الفلوجة ( عشيرة البو عيسى ) وقال لي بلهجته العامية : ( شيخ يصير واحد يتزوج خمس نساء ؟ ) فقلت له : ( لا ميصير ! ) ، فقال لي : ( شيخ اشو آني سويتها وصارت !!!!)  .

 

ميت متعاون

في منهاج إحدى ليالي القدر التي اعتاد الشيخ على إحيائها في مسجده بالمجمع ، تكلم الشيخ موعظة قيمة عن الموت ، ثم طلب من احد الأطباء الحاضرين أن يتكلم عن الموت من الناحية الطبية والفسيولوجية ، بعدها طلب من زميله الشيخ محمد عمير ؛ أن يقدم للحاضرين شرحا عمليا عن كيفية تغسيل وتكفين الميت ( وكان قد اعد كفنا ومستلزماته للتوضيح ) وتطوع احد الحاضرين ليمثل دور الميت ، وبينما كان الحضور في جو من الرهبة في تلك الساعة المتأخرة من الليل وهم يشاهدون هذا الحال الذي سنؤول إليه جميعا ، انتبه الشيخ إلى إن الشخص الذي يقوم بدور الميت يحرك نفسه بمطاوعة لمغسله ، فاستغل الشيخ ذلك ليخفف على الحاضرين رهبة المشهد ، فعلق وبروحه المرحة قائلاً : ما شاء الله هذا الميت متعاون !! فاضحك الجميع .

   

مدح أم ذم ؟

 في آخر يوم لي في مجمع العامرية السكني زارني الشيخ شوكت عليه رحمة الله لتوديعي وكان ذلك في العام 2002 ( و قبل أحداث العراق المعروفة ) وبعد صحبتي له لأكثر من سبع سنوات ، فقال : أريد أن اعرف رأيك فيَ ؟ ، فقلت له : أنت شخص تملك المقدرة على  التعايش مع الجميع ! ، فقال بأسلوبه الذكي وبين الإنكار والاستفهام : هل هذا مدح أم ذم ؟

 

  فقلت : لا والله ما قصدت إلا المدح ، فنحن المهندسين نعلم إن لكل منظومة نقطة اشتغال توافقية يحددها مجمل المتغيرات والعناصر التي تحتويها المنظومة تسمى نقطة الـ  ( operation point) فإذا عرف مهندس التشغيل هذه النقطة أمكنه تشغيل المنظومة المسؤول عنها لتحقق أفضل أداء لها . وأنت كذلك تملك المقدرة على تفهم جميع الأشخاص الذين تعايشهم ، وتفهم مشاربهم وقناعاتهم ولذلك تستطيع التفاعل والتعايش مع الجميع دون أن تعطل شخصا عن أداء دوره ولا تعطي أحدا مساحة تفوق على مقدرته ودوره .

______________________________________

   لقد اثبت الشيخ مقدرة رائعة في التصرف في اشد الظروف حراجة وذلك يوم سقوط النظام ، فقد  تولى إدارة المجمع السكني وأعاد أجهزة الشرطة والدوائر الخدمية إلى عملها في الوقت الذي لم يبق في العراق كله شرطي واحد ولا دائرة واحدة تؤدي عملا . كما حافظ على المنشات الحكومية القريبة من المجمع ووضع عليها الحراسات التي منعت سرقتها والعبث بها . لقد كان شخصية دينية وشخصية قيادية نادرة الوجود .

 

رحم الله الشيخ الشهيد ونسال الله تعالى أن لا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده .